إسلام ويب

تفسير سورة طه (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قال بعض مشركي مكة: إن محمداً شقي بهذا القرآن، فرد الله عز وجل عليه نافياً هذا الأمر، مخبراً سبحانه وتعالى أنه إنما أنزل هذا القرآن تذكرة يتذكر بها من يخشى ربه فيقبل على طاعته، متحملاً في سبيل ذلك كل ما قد يلاقي في طريقه من أذى قومه المشركين بالله، الكافرين بكتابه، المكذبين برسوله، وهذا من رحمته تعالى بعباده المؤمنين.

    1.   

    بين يدي سورة طه

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) .

    وها نحن مع فاتحة سورة طه المكية، فهيا بنا نصغي لنستمع تلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس.

    قال تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [طه:1-8].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه السورة مكية، ويذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه قبل أن يدخل في الإسلام بلغه أن ختنه وأخته فاطمة بنت الخطاب قد أسلما؛ لأنه أنكر على أحد المسلمين وشدد عليه كيف يتخلى عن دين آبائه وأجداده ويتبع الدين الجديد، فقال له: أتعتب علي وأختك وختنك دخلوا في الإسلام؟ فما كان منه رضي الله عنه إلا أن جاء إلى بيت ختنه زوج أخته فدخل عليهما.

    ووجد بين أيديهما ورقة فيها سورة طه، وكان معهما خباب بن الأرت ، وهو الذي يعلمهم، فاختفى خباب في داخل البيت، فقال:: بلغني أنكما كذا وكذا. قالا: نعم. أسلمنا لله رب العالمين، فما كان من عمر إلا أن ضرب فاطمة فأسال دمها، ضربها على وجهها، فلما نظر إليها والدم يسيل رق قلبه. فقال: هات ما عندك من هذه الورقة؟ قالت فاطمة : إنك نجس بالشرك ولن تأخذها إلا إذا اغتسلت، فقام فاغتسل، وأخذ الورقة وإذا فيها طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه:1-2]. تقرر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته.

    وفتح الله صدره وأتى دار الأرقم فأسلم، وكان الرسول قبل إسلامه يقول: ( اللهم انصر هذا الدين بأحد العمرين: عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام ، أبو جهل ). وهذه الحادثة تمت بالفعل.

    والشاهد: أن السورة مكية ومن أوائل ما نزل في مكة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (طه)

    وقول ربنا تعالى: طه [طه:1] من أهل العلم من يقول: (طه) من الحروف المقطعة كـ(طس) و(الم).. إلى غير ذلك من فواتح السور المفتتحة بالحروف المقطعة: (طه) كـ(يس) كـ(ص) و(ق) وهذا القول يصح، ولكنه مرغوب عنه.

    وعلي وابن عباس يروى عنهما أنهما كانا يقولان: (طه) اسم من أسماء الله، حلف الله تعالى به، فقال: طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه:1-2]، حلف لنبيه صلى الله عليه وسلم باسمه.

    يروي ابن جرير الطبري في تفسيره هذه الرواية، فيقول: عن علي وابن عباس أنهما يقولان: (طه) من أسماء الله ولله الأسماء الحسنى، والرسول كان يدعو ويقول: ( بما علمتنا من أسمائك وما استأثرت به في علم الغيب عندك ).

    ما الذي يحملهم على قول هذا؟

    الجواب: كلمة مَا أَنْزَلْنَا [طه:2]، حلف الله للرسول أنه ما أنزل هذا القرآن إلا ليبينه للناس.

    والقول الراجح عند ابن جرير والعلماء: أن (طه) في لغة كثير من قبائل العرب وخاصة عكل أنه بمعنى رجل، (طه) رجل، كمن قال: يا رجل مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه:2]، وهذا شائع في كثير من قبائل العرب في اليمن وغيرها.

    (طه) بمعنى رجل، ويصبح السياق يا رجل: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه:2].

    من القائل هذا؟ الله جل جلاله وعظم سلطانه، ولا حرج.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى)

    يقول الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم: يا رجل مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه:2] أي: لتتعب وترهق، إذ كان يصلي حتى تورمت قدماه، وبعض المؤمنين في مكة كانوا يربطون أنفسهم بالحبال حتى لا يناموا، فخفف الله تعالى عنهم: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه:2]، سواء بإتعاب نفسك وإرهاقها في العبادة، أو بالكرب والهم والحزن على عدم إيمان قومك وعدم دخولهم في الإسلام.

    لا تكرب ولا تحزن ولا تتألم، بلغ فقط وبين والهداية بيد الله، فلا تكرب أنت ولا تحزن!

    وهذا من رحمة الله ولطفه وإحسانه بنبيه صلى الله عليه وسلم، وهو يشمل كل مؤمن ومؤمنة يدعو إلى الله عز وجل ولا يستجاب له أو يستجيب القليل ويعاند الكثير، لا يكرب ولا يحزن ويجلس في هم وغم ويشقى، بل يعلم أن الهداية بيد الله، وأن ما عليه إلا البيان والدعوة فقط، أما أن تهدي الناس وتدخل الإيمان في قلوبهم فهذا ليس في قدرتك ولا في استطاعتك، هذا بيد الله عز وجل، فلا هم إذاً ولا غم، ولا تعب ولا شقاء.

    هذه رحمة الله بأوليائه وعلى رأسهم محمد صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إلا تذكرة لمن يخشى)

    قال تعالى: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه:2] اللهم إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى [طه:3]، هذه هي حكمة القرآن وحكمة نزوله.

    (تذكرة) يتذكر بها من يخشى الله عز وجل ويخافه، فيواصل دعوة الله وعبادة الله والاستقامة على منهج الله وشرعه. وهذه فضيلة لأهل الخشية.

    أما أصحاب القلوب القاسية والنفوس الشديدة فلا يستفيدون من القرآن إلى الآن، إذا قرئ القرآن عليهم ما يستفيدون، لكن أصحاب القلوب اللينة الخاشعة الخاشية إذا سمعوا القرآن زاد إيمانهم وازداد صلاحهم وطهارة نفوسهم بوجود هذا العامل الكبير، وهو خشية الله عز وجل.

    طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى [طه:1-3] يخشى من؟ الله تعالى.

    فإذا كان يخاف الله ينتفع بالقرآن، وإذا قرئ عليه ينتفع به، وإذا قرأه ينتفع به، بخلاف ذي القلب القاسي والشديد الكفر والنفاق لا يستفيد من القرآن ولو قرئ عليه كله، فهو تذكرة لمن يخشى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (تنزيلاً ممن خلق الأرض والسموات العلى)

    ثم قال تعالى: تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى [طه:4].

    تَنزِيلًا [طه:4] من نزل هذا القرآن؟ ومن أين نزل؟

    وفي هذا معنى أن محمداً رسول الله، وهذا وحي الله وكتابه ينزل عليه فكيف لا يكون رسولاً؟ لأن المشركين كذبوا بالرسالة وقالوا: لن نصدق أنك رسول.

    وإلى الآن ملايين البشر ما آمنوا بأن محمداً رسول الله!

    كيف لا يكون رسولاً والقرآن نزل عليه؟

    أيعقل هذا؟ مستحيل، كيف ينزل عليه القرآن وهو بين يديه وتقول ما هو برسول؟!

    ولكن من كتب الله شقاوتهم وجعلهم من أهل الخلود في جهنم لا يفهمون ولا يعون ولا يفكرون!

    إلى الآن القرآن موجود في العالم، بل في أمريكا وألمانيا يلقوه في الإذاعات، وما يسألون: على من نزل هذا القرآن؟ لا يسألون: ما في هذا القرآن؟ هاتوا رجالاً نفهم عنهم، أبداً، قلوبهم مغلفة لا تعي ولا تسمع.

    تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى [طه:4] تنزيلاً ممن؟ من الرب العظيم الذي خلق السماوات والأرض.

    خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى [طه:4]، عليا وتجمع سماء عليا وسماوات عليا وعلى، والسماوات جمع سماء وهي سبع سماوات، ثبت هذا في القرآن الكريم والسنة النبوية وعلى ألسنة الأنبياء والمرسلين، سماء فوق سماء سبع سماوات، والسماء الدنيا القريبة منا هذه التي نشاهد الكواكب أو الأفلاك والنجوم فيها.

    سبع سماوات.. من أوجد هذه السماوات السبع؟ هل يمكن يقال: اللات أو العزى أو عيسى أو فاطمة أو فلان؟ لا.

    كيف يقال غير الله؟!

    من يقوى على إيجاد هذه الملكوت، كوكب واحد لو تجتمع البشرية كلها ما صنعته.

    إذاً تَنزِيلًا [طه:4] ممن؟ من الرب العظيم الذي خَلَقَ الأَرْضَ [طه:4] التي نعيش عليها وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى [طه:4] بعضها فوق بعض فهي عالية.

    هذا الذي يجب أن يخاف.. يجب أن يعبد.. يجب أن يحب من أجله، وأن يبغض من أجله.

    هذا هو الله، هذا رب العالمين، هذا إله الأولين والآخرين.

    فما للبشرية معرضة؟ سبق أن المشركين في مكة كانوا يسمعون ويعرضون ولا يستجيبون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى)

    ثم قال تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5].

    الرَّحْمَنُ [طه:5]جل جلاله وعظم سلطانه، ذو الرحمة العظيمة، ولولا رحمته بخليقته الذين أعرضوا عنه وكفروا به وألهوا غيره لأبادهم بكلمة (كن) فيبادون، ولكن يعصونه ويفجرون عن طاعته ويخرجون عن أمره ونهيه ولا يعذبهم ولا يشقيهم ويملهم ويزيدهم في الدنيا. هذا مظهر من مظاهر الرحمة.

    و الرَّحْمَنُ [طه:5] رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما!

    الرَّحْمَنُ [طه:5] ما له؟ أخبرنا عن نفسك يا رب؟ قال: عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] العرش: سرير الملك.

    واستوى عليه استواءً يليق بجلاله وكماله.

    ولا يسعنا إلا أن نقول: استوى استواءً يليق به، فنحن لا ندرك ذلك ولا نعرفه.

    أولاً: هل نعرف ذات الله؟ مستحيل. وكل ما يخطر ببالك الله مخالف لذلك، فإذا لم نعرف ذات الرب فكيف نعرف كيفية الاستواء على العرش؟

    وأحسن ما عند السلف: أن مالكاً رحمه الله دخل عليه سائل وهو في الحلقة يسأله عن كيف استوى؟ فقال له: الاستواء معلوم -في الأذهان- والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة.

    فالرحمن استوى على العرش يدير الملكوت ويدبر الكون كله!

    وهذا يجعل المؤمنين يرغبون فيما عند الله، ويرهبون من عذاب الله، ويتحببون إلى الله؛ لما عرفوا من جلاله وعظيم سلطانه وقدرته التي وسعت كل شيء وقدر بها على كل شيء، فإذا سمعوا أن الرحمن على العرش استوى لانت قلوبهم ورقت قلوبهم ولانوا يدعون الله ويسألونه وخافوا ورهبوا وآمنوا به.

    لا أن نؤول ونحرف ونبدل، ما أخبر تعالى بهذا إلا ليوجد الخشية في قلوب عباده والطمع والرغبة في قلوب عباده!

    مادام الرحمن جل جلاله استوى على عرشه يدير الملكوت كله وبيده كل شيء النفوس كلها تحبه وتميل إليه وترغب فيما عنده، فما هو كالأصنام والأحجار والإنس والجن لا يملكون شيئاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى)

    ثم قال تعالى: لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى [طه:6].

    سبحان الله! كيف يعبد غيره؟ كيف يؤله سوى الله تعالى؟ وهو ماذا؟ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [طه:6]

    هذا الملكوت الأعلى والأسفل كله له، وما بين السماء والأرض له، وَمَا تَحْتَ الثَّرَى [طه:6] أيضاً.

    وأصل الثرى: التراب الندي المتبلل تحت الأرض، والمقصود من هذا: ما تحت الأرضين السبع، له كل شيء.

    كيف؟

    أولاً: له ما في السماوات. أي شيء في السماوات؟ أفلاك وما فيها من الملائكة، وما فيها من خلق أوجده الله.

    كذلك الأرض ما فيها من إنس وجن وحيوان وكل ما فيها.

    وله أيضاً ما تحت الأرضين.

    كيف لا يعبد؟ كيف لا يتقرب إليه؟ كيف لا يسأل عنه؟ كيف.. كيف.. كيف؟

    لولا أن الشياطين تصرف القلوب وتبعدها عن طلب الحق ومعرفته!

    وها هم الضلال عاكفون على الأصنام ويحاربون رسول الله ودعوته.

    لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى [طه:6] أي: تحت الأرضين السبع.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى)

    ثم قال تعالى يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ [طه:7] يا رسولنا فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه:7].

    هذه آية أخرى من آيات عظيم الله وقدرته.

    كيف؟ إن جهرت بالقول يا عبد الله سمع قولك وعرفك.

    وإن أسررته علم ما أسررته ويعلم ما هو دون السر، وما لم يكن بعد.

    إن تجهر بالقول يعلمه، وإن أسررت القول في نفسك علمه ويعلم ما وراء ذلك مما لم يوجد بعد ولم يخطر بقلبك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى)

    ثم قال تعالى: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [طه:8].

    اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [طه:8]، هذا تقرير ما تقدم، تلك الآيات دالة دلالة قطعية علمية يقينية على أنه لا إله إلا الله.

    الله الذي قال لرسوله: يا رجل! مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [طه:2-8].

    اللَّهُ [طه:8] اسم الله عز وجل لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [طه:8]، بلغنا عن رسولنا أن لله مائة اسم، هذا الذي علمه رسوله وأنزله في كتابه، وله أسماء استأثر بها وما أطلع عليها خلقاً من خلقه.

    الله جل جلاله لا إله إلا هو. أي: لا إله يستحق أن يعبد إلا الله.

    لماذا؟ هل الذي نعبده معه أو يعبد من دون الله خلق شيئاً؟!

    ماذا أوجد؟ ما هي قدرته؟ هل خلق السماوات؟ هل خلق الأرض؟ هل خلق ما بينهما؟ هل يعلم السر والجهر وأخفى؟

    ماذا؟ لا. صنم أو حجر أو تمثال أو رسول كعيسى عليه السلام أو أمه.

    اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [طه:8] أي: لا معبود بحق يستحق أن يعبد إلا الله.

    لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [طه:8] له الأسماء الحسنى الجميلة الفاضلة الطيبة.

    وأسماء الله مائة اسم إلا اسماً واحداً، إذ صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ( إن لله مائة اسم إلا اسماً واحداً ) وهي موجودة في القرآن الكريم والسنة كذلك مكتوباً مبيناً فيها.

    وهذه الأسماء هي التي ننادي الله بها وندعوه: يا رحمن يا رحيم يا ألله يا قوي يا متين يا قدير يا ذا الجلال والإكرام، يا بديع السماوات والأرض! نناديه بها لندعوه ونسأله حاجاتنا.

    ولهذا لا ينادى ويدعى إلا الله، والله لا يجوز أن ننادي وندعو مخلوقاً كائناً أبداً؛ لأنه مملوك لله مخلوق لله عاجز بين يدي الله، لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع.

    فمن هو الذي ندعوه ونسأله في صدق؟ هل هناك غير الله؟ لا.

    حسبنا أن يقول الله: اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [طه:98]، ما بقي لات ولا عزى ولا صنم ولا حجر ولا ملك ولا غير ذلك.

    لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [طه:8] الطيبة الطاهرة الدالة على عظمته وجلاله وكماله، مائة اسم إلا اسماً واحداً.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    يقول تعالى: طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه:1-2] خفف على نفسك وتلطف بها، فما أنزلناه إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى [طه:3]!

    هنيئاً لأهل الخشية فهم الذين يستفيدون من سماع القرآن ومن تلاوته.

    تَنزِيلًا [طه:4] ممن؟ مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى [طه:4] من هو؟ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى [طه:5-6].

    إذاً كيف نطلب غيره؟ من أين يعطينا؟

    إذا كان ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى كله لله وحده فهل يجوز أن نقول: يا سيدي فلان أعطني كذا؟!

    علمنا والله يقيناً أن لله مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى [طه:6]، فما بقي من نقبل عليه ونقول: يا فلا أعطنا!

    والله ما بقي إلا الله مالك كل شيء، فهو الذي يسأل ويطلب، ويطرح بين يديه ويتضرع إليه؛ ويبكي العبد بين يديه ويخشاه؛ لأن حياته بيده ومصيره إليه، أما المخلوقات التي عبدها العابدون الجاهلون فهي مخلوقة مربوبة لله ما تملك شيئاً ولا تعطي شيئاً.

    ومن هنا انمحى الشرك من قلوب المؤمنين والمؤمنات، فما بقي القلب يلتفت إلى غير الله، إذ غير الله لا يملك شيئاً.

    فلنتأمل! لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [طه:6]؛ من أموال، من موجودات، من كل المخلوقات.. وله ما بينهما أيضاً، وله ما تحت الثرى والأرض السابعة.

    فهل بقي من نرجوه؟ من نطمع فيه؟ من نسأله؟

    والله ما بقي، وما يفعل ذلك إلا ضال وجاهل والشياطين تعبث بقلبه.

    وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ [طه:7] أيها السامع فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه:7]، فربك يعلم السر وأخفى، ويعلم ما هو أخفى من السر.

    إذاً: فاتقه، فاخشه، فاذكره حتى تنجو وتسعد اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [طه:8] .

    والله يقول: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف:180].

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    إليكم شرح الآيات من الكتاب!

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات:

    قوله تعالى: طه [طه:1]، لفظ (طه) جائز أن يكون من الحروف المقطعة ] كما قدمنا [ وجائز أن يكون معناه: يا رجل. ورجح الأمر ابن جرير لوجوده في لغة العرب، (طه) بمعنى يا رجل، وعلى هذا فمعنى الكلام: يا رجل مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه:2]؛ رداً على النضر بن الحارث الذي قال: إن محمداً شقي بهذا القرآن الذي أنزل عليه؛ لما فيه من التكاليف، فنفى الحق عز وجل ذلك، وقال: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى [طه:2-3]، وإنما أنزلناه ليكون تذكرة؛ ذكرى يذكر بها من يخشى ربه فيقبل على طاعته، متحملاً في سبيل ذلك كل ما قد يلاقي في طريقه من أذى قومه المشركين بالله الكافرين بكتابه والمكذبين لرسوله صلى الله عليه وسلم.

    وقوله تعالى: تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى [طه:4]، أي: هذا القرآن الذي ما أنزلناه لتشقى به، ولكن تذكرة لمن يخشى نزل تنزيلاً من الله الذي خلق الأرض والسماوات العلى.

    الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] أي: رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما الذي استوى على عرشه استواء يليق به يدبر أمر المخلوقات، الذي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى [طه:6] من الأرضين السبع.

    وقوله: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ [طه:7] أيها الرسول أو تُسِر فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه:7] من السر، وهو ما قدره الله وهو واقع في وقته المحدد له، فعلمه تعالى ولم يعلمه الإنسان بعد ]، هذا السر أخفى من السر.

    مرة ثانية: [ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه:7] ] أخفى من أين؟ [ من السر، وهو ما قدره الله، وهو واقع في وقته المحدد له، فعلمه تعالى ولم يعلمه الإنسان بعد ] هذا أخفى من السر.

    [ وقوله تعالى: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [طه:8]، أي: الله المعبود بحق الذي لا معبود بحق سواه، لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [طه:8] التي لا تكون إلا له، ولا تكون لغيره من مخلوقاته] بحال من الأحوال[ وهكذا عرف تعالى عباده به ليعرفوه فيخافونه ويحبونه، فيؤمنون به ويطيعونه، فيكملون على ذلك ويسعدون، فلله الحمد وله المنة ].

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات: من هداية الآيات:

    أولاً: إبطال نظرية أن التكاليف الشرعية شاقة ومرهقة للعبد ] إبطال نظرية من يعذبون أنفسهم في الطاعة كأن يبيت سهران ويربط نفسه في حبل في عنقه والعمود حتى لا ينام، أو يصوم الدهر كله، أو.. أو.. من الأعمال التي يدعون أنها تقرب إلى الله، ولكن فيها من المشقة والتكليف ما لا ينبغي له ولا يستطيعه.

    ووجد بعض الملاحدة والعلمانيين كذا يقولون: هذا الدين كله مشاق وتكاليف ما تنبغي للإنسان، فأبطل الله هذه الدعوى من أساسها، أبطلها ردا على النضر بن الحارث الذي قال: محمد شقي بالقرآن.

    فلإسلام ما فيه شقاء أبداً، لا في الصلاة، ولا في الصيام، ولا في الرباط، ولا في الجهاد، أعماله لينة هشة سهلة تحتاج فقط إلى اليقين والتوكل على الله، وليس هناك شيء شاق.

    لو كان الصوم أربعة وعشرين ساعة يشق ولكنه ساعات النهار، مع طلوع الفجر يكون قد تسحر في آخر الليل، فأي مشقة إذاً؟ كأنه يتغدى في أول النهار، وإذا غابت الشمس وجب أن يفطر، وهكذا.. فليس في القرآن ما هو شاق أبداً؛ لقول الله تعالى: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه:2] أبداً.

    [ ثانياً: تقرير عقيدة الوحي وإثبات النبوة المحمدية ]. تقرير عقيدة الوحي، آمنا بأن الله يوحي على من يشاء من عباده وهم الأنبياء والرسل، وقد أوحى إلى نبينا هذا الكتاب وأنزله عليه، فعقيدة الوحي والتنزيل عقيدة كل مؤمن ومؤمنة، الله له أن يوحي إلى من يشاء وينزل كلامه وكتابه على من يشاء، ومن هنا كان محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله ونبيه؛ كيف لا وقد أوحى إليه وأنزل إليه القرآن.

    [ ثالثاً: تقرير الصفات الإلهية كالاستواء ووجوب الإيمان بها بدون تأويل أو تعطيل أو تشبيه، بل إثباتها على الوجه الذي يليق بصاحبها عز وجل ].

    نثبت ما أثبت الله لنفسه من صفاته، أخبر أن الله يضحك لكن لا تفهم كيف ضحك ولا يخطر بالبال أبداً!

    يجيء وينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر فلا نقول: كيف؟ لأنا لا ندرك هذا.

    قال: استوى على العرش. نقول: استوى نعم، استواء يليق به، لا نعرف كيف جلس على عرشه.. وهكذا.

    صفات الله نؤمن بها كما أخبر هو وأنزل في كتابه، ولا نقول: كيف؛ لعجزنا عن إدراك ذلك، لكن إيماننا بذلك يزيد في إيماننا ويقوي أعمالنا الصالحة.

    [ رابعاً: تقرير ربوبية الله لكل شيء ].

    معنى هذا: أن كل شيء في الكون الله خالقه، فلا يوجد ما يفصل عن الله من الذرة إلى المجرة، كل هذه الكائنات والمخلوقات الله ربها. أي: خالقها ومالكها ومدبر أمرها، ولا شريك له في ذلك أبداً ولا يوجد.

    [ خامساً:] وأخيراً [تقرير التوحيد وإثبات أسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العلى ]. تقرير التوحيد.

    يا أهل لا إله إلا الله! اعلموا أنه لا يجوز لأحدنا أن يقول: يا سيدي فلان أعطني كذا!

    لا يقول: يا رسول الله امدد يديك إليك بكذا!

    لا يقول: يا فاطمة ولا يا حسن ولا يا حسين ، ولا يا جبريل ولا ميكائيل..!!

    لا يصح أبداً لمؤمن أن يسأل غير الله حاجته وإلا نقض لا إله إلا الله وأوجد آلهة مع الله!

    كل من سأل غير الله حاجته وتضرع إليه ورغب فيما عنده فقد اتخذه إلهاً مع الله، مع أنه لا إله إلا الله، فالله تعالى نسأل أن يميتنا على لا إله إلا الله وأن يحيينا عليها أجمعين.

    وصلى الله على نبينا محمد.