إسلام ويب

تفسير سورة المائدة (41)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الشيطان هو عدو الإنسان الأول، وهو لا يفتأ في إفساد حياته والتنغيص عليه، سواء أكان فرداً أو مجتمعاً، ويستخدم كل الوسائل الممكنة لذلك، ومن هذه الوسائل إغراق الإنسان في شرب الخمر الذي يذهب بالعقل، ولعب الميسر الذي يذهب بالمال، وفي هذا ما فيه من الإفساد بين الناس، كما أن من وسائله حمل الإنسان على اتخاذ الأنصاب والتماثيل لأسباب واهية، والاستقسام بالأزلام، وقد بين الله عز وجل أن هذا كله رجس من عمل الشيطان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والليالي الثلاث بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة المائدة المدنية المباركة الميمونة ومع هذه الآيات الأربع:

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [المائدة:90-92].

    هيا نتدارس هذه الآيات، معاشر المستمعين والمستمعات! من الذي نادانا بعنوان الإيمان فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:90]؟ الله. وهل يوجد تحت السماء من قال: أنا الذي ناديتكم؟ إذاً: فالله موجود، والله متكلم، والله عليم، والله حكيم، والله رحيم، فقولوا آمنا بالله.

    ينادينا بعنوان الإيمان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:90]، أي: بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولاً، يا من آمنتم بالله وبرسوله ولقائه، أيها الأحياء! اعلموا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [المائدة:90]، نادانا وهو مولانا وهو ربنا وإلهنا الذي لا إله لنا غيره، وهو الذي يكلؤنا بالليل والنهار، وهو الذي إليه مصيرنا، وهو الذي نفزع إليه في حاجاتنا، ينادينا بعنوان الإيمان؛ لأننا مؤمنون والحمد لله، فيقول لنا: إِنَّمَا الْخَمْرُ [المائدة:90]، هذا تعليم منه لنا؛ إذ سبق أن علمنا أن الله لا ينادينا إلا ليأمرنا بما فيه سعادتنا وكمالنا، أو لينهانا عما فيه خسراننا وشقاؤنا، أو ليبشرنا بما يزيد في إيماننا وصالح أعمالنا، أو لينذرنا ويحذرنا مما فيه هلاكنا وخسراننا، أو ليعلمنا، فهذا النداء ليعلمنا، كأنما قال: اعلموا أنما الخمر والميسر.

    معنى الخمر

    (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ))[المائدة:90]، لبيك اللهم لبيك، قل يا ربنا نسمع، مر نطع، هذا هو استعدادنا، قال تعالى: (( إِنَّمَا الْخَمْرُ ))[المائدة:90]، ما الخمر هذه؟ لفظ الخمر شاع في الشرق والغرب وعلم بالضرورة، كل ما خامر العقل وغطاه وأصبح الإنسان يقول ما لا يفهم ويهذي في كلامه هو خمر، سواء كان لبناً أو عسلاً، كل ما خامر العقل وغطاه كالخمار على وجه المرأة يغطيه، كل ما خامر العقل وغطاه، سواء كان من أي نوع من الشراب أو الطعام فهو خمر محرم. لماذا يا ربنا تحرم الخمر؟! الجواب: وهبتكم عقولكم لتعرفوا ما يضركم وينفعكم، فتفسدون عقولكم تحدياً لنا وعدم رضاً بما أعطيناكم لتضلوا وتنتكسوا في مفاسد الحياة، كيف يتم هذا من العبد؟ الخمر: كل ما خامر العقل وغطاه وستره فأصبح صاحبه يقول ما لا يفهم ويتحرك ويعمل بما لا يقصد ولا يريد؛ لأن عقله فسد بما صب عليه من إفساد، هذه الخمر، وسواء كانت من التمر أو من الزبيب أو من العنب أو من أي مادة، عمر

    هنا على المنبر بين هذا، فكل ما خامر العقل وغشيه وغطاه وأصبح صاحبه لا يميز ولا يفهم، أو يخلط ويخبط، مرة يقول كذا ومرة يقول كذا؛ فهذا هو الخمرة التي حرمها الله عز وجل.

    معنى الميسر

    وبعد الخمر الميسر، والمراد من الميسر: ما كان من أنواع اللعب من أجل الدينار والدرهم، وهو ما يعرف بالقمار، وأندية القمار عالمية اليوم في بلاد الكفر، وأنواع الآلات -سواء كانت عظاماً أو كانت تمراً أو كانت حديداً أو خشباً- تلك الآلات التي يستعملونها في الميسر كلها ميسر وكلها حرام.

    وكان العرب مبتلين بالخمر والميسر؛ لفراغهم، فلما أراد الله هدايتهم حرم عليهم كل ما من شأنه أن يقعد بهم عن السمو والكمال والارتفاع، وما حرمه على العرب حرمه على العجم، حرمه على كل مؤمن ومؤمنة، سواء كانوا عجماً أو عرباً، في الأولين أو الآخرين؛ إذ الكل عبيده وهو مولاهم لا يريد لهم إلا ما يسعدهم ويكملهم، فحرم عليهم الخمر والميسر.

    معاشر المستمعين! عرفتم الميسر: آلة يلعبون بها هذا يضع ريالاً وهذا ريالين، وأيهما يفوز يأخذ المال، مأخوذ من اليسر، لأنه ما عرق ولا تعب بل يشطح بيديه وعقله ويأخذ الفائدة.

    وشاع في المغرب كلمة الديمنو، ولعلها فرنسية، وشاع كلمة الكيرم في المدينة، وكلمة العيدان أو ما يسمونها، كل هذه الألعاب دخلت تحت لفظ الميسر الجامع لها، عرف هذا رسول الله وأصحابه، فلا يستثنى لعبة من اللعب أبداً، حتى ولو كانت بدون ثمن، فالله ما علل بالثمن، بل علل بشيء آخر.

    فهل عرف المؤمنون والمؤمنات الميسر؟ ما هو الميسر هذا؟ كل لعبة باليد أو بالرجل أو بالعقل من أجل الحصول على دينار أو درهم وأنت جالس فهو -والله- الميسر، ومن قال: نلعب الشطرنج بدون مقابل قلنا له: فالله عز وجل ما حرمه لأجل المقابل، حرمه لأجل أنه يثير العداوة بينك وبين أخيك؛ ولأنه يلهيك عن ذكر الله.

    معنى الأنصاب

    قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ))[المائدة:90]، لبيك اللهم لبيك، (( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ ))[المائدة:90]، جمع نصب: ما ينصب، سواء هيكل إنسان أو حيوان أو طير أو دجاجة، الأنصاب: ما ينصب من هياكل، المشركون كانوا يعبدونها ويتقربون إليها ويستشفعون بها لله عز وجل؛ لضلالهم، فحرم الإسلام الأنصاب فلا يحل شراؤها ولا بيعها ولا صنعها، والآن اتخذت في بعض بلاد الجهل والظلم والفسق بعنوان التذكار، فيوضع للزعيم أو للرئيس أو للسلطان صنم منصوب في حديقة أو في أي مكان ويقولون: هذا للذكرى، وقد حرم الله هذا، ولا يحل أبداً للمؤمنين أن يفعلوه. حتى تلك التماثيل التي تباع في الأسواق بعنوان لهو البنين أو البنات، أو لعب البنين والبنات، الصورة التي تزيد على الشبر ويكون لها شعر وعينان زرقاوان وهي في صورة بنت أو امرأة والله! لا يحل صنعها ولا بيعها ولا استيرادها، وهي من الأنصاب. إنما أذن الشارع للبنات والبنين في السنة الأولى والثانية والثالثة باللعب مما كان شبراً من عيدان أو خيوط، أما صورة كأنها امرأة بين يدي ابنتك فهذا صنم ونصب ولا يجوز أن يوجد في بيت مؤمن، ولا يحل صنعه ولا بيعه ولا شراؤه، ومن قال: لم؟ قلت: إن الله حرم الأنصاب فقال عز من قائل: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ))[المائدة:90]. فهل عرفنا الأنصاب؟ ما ينصب من تمثال للتذكار ولغيره، أو للتعظيم والتبجيل، وما يصنع الآن بشعار لعب الأطفال، فما كان له هيكل كامرأة، كفتاة بالعينين والشعر وطوله ذراع لا يحل أبداً أن يوجد في بيت مؤمن ولا مؤمنة، لعب الأطفال التي أذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانت تزيد عن الشبر، وكانت من عيدان وتلف عليها خرقة وتقول: هذه عروس، وكانت في بيت عائشة

    ، أما هذه الأنصاب والأصنام فلا تحل أبداً.

    معنى الأزلام

    (( وَالأَزْلامُ ))[المائدة:90] جمع زلم، الأزلام: عبارة عن عيدان، كانوا في الجاهلية يستقسمون بها، والأصل أنهم كانوا يرمون بها السهام، وحين تصبح غير صالحة يجمعها الرجل في خريطة أو كيس، ويجلس في زاوية الكعبة، ومن أراد أن يعرف مستقبله يأتي إليه، أراد أن يسافر إلى الشام للتجارة يقول له: اضرب لي الأزلام؛ حتى أعرف سفري أفيه ربح أو فيه خسران، فيجيلها في الخريطة ويخرج عوداً منها مكتوباً عليه: أمرني أو نهاني، كل عود مكتوب عليه أمرني أو نهاني، فإذا أجالها وخلطها وخرج العود ينظر: فإذا كان فيه (أمرني) يقول: امش، واصل سفرك أنت رابح، وإذا جاء العود (نهاني) يقول: لا خير لك في هذا السفر. والذي يريد أن يتزوج كذلك، والذي يريد أن يطلق، مقابل ثمن يعطيه، يريدون أن يطلعوا على الغيب بهذه الطريقة الإبليسية، فقال تعالى فيما حرم في أول السورة: (( وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ))[المائدة:3]. وحل محل هذا ما يعرف بقرعة الأنبياء بين المسلمين في عصر جهلهم، ومثله ما يعرف بخط الرمل، يضع رملاً بين يديه ويخط عليه ويقول: تزوج أو طلق، وعند النساء يعرف أيضاً بالجزانة، امرأة كاهنة خاصة بهذه المهمة، ويستعملون حتى المسبحة، يجيل حباتها هل تأتي بالفرد أو بالزوج، وهذا نفس الاستقسام بالأزلام، كل هذا محرم بهذه الآية الكريمة، ومنه أيضاً التفاؤل، خرج على سيارته فسمع صوتاً ما هو بصالح فرجع، تطير بالصوت هذا وعدل، وقراءة الكف أيضاً، وكذلك القراءة في الفنجان. المهم: أن القرآن الكريم يذكر مسألة ولا يعدد كل ما هو واقع، ومن يقرؤه ويحفظه يستدل بواحدة على مائة، فكل ما كان يدعى فيه غلم الغيب ويظهر تحدياً لله واعتداءً على حقه فهو من هذا، الله ستر الغيب لأجلنا وأنت تريد أن تطلع عليه! وهنا مثل حسي: لو أن شخصاً ستر شيئاً تحت ثوبه، هل يجوز لك أن تأتي وتطلع عليه وتكشفه؟ أليس هذا محرماً عليك؟ فالله عز وجل -وهو علام الغيوب- غيب عنا أموراً فلا نطلع عليها أبداً، ما يجري غداً والله لا يعرفه أحد، فلم تأتي أنت وتحاول أن تكشف هذا وتعرفه؟ مع أن معرفته لن تصح ولن تكون، وإنما هو التدجيل والكذب وأخذ أموال الناس بالباطل. وأيضاً يجب ترك ذلك حياءً من الله، ما دام الله قد ستر هذا وجعله غيباً فكيف أحاول أن أكشفه وأن أعرفه؟! هذا سوء أدب مع الله، بل ظلم واعتداء.

    معنى قوله تعالى: (رجس من عمل الشيطان)

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ [المائدة:90]، هذه أربعة، كلها رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [المائدة:90]، أولاً: رِجْسٌ [المائدة:90]، بمعنى: خبث، نتن، عفونة، فساد، شر.

    وهي ثانياً مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [المائدة:90]، هو الذي يدعو إليها ويزينها ويحسنها ويحمل الآدميين على فعلها، فهل يرضى مؤمن أن يعمل عمل الشيطان؟

    نحن نلعن الشيطان ونستعيذ بالله طول حياتنا منه، فكيف نعمل عمله ونأتيه وأنا أعلم أنه هو الذي دعاني إليه؟! الله نهاني وهو يدعوني، رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [المائدة:90]، لأن الشيطان يريد إفساد الآدميين، لا يريد أن يسلم مؤمن وينجو من عذاب الله؛ لأنه وأولاده وذريته وأعوانه أهل خلود في النار، فلا يريدون أن ينجو إنسان ولا جان من عذاب الله، فهم يضعون هذه الشباك ليوقعوا فيها الآدميين ليفسقوا عن أمر الله ويخرجوا عن طاعته فيلعنهم كما لعن الشياطين.

    فهيا نتلوا الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:90]، لبيك اللهم لبيك، إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ [المائدة:90]، ما لها؟ رِجْسٌ [المائدة:90]، كلمة (رِجس) تجعل المؤمن لا يقدم عليها، هي وسخ، قذر، ما الرجس؟ أليس الإثم والوسخ؟ الرجس: اسم يخبث النفس، الرجس وسخ يفسد العقل، يفسد البدن، ثانياً: مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [المائدة:90]، كيف أعمل عمل الشيطان وأنا ألعنه كل يوم؟

    معنى قوله تعالى: (فاجتنبوه لعلكم تفلحون)

    وأخيراً يقول تعالى: فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة:90]، هذا أمر الله، فبناءً على ما علمتم أنه رجس ومن عمل الشيطان؛ إذاً: فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة:90]، ما معنى: اجتنبوه؟ أعطه جنبك لا تلتفت إليه ولا تنظر إليه، اتركوه.

    وإن قلت: لم يا رب؟ قال: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90]، أي: من أجل أن تفلحوا، والفلاح ما هو؟ النجاة من دخول النار، ثم دخول الجنة دار الأبرار، هذه -والله- هي النجاة، هذا هو الفلاح، هذا هو الفوز، دلوني على مؤمن أو مؤمنة يعرف هذا كما عرفته أنا الآن وعرفتموه أنتم معي، ثم يقدم على واحد من هذه الأربعة؟ والله ما كان، إلا إذا كان إيمانه مهزوزاً، ما هو بأصلي ثابت، بل شاك، ما استقر الإيمان بالله ولا بلقائه في نفسه.

    مراحل تحريم الخمر

    كان عمر رضي الله عنه يقول: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً. لأن الخمر ما حرمت في يوم واحد، حرمت بالتدريج في عدة آيات في البقرة وفي سورة النساء، لما حرمت في هذه السورة قال عمر : انتهينا يا ربنا.. انتهينا يا ربنا.. انتهينا يا ربنا.

    سأل بعض المؤمنين رسول الله عن الخمر والميسر؟ فأجاب الله بنفسه: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا [البقرة:219] حيث يصنعون الخمر ويبيعونها، فانكمش كثيرون من المؤمنين لهذه الآية، وبقي آخرون يشربون ويلعبون؛ لأن الصيغة ما هي بصيغة تحرم.

    ثم استضاف أحد الصحابة جماعة وسقاهم الخمر، وحضرت الصلاة فقام يصلي بهم وهم سكارى، فبعدما تغدوا وشربوا أقاموا الصلاة، فقالوا الباطل والمنكر، فنزلت آية النساء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء:43]، فأصبح لا يشربها مؤمن في أوقات الصلاة، يشربونها بعد العشاء إلى قبل الفجر، يشربونها بعد صلاة الصبح إلى الظهر، أما الأوقات التي هي قريبة من الصلاة فما يشربون فيها؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ [النساء:43] والحال أنكم سُكَارَى [النساء:43]، حتى يزول ذلك الإغفاء وتعرفوا ما تقولون.

    فاضطرب المسلمون أكثر، فـعمر أصبح يصيح: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90]، فقالوا: انتهينا.

    إيجاز تعريف الخمر والميسر والأنصاب والأزلام

    يا معشر المستمعين والمستمعات! لو سئلتم عن الميسر ما هو فماذا تقولون؟

    الجواب: كل لعبة بحديد، بكعاب، بخشب، يجتمع عليها اثنان أو ثلاثة فهي من الميسر، الآن يسمونها الورق، وكذلك البلوط، قل ما شئت حتى ولو كان اللعب ليس من ورائه فائدة فقد حرمه الله؛ لأنه يلهي عن ذكر الله وينهى عن الصلاة، ويوجد عداوة وبغضاء بين اللاعبين وهم المؤمنون.

    وهل عرفتم الأزلام؟ هي التي تسمى قرعة النبي، وخط الرمل، وكذلك بالمسبحة، بالكف، بالكأس، كل هذه الألوان -والله- داخلة تحت كلمة الأزلام، فلا يحل لمؤمن أبداً أن يحاول أن يكشف غيب الله وما هو بقادر عليه.

    وقد فتح لنا الرسول صلى الله عليه وسلم الباب الشرعي، فمن أراد أن يقدم على أمر زواج أو طلاق أو بناء أو هدم أو سفر وهو لا يعرف ما عند الله من الغيب فليصل ركعتين ويسأل الله عز وجل أن يوفقه لما فيه خيره، هذه هي صلاة الاستخارة، ما نحن في حاجة إلى كاهن ولا دجال كدانة ولا خزانة هذا طريقنا نحن، تريد أن تتزوج وما تدري هل في زواجك خير أم لا، فاستخر ربك، صل ركعتين، واخشع لله وقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن في زواجي أو طلاقي أو سفري خيراً فاقدره لي ويسره لي وأعني عليه، وإن كنت تعلم أنه لا خير لي فيه فاصرفه عني واصرفني عنه. ثم امش في عملك، فالذي تفعله هو الذي اختاره الله لك، هذه أبطل الله بها الأنصاب والأزلام وكل هذه الحيل الباطلة.

    ما الأنصاب الذي حرمها الله؟ هي جمع نصب، ما ينصب من تذكار، الآن لا يعبدونها، ولكنهم صنعوها كما صنع المشركون، فلهذا لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يعلق في جدار غرفته صورة لأبيه أو أمه أو أي إنسان كان، فهذا من الأنصاب، وأهل الضلال يجعل تمثال قط أو كلب في سيارته، أو صورة طير أو كلب وراء السيارة، هذه يفعله المؤمنون والله يناديهم ويحرم عليهم الأنصاب!

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [المائدة:90]، وهل بعد هذا تقدم على مثل هذا؟ فهو أولاً: وسخ وإثم، ثانياً: مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [المائدة:90]، فكيف يقوم المؤمن بعمله؟

    ثم قال تعالى: فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90]، من قال: لا أجتنبه فوالله ما أفلح، فربط فلاحنا باجتناب هذه المحرمات، والذي استباح هذه هل يبقى عنده محرم آخر؟ يستبيح كل محرم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ...)

    ثم قال تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [المائدة:91]، لا في الأزلام ولا في الأنصاب، في الخمر والميسر، يريد ماذا؟ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ [المائدة:91]، أن يوقع بين اللاعبين العداوة والبغضاء، فكم تضاربوا وتقاتلوا، وخاصة إذا كانوا يلعبون بالمال، يسب ويشتم وبعد ذلك يضربه. المهم: أن هذه الجلسة بين اثنين أو ثلاثة للعب -سواء كانت بالفلوس أو بدونها- هي من عمل الشيطان ودعوته، وعلل الله تعالى التحريم لنفهم ونفقه، قال: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ [المائدة:91]، وكل ما يوجد عداوة بين مسلمين أو بغضاء بين مؤمنين فهو -والله­- حرام إلى يوم القيامة؛ إذ لا يحل أن يعيش المؤمنون متعادين أو متباغضين، يجب أن يعيشوا متحابين متعاونين، فكل ما من شأنه أن يحدث العداوة والبغضاء فهو حرام، حتى ولو كان كلاماً، هل يجوز أن تقول كلمة توجد بها عداوة بين الناس؟ حرام لا يحل هذا، هي فتنة أوقدت نارها.

    فالله عز وجل وهو ولي المؤمنين حرم عليهم هذا؛ من أجل أن يبقوا متحابين متعاونين، لم يأذن لهم بهذا؛ حتى لا يصبحوا أعداء لبعضهم؛ لأنهم يحملون راية لا إله إلا الله، فإذا تعادوا وتباغضوا نزلوا وهبطوا.

    إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ [المائدة:91]، أتعرفون أن خير أعمالنا وأزكاها عند مليكنا وأعظمها أجراً هو ذكر الله؟ أما تعلمون أن ذكر الله كقوت للقلوب والأرواح، ما تركه أحد إلا هلك، فالشيطان يريد أن يجلس المؤمنون على طاولة اللعب ساعتين وثلاث لا يذكرون الله، ولو ذكروه لقاموا، قد تدوم الجلسة في بعض الأماكن الساعة والساعات لا يذكر فيها الله، فهل يجوز لمؤمن أن يقضي ساعات غير نائم وهو لا يذكر الله عز وجل وهو مخلوق للذكر؟ علة خلقنا ووجودنا أن نذكر الله.

    وَيَصُدَّكُمْ [المائدة:91] يصرفكم عن شيئين عظيمين: الأول: ذكر الله الذي لا يفارقنا أبداً. والثاني: الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وقد رأينا وسمعنا، فهل اللاعبين حين يؤذن الأذان يقومون يصلون؟ لا يصلون.

    وأخيراً يقول الجبار المعز المذل من بيده ملكوت كل شيء، يقول: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ [المائدة:91]، ما إن نزلت حتى قال عمر في غير شعور: انتهينا يا ربنا.. انتهينا يا ربنا. فهذا أبلغ من كلمة: انتهوا، فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ [المائدة:91] أم لا؟ من يتحدى ويقول: لن ننتهي ويبقي الكيرم في بيته يعبث به؟ إن المؤمنين في الشرق أو الغرب لو اجتمعوا على دراسة هذه الآية وحفظوها وفهموا معناها، فلا أشك أن هذه الأباطيل لن توجد بينهم ولن يقدم عليها أحد، وأكثر الذين وقعوا فيها وتورطوا ما عرفوا هذا، أو تلقوا فتاوى تائهة ضائعة من أهل الجهل وقالوا: ماذا في ذلك ما دام بدون فلوس ولا مال! فهل الله عز وجل حرمها لأجل الفلوس؟ أما قال: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [المائدة:91].

    وأخيراً: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ [المائدة:91]، انتهينا يا ربنا، وإن كنا ما لعبنا طول حياتنا، لكن نقول: انتهينا يا ربنا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ...)

    ويقول تعالى بعد هذا: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا [المائدة:92]، ماذا نحذر؟ نحذر المعصية، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [المائدة:92]، وقد حرم الله هذه المحرمات، وبلغ هذا رسول الله، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا [المائدة:92]، ماذا نحذر؟ المعصية لله والرسول، المخالفة لأمر الله والرسول ونهي الله والرسول، فقوله تعالى: (واحذروا) تهديد، لو قالها عسكري أو سلطان لارتعدت الفرائص، ولكن قالها الجبار جل جلاله وعظم سلطانه.

    وَاحْذَرُوا [المائدة:92] أن تعودوا لمثل ما حرم عليكم ونهيتم عنه وبين لكم علة ذلك وسبب ذلك النهي. فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ [المائدة:92]، أعرضتم، قلتم: ما نسمع هذا الكلام، ما نترك شيئاً عشنا عليه، ما نترك ما كانا نفعله، فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [المائدة:92]، وقد بلغ، وأنتم الآن إن توليتم فاعلموا أننا نيابة عن رسول الله بلغناكم، وبعد ذلك أمركم إلى الله العظيم!

    فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [المائدة:92]، وقد أدى ما عليه، قد بلغ وبلغكم وعرفتم، وحينئذٍ يترك الأمر للرب جل جلاله، هو الذي يبطش بالظلمة والفاسقين والمجرمين في الدنيا وفي الآخرة.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    وأخيراً أعيد تلاوة هاتين الآيتين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:90]، لبيك اللهم لبيك، قل يا رب، إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90]، وإن قلت: لماذا يا رب هذا؟ قال: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [المائدة:91]، أي: في لعبهما، وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ [المائدة:91]، انتهينا يا ربنا، قالها عمر بأعلى صوته: انتهينا يا ربنا. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [المائدة:92] في كل أمر أمركم به ونهي نهاكم عنه، إذ لا يأمر إلا بما يسعد ولا ينهى إلا عما يشقي ويردي والواقع شاهد، وَاحْذَرُوا [المائدة:92] المخالفة، احذروا المعصية، فإن أبيتم فقد بلغ رسول الله، أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [المائدة:92].

    والله تعالى أسأل إذا كان بيننا من يتعاطى من هذه المحرمات الأربع أن ينجيه منها وأن يذهبها من قلبه، وأن يصرف نفسه من الآن.

    وبلغوا أنتم إخوانكم، من سمع هدى أو خيراً فليبلغه، احذروا الصور في البيوت فإنها من الأنصاب.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966331917

    عدد مرات الحفظ

    711505491