إسلام ويب

تفسير سورة المائدة (35)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن القول على الله بغير علم، والافتراء عليه فيما يتعلق بألوهيته وربوبيته أمر عظيم، وقد حذر الله سبحانه وتعالى أهل الكتاب من الغلو في الدين، وترديد الأقوال التي يقولونها عن الله وأنه ثالث ثلاثة، وأن له صاحبة وولداً، وهم إنما استفادوا هذه الأقوال من غلاة اليهود والنصارى، ولم يستفيدوها من كتب الله ولا على لسان أنبيائه الذين يبلغون دين الله بصدق.

    1.   

    وقفة مع إرسال السلام على الرسول مع زائر المدينة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون.. ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والليالي الثلاث بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألفاً وسلم، قال: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة المائدة المدنية، المباركة، الميمونة.

    وبين يدي الدرس أعلم بعض الأبناء والإخوان الجاهلين بالسلام على الحبيب صلى الله عليه وسلم، إذ يقول أحدهم: لقد أوصاني فلان بأن أسلم له على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتيت المدينة النبوية، ويقول: لقد نسيت فما بلغت الأمانة ولا سلمت له على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا من الجهل وعدم العلم، من عدم المعرفة، فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يبلغ السلام بالواسطة أبداً، فنحن نصلي عليه وسلم بأي مكان من العالم العلوي أو الأرضي السفلي فيبلغه سلامنا مباشرة، فلا يحتاج إلى واسطة، ويدلك على هذا أننا ما صلينا في ليل أو نهار فريضة أو نافلة إلا قلنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ما نصلي ركعتين إلا ونحن جالسون بين يدي الله، ونبدأ بتحية الله: التحيات لله والصلوات والطيبات، أي: كلها لله، ثم نقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ووالله إنه ليسمعها أكثر من سماعكم لي، وقبل أن يكشف الله الغطاء ويزيح الستار عن هذه المغيبات كان المسلمون يؤمنون بما أمرهم الرسول أن يقولوه، ولا يدرون كيف، أما نحن ففي بيوتنا نتكلم مع الناس في الشرق والغرب في السماء والأرض، هل هناك من ينكر أن شخصاً في نيويورك تسلم عليه وأنت في المدينة؟ هل تقول: مستحيل؟ ما هو بمستحيل.

    ولما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ارتبك بعض الأصحاب، فقال الآن نقول: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، لا نقول: السلام عليك أيها النبي، فأيام كان يصلي بنا وأمامنا نواجهه بالخطاب ونقول: السلام عليك أيها النبي، أما وقد مات صلى الله عليه وسلم وهو في الملكوت الأعلى فنقول: السلام على النبي. فقال أهل العلم كـأبي بكر وعمر وغيرهما: لقد أمرنا الرسول أن نقول هكذا فيجب أن نقول هكذا، لا عبرة بحياته وموته، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.

    وقال صلى الله عليه وسلم: ( صلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني، وسلموا علي حيثما كنتم فإن سلامكم يبلغني )، آمن المسلمون قروناً عديدة وهم موقنون بأن السلام يصل والصلاة تبلغ، إلا أننا الآن بهذه الاكتشافات التي أزاح الله بها الستار وأصبحنا نحيي من بيننا وبينه آلاف الأميال، ويسمعنا ونسمعه بهذا الهاتف، والآن هل يبقى شك في قلبك إذا قلت: السلام عليك أيها الرسول أنه يسمع؟ يبلغه، فلست في حاجة إلى أن تقول: يا عبد الله! سلم لي على الرسول إذا زرت المدينة، لا معنى لهذا الكلام أبداً، إلا أن الشيطان يريد أن يحرمكم من الأجر فلا تصلي ولا تسلم، وتقول: سلم لي على الرسول، بل صل وسلم عليه أنت في مكانك يبلغه، هل فهمتم معشر المستمعين هذه الحقيقة؟ ألستم تقولون: السلام عليك أيها النبي في كل صلاة؟ أنت بين يدي الله، والله نصب وجهه لك ويسمع كلامك وتصلي وتسلم على نبيه فيبلغه ذلك، فالحمد لله.. الحمد لله.. الحمد لله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ...)

    وها نحن مع هذه الآيات المباركات:

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [المائدة:77]، هذه الآية عجب، يأمر الله رسوله ومصطفاه صلى الله عليه وسلم؛ لأن (قُلْ) فعل أمر أم لا؟ من الآمر؟ الله جل جلاله. من المأمور؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم. (قُلْ) يا رسولنا، قل أيها المبلغ عنا، قُلْ [المائدة:77]، ماذا؟ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ [المائدة:77]، من هم أهل الكتاب؟ اليهود والنصارى.

    وتقدم في آخر سورة النساء: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء:171]، فلا تكذبوا وتقولوا: عيسى ابن الله، ولا هو الله، ولا هو ثالث ثلاثة مع الله، هذا غلوا وافتراء وباطل، وهنا قال تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ [المائدة:77]، أولاً: النصارى قالوا: عيسى ابن الله، وقالوا: هو الله، وقالوا: هو ثالث ثلاثة، وهذا التثليث، هذا كذب، والله إنه لكذب، والله إنه لباطل، والله إنه لمنكر، وهذا هو الغلو والعياذ بالله، عيسى عبد الله وتقول: هو الله؟! تقول: دخل الناسوت في اللاهوت؟! والشياطين تزين الباطل وتحسنه ويمد الناس أعناقهم ويقبلون كل ما يقال لهم ويسمعون، فأين العقول؟

    يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [المائدة:77]، والغلو: هو الزيادة، وضد الغلو الهبوط، ضد الزيادة النقصان، إذاً: الوسط الوسط، وقد قال تعالى في تكريمنا: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143]، أمة الإسلام أمة وسط، لا إفراط ولا تفريط، لا غلو وازدياد ولا نقصان، ولكن العدل العدل.

    إذاً: لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ [المائدة:77]، النصارى قالوا: عيسى ابن الله. واليهود قالوا: عيسى ابن زنا، وليس ابن مريم ولا هو كلمة الله، فلاحظ الغلو في الذين قالوا: هو الله وابن الله، والنقصان والتفريط في الذين قالوا: ابن زنا وقالوا: ساحر، فاليهود يقولون: عيسى ساحر، أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص بسحره، ليس هو برسول الله.

    وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا [المائدة:77]، (أَهْوَاءَ): جمع هوى، والهوى -والعياذ بالله- هو ما تمليه النفس وتزينه الشياطين ويهوي به الإنسان إلى أن يصبح كالحيوان، ويسقط به ويهوي في جهنم، وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا [المائدة:77]، من هم؟ غلاة اليهود والنصارى، وَأَضَلُّوا كَثِيرًا [المائدة:77]، أضلوهم وأخرجوهم عن الحق؛ لأنهم يريدون أن يتبعوهم على هواهم وباطلهم، وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [المائدة:77]، وخرجوا عن الطريق المستقيم الموصل إلى رضا الله وسعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، هذا من رحمة الله، هذا من إحسان الله لعباده، يأمر رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن ينادي أهل الكتاب اليهود والنصارى بهذا العنوان، ويقول لهم: لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ [المائدة:77].

    وجوب عبادة الله بما شرع من غير زيادة ولا نقصان

    وإذا كان اليهود والنصارى نهو عن الغلو فهل نحن مسموح لنا بذلك؟ نحن قبلهم مأمورون بالعدل والاستقامة، لا إفراط ولا تفريط، لا غلو ولا نقصان، ولكن ما جاءنا عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إن كان عقيدة اعتقدناها، قولاً قلنا به، عملاً عملنا به، ولا نقدم ولا نؤخر ولا نزيد ولا ننقص، إذ الزيادة كالنقصان تبطل العمل وتفسده، ويصبح العمل لا يزكي النفس ولا يطهر الروح.

    إذاً: نؤمن بما آمن به رسول الله وأصحابه، ونقول ما قاله رسول الله وأصحابه، ونعمل ما عمل به رسول الله وأصحابه، ولا نزيد ولا ننقص لا غلو ولا إفراط ولا تفريط، نحن أولى بهذا، وإن كانت رحمة الله تجلت في بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158]، أبيضكم كأصفركم، وأولكم كآخركم، أنا مبلغكم عن الله ما به تسعدون وتكملون، فآمنوا واتبعوا، أما الزيادة والنقصان في الدين فمن شأن هذه الزيادة والنقصان أن تبطل الدين وتعطل الدين، وتعطل مفعوله ولا يصبح منجحاً ولا منجياً ولا يفوز به أحد، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ).

    سنة الله تعالى في تحصيل الطهارة بالعبادات

    وإليكم سر هذا: إن الطعام يشبع والماء يروي الشارب، والنار تحرق الأجسام، والحديد يقطع، هذه سنن لا تتبدل، فهل سيأتي يوم يصبح الآكل لا يشبع، والشارب لا يرتوي، والنار تدخل وتتمرغ فيها فما تحرق، والحديد لا يقطع أي جسم؟ كلا، سنة الله لا تتبدل.

    فكذلك العبادات التي شرعها الله لعباده، هذه العبادات سر شرعيتها -والله- من أجل تزكية النفس وتطهيرها؛ لأن السعادة كالشقاء متوقفان على زكاة النفس وخبثها، إذا زكت النفس، بمعنى: طابت وطهرت كما تطهر الثياب والأجسام، هذه النفس إذا زكت وطابت وطهرت قبلها الله ورضي عنها ورفعها إليه؛ لتسعد في عالم السعادة فوق هذه السماوات السبع، في ذلك العالم الأعلى، وإذا خبثت النفس وأنتنت وتعفنت ما قبلها ولا رضي عنها وجعل مصيرها الدركات السفلى في العالم الأسفل، واقرءوا: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [التين:1]، الله يقسم: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ [التين:1-5]، اللهم إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [التين:6]، الإيمان الصحيح والعمل الصالح من شأنهما تزكية النفس وتطهيرها، فمن آمن وعمل صالحاً زكى نفسه وطيبها وطهرها، فبمجرد أن يموت وتنفصل الروح عن البدن يعرج بها الملائكة إلى الملكوت الأعلى، لتبقى هناك فتسعد مع مواكب أربعة، قال تعالى في بيان هذا: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ [النساء:69]، إنسياً كان أو جنياً، أبيض أو أسود، في الأولين أو الآخرين، ذكراً كان أو أنثى، فقيراً أو غنياً، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ [النساء:69]، طاعة الله وطاعة الرسول في أي شيء يا عباد الله ويا إماء الله؟ فيما يأمران به وينهيان عنه، هل هناك شيء غير هذا في الطاعة؟ الذي يأمر الله تعالى بفعله أو قوله أو اعتقاده طاعة الله والرسول فيه تزكي النفس البشرية وتطهرها، وما ينهى الله ورسوله عنه من اعتقاد فاسد أو قول سيئ أو عمل غير صالح، ما نهى الله عنه ورسوله ففعله معصية لله والرسول، هذا الفعل يخبث النفس ويدسيها ويعفنها، ما تصبح أهلاً لأن يقبلها الله عز وجل.

    وقد علمنا الله هذا في كتابه لو كنا ندرس القرآن الكريم، أما جاء في سورة الأعراف قول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا [الأعراف:40]، ما لهم؟ أخبرنا يا رب عنهم؟ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأعراف:40-41]، الذين كذبوا بآيات الله ما عملوا بها، لو آمنوا لعملوا، ولكن استكبروا عنها، والمستكبر هل يعبد الله؟ هل يغتسل من جنابة ويصوم ويصلي؟ لا. لأنه مستكبر، هؤلاء المكذبون المستكبرون ماذا يقول تعالى عنهم؟ لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ [الأعراف:40]، حين يأخذ ملك الموت وأعوانه الروح ويستلونها من الجسم يعرجون بها، وحين يصلون إلى السماء الدنيا فيستأذنون للدخول بها فوالله لا يؤذن لهم: لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ [الأعراف:40]، ثانياً: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ [الأعراف:40]، إلا على مستحيل، هذا من باب أن يفهم البشر كلام الله، هل تعرفون المستحيل؟ إنه الذي لا يمكن أن يتم بحال، المستحيل: هو الذي لا يقبل العقل وجوده.

    إذاً: حتى نعرف ببساطة نقول: هل البعير الأورق -الجمل الكبير- يدخل في عين إبرة؟ مستحيل. إذاً: فصاحب الروح الخبيثة المنتنة المتعفنة بأوضار الشرك والذنوب والمعاصي مستحيل أن تفتح له أبواب السماء أو يدخل الجنة.

    فاسمع قول الله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ [النساء:69] من عربي أو عجمي، أبيض أو أسود أو أصفر، من ذكر أو أنثى، فَأُوْلَئِكَ [النساء:69]، أي: المطيعون، مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء:69]، كم موكباً؟ أربعة مواكب، وكل من يطيع الله والرسول فهو معهم، ومن لم يطع الله والرسول فوالله ما كان ولن يكون معهم، لماذا يا فقهاء.. يا بصراء.. يا أهل لا إله إلا الله، لماذا؟

    الجواب: لأن طاعة الله وطاعة الرسول تزكي النفس وتطهرها، ومعصية الله والرسول تخبث النفس وتدسيها، أمر واضح وضوح الشمس في النهار، وقد أقسم الجبار قسماً عظيماً عرفناه وكررناه، وهو قوله: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس:1]، هذه الصيغة صيغة يمين أم لا؟ كأنك تقول: والله الذي لا إله غيره. يقول تعالى: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:1-8]، هذه الأيمان من أجل ماذا؟ من أجل قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].

    يحلف الله بأعظم الأيمان والأقسام على هذه الحقيقة، وهي: قَدْ أَفْلَحَ [الشمس:9]، أي: فاز، نجا من النار ودخل الجنة عبد أو أمة زكى نفسه، وخاب وخسر خسراناً أبدياً عبد أو أمة أخبث نفسه ودساها، رمى فوقها قاذورات الذنوب والآثام.

    البرنيطة ورؤيا الشيخ رسول الله في المنام

    إذاً: معاشر المؤمنين والمؤمنات! الله يأمر رسوله أن ينادي أهل الكتاب؛ لأنه رسول الله إليهم، وإلى الإنس والجن عامة، يقول لهم: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171].

    فيا شيطان.. يا صاحب البرنيطة! اذهب عنا وانزعها من رأسك، أرأيتم كيف يصنع العدو بكم؟ أسألكم بالله: أيجوز هذا لأولادنا؟

    أقص عليكم رؤيا صادقة، منذ ثلاث وأربعين سنة لما أسقط عرش فاروق مصر، وحكم نجيب وعبد الناصر ؛ فماذا فعل الجهل فينا لما صرخ نجيب بالعروبة؟

    يوجد خياط في باب المجيدي يخيط بدلة صغيرة تسمى بدلة نجيب، والبدلة هي السروال والقميص والبرنيطة.

    وكنا قبلها في ديار المغرب، علماؤنا كعوامنا ما يضع برنيطة على رأسه إلا كافر فقط، وكانت الحكومة كافرة، ففرنسا كانت تحكم شمال إفريقيا، فالبوليس المسلم يعمل طربوشاً أحمر وهو بوليس، والبوليس الكافر يعمل برنيطة، حتى في الجيش الفرنسي المسلم يعمل طربوشاً والكافر يعمل برنيطة؛ إذ هي الحد الفاصل بين الكفر والإيمان، فلما جئت مهاجراً من هناك دخلنا المدينة في صفر أو في محرم، وجاء رمضان، فرجالات المدينة وأعيانها يأتون بأطفالهم يوم العيد لزيارة الحبيب صلى الله عليه وسلم، يأتي أحدهم وهو بعمامته وطفله كهذا الشيطان يلبس البرنيطة والبدلة، يسمونها بدلة نجيب.

    البرنيطة كما هي كأنها كابيتان فرنسي أو يطنان، وتألمت وتمزق قلبي: كيف هذا؟ يتحدون رسول الله، يأتون بأطفالهم هكذا يتبجحون؟ ما عرفوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال قاعدة لن تخرق أبداً: ( من تشبه بقوم فهو منهم )، ليستقل المسلم استقلالاً كاملاً، حتى لا يختلط بأهل الكفر في الزي والمنطق والحال، ( من تشبه بقوم فهو منهم )، لو اجتمع علماء الطبيعة والكون والنفس والسياسة فبالله الذي لا إله غيره ما استطاعوا ولن يستطيعوا أن ينقضوا هذه القاعدة المحمدية: ( من تشبه بقوم فهو منهم )، يعني: من أراد أن يكون مثل فلان في زيه، في منطقه، في أكله، في مشيته والله لا يبرح حتى يكون مثله، فمن القائل؟ أستاذ الحكمة ومعلمها، أما قال تعالى: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [البقرة:129]، فكان المسلمون مستعمرين ويحافظون على إسلامهم بالزي، ما يلبس كما يلبس اليهودي أو النصراني؛ ليبقى مستقلاً بدينه.

    وتألم الشيخ وتحرق، ويومها كان شاباً، وبدأنا بالتدريس والحمد لله، رحم الله الملك سعود وتغمده برحمته، قدمنا له معروضاً فقال: باسم الله درس، وإذا بي في رؤيا منامية واحفظوها: رأيتني أمام باب السلام هذا الموجود، ولكن كان بين الباب وبيني حفرة واسعة وعميقة، وفي وسطها جنازتان، نعشان مسجان، وأنا واقف، وإذا بإحدى الجنازتين تجلس على النعش، ألا وهو أحمد الزهراني حبيبنا من شرطة المسجد، يجلس بعمامته الخضراء على رأسه، فقلت: سبحان الله! إذا كان الشرطي حياً فالرسول من باب أولى، ففهمت أن النعش الآخر للرسول صلى الله عليه وسلم، فجأة وإذا بالرسول صلى الله عليه وسلم واقفاً وتلك الحفرة قد انتهت، وأنا أقول: يا رسول الله! استغفر لي.. يا رسول الله! استغفر لي، والله إني لفي رعشة وعجب في ذلك الموقف، فنظر إلي بوجهه النوراني وقال: أرجو، فما تبينت هل هذا فعل مضارع أو فعل أمر؟ إذا كان أمراً يقول لي: ارج، أي: أنا أرجو أن يستغفر لي، وإذا كان الفعل مضارعاً فهو صلى الله عليه وسلم يقول: أنا أرجو أن نستغفر لك.

    وفجأة وإذا كرسي حجري طويل أبيض إلى جنب باب السلام والرسول صلى الله عليه وسلم جالس عليه كالبدر، وأنا واقف مندهش، وإذا بطفل من هؤلاء يقف بيني وبينه ببدلة نجيب وبرنيطة نجيب، فوالله الذي لا إله غيره لقال بيده هكذا: أبمثل هذا يبتغون العزة؟ والاستفهام للإنكار والتعجب، ومن ثم فالعرب في مهانة وذل، واليهود يذلونهم في كل معركة؛ لأن عبد الناصر ونجيباً فرضا على العرب أن يوحدوا جيوشهم بالبرنيطة، ومن ثم هل أعزنا الله؟ هل انتصرنا على اليهود؟ فكم من معركة نخرج منها مهزومين، وهذه عبرة أم لا؟ والحمد لله، فترك أهل المدينة تلك البرنيطة لأولادهم، ما إن سمعوا الرؤية وتكررت كذا يوماً أو شهراً حتى انتهت، وفجأة الآن وجدناها تظهر من جديد، من هم الشياطين؟ الذين يوردونها من التجار ويبيعون لأطفال المسلمين، هم لا يعدون هذا شيئاً أبداً، ولكن أهل البصيرة يعرفون أنهم يريدون أن ينزلوا بنا من علياء السماء إلى هذه الأرض الهابطة شيئاً فشيئاً حتى يصبح نساؤنا كنسائهم، ورجالنا كرجالهم، وحكامنا كحكامهم، وجيوشنا كجيوشهم، إذاً: ماذا بقي للإسلام؟ انتهينا، فزغردي يا إسرائيل فقد انتصرتِ. فهل تذوقتم هذا؟ هل حفظتم القاعدة المحمدية: ( من تشبه بقوم فهو منهم )، أحب أم كره، يوماً فيوماً وهو يتشبه حتى يصبح على مستواهم العقلي والذوقي في الحياة كلها، فلا إله إلا الله، محمد رسول الله، متى نفيق من صحوتنا؟ متى نرجع إلى طريقنا؟ كبلونا، قيدونا، أبعدونا، هل تقوم لنا الحجة يوم القيامة على الله؟ إذا قلنا: يا رب! هم فعلوا بنا هذا؟ فهل سيقول: لا بأس فأنتم ظُلِمتم، أنتم مقهورون، ادخلوا الجنة؟ والله ما كان، الذي يعذر هو المضطهد المعذب بالحديد والنار على أن يقول كلمة الكفر، أو على أن يسلك سبيل الشياطين بالحديد والنار، هذا معذور، قال تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106]، أما نحن فنجري وراء الغرب، وراء شهواتهم ولذائذهم، ونتفنن بفنونهم في الملبس والمأكل والمشرب والمنكح والمنطق والذوق والعمل ثم نقول: نحن مقهورون! أيقبل هذا الكلام؟

    من قهرنا؟ من أذلنا؟ قلت لكم: فرنسا كانت حاكمة وبريطانيا، وما استطاعت أن تجبرنا على النصرانية أو على اليهودية حتى في الزي، فهيا نخرج من هذه المحنة، باسم الله، وقد يقال: لا نستطيع؟ لم؟ هل هناك أغلال في أرجلنا وأعناقنا؟ لا والله أبداً، بل حرية كاملة، اعبد الله في العالم بأسره، ما هناك من يطردك أو يبعدك عن عبادة الله، لا في أوروبا ولا أمريكا فضلاً عن عالم الإسلام والمسلمين، فقط سحرونا فاستجبنا.

    المخرج من أزمة المسلمين المعاصرة

    هيا نبحث عن المخرج، ولندع الجماعة الهائجة الذين يبحثون عن الحاكمية والخلافة، يحلمون، ولو جاء عمر بن الخطاب أيستطيع أن يفعل شيئاً؟ لا يستطيع، حتى يهذبنا ويربينا وحتى يرانا مؤمنين موقنين مستقيمين، ذكرنا لله، وقلوبنا مع الله، حينئذٍ إذا أمر يطاع، فالرسول صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة، فهل أمر بأن تقام دولة الإسلام أو يقام حد في مكة؟ هل أذن لأصحابه أن يغتالوا كافراً؟ والله ما أذن. هل أذن لأصحابه أن يلعنوا ويسبوا الكفار والمشركين؟ ما أذن في هذا، واقرءوا سورة الأنعام: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ [الأنعام:108]، في مكة ما أذن الله ولا رسوله لمؤمن من أولئك المؤمنين وهم يعذبون ويضطهدون أن يغتالوا أو يقتلوا أو يسبوا أو يشتموا ثلاث عشرة سنة، ولما نزل المدينة النبوية هل أمرهم أن يغتالوا واحداً أو يقتلوا مشركاً أو كافراً أو منافقاً؟ حتى وجدت الأمة وأصبحت قادرة على أن تقاوم الكفر والكافرين، فنزل قول الله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [الحج:39-40].

    إذاً: الذين يطالبون بالجهاد والخلافة والله إنهم لمخطئون، بالله الذي لا إله إلا الله غيره! إنهم لواهمون، والله! إنهم ليعيشون في متاهات، وقد ذقنا المرارة وآلام من هذه الصيحة في عدة بلاد حتى هبطنا.

    الطريق: هو أن نؤمن إيماناً حقاً، وأن نجتمع في بيوت ربنا، نبكي بين يدي مولانا، لا نسب ولا نشتم ولا نعير ولا نقبح ولا نكفر ولا نسخر ولا نستهزئ بكافر ولا بمؤمن، ولكن نجتمع في بيوت ربنا نستمطر رحماته نتعلم الكتاب والحكمة، نساءً ورجالاً وأطفالاً، فإذا أهل البلد أو الإقليم عرفوا الله عز وجل معرفة يقينية وأعطوه قلوبهم ووجوههم واستقاموا على منهجه الحق عقيدة وسلوكاً؛ فحينئذٍ طابوا وطهروا، والله لو رفعوا أكفهم وسألوا الله أن يزيل الجبال لأزالها، لو قالوا: الله أكبر ودخلوا فلسطين لشرد اليهود وهربوا ولو بغير سلاح، أما ونحن كل يوم نزداد هبوطاً، العقائد تذوب وتتحلل، الأخلاق تذوب، الأطماع تزداد، الشره والطمع والتكالب على الدنيا وشهواتها، فكيف نعالج، كيف نعود؟

    من أين نبدأ؟ نبدأ بما بدأ الله به ورسوله: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ [النور:36-37]، من هنا نبدأ، أهل القرية يوسعون جامعهم حتى يتسع لأفرادهم نساءً ورجالاً وأطفالاً، أهل الحي في المدن، كل مدينة فيها أحياء، أهل الحي يوسعون جامعهم حتى يتسع لأفرادهم نساءً ورجالاً وأطفالاً، وإذا دقت الساعة السادسة مساءً وقف دولاب العمل، وتطهر النساء والرجال وجاءوا إلى بيت ربهم يبكون بين يديه، يصلون المغرب هكذا كما صلينا، والنساء وراء ستارة والفحول أمامهن والمعلم يجلس لهم كمجلسنا هذا، والتعليم: قال الله وقال رسوله، لا مذهبية ولا طائفية ولا حزبية ولا وطنية، مسلمون أسلموا قلوبهم ووجوههم لله، نور الله بين أيدهم وبرهانه فيهم، هذا رسول الله، وهذا كتاب الله، يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء:174-175].

    سنة واحدة في القرية أو في الحي وأهله يجتمعون يتعلمون فما تبقى فوارق ولا نزعات أبداً، لا تقل: أنا مالكي ولا شافعي ولا حنبلي ولا إباضي ولا زيدي ولا إثني عشري، بل مسلم تدرس كتاب الله، قال الله جل جلاله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران:102-103].

    ولا تسألني عن نتائج هذا الاجتماع على الكتاب والسنة، والله ما يبقى مظهر من الفقر المدقع ولا الظلم ولا العبث ولا الجهل ولا الشرك ولا الخرافة ولا الضلالة، وتصبح تلك القرية كأنهم أسرة واحدة يعيشون كأيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما هناك من يفتح عينيه ظلماً أو يقول كلمة سوء أو يمد يديه اعتداء على إخوانه، والله ما كان ولن يكون، ثم ماذا يظهر؟ تتجلى حقائق الرحمة الإلهية في عباده، وفي يوم من الأيام نقول: الله أكبر فتسقط الدنيا أمامنا، وغير هذا الطريق والله لا طريق، وكل يوم نزداد هبوطاً، فهيا نرجع إلى الله يا عباد الله.

    أسألكم بالله: أي بلد إسلامي منع أهله أن يجتمعوا في بيت الله يدرسون كتاب الله وسنة رسوله؟ نعم وجد الآن في بعض البلاد، لكن بعد أن أوقدنا نار الفتنة وأججناها وأشعلناها فينا، لا بد أن نصلح أولاً، أن نعلن عن خطئنا وزلاتنا ونتوب إلى ربنا في صدق، ويومها يفتح الله أبواب السماء، أما هكذا فسنزداد كل يوم هبوطاً، وفساداً في العقائد، في الآداب، في الأخلاق، تسيطر الشهوات وأطماعها واللذات والملاهي، فلا إله إلا الله! من ينقذنا؟ ما يبقى إلا أن نقول: النجاة.. النجاة. يا عبد الله! اطلب النجاة لنفسك وإن هلك أهل القرية كلهم، يا عبد الله! اطلب النجاة لنفسك وإن هلك كل من في البلاد، اطلب النجاة لنفسك، قل: أنا مسلم فقط، واسأل كيف تعبد ربك وكيف تتملقه بطاعته وعبادته، على ضوء (قال الله قال رسوله)، وانتظر الموت لتنجو من فتنة الدنيا وعذاب الآخرة، هذا هو الطريق، هذا سبيل الله، هذا سبيل النجاة، يا علماء! أين أنتم؟ اجمعوا أمتكم على كتاب الله وسنة رسوله، علموهم الآداب والأخلاق السامية، لا سب ولا شتم ولا تعيير ولا تكفير ولا نقد ولا طعن، ليس من شعارنا هذا أبداً، المسلم لا يقول كلمة السوء طول حياته، المسلم لا يمد يده بسوء أبداً لأي أحد كان إنسياً أو جنياً، لو قام العلماء بهذا ونهضوا، وقد قدمنا لهم رسالة بعنوان: (كتاب مفتوح إلى علماء الأمة وحكامها)، يا علماء! زوروا حكامكم وتفاهموا معهم، واجمعوا أمتكم في بيوت الله هذه الساعة والنصف، وباقي الساعات في المزارع والمصانع، اشتغلوا وأنتجوا، زكوا أنفسكم وطيبوا أرواحكم وتهيئوا للملكوت الأعلى دار السلام؛ فإن الله قد أصدر حكمه: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].

    اللهم أعنا على تزكية أنفسنا وتطهير قلوبنا وتطهير أرواحنا، واجمعنا مع مواكب النبيين والصديقين والشهداء والصالحين يا رب العالمين.

    وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.