إسلام ويب

تفسير سورة طه (13)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أنزل الله عز وجل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم القرآن، وجعله معجزة خالدة، فهو يخاطب العرب أهل الفصاحة والبلاغة بلسان عربي مبين، وجعل فيه سبحانه البشارة والنذارة؛ البشارة لمن آمن واتقى، والنذارة لمن أعرض وتولى، وأمر عز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ألا يعجل بالقرآن؛ لأنه سبحانه عليه حفظه وعليه بيانه، وما على النبي إلا البلاغ.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً وصرفنا فيه من الوعيد ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة طه المكية، فهيا بنا نصغي لنستمع تلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس.

    قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا * وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه:113-115].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [طه:113]، هذا خبر من الله تعالى، يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: كما أنزلنا عليك ما سبق من قصص وبينا لك عواقب الصالحين والمفسدين كَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ [طه:113] أي: هذا القرآن العظيم قُرْآنًا عَرَبِيًّا [طه:113]، وكان المفروض أن العرب يفرحون بذلك ويصغون ويسمعون ويستمعون؛ لأنه بلغتهم، ولو كان بلغة غير عربية فقد يعتذرون أو يجدون عذراً.

    أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ [فصلت:44]، لو كان أعجمياً لقالوا: أأعجمي، قل هو عربي.

    الله عز وجل لحكمه العالية جعل كلامه القرآن الكريم كتابه الأعظم الناسخ للكتب السابقة الإنجيل والزبور والتوراة هذا الكتاب جعله بلغة العرب فصيحاً صحيحاً.

    وهكذا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ [طه:113]، لأنواع الجرائم، أنواع الذنوب أنواع السيئات، وأنواع الجزاء وضروب الجزاء بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة، والقرآن مليء بهذا وتقدم.

    صرف فيه من الوعيد وبين!

    فقط لو ننظر إلى أصحاب النار ماذا قال عنهم: طعامهم الزقوم، شرابهم الحميم. كيف حالهم؟ لباسهم ماذا؟ القطران، بقاؤهم خلود أبداً لا يخرجون أبداً ولا يموتون فيها بحال من الأحوال.

    وصرف من الوعيد ما شاء أن يصرف ولو كان البشر يبصرون إلى كتاب الله ويستمعون ويعملون بما فيه لسعدوا.

    لأنه ما أنزله إلا رحمة للعالمين، وبشرى للمؤمنين

    ورسول الله الذي أنزله عليه قال: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، بين فيه سبل الهدى وطرق الخير والسعادة والكمال، وبين ضد ذلك طرق الشر والبلاء والعذاب والخسران، جاءت موضحة مبينة أيما توضيح في القرآن الكريم.

    هكذا يقول تعالى وقوله الحق: وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ [طه:113]، والوعيد الشديد ما توعد الله به أهل الفسق والكفر والشرك والظلم من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

    لما فعلت يا رب ذلك؟ قال العلة فيها: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [طه:113]، صرفنا في القرآن من الوعيد ما صرفنا رجاء أن يتقوا، يجعلوا بينهم وبين عذاب الله وقاية، أن يتقوا خسران الدنيا وخسران الآخرة.

    لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [طه:113]، عذاب الله فلا ينزل بهم في الدنيا ولا يحلون فيه في الآخرة!

    لعلهم يتقون الذل والهون والدون في الدنيا والخزي والعذاب في الآخرة.

    صفات أولياء الله

    معاشر المستمعين! مرحباً بكم أجمعين وبالزائرين خصوصاً، كلمة التقوى لا تنسوها وأهل الحلقة زادهم الله نوراً هم على بصيرة بها، ولكن زوارنا الكرام لا بد لهم من معرفتها حتى يعودون إلى ديارهم وهم يتحدثون بهذه الكلمة وهي: الناس والجن صنفان: أولياء للرحمن، وأولياء للشيطان، وإن شئتم حلفت لكم بالله.

    ودعونا من الجن؛ لأنهم في غيبة عنا، ونحن بني آدم بالخصوص صنفان: أولياء للرحمن، وأولياء للشيطان، والله العظيم.

    وإن كانت الولاية درجاتها تتفاوت عبد القادر الجيلاني فوق الأولياء الذين عاصروه، أبو بكر الصديق فوق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والولاية تتفاوت، وضربنا لذلك مثلاً بمراتب القادة في الجيش أعلاهم جنرال، أدناهم عسكري مثلاً، رتباً متفاوتة بحسب العمل، فكذلك أولياء الله، وكلنا أولياء الله إلا أن درجاتنا تتفاوت بحسب صدقنا وإخلاصنا وعملنا وصيامنا وصلاتنا.

    اسمع خبر الله عن أوليائه واحفظه أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، لا في الدنيا ولا في البرزخ ولا يوم القيامة.

    هذا بلاغ من الله مفتتح بكلمة التنبيه أَلا [يونس:62]، ألو، اسمعوا! أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]. اللهم اجعلنا من أوليائك يا رب العالمين!

    من هم أولياء الله؟ هو الذي بين لنا، لو قال هذا وما نزل قرآن نقول للرسول: من هم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لكن الله تعالى أجاب بنفسه فقال في بيان صفات أوليائه: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]، كل مؤمن تقي هو لله ولي، كل مؤمن فاجر فاسق ما هو بولي، كل تقي مستقيم غير مؤمن والله ما هو بولي، لا بد لتحقيق الولاية من شيئين: الإيمان الصحيح الحق، والتقوى، فكل مؤمن تقي هو لله ولي، إذ قال تعالى في البيان: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]، كانوا طول حياتهم يتقون عذاب الله، سخط الله، غضب الله.

    يتقونه بماذا؟ بالثياب يعني؟ بالشمسية؟ بالحصون؟ بالكهوف يدخلون فيها؟

    بم يتقون الله؟ يتقونه بشيء واحد: بطاعته وطاعة رسوله، فمن أطاع الله ورسوله اتقاه، وجعل بينه وبين عذاب الله وقاية عظيمة لا يصل إليه العذاب ولا ينتهي إليه أبداً.

    وأخرى: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس:64].هذه بشروا!هنئوا من ظفر بها إذ فسر النبي صلى الله عليه وسلم البشرى هذه فسرها: ( بالرؤية الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له ).

    فالذي رآها هنيئاً والذي رؤية له هنيئاً له، والذي ما زال مثلنا ينتظر ينتظر وباب الله مفتوح نسأله الليل النهار، أن لا يتوفانا حتى يبشرنا.

    إذاً: ولاية الله بم تتحقق يا أبناء الإسلام؟ بالإيمان والتقوى، فكل مؤمن تقي أولاً. هذه الخطوة الأولى.

    من أراد أن يكون ولياً لله فليؤمن وليتق الله.

    ويبقى السؤال: الإيمان معروف: تصديق الله فيما أخبر به وأخبر به رسوله، وأما التقوى ما هي؟

    الجواب: عرفنا أنها طاعة الله ورسوله.

    فيم الطاعة هذه؟ هنا ينبغي أن نتعلم طاعة الله وتكون بفعل محابه وترك مكارهه، الذي يحبه الله من الاعتقاد والقول والعمل والصفة والذات نحبه بحب الله تعالى، ونجاهد أنفسنا الكارهة حتى تحبه، حتى نوافق ربنا فيما يحب، هذه الخطوة الأولى.

    ثانياً: أن نكره ما يكره الله عز وجل. فإن بلغني أن ربي يكره أمي والله لكرهتها، يكره أبي والله لكرهته، يكره ابني لكرهته؛ إذ لا تتحقق الولاية إلا بهذا، بحب ما يحب الله وكره ما يكره الله.

    وهنا يجب أن نجتمع على كتاب الله، وسنة رسول الله في بيوت الله، في بيوت أولياء الله، في أماكن واسعة فسيحة للقاء المؤمنين ليتعلموا محاب الله ومكارهه.

    وإن قيل لنا: إن عالماً بجزر واق واق أو جبال الهملايا يعرف ما يحب الله وما يكره الله وما وجدنا غيره فيجب أن نمشي إليه، والله يجب أن نرحل إليه إن كنا صادقين في أنا أولياء الله، فأولياء الله هم المؤمنون المتقون والتقوى تكون بحب ما يحب الله وكره ما يكره الله.

    أما أن تعيش في المدينة النبوية.. تعيش في مكة المكرمة، تعيش في كذا في كذا في العالم وأنت لا تعرف من محاب الله شيئاً، ولا تعرف من مكاره الله شيئاً فكيف تصبح ولي الله؟!

    والله ما يجوز ولا يصح، فلا بد من معرفة ما يحب الله وما يكره الله، من الاعتقادات؛ إذ الاعتقاد فيه الصحيح وفيه الباطل، فيه الصحيح وفي الفاسد، من الأقوال والكلمات، من الأفعال بالذوات والجوارح، من الصفات والذوات أيضاً، فنحن بلغنا أن الله يكره أبا جهل فيجب أن نكرهه.

    إذاً: لا بد من الاجتماع على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأجل أن يتعلم المؤمنون محاب الله ويعرفون كيف يؤدونها.

    يعلمون أن الله يحب الصلاة فيحبون الصلاة.

    لا بد أن تعلم كيف تصلي؟ يجب أن تتعلم كيف تصلي، أنت عرفت أن الله يحب البر بالوالدين فيجب أن تعرف كيف تبرهما. ما معنى البر؟ كيف يكون؟ لا بد من المعرفة.

    عرفت أن الله يكره العهر والفجور، فيجب أن تكون على علم أن العهر والفجور يكرهما الله عز وجل فلا زنا ولا لواط ولا.. ولا..

    يا من يريد أن يكون ولي الله اعلم أنه يجب عليك أن تؤمن وتتقي، ثم بعد ذلك تتعلم كيف تتقي، فتتقي مساخط الله وعذابه وغضبه وذلك بفعل ما يحب وكره ما يكره، وترك ما يكره، الذي يكره الله يجب أن نتركه وأن نكرهه.

    جماعة مجتمعة على الباطل والغيبة والنميمة والكذب والباطل هذا المجلس لا يحبه الله فيجب أن تكرهه ويحرم أن تجلس فيه.

    مجلس فيه الشركيات والبدع والضلالات مما يسخط الله عز وجل هل يجوز أن تجالسهم وتجلس معهم؟ لا يحل أبداً، وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ [الأنعام:70].

    ويقول الله في الآية قبلها: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام:68].

    أردت أن أقول: من الليلة ما نجتمع مع أهل الباطل حتى شاشة التلفاز وما تمليه وتصبه من تلك الصور والباطل والشر حرام أن نجتمع عليه مع أبنائنا أو بناتنا أو إخواننا.

    معنى قوله تعالى: (أو يحدث لهم ذكراً)

    وهكذا يقول تعالى: وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ [طه:113]، لماذا؟ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا [طه:113]، يحدث لهم في نفوسهم عظات وعبر لما يشاهدون ما في القرآن ويسمعون ينفعلون انفعالاً جديداً فيتركون الباطل ويتخلون عن الحرام، فيحدث لهم عظة وعبرة، ويحدث لهم شرفاً أيضاً ومكانة عند الله.

    هكذا يقول تعالى: وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا [طه:113]، الذي يصغي إلى القرآن يسمع لا بد وأن يتقي الله وأن ينصرف عن الباطل والشر إذ يحدث له ذكراً في نفسه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فتعالى الله الملك الحق ...)

    ثم قال تعالى: فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114].

    فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ [طه:114]، تعالى عن صفات المحدثين فهو عز وجل الرب الأعظم الملك الحق لا تشبهه كائناته في شيء، فكيف يكون له الولد؟! كيف ينسب النصارى عيسى ومريم إلى الله عز وجل؟

    كيف ينسب المشركون العرب الملائكة فيقولون: هم بنات الله؟!

    كيف ينسبون عزير واللات ومناة ويقولون: هذه آلهة مع الله؟

    تعالى الله عن كل نقص، تعالى الله عن كل ضعف، تعالى عن كل ما هو غير كمال، فهو عز وجل متعال وهو الملك الحق الذي يملك كل شيء، الملكوت كله بيد الله، ولا مالك فيه إلا الله، وهو الذي يعطي ويمنع، ويعز ويذل، يرفع ويضع؛ إذ هو الملك الحق وما عداه فحرام على البشرية أن تقبل على المخلوقات وتجلها وتعظمها وتخر ساجدة لها وتترك الله عز وجل الملك الحق.

    فَتَعَالَى اللَّهُ [طه:114]، تقدس وتنزه.. تربع على عرشه واستوى وهو الملك الحق لا الملك المدعي الملك فقط، أو الملك بالباطل، بل الملك الحق.

    كيف ثبت هذا؟

    شاهدوا الكون كله! من يملكه؟ الله.

    هذه البشرية وهذه الأجيال وهذه الدنيا كلها من مالكها؟ الله الذي يعطي ويمنع، ويعز ويذل، ويحيي ويميت.

    هو الملك الحق فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ [طه:114]، تعالى عن اللهو والباطل والعبث كما يدعي المشركون والخرافيون.

    معنى قوله تعالى: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه)

    قوله تعالى: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ [طه:114]، أي: يا رسولنا! والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [طه:114]، أولاً: لحرص النبي صلى الله عليه وسلم وشدة رغبته في كتاب الله إذا نزل جبريل بالسورة أو بالآيات يحاول أن لا يفارقه جبريل حتى يحفظها، فلرحمة الله به ولطفه وإحسانه إليه قال: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة:16-19]، هذا إفضال الله على رسول الله.

    تعرفون أن جبريل لما ينزل بالآيات الرسول يتلقى فكيف يستطيع أن يتلقى؟ جرب أنت ولا خمس آيات والله لا تستطيع، لو نقول لك الآن خمس آيات تحفظها، مستحيل، فكيف الرسول يأتي جبريل بسورة كاملة ويفارقه وقد حفظها، فلهذا كان يحرص على أن لا يفارقه جبريل حتى يكون قد حفظ الآيات، فرحمة الله به قال له تعالى من سورة القيامة: لا تُحَرِّكْ بِهِ [القيامة:16]، أي: بالقرآن، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ [القيامة:16-17]، في صدرك وَقُرْآنَهُ [القيامة:17]، فقط أصغي واسمع حتى يفارقك جبريل وتجد القرآن في صدرك.

    وهنا قال تعالى: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [طه:114]، ولهذه الآية معانٍ:

    المعنى الأول: عرفتموه.

    والثاني: ولا تعجل بالقرآن أي: ببيان ما فيه قبل أن يأتيك البيان من الله، بدليل: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114]. وورد عن الحسن البصري : أن امرأة وسماها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله! زوجي صفعني في وجهي أطلب القصاص منه، فأذن لها الرسول في القصاص، وجاءت الآية الكريمة: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [النساء:34]

    إذاً: فنزلت هذه الآية وقال الرب: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114]، اطلب العلم وألح على الله واسأله أن يزيدك العلم.

    وفي هذه فضيلة عظيمة إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره الله أن يسأل العلم رَبِّ [طه:114]، يا رب! زِدْنِي عِلْمًا [طه:114]، فكيف بغير رسول الله، يتعلم مسألة أو مسألتين ودعي أنه أعلم الناس، هذا الرسول صلى الله عليه وسلم صدر منه بيان ما وافق الله عليه وا أراده فأنزل الآية الكريمة وبين له.

    إذاً: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ [طه:114]، سواء بحفظه أو بكتابته أو إملائه على الكتبة من رجاله أو في بيان ما فيه من معاني، لا تستعجل بل تأنى وتأمل حتى يأتيك البيان وتصبح على علم في ذلك وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114]، اسأل الله تعالى أن يزيدك من العلم. اللهم زدنا علماً! اللهم زدنا علماً! اللهم زدنا علماً!

    وأنتم تعرفون أن العلم بمثابة النور والماشي في الظلام لا يصل إلى غايته، والماشي في الضوء والنور يصل والعلم نور وليس فوق العلم شيء إلا الإيمان، فالإيمان بمثابة الروح والعلم بمثابة النور.

    وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114]، أي: يا رب زدني علماً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً)

    وقوله تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه:115]، هذا تسلية لرسول الله والمؤمنين المتألمين من كفر الكافرين وفسق الفاسقين وظلم الظالمين، يقول تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ [طه:115].

    من آدم يرحمكم الله؟ أبونا آدم الذي خلقه الله من الطين، خلقه بيديه ونفخ فيه من روحه، آدم سيد البشر وإمامهم.

    آدم لما أمر تعالى الملائكة أن يسجدوا له وصدر أمر الله إلى الملائكة أن يسجدوا لآدم بعدما تم خلقه وأصبح يعي ويفهم ويتكلم، قال للملائكة: اسجدوا! فسجدوا سجود تحية لا سجود عبادة، سجود تحية وإجلال وإكبار.

    وإبليس أبو مرة تكبر وقال: لن أسجد لآدم وادعى أنه بالمنطق وبالقياس لا يصح السجود له. لماذا؟ قال: أنا مخلوق من النار وهو مخلوق من طين فأينا أشرف أو أسمى النار أم الطين؟

    هذا القياس قالت العلماء: فاسد.. فاسد.. والله فاسد. بدليل ماذا؟ أيهما أنفع النار وإلا الطين؟ الطين. فالطين يخرج العنب والتمر والبطيخ والفواكه والحبوب، والنار ماذا تخرج؟ تحرق فهو قياس باطل فاسد.

    قال: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف:12]، بمعنى: أنا أشرف وأفضل، فلذا لا أركع له ولا أسجد.

    ومن ثم عهد الله إلى آدم وحواء معه، ولكن كما علمنا أن من الأفضل أن لا نذكر النساء في مجالسنا والنساء تابعات لنا، لما نقول: أيها المؤمنون! المؤمنات داخلات في هذا فليس هناك حاجة إلى ذكرهن، لكن أقول المستمعات أيضاً؛ لأنهن يستمعن؛ حتى ما يهربن من الدرس.

    الشاهد عندنا: عهد الله إلى آدم أن لا يأكل من الشجرة الفلانية.. شجرة ظلها مسيرة خمسمائة عام في الجنة، هذه الشجرة يا آدم ويا حواء لا تأكلان منها.

    إذاً: فوسوس لهما الشيطان وقال: هذه الشجرة إذا أكلت منها يا آدم لن تموت أبداً، إذا أكلت من هذه الشجرة لن تموت ولن تشقى أبداً.

    فَنَسِيَ [طه:115] آدم العهد الذي بينه وبين الله. والنسيان يصح أن نقول: نسي بمعنى النسيان أو نقول نسي بمعنى ترك، ولا حاجة إلى عدم النسيان؛ لأن عدم المؤاخذة على النسيان فازت به هذه الأمة فقط، وإلا الأمم الأخرى كانوا يؤاخذون بالخطأ وبالنسيان، وذلك لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ). الخطأ: أراد أن يضرب غزالاً فضرب آدمياً فلا يدخل النار بل يعطي الدية ويصوم لكن لا يقتل ..؛ لأنه ليس بمتعمد.

    أراد أن يقول كلمة حق فقال كلمة كفر فلا يؤاخذ قطعاً.

    والنسيان: نسي مضى عليه الظهر والعصر ونسي ما صلاهما فهل يؤاخذ بالنسيان؟ لا يؤاخذ.

    ( وما استكرهوا عليه )، إذا كنت مع ظالم جبار وأكرهك أن تسب الله ورسوله والحديد بيده فأعطه كما قال الرسول لـعمار : ( أعطهم يا عمار )، العصي في أيديهم والسيوف والضرب كذا ويقولون له: سب محمداً في كذا، فيمر به الرسول ويقول: ( صبراً آل ياسر، أعطهم يا عمار )، ونزل في هذا قرآن كريم في قول الله تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106].

    آدم نقول نسي وأوخذ وعاتبه ربه.

    وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه:115]، أي: صبراً وقوة.

    ومعنى هذا: أن الإنسان هذه طبيعته، الإنسان يعجز، لا يصبر بل يعجز.. يتعجز كذا؛ لأنه مخلوق على هذه الهيئة، فليس بيننا معصوم إلا من عصمه الله من أنبيائه ورسله فقط حتى لا يقلدوا في المعصية.

    لم عصم الله الأنبياء؟ لأنهم إذا فعلوا المعصية يقلدهم الناس، سنة، فعل الرسول كذا، فمن ثم كان الله يحفظه فلا يقع الرسول في معصية أبداً فالله يعصمه.

    وآدم عليه السلام نسي العهد وآخذه الله تعالى كما سيأتي في آيات الغد حيث أخرجه من الجنة.

    وهذا الحديث يأتينا غداً إن شاء الله.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال:[ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: بيان الحكمة من إنزال القرآن باللسان العربي وتصريف الوعيد فيه ]. وهو أن يتقى الله من أجل أن يعبد الله ويتقى فلا يعصى.

    [ ثانياً: إثبات علو الله تعالى وقهره لعباده وملكه لهم وتنزهه عن الولد والشريك وكل نقص يصفه به المبطلون ].

    وذلك لأنه قال: فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ [طه:114]، لا إله إلا هو، فلا معبود سواه، فلا يوصف بالنقص أبداً، صفاته كلها كمال، وحسبنا أن يكون الملك الحق الذي بيده كل شيء فكيف يحتاج إلى زوجة وولد أو شريك ونظير؟!

    [ ثالثاً: استحباب التريث والتأني في قراءة القرآن وتفسيره وإصدار الحكم والفتيا منه ] . لا يستعجل الإنسان، فهذا الرسول استعجل وما أصاب، فكيف بنا نحن؟ لا بد من التريث والتأمل والتذكر حتى تقول الحكم كذا وكذا.

    [ رابعاً: الترغيب في طلب العلم والمزيد من التحصيل العلمي وإشعار النفس بالجهل والحاجة إلى العلم ] .

    الترغيب في طلب العلم كما رغبناكم، والاجتماع عليه والأخذ به؛ لأنه هو النور الذي لا هداية إلا به، ولهذا الله يقول: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114]، الرسول يطلب منه أن يطلب الزيادة، وأنت تأخذ الدكتوراه وتجلس في بيتك لا تزيد شيئاً.

    مداخلة: [ خامساً:] وأخيراً [ التسلية بنسيان آدم وضعف قلبه أمام الإغراء الشيطاني ]. سلانا ربنا حتى نصبر ونتحمل بأن الشيطان وإن فتنا فقد فتن قبلنا أبانا آدم عليه السلام، فلنستعذ بالله ولنصبر على طاعة الله.

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله.