إسلام ويب

تفسير سورة المائدة (15)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحسد جريمة عظيمة وذلك لما يترتب عليها من الآثار السيئة، ومن ذلك ما قام به قابيل من قتله لأخيه هابيل لما حسده على قبول قربانه الذي قدم، فكانت أول جريمة قتل على وجه الأرض، وصارت سنة القتل جارية في بني آدم، فكلما قتل إنسان إنساناً على مدى الدهر انبعثت هذه السنة، وحمل ابن آدم الأول من الإثم مثل ما يحمله القاتل.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة المائدة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والليالي الثلاث بعدها ندرس إن شاء الله كتابه القرآن العظيم، رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    معاشر المستمعين والمستمعات! في الدرس السابق من التفسير أخذنا هذه الآيات فنسمع تلاوتها أولاً، ثم نقف على نتائجها الطيبة رجاء أن ينفعنا الله تعالى بها.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:22-26].

    هذا الموقف الذي وقفه بنو إسرائيل لا يقفه ذو علم وبصيرة، وذو إيمان ويقين، وهو أنهم قالوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24] هل يصدر هذا عن مؤمن عالم عارف بربه؟ هذه كلمة كفر إذا تعمدها العبد، ولكنهم جهال، إنه الجهل والهبوط والسقوط ولا لوم ولا عتاب، عاشوا أجيالاً تحت فرعون يسومهم الخسف والعذاب، فكيف يعرفون؟ كيف يعلمون؟ كيف يرتقون بآدابهم وأخلاقهم؟

    هذه نتائج البعد عن الله وكتابه وشرعه، فلا عجب أن يتعجرفوا هذه العجرفة ويقولوا لنبيهم: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24].

    قال تعالى: قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:26].

    هذه العقوبة التي عاقبهم الله بها، وهي أنهم يقضون أربعين سنة في تيهان، لا ينزلون منزلاً حتى يخرجوا منه، يتنقلون في صحراء سيناء أربعين سنة، ولولا منة الله ولطفه ورحمته عليهم حيث أنزل عليهم الغمام والمن والسلوى لكانوا يهلكون، ولكن بركة موسى وأخيه ويوشع وكالب ، بركة أولئك الصالحين نفعتهم بإذن الله، ثم لما مات هذا الجيل الهابط الساقط ونبتت نابتة صالحة فربيت في حجور الصالحين فتح الله عليهم ودخلوا أرض القدس وسادوا فيها وملكوا وحكموا.

    1.   

    قراءة في تفسير قوله تعالى: (قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها... ) وما بعدها من كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    بيان جبن اليهود وسوء أدبهم مع ربهم وأنبيائهم ]، لو كانوا علماء فهل سيقولون ذلك القول؟ لو كانوا شجعاناً أبطالاً فهل سيحجمون ويتأخرون ولا يقاتلون والله معهم وموسى يقودهم؟

    [ ثانياً: وجوب البراءة من أهل الفسق ]، يجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يتبرأ من الفسق وأهله، ولا ينضم إليهم ولا يساندهم ولا يرضى عنهم، وإلا انتقل الفسق إليه وأصبح خليقة من أخلاقه وهلك مع الهالكين.

    [ وجوب البراءة من أهل الفسق ببغض عملهم وتركهم لنقمة الله تعالى تنزل بهم ]؛ إذ قال تعالى: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:26]، لا تحزن ولا تكرب واتركهم لله ينتقم منهم. ومن هم الفاسقون؟ الذين خرجوا عن طاعة الله ورسوله وعاشوا بعيدين عن شرع الله، هؤلاء يتحطمون ويخسرون، فموالاتهم والأسف عليهم والحزن على ما يصيبهم ليس من شأن المؤمنين؛ لأن الله قال لنبيه موسى: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:26].

    [ ثالثاً: حرمة الحزن والتأسف على الفاسقين والظالمين إذا حلت بهم العقوبة الإلهية جزاء فسقهم وظلمهم لأنفسهم ولغيرهم ].

    ولو نظرنا إلى حال المسلمين فسنجد البلاء ينزل بهم والمحن والإحن والويلات، فهل نحزن ونكرب؟ لا نحزن ولا نكرب؛ لأنهم ظلموا أنفسهم وتعرضوا لعذاب الله، لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء:123]، فبدل أن نكرب ونحزن ندعوهم إلى أن يستقيموا على منهج الله، ندعوهم إلى أن يتوبوا إلى ربهم ليرفع البلاء عنهم، أما أن نكرب ونحزن لما أصابهم الله به بسبب فسقهم فهذا يتنافى مع توجيه الله لموسى؛ إذ قال: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:26].

    فلنحذر الفسق يا عباد الله، لا نخرج عن طاعة الله وطاعة رسوله ونحن أحرار غير مكرهين ولا ملزمين، فلنلزم باب الله نقرعه، نؤمن بما أمرنا أن نؤمن به وننهض بما أمرنا أن ننهض به، ونتخلى ونتجنب كل ما من شأنه أنه يبغضه تعالى ولا يريده.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قرباناً ...)

    والآن مع هذه الآيات الجليلة العظيمة، فاسمعوا تلاوتها، وتأملوا لتفهموا كلام الله، لو كان آباؤنا وإخواننا يدرسون القرآن هكذا كل ليلة لعلموا كل ما فيه، لكن هجروه هجراناً كاملاً، ولا يقول أحد: قال الله، ويقرءونه على الموتى، يقرأ السورة من أولها إلى آخرها ما يعرف حكماً فيها، ولا هداية؛ لأنه ما رغب في ذلك ولا قصده ولا أراده ولا دعي إليه ولا جلس ليسمع ذلك ويتعلمه، كأنه لغة أجنبية يسمعها، وهذا عرفناه ومعروف.

    قال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [المائدة:27-31].

    كلام من هذا؟ هذا كلام الله، فكيف وصلنا؟ من طريق كتابه ورسوله، فهل البشرية تعرف هذا غير أهل الإسلام والقرآن؟

    يقول تعالى: وَاتْلُ [المائدة:27] يا رسولنا، يا نبينا، هذا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى (اتل): اقرأ، فعلى من يقرأ؟ على الذين تآمروا على قتله من بني النضير، على أعدائه الألداء وخصومه الأشداء اليهود الذين كشف النقاب عن حالهم، وأراهم مواقفهم والعياذ بالله.

    وَاتْلُ عَلَيْهِمْ [المائدة:27] يا رسولنا، وكانوا بالمدينة يسمعون، يجلسون مع الرسول ويسمعون القرآن أيضاً، وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ [المائدة:27] والنبأ: الخبر العظيم، ما كل خبر يقال فيه: نبأ إلا إذا كان ذا شأن عظيم.

    وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ [المائدة:27]، ولدي آدم، وهما هابيل وقابيل ، وعرفنا اسميهما بالوحي الإلهي، أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، فهابيل وقابيل هما ابنا آدم أبي البشر، أول إنسان هبط إلى هذه الأرض مع زوجه، خلقه الله في الملكوت الأعلى، في الجنة دار السلام، ثم لما عصى أبعده من دار النعيم إلى دار الابتلاء والعذاب والشقاء.

    اقرأ عليهم يا رسولنا نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ [المائدة:27] النبأ بالحق الذي لا يمكن أن يتطرق إليه كذب أو باطل؛ لأن الله هو الذي أنزله بالحق، فهو ملازم مصاحب له.

    معنى القربان وبيان ما قرباه

    إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا [المائدة:27] أي: قرب كل واحد منهما قرباناً، والقربان ما يتقرب به إلى الله من الطاعات والعبادات، القربان: ما يقربك إلى الله، تقدم شيئاً لوجه الله ليرضى عنك ويقبلك، تتقرب به إليه لتكون من المقربين، وهل أنتم تتقربون؟ جلوسنا هذا قربان، من جاء ليسمع الهدى ويسمع كلام الله، وأراد أن يتقرب إلى الله، وهذا هو القربان.

    أعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر هذا القربان: أن قابيل كان عنده زرع فاختار الفاسد منه، والسيئ والذي ما يصلح، قالوا: ورأى سنبلة طيبة فأكلها أيضاً، لما قدم ذاك النصيب من السنبل تقرب به إلى الله، وشاهد فيه السنبلة ذات حب سمين فأكلها، فهذا قرب قرباناً، فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا [المائدة:27]، قربان هابيل تقبله الله؛ لأنه كان بطبيب نفس ورضا نفس، وحب التقرب إلى الله، ومن ماله الحلال، وقدمه لله عز وجل، وكانت تأتي النار لتأكله، فما هناك من يتصدق عليه.

    إذاً: أرادا أن يتملقا إلى الله ويتزلفا إليه، وفي وقتهما ما كان هناك فقراء ولا مساكين، هما أول من وجد، فكيف يتقرب؟ يختار أحسن شيء ويقدمه لله، وتأتي نار فتأكله، وهذا كان حتى في جهاد بني إسرائيل، فالغنائم ما تقسم عليهم كالمسلمين، ما أحلت لهم، تأتي نار فتحرقها.

    نفسية الحسد في كلام قابيل وإفصاح هابيل عن شرط قبول العمل

    إذاً: فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا [المائدة:27] أي: من هابيل ، وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ [المائدة:27] وهو أخوه الثاني قابيل .

    فحمله الحسد، وهو طبع إنساني وغريزة بشرية قل من يسلم منها، وإن وجدت وعالجها العقلاء فإنها تزول ويبرأ العبد منها ويشفى، فقال له: لَأَقْتُلَنَّكَ [المائدة:27]، كيف يتقبل الله قربانك -وكان قدم كبشاً- وأنا لا يتقبل مني قرباني؟! إذاً: والله لأقتلنك. حمله على ذلك الحسد: كيف ستنجح وأنا ما أنجح، دخلنا الامتحان فكيف أنت توظف وأنا لا أوظف، وهكذا من هذا النوع.

    لَأَقْتُلَنَّكَ [المائدة:27] هذه لام القسم: والله لأقتلنك. فأجابه الأخ الكريم قائلاً: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27]، فلو كنت متقياً له لتقبل منك، تقبل مني لأني من المتقين، ومن هم المتقون؟ المطيعون لله، الراغبون فيما عنده، المحبون له، العاملون بكل ما يرضاه ويحبه، الذين يتقون سخطه، غضبه، عقابه بفعل ما يحب أن يُفعل وبترك ما يحب أن يترك.

    وهذه الجملة ستبقى خالدة إلى يوم القيامة: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27]، فالفجار لو تصدقوا بالملايين ما ينفعهم، فحين تتصدق بالمال حرام هل يقبل منك؟

    إذاً: إنما يتقبل الله دائماً وأبداً من المتقين، يتقبل منهم ما يتقربون به إليه صلاة، وصياماً، وحجاً، وجهاداً، ورباطاً، وصدقات، وأذكاراً، وتسبيحاً، ودعاء.. لا يتقبل إلا من المتقين، إما أن تكون منهم وإلا فكل أعمالك مردودة عليك بنص هذه الآية: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27] فهيا نكن من المتقين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك...)

    ثم قال له: لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي [المائدة:28]؛ لأنه قال: لأقتلنك، فقال: لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ [المائدة:28]، وبسط اليد مدها. لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ [المائدة:28] لماذا؟ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [المائدة:28] سبحان الله! أحداث مرت عليها آلاف السنين وننتفع بها نحن كأنها نزلت علينا! لم لا أبسط يدي إليك لأقتلك؟ لأني أخاف الله رب العالمين، وأنت لما كنت لا تخافه اقتل.

    ولا منافاة بين هذا وبين قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من مات دون ماله فهو شهيد )، فإنه يجوز أن تدافع عن مالك حتى تموت وتقتل، ويجوز أن تفوض أمرك إلى الله ولا تقتل، فتقول للصائل: خذ هذه البقرة أو هذه الشاة ولا تقتل.

    إذاً: قال: لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [المائدة:28]، من هم العالمون؟ كل مخلوق هو عالم، العوالم علوية وسفلية كلها الله خالقها وهو ربها، لكن إذا أطلق لفظ العالمين بهذا الجمع فيراد به العقلاء: الملائكة والإنس والجن، وكل ما سوى الله تعالى عالم، أي: علامة على وجود الله تعالى، فنحن الآن علامة على وجود خالق خلقنا، فنحن من العالمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار...)

    قال: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ [المائدة:29]، أريد أن تبوء بمعنى: ترجع، باء يبوء: إذا رجع، ترجع إلى القيامة بإثمي وإثمك، إني أريد بعدم قتلك أن ترجع إلى الله بإثم قتلي وبإثمك أنت الذي فعلته قبل قتلي، تعود بحملين من الآثام، فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [المائدة:29] هذه جملة قالها تعالى وقالها هابيل : وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [المائدة:29].

    قال: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ [المائدة:29] أن ترجع إلى الله يوم القيامة وأنت حامل إثمين: إثمي أنا بقتلي، وإثمك أنت من الجرائم والموبقات التي فعلتها، فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ [المائدة:29] أي: أهلها الملازمين لها الذين لا يفارقونها؛ لأن النار عبارة عن عالم شقاء من دخله فهو مصاحب له، وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [المائدة:29] أي: الخلود في النار جزاء الظالمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين)

    قال تعالى: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ [المائدة:30].

    فَطَوَّعَتْ لَهُ [المائدة:30]، من هي هذه المجرمة الخبيثة المنتنة؟ نَفْسُهُ [المائدة:30]، زينت له وهونت عليه أن يقتله فقتله، لو كانت نفسه ما هي بمريضة ووقفت وقالت: كيف تقتل أخاك؟ كيف تزهق روحاً؟ ما كان يقدم على هذا، لكن النفس هي ذاته.

    فهل عرفتم قيمة النفس الآن أم لا؟ في العامة يقال: النفيسة، إنها النفيسة الخسيسة تزين الباطل وتحسن القبيح، وتدفع الإنسان إلى أن يفعل ما لا يحمد عليه، ونحن مأمورون أن نستعيذ بالله من شر نفوسنا: اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي. ولكن النفس إذا أنت روضتها وربيتها ومرنتها يوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام تصبح زكية طيبة طاهرة، أما بدون رياضة ولا تربية ولا تمرين فوالله ما ينفع.

    وقد قال تعالى قصة يوسف عليه السلام حكاية عنه: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي [يوسف:53]، وقال تعالى: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [القيامة:1-2]، وقال تعالى: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30].

    اللهم إنا نسألك نفساً مطمئنة تؤمن بلقائك وترضى بقضائك وتقنع بعطائك.. اللهم إنا نسألك نفساً مؤمنة تؤمن بلقائك وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك.

    وللنفس مراحل: أولاً: النفس الأمارة بالسوء، فإذا أخذت تروضها على الحق وتمرنها على الخير تصبح لوامة، واللوامة تدفعك أولاً إلى فعل المنكر أو الباطل، فإذا فعلته تشعر بالحزن والألم وتلومك: كيف تفعل هذا؟ فواصل علاجها عاماً بعد عام حتى تصبح مطمئنة لا تستريح إلا إلى طاعة الله، ما تقوى أبداً على معصية الله، ما تشعر بالهدوء والسكينة والطمأنينة إلا إذا انغمست في الذكر أو الصلاة أو العبادة.

    فالنفس أمارة بالسوء، والسوء: كل ما يسوء ويضر، هذه طبيعتها، فإن أخذت تروضها وتربيها بالعبادة والطاعات، وتمرنها على الأخلاق والآداب فترة من الزمن تصبح لوامة، تشعر بها أنها أخذت تلين الآن، بدليل أنك إذا فعلت معصية لامتك وتألمت، وبعد فترة من الزمن عام أو عامين أو عشرة أو ساعة بحسب ما وهبك الله من الرياضة تصبح لا ترتاح إلا للطاعة، إذا دخلت في الصلاة كأنك دخلت في جنة عدن.

    قال تعالى: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ [المائدة:30] هذه المريضة التي ما ربيت ولا روضت على الطاعة، طوعت له نفسه ماذا؟ قَتْلَ أَخِيهِ [المائدة:30] هابيل فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة:30]، ومن أعظم خسرانه أنه ما من نفس تموت ظلماً إلا وعلى قابيل جزء ونصيب منها، ما من نفس تموت ظلماً في الأرض إلا وعلى قابيل نصيب وكفل من تلك الجريمة، لأنه أول من سن القتل، وفي الحديث: ( من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه...)

    قال تعالى: فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ [المائدة:31] لأنه أول موت يقع، أول من يموت، فأخذ يحمله على ظهره والدم يسيل، فماذا يصنع؟ إذاً: فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا [المائدة:31] والغربان تعرفونها وما أكثرها في ديارنا، طائر أسود غربيب، جاء هذا الغراب ومعه غراب آخر يسحبه ويجره قد قتله، فكان يبحث في الأرض برجليه ويرمي بالتراب على ذلك الميت لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي [المائدة:31] أي: يستر سَوْأَةَ أَخِيهِ [المائدة:31] أي: جثة أخيه الميت؛ إذ السوأة وإن كانت تطلق على العورة لكن تطلق على كل ما يقبح النظر إليه، وهل هناك من يستريح إلى نظر الميت؟

    فقال هذه الكلمة وسجلها الله لنا: قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ [المائدة:31]، يلوم نفسه، أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي [المائدة:31] كما وارى الغراب سوأة أخيه، أي: جثة أخيه، فبذلك فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [المائدة:31].

    هذا كلام من؟ هل كانت العرب تعلم هذا وتسمع به؟ من من البشر سوى أهل الكتاب؟

    يقول تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [المائدة:27-31].

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    هيا مع هداية الآيات:

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: مشروعية التقرب إلى الله تعالى بما يجب أن يتقرب به إليه تعالى ]، أخذنا هذا من قوله تعالى: قَرَّبَا قُرْبَانًا [المائدة:27] نتقرب بما يحب الله لا بما يكره الله، وهل تتقرب إلى الله بقتل مؤمن؟ ما هو بمعقول أبداً، هل تتقرب إلى الله ببرميل خمر توزعه؟ إذاً: مشروعية التقرب والتملق إلى الله تعالى بما يحب عز وجل، فما هي محاب الله؟ هي الذكر، الصلاة، الصيام، الصدقات، الجهاد، الدعاء.. العبادات كلها مشروعة للتقرب.

    والبدع والشركيات والخرافات التي يتقرب بها الجهال إلى الأنبياء والأولياء كلها باطل والله ساخط عليهم، ما هي بقربان، فتقرب بما يحب الله أن تفعله له وتقربه، لا بد من معرفة هذا، فالذين ما يعرفون محاب الله كيف يتقربون بها؟

    وهناك أمر آخر: تتقرب إلى الله بترك ما يبغض الله، تقول: أتقرب إليك يا رب من الليلة بألا ألوث فمي برائحة الدخان، ويقبلك، أردت أن تطيب فاك بذكر الله.

    قال: [ ثانيا: عظم جريمة الحسد وما يترتب عليها من الآثار السيئة ]، أخذنا ذلك من قوله: (لأقتلنك)؛ لأنه شاهد أنه قبل الله صدقته وهو لم تقبل صدقة، فقال: إذاً: سأقتلك. لماذا يقبل الله قربانك ولا يقبل قرباني؟!

    ولهذا علمنا الله عز وجل، بل علم رسوله أن يستعيذ بالله تعالى من الحاسد: وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق:5]، كل المحن والفتن والبلايا بين البشر أكبر سبب لها هو الحسد والعياذ بالله، والحسود لا يسود، والحسد تمني زوال النعمة عن أخيك لتحصل لك، وأقبح منه أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك ولو لم تحصل لك، المهم ألا تراه بخير والعياذ بالله.

    قال: [ عظم جريمة الحسد وما يترتب عليها من الآثار السيئة ] حروب وفتن، والرسول صلى الله عليه وسلم حاربه اليهود وأرادوا قتله للحسد، والله! من أجل الحسد، كيف ينتقل الكمال للعرب والرسالة والنبوة ونحن محرومون؟! حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [البقرة:109].

    [ ثالثاً: قبول الأعمال الصالحة يتوقف على الإخلاص فيها لله تعالى ]، أن تريد بها وجه الله، لا وجه زيد ولا عمرو، أن تريد بها رضا الله لا الحصول على مال ولا على جاه ولا سلطان، تعمل العمل وأنت تريد به الله عز وجل، هذا هو الإخلاص الذي يسبب قبول العمل، وإلا فلا يقبل العمل.

    [ رابعاً: بيان أول من سن جريمة القتل، وهو قابيل ، ولذا ورد ] عنه صلى الله عليه وسلم [ ( ما من نفس تقتل نفساً ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل -أي: نصيب- ذلك بأنه أول من سن القتل ) ].

    المدينة -والحمد لله­- بلاد الرسول الطاهرة، فإذا جاء أحد الغافلين فاستورد الحشيش، فهل يكون أول من سنها أو لا؟ وكل من يشربها عليه إثم ذلك، المدينة ما كانت فيها باروكة، فتاجر جاء بالباروكة فكان أول من أتى بها وسنها أو لا؟ وكل من اشترى باروكة ولبسها هو أيضاً عليه إثم.

    قال: [ خامساً: مشروعية الدفن وبيان زمنه ].

    وقد سئلت هاتفياً فقال السائل: توفي أبي وإخواني في الشرقية وفي الجنوب، فهل يجوز أن نبقي عليه حتى يحضروا أو لا يجوز؟

    فقلت: أيام لم تكن هذه الآلات التي تحفظ الجسم فلا يتغير ولا يحدث فيه أي شيء كان التأخير لا يجوز أبداً، ولا يحل أن تنقل ميتك من قرية إلى قرية أخرى، لا يجوز أبداً؛ لأنه يتعفن، فلا يحل.

    والآن لما كانت القضية بهذه الطريقة حيث ثلاجات الموتى يبقى الميت فيها شهراً أحياناً أو عشرة أيام ولا يتغير أي شيء، فنقول: إذا كان استعجالك للدفن فهو أفضل، فقد أمرنا بتعجيل دفن الميت، فهو أفضل بلا خلاف، لكن إذا كان يترتب على تأخيره بيان حقوق وعلمنا أنه لا يتأثر بالتأخير يوماً أو أسبوعاً فلا بأس.

    كذلك إذا كان إخوانه أو أبناؤه يحضرون في يوم واحد، وكان في الزمان الأول إذا كانوا في الرياض فلكي يحضروا يحتاجون إلى أربعين يوماً، فلا قائل أبداً بانتظارهم، لكن ما داموا يحضرون في يوم أو يوم وليلة ولهم رغبة في أن يقبلوا والدهم ويشاهدوه، فنقول: لو فعلوا جاز، ما أقول: فيه أجر، أقول: يجوز.

    وانظر كيف هنا لما مات هابيل علم الله عز وجل قابيل كيف يدفنه، فجاء بغراب قتل غراباً أخاه ثم أخذ يسحبه في الأرض، ثم أخذ يحفر الأرض برجليه ويرمي التراب عليه، فقال قابيل : يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [المائدة:31].

    وهل الندم هذا ينفع قابيل؟ ما ينفعه أبداً، لماذا؟ لأنها ما هي بتوبة صادقة خوفاً من الله، كل ما في الأمر أنه حار: ماذا يفعل بهذه الجثة، ففعل كما فعل الغراب ودفنها، والتوبة التي تقبل أن تكون خوفاً من الله وخشية من الله وعزماً أكيداً ألا تعود لهذا الذنب ولو قطعت ولو حرقت ولو صلبت، أما مجرد التألم لقتل أخيه فما ينفع.

    قال: [ سادساً: خير ابني آدم المقتول ظلماً، وشرهما القاتل ظلماً ]، خير ابني آدم المقتول ظلماً من الآن إلى يوم القيامة، وشرهما القاتل ظلماً.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه.