إسلام ويب

تفسير سورة طه (17)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أخبر الله عز وجل نبيه أن الكافرين المعاندين سيجادلونه فيما جاءهم به في الحق، وسيطلبون منه أن يأتيهم بآيات كما أتى الرسل الأولون أقوامهم بالآيات؛ ولكنهم لم يتعظوا بحال من سبقهم ممن جاءتهم الآيات فكذبوا بها وجحدوها، ولو أصابهم الله بعذاب لتمنوا أن لو أتاهم نبي ينذرهم ذلك، فوجه الله نبيه إلى أن يخبرهم أن اليوم الآخر هو الفصل بينه وبينهم، يوم يعلمون أنه ومن تبعه كانوا أصحاب الصراط المستقيم، وأن المعرضين هم أصحاب الجحيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) .

    وها نحن مع سورة طه المكية، فهيا بنا نصغي لنستمع تلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس.

    قال تعالى: وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى * وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى * قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى [طه:133-135].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ [طه:133] من القائل؟ إنهم كفار قريش، المشركون في مكة، والسورة مكية، ماذا قالوا؟

    قالوا ما أخبر به تعالى به عنهم: وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ [طه:133] كآية موسى، أو كآية عيسى، أو صالح.

    لم لا يأتينا بآية تدل على أنه رسول الله؟ أي: معجزة من المعجزات.

    قال تعالى في الرد على هذه النظرية الباطلة: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى [طه:133]؟

    الصحف الأولى: التوراة والإنجيل والزبور، جاءتهم بينات تلك الصحف في القرآن الكريم، فقد عرض تعالى قصة صالح مع ثمود، قصة هود مع عاد، قصة مدين مع شعيب، وهكذا جاءهم وعرفوا ولكن أبوا أن يؤمنوا إصراراً على الكفر والعناد والشرك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا لولا أرسلت إلينا رسولاً ...)

    ثم قال تعالى: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [طه:134].

    وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ [طه:134] كما أهلكنا عاداً وثمود والمؤتفكات ومدين مِنْ قَبْلِهِ [طه:134] أي: من قبل نبوة رسولنا وإرساله إليهم محمد صلى الله عليه وسلم.

    وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ [طه:134] من قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وما جاءهم رسول لقالوا يوم القيامة: رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ [طه:134] في العذاب وَنَخْزَى [طه:134].

    لو أن الله عز وجل ما أرسل إليهم رسولاً وأهلكهم لقالوا يوم القيامة: ربنا! هلا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى في جهنم؟‍!

    ولكن الله قطع الحجة عليهم وأرسل رسوله، وهنا اسمعوا حديث الحبيب صلى الله عليه وسلم كما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أحد الأصحاب الكرام، ويحتج به على الله يوم القيامة ثلاثة: الهالك في الفترة كالعرب لو ماتوا وهلكوا قبل أن يبعث الله فيهم رسوله، والمغلوب عن عقله، فاقد العقل، والصبي الصغير، فهؤلاء ثلاث أصناف: أهل الفترة، فاقدو العقول، الأطفال الصغار من أولاد المشركين، ثلاثة. هؤلاء فيقول المغلوب على عقله الذي لا عقل له: لم لم تجعل لي عقلاً أنتفع به؟ في عرصات القيامة هذا، ويقول الهالك في الفترة: لم لم يأتني رسول ولا نبي؟ ولو أتاني لك رسول أو نبي لكنت أطوع خلقك إليك! وقرأ صلى الله عليه وسلم: لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا [طه:134] الآية.

    ويقول الصبي الصغير: كنت صغيراً لا أعقل. قال: ( فترفع لهم نار ) فترفع لهم في عرصات القيامة في الساعة نار أمامهم ( ويقال لهم: ردوها ) أي: ادخلوها. قال: ( فيردها من كان في علم الله أنه سعيد ) من كان في علم الله أنه لو تم عقله أو جاءه رسول أو بلغ سن التكليف لكان يجيب دعوة الله ويؤمن ويسلم ويعمل الصالحات، فهذا يريد أن يدخل النار ثم يصرف عنها.

    ( ويتلكأ عنها من كان في علم الله أنه شقي، فيقول: إياي عصيتم فكيف برسلي لو أتتكم؟ ) . رواه ابن جرير في تفسيره.

    نعود إلى الآية الكريمة: قوله تعالى عنهم: وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ [طه:133] أي: معجزة خارقة للعادة ليؤمنوا، ذكرهم تعالى بما في كتابه العزيز مع أن القرآن والله لأعظم آية من الناقة ألف مرة! ومن عصا موسى، ومن إحياء عيسى للموتى! القرآن أعظم آية، ليس بعده آية.

    أمي لا يقرأ ولا يكتب يعيش أربعين سنة ثم يتكلم بعلوم الأولين والآخرين في الملكوت الأعلى والأرض.

    أي معجزة أكبر من هذه؟!

    قال تعالى: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى [طه:133] أين جاءتهم؟ في القرآن الكريم.

    وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ [طه:134] أي: قبل رسولنا وإرسالنا إليهم إياه لَقَالُوا [طه:134] يوم القيامة: رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا [طه:134] هلا أرسلت إلينا رسولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ [طه:134] في عذاب جهنم وَنَخْزَى [طه:134].

    هنا أورد ابن جرير الطبري حديث أبي سعيد الخدري ، هذا في عرصات القيامة الناس ثلاثة أصناف:

    أولاً : من لا عقل له مجانين.

    ثانياً: من عاشوا في فترة ما فيها نبوة ولا رسالة.

    ثالثاً: الأطفال الصغار أولاد المشركين من الرضيع إلى قبل البلوغ.

    هؤلاء يحتجون على الله يوم القيامة، فاقد العقل يقول: لو أعطيتني عقلاً لفعلت وفعلت.

    والذي مات في وقت ليس فيه نبوة يقول: لو أرسلت إلي رسولاً وجاءني كتابك لأطعتك وكذا وكذا.

    والصبي يقول: لو بلغت وعرفت لكنت أؤمن وأتبع الرسول وأطيع، فيظهر تعالى لهم ناراً تلوح في الأفق أمامهم، ويقال: ادخلوها، فمن كان مستعداً للإيمان والإسلام والعمل الصالح من أهل الفترة يقول: بسم الله طاعة لله، يمشي إلى النار ويخالف به إلى الجنة.

    وذوو العقول المفقودة الذين كانوا لو كانت لهم عقول كانوا يؤمنون ويسلمون ويعملون الصالحات يجيبون: بسم الله طاعة لله، فيخالف بهم إلى الجنة.

    والأطفال الصغار أولاد المشركين علم الله قبل أن يخلقهم مصيرهم، فمن كان منهم مستعداً ليعبد الله ويطيعه يقول: مرحباً بإذن الله ويخالف به إلى الجنة.

    ومن كتب الله شقاوته لعلمه أنه لو بعث إليهم رسولاً ما آمنوا به كما مضى في الأمم، لو أعطاه عقلاً ما كان إلا يسخر ويضحك به، لو بلغ الصبي سن الرشد ما كان ليؤمن، كما تشاهدون أولاد اليهود والنصارى، هؤلاء يدخلون جهنم رغم أنوفهم.

    هذه الآية الكريمة تدل على هذا: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ [طه:134] أي: قبل النبي صلى الله عليه وسلم لقالوا متى؟ يوم القيامة: رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [طه:134] في جهنم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ...)

    والآن يقول تعالى: قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى [طه:135].

    قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ [طه:135] قل لهم يا رسولنا كُلٌّ [طه:135] منا أنا وأنتم مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا [طه:135] وهذا يتفق مع الآية الأولى: وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى [طه:133] ،.

    قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا [طه:135] ما دمتم أبيتم الإيمان وكفرتم بالإسلام فتربصوا والجملة في الوسط معترضة.

    قُلْ كُلٌّ [طه:135] أنا وأنتم مُتَرَبِّصٌ [طه:135] أي: منتظر في المستقبل فَتَرَبَّصُوا فستعلمون [طه:135] يقيناً مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى [طه:135] وما ضل.

    هذا يصلح في الدنيا، لما نصر الله إسلامه ودينه وعباده تجلت الحقيقة، وظهر أن محمداً كان على حق هو وأصحابه، وأن الكافرين كانوا على باطل.

    ثانياً: يوم القيامة سوف يعلمون من أصحاب الصراط والطريق المستقيم الذي يؤدي إلى العبادة، ومن اهتدى ممن ضل وبعد عن الطريق.

    1.   

    بدعة الاحتفال بالمولد النبوي

    معاشر المستمعين والمستمعات! الليلة ليلة ماذا؟ المولد، فهيا بنا نتحدث عن المولد! غداً المولد صباح الإثنين ووافق يوم الإثنين أيضاً، عجيبة أخرى.

    ماذا نفعل يرحمكم الله؟ غداً إن شاء الله المولد، فماذا نفعل؟! نصلي كصلاة العيد؟!

    نخرج إلى البر أو نصلي في المسجد جماعة؟!

    الجواب: لا. ماذا نصنع؟! نعكف في المسجد؟! ماذا نفعل؟!

    إذاً: والله العظيم ما وجدنا ما نفعل يوم الإثنين غداً إلا ما كنا نفعله طوال السنة، واعلموا وأقسم بالله لقد عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وعاش أولادهم وأحفادهم والأئمة الأربعة في قرنهم الثالث ووالله ما عرفوا هذا المولد، ولا فعلوا شيئاً، لا ذبائح ولا أموال ولا بخور ولا صراخ ولا أغاني ولا شيء أبداً والله العظيم!

    وذا لا ينكره أحد من أهل التاريخ، فالذي ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأحفادهم وما عرفه أئمة الإسلام: أبو حنيفة الإمام الأعظم ومالك والشافعي تلميذه، وأحمد تلميذ الشافعي ، هؤلاء الأقطاب الأربعة ما عرفوا مولداً ولا سمعوا به أبداً.

    أبعد هذا يبتدع المبتدعة على الناس ويأتون يكفرون من لم يحتفل ويقول به؟

    ويقولون: يكره الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم، فهو كافر!

    أمر عظيم لا يطاق، بالإجماع أن المولد لم يحدث إلا في آخر القرن الرابع، والقرون الذهبية ثلاثة، والتي قال فيها الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ) ما عرفوا مولداً.

    المولد سنة إذا ولد لك ولد يوم السابع تذبح شاتين إن كان ذكراً، أو شاة إن كانت بنتاً، وإن عجزت يوم السابع فيوم الرابع عشر، وإن عجزت يوم الرابع عشر فيوم الواحد والعشرين.. ثلاثة أسابيع.

    هذه سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد عق الرسول عن أولاده. هذه هي العقيقة، هذه مشروعة!

    ماذا نقول في المولد؟ نكذب على الله وعلى رسوله.

    واعلموا أن العبادة التي تعبدنا الله بها سرها والحكمة منها: تزكية النفس البشرية وتطهيرها: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].

    العبادة التي شرعها الله تعالى في كتابه أو على لسان رسوله السر فيها والحكمة منها: أنها تطهر النفس البشرية، هذه العبادة يستحيل أن يشرعها غير الله ورسوله، وتزكي النفس وتطهرها، مستحيل، لو تخترع، لو تبتدع ألف عبادة وتتظاهر أنها من عبادة الله والله ما زكت النفس البشرية، والرسول وضع القواعد: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ) وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ ) والخلفاء الراشدون والله ما عرفوا مولداً ولا أقاموه، ولا دعوا إليه ولا تحدثوا عنه.

    إذاً: ونحن كما تعلمون الصلاة فرضها الله وتعبدنا بها لتزكية نفوسنا.

    هذه الصلاة يراعى فيها أربعة أمور:

    أولاً: أن يكون فرضها الله.

    ثانياً: يراعى فيها كميتها وكيفيتها، ومكانها.

    لو صليت في المرحاض تصح صلاتك؟! هل هناك من يقول: صلاتك صحيحة؟ ما معنى غير صحيحة؟ لا تزكي نفسك، ما تطهرها.

    لو صليت صلاة وأنقصت منها سجدة فقط أو ركعة فقط يقول الفقيه: صلاتك باطلة، باطلة، باطلة.

    ما معنى باطلة؟ أي: لا تزكي نفسك ولا تطهر روحك.

    صام الفجر إلى العصر ثم أخذ حبة حلوى وابتلعها هل يقول الفقيه: صيامك صحيح؟ لا. هل يزكي نفسه؟ والله ما كان، وعليه أن يقضيه إذا أراد تزكية نفسه.

    فالعبادة أولاً من يشرعها؟ الخالق الذي خلق الأبدان والأرواح، وخلق للأبدان مواد الغذاء والتطهير والتزكية، وخلق للأرواح وأوجد لها مواد التزكية والإصلاح.

    والرسول يبين ويقول: ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) هذه الحديث وحده والله لفي الصحيح، لو عقله مؤمن وعرفه ما قبل بدعة أبداً!

    ( من عمل عملاً ليس فيه أمرنا -أي: ما أمرنا به- فهو رد ) أي: مردود على صاحبه.

    فدعهم يبيتون يرقصون ويغنون ويأكلون الحلويات واللحوم وكذا، والله لا أجر ولا مثوبة أبداً!

    رده الرسول عليهم ثم ما نستحي وما نخجل أن نقلد النصارى في هذا العيد؟!

    نحن مع رسولنا في كل ساعة وفي كل يوم، فكيف نعمل ذكرى للرسول في العام مرة؟

    نحن نسمع في كل أذان: أشهد أن محمداً رسول الله؟ وإذا قمنا للصلاة: أشهد أن محمداً رسول الله، وإذا صلينا ركعتين وجلسنا بين يدي رب العالمين نقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.. وجهاً لوجه. تبلغه هذه.

    فلماذا نعمل له ذكرى سنوية كالنصارى المشركين التائهين الضالين؟ ذكرى سنوية؟! ما هو عيب هذا؟! ما هو حرام هذا؟! سخرية أم استهزاء بالإسلام؟!

    الرسول الذي نحن لا نفارقه أبداً نصلي ونسلم عليه في اليوم على الأقل ثلاثمائة مرة نعمل ذكرى له حتى نذكره؟!

    هذه بدعة النصارى لما هبطت بالأمة وأسقطوها من علياء كرامتها -اليهود والنصارى والمجوس- لما عميت وضلت أوجدت هذه البدعة كبدعة النصارى! احتفال بالمولد النبي في العام مرة، وإلى الآن يحتفلون حكومات، يا حكومات! تحتفلون بم؟ بالمولد وأنتم ذبحتم رسول الله، وألهيتم الناس عنه، وتركتم سنته، وأبعدتم الأمة عن شرعه، واستبدلتم القوانين الباطلة الفاجرة وتقولون: ذكرى المولد؟!

    سخرية واستهزاء هذا؟! يا ويلهم يوم يلقون ربهم! ساعة الموت فقط في قبره.

    أين المولد؟ هيا ماذا نصنع؟ ما عندنا شيء عن المولد أبداً.

    نكذب على الله ورسوله؟!

    نبتدع الحفل.

    ومن هذا: أنهم يجلسون ويقولون: جاء الرسول، جاءت روح الرسول! ويكونون جالسين فيقفون صفوفاً صفوفاً.

    لم تكذبون على رسول الله؟! ( من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ).

    لم هذا التضليل؟ الرسول روحه تجيئهم؟ تترك الملكوت الأعلى الجنة وتأتي الروح لجماعة البدعة؟

    أيعقل هذا الكلام ويقبل؟!

    وقضية الأكل والشرب طول العام، كلوا واشربوا وزغردوا من منعكم؟ لكن لا ترفعوا شعار العبادة، فالعبادة مقننة من قبل الرب الخالق.

    أباح لكم الشرع أن تأكلوا ما شئتم وتطبخوا في كل يوم، أما أن تحدثوا حدثاً ما سبقكم إليه رسول الله ولا أصحابه ولا أولادهم ولا أحفادهم ولا أهل القرون المفضلة وتقولون: عبادة؟! وأبشع ما تسمعون: أنك إذا لم تقم بالمولد يقولون: هذا يكره الرسول! والذي يكره الرسول هل يبقى مؤمناً؟ والله ما هو بمؤمن، والله ما هو بمؤمن، إذ حب الرسول من الإيمان، فالذي يقول: يكره الرسول معناه: قال: كافر! ( ومن قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما ) ونحن فقط نقول: المولد بدعة، والله لبدعة، اخترعوها ابتدعوها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأولادهم وأحفادهم وبعد أئمة الإسلام في القرن الرابع والخامس، ومن ثم ألف أحد المؤلفين كتاباً ويقول: المولد أخذ بمبدأ الإجماع!

    أين الإجماع؟ الإجماع إجماع الصحابة وأولادهم وأحفادهم، ما هو إجماع الأمة التي هبطت.

    وهل أجمعت الأمة على هذا؟ ما من يوم إلا وفيه من ينكر هذه البدعة ويردها على أصحابها!

    معاشر المستمعين! حتى لا تفهموا أننا لا نحتفل بالمولد لأننا لسنا بمسلمين، أو لأننا نكره الرسول صلى الله عليه وسلم، أو لأننا كذا وكذا، كما يقول الهابطون الساقطون الذين فقدوا عقولهم بسبب ظلمة نفوسهم.

    المولد إذا ولد لك ولد فنعم، إذا كان طفلاً ذكراً تذبح شاتين، تذبح وتتصدق وتوزع على أقاربك، سنة رسول الله، إذا كان ذكراً وأنت قادر تذبح شاتين، اذبح وأطعم وكل.

    وليمة العرس إذا تزوجت أو زوجت أولم ولو بشاة، وادع الناس إلى الطعام والشراب.

    نعم. الصدقات.. فقراء ومساكين في حي من الأحياء تحمل لهم الطعام والشراب فهنيئاً لك! طول العام، وهكذا.

    أما مولد كما تسمعون وكما يقولون ويكتبون فليس من الإسلام في شيء! بدعة وكل بدعة ضلالة، والعياذ بالله تعالى، والحمد لله الذي نجانا من هذا، وسلمنا ونقانا، اللهم لك الحمد. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.