إسلام ويب

تفسير سورة يوسف (11)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما أن رأى الفتيان في السجن رؤياهما سألا يوسف عليه السلام أن يعبرها لهما، عند ذلك استغل يوسف الفرصة وأخذ يبين لهما سبب علمه بتعبير الرؤى، وأن ذلك بسبب تركه لملة الكفر وإيمانه بالله وحده، متبعاً في ذلك ملة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وأنه لا ينبغي لهم ولا لأحد غيرهم أن يشركوا بالله شيئاً من الأصنام والأوثان التي يسمونها بأنفسهم، ثم جاء إلى تأويل رؤياهما فبين أن أحدهما سيبرأ من التهمة ويعود لخدمة الملك، وأما الثاني فستثبت عليه التهمة ويصلب بسببها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) .

    وها نحن مع سورة يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم، وها نحن مع هذه الآيات الأربع، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ونتدبر ونتفكر ثم نتدارسها إن شاء الله.

    قال تعالى: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ * وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [يوسف:39-42].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ [يوسف:39] ! من المنادي؟ المنادي يوسف الكريم ابن الكريم.

    من صاحبا السجن؟ الفتيان اللذان قالا: إنهما رأيا في المنام أن أحدهما يعصر خمراً، والآخر يحمل خبزاً فوق رأسه.

    يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ [يوسف:39] أي: يا صاحباي في السجن، أو يا أهل السجن.

    يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف:39] الآن بدأ دعوته إلى ربه، استغل الفرصة، ووجد المناسبة حاضرة، فناداهما قائلاً: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف:39].

    الأرباب: جمع رب. والرب: المعبود، ولهم أرباب يعبدونها: الشمس، القمر، كواكب، حيوانات، أشجار، أصنام وضعوا لها أسماء، كما فعل العرب باللات، والعزى، ومناة.

    يستفهمهم ليستخرج ما في نفوسهما، أخبروني: أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف:39]؟ والجواب قطعاً: الله الواحد القهار.

    هذه الأصنام والتماثيل والصور والأشكال والهيئات التي تعبد من دون الله كيف تكون معبودة وآلهة تؤله وتعبد؟! بأي حق؟ إلا أن الشيطان يزين ذلك ويحسنه لعباد الله؛ ليغويهم ويضلهم ويصرفهم عن الحق.

    أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف:39] فهذه الأرباب لا تحيي ولا تميت ولا تعطي ولا تمنع، ولا تضر ولا تنفع، فكيف تقاس بالله عز وجل الواحد الأحد الذي لا رب غيره، لا خالق ولا رازق ولا مدبر في الكون إلا هو، القهار الذي يقهر كل شيء ويذله، كل المخلوقات في قبضته وتحت سلطانه وقدرته؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ما تعبدون من دون الله إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم...)

    ثم قال لهم: مَا تَعْبُدُونَ [يوسف:40] قال لهم ولأصحاب السجن الموجودين فيه وهم كثر: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ [يوسف:40] أي: من دون الله إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ [يوسف:40] الاسم موجود: اللات، العزى، مناة، فهذا الاسم يعبد، أسماء فقط، أما أنها ذوات تعطي وتمنع، وتضر وتنفع، تحيي وتميت فلا، والله! لا وجود لها، ما هي إلا أسماء فقط.

    كل الذين يعبدون غير الله ووضعوا لتلك الآلهة أشكالاً وصوراً وتماثيل هم -والله- ما يعبدون إلا الشيطان الذي أمرهم بعبادتها وأطاعوه، وأما هي فما أمرت ولا نهت، ما وعدت ولا أوعدت، لا نطقت ولا تكلمت، وإنما الشيطان يحسن ذلك ويزينه ويتخذه الجاهلون إلهاً يعبدونه!

    مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ [يوسف:40] أي: من دون الله إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ [يوسف:40] الأقدمون من قبل مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [يوسف:40]، ما أنزل الله بها من حجة ولا برهان، وما أمر بالتمسح بها ولا العكوف عندها، ولا بندائها ولا الاستغاثة بها، ولا الذبح لها ولا النذر لها أبداً، مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [يوسف:40].

    انظروا: لما أذن الله عز وجل في تقبيل الحجر الأسود ولمسه باليد أصبح عبادة، والله هو الآمر، لكن ليس الحجر هو المعبود، فأنتم لو أن الله أمركم أن تذبحوا لهذا الصنم أو تنادوه أو تستغيثوا به؛ لكان لكم سلطان وحجة، لكن الله ما أمر بهذا، وما أنزل به من حجة ولا برهان، فهي أكاذيب وأباطيل فقط.

    معنى قوله تعالى: (إن الحكم إلا لله)

    ثم قال لهم: إِنْ [يوسف:40] أي: ما الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [يوسف:40] الذي يعطي ويمنع، ويضر وينفع، ويقنن ويشرع، ويأمر وينهى، أما هذه المخلوقات فليس لها من ذلك شيء.

    إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [يوسف:40] فقط لا لسواه، إذ الله معناه: الرب الخالق لكل شيء، والمدبر لكل شيء في هذه الحياة، هو الذي يحيي ويميت، ويعطي ويمنع، ويضر وينفع، ويعز ويذل، أما هذه المخلوقات فهي مربوبة مخلوقة مصنوعة، فكيف تصبح آلهة تعبد؟

    إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40] وهذا معنى لا إله إلا الله.

    أمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله عالماً بها؛ والله! ما أقبل على كائن مخلوق يعبده لا بالدعاء ولا بالاستغاثة ولا بالركوع ولا بالسجود ولا بالتقرب إليه بأي نوع من أنواع القرب.

    مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [يوسف:40] أي: لو أن الله أمرنا بعبادة صنم عبدناه وأصبحت عبادة لله؛ إذ هو الآمر والناهي، وبينت لكم بمثل الحجر الأسود يقبل ونتسابق إلى تقبيله؛ لأن الله أمر بذلك، وأصبح عبادة وهو حجر لا ينفع ولا يضر، فهو يقول لهم: مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [يوسف:40] أي: حجة ولا برهان، لا في كتاب ولا في سنة من سنن الأنبياء، فكيف تعبدونها؟! إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40].

    معنى قوله تعالى: (ذلك الدين القيم )

    ثم قال لهم: ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [يوسف:40] أي: عبادة الله وحده هي الدين السليم الصحيح القائم على الحق والعدل.

    ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [يوسف:40] ألا وهو الإسلام، الإسلام إسلام القلوب والوجوه لله، فمن عبد الله لا يعرف غير الله يدعوه ويسأله ويتضرع له أبداً أو يتقرب إليه، ليس إلا الله.

    معنى قوله تعالى: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون)

    ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:40]، إلى اليوم أكثر الناس -والله- لا يعلمون.

    كم من مليون في الروس! كم من مليون في اليابان! كم من مليون في الصين! كم من مليون في أمريكا! كم من مليون في أوروبا؟! ملايين، من هم العابدون لله العارفون به المقيمون لدين الله؟

    ولا واحد في الألف إلى الآن.

    وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:40]، فوالله الذي لا إله غيره! لو علموا ما أقبلوا أبداً على الأصنام يعبدونها، ولا ألهوا عيسى ولا أمه، ولا ألحدوا ولا كفروا، ولكن ما علموا!

    أبوا أن يعلموا.. ما سألوا.. ما قبلوا من يعلمهم، فأكثر الناس في ذلك الزمان وفي كل زمان لا يعلمون.

    هذه المواعظ من قام بها؟ يوسف. لمن؟ لأهل السجن، نادى صاحبيه ثم وجه خطابه لأهل السجن؛ إذ كلهم مشركون كافرون في حاجة إلى التوحيد.

    ثم لماذا ما قال لهم: صوموا وصلوا؟ هذه لطيفة، أي صلاة تنفع أو صيام وأنت تعبد غير الله؟

    أولاً: يقول: لا إله إلا الله، فإذا قالها عبد الله فمره فإنه يطيعك، أما وهو يجهل الله ولا يعرفه ولا يؤمن وتقول له: تصدق أو صل فلا.

    أول ما نبدأ به دعوة الله لأي إنسان من أي نوع أن نقول له: اشهد واعترف بأنه لا معبود بحق إلا الله.

    فإن سألنا: من الله؟ قلنا له: من خالقك وخالق أمك وأبيك؟ انظر إلى هذا الكون: من خلقه؟ من بناه ورفعه؟ ذاك هو الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمراً...)

    بعد هذه الدعوة التي اغتنمها ووجهها إلى أهل الشرك قال: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ [يوسف:41]، لك أن تقول: يا صاحبي في السجن، أو: يا من هم أهل للسجن، وهم فيه.

    أَمَّا أَحَدُكُمَا [يوسف:41] وهما اثنان فتيان، أحدهما قال: رأيتني أعصر خمراً، والآخر قال: رأيتني أحمل خبزاً على رأسي.

    سألوه على أنها رؤيا منامية فما عبرها لهم، وانصرف عن ذلك إلى الدعوة، والآن آن الأوان ليعبرها لهم.

    يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا [يوسف:41]، والمراد بربه: الملك السيد الحاكم السلطان، السيد رب، المالك رب، ولكن جاء الإسلام فمسح هذا، فلا يجوز لسيد أن يقول لعبده: يا عبدي. يقول: يا فتاي. ولا يجوز للعبد أن يقول لسيده: يا رب. بل يقول: يا سيدي. حرم الرسول هذا.

    لا يجوز أن يقول أحد لعبده: يا عبدي، وأنا ربك. ولا يقول العبد: يا رب. بل السيد يقول: يا فتاي أو يا خادمي، والعبد يقول: يا مولاي.

    فيوسف هنا قال لهم: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا [يوسف:41] أي: سيده الحاكم أو الملك، إذ كان قبل سجنه مهمته أن يسقيه الخمر.

    وأما الآخر الذي رأى على رأسه الخبز فيصلب، يوقف على عمود ويقتل، فيصلب فتأكل الطير من رأسه كالحدأة والغربان السود وما إلى ذلك.

    قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ [يوسف:41]، أرادا أن يناقشوه: نحن ما رأينا، مجرد فكرة قلناها! فقال: لا. هذا أمر دعوه، انتهينا منه.

    قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ [يوسف:41] سواء كنتما رأيتما في المنام أو اخترعتم هذه الفكرة وقلتموها، والآن جاء تعبيرها وهو هذا.

    قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ [يوسف:41] إذ استفتياه من قبل لما شاهدا صلاحه وتقواه وعبادته.

    إذاً: أعجبا به فقالا: هيا نختبره بأننا رأينا كذا وكذا سواء رأيا أو لم يريا.

    قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ [يوسف:41].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك ...)

    ثم قال تعالى: وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا [يوسف:42] من هو؟ الذي يسقي الخمر هو الناجي، لماذا نجا؟ لأن صاحب الخبز حاول أن يدس السم في الخبز ليهلك الملك، والآخر رفض، هما تحاورا في القضية مع بعضهما، فأحدهما أصر على أن يجعل السم في الخبز ليهلك الملك، والثاني قال ولكن عدل عن ذلك، فلما كشف أمرهما رفعا إلى الحاكم وحكم عليهما بالسجن مؤقتاً حتى تنتهي المشكلة، فالآن قال لهما: قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ [يوسف:41].

    وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [يوسف:42] اذكرني يا صانع الخمر عند ربك، عند سيدك وملكك.

    وقد قدمنا أنه لا يجوز أن نقول: رب، لكن هذا في الجاهلية وبين تلك الأمة، وأما الإسلام فأبطل أن تقول للسيد: رب، لا رب إلا الله.

    إذاً: قال: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [يوسف:42] لماذا؟ ما الأسباب؟

    يوسف شاهد الأسباب أم لا؟ كيف أخرج من ظلمة البئر؟ بأسباب.

    كيف بيع واشتري؟ بأسباب.

    كيف تخلص من فتنة امرأة العزيز؟ بأسباب.

    كيف شهد الطفل؟ كذلك.. فهذه أسباب رآها، فقال: اذكرني عند ربك، إذا عدت إلى خدمة سيدك وفي مقامه اذكر الأحداث التي تمت لي.

    هذا معناه أنه أخذ بالأسباب المعتادة.

    معنى قوله تعالى: (فأنساه الشيطان ذكر ربه ...)

    قال تعالى: فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ [يوسف:42] أي: أنسى صانع الخمر أن يذكر يوسف كذا سنة.

    هل عاتب الله يوسف عتاباً كما عاتب الرسول في قوله: ( إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد بعد اليوم )؟ جائز، وكما عاتب الرسول بانقطاع الوحي نصف شهر لما قال للمشركين: أخبركم غداً؟ جائز هذا.

    إذاً: فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ [يوسف:42] أي: يوسف بِضْعَ سِنِينَ [يوسف:42] والبضع من الثلاثة إلى التسعة، والراجح أنها سبع سنوات قضاها في السجن منها الأيام التي قبل هذه الحادثة.

    فقوله: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [يوسف:42] هذه كلمة يوسف، اذكرني يا ساقي الخمر.. يا خادم الملك عند الملك بأن هناك عبداً صالحاً يعلم، يدعو إلى كذا وكذا وكذا وكذا؛ عله يستدعيه ويسأله ويخرجه من السجن.

    هل هذا يجوز؟ والله! يجوز، ولا مانع منه.

    فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ [يوسف:42] إياك أن تفهم أن الشيطان أنسى يوسف ذكر ربه، بل أنسى الخادم فما ذكر يوسف.

    وهذه قضية فيها كلام طويل عند اليهود وعند النصارى وفي التفاسير بين المسلمين، والخلاصة ما تسمعون كما هي.

    وَقَالَ [يوسف:42] أي: يوسف لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ [يوسف:42] هو ظن هنا وما هو بقطع، وحسب الرؤيا أنه ينجو، ظن أنه ناج، قال: إذا عدت إلى خدمتك فاذكرني عند الملك، لا تنسني، فأنسى الشيطان ذلك الخادم، وما خطر على باله ولا ذكر يوسف سبع سنين وهو في السجن.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    نقرأ من التفسير! إليكم معنى الآيات من الكتاب.

    معنى الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم: [ معنى الآيات:

    ما زال السياق الكريم في الحديث عن يوسف وهو في السجن، لقد سبق أن استعبر الفتيان يوسف، أي: طلبا منه أن يعبر لهما رؤياهما لما علما منه أنه يعبرها، غير أن يوسف استغل الفرصة وأخذ يحدثهما عن أسباب علمه بتعبير الرؤى، وأنه تركه لملة الكفر وإيمانه بالله تعالى وحده، وأنه في ذلك متبع ملة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وأنه لا ينبغي لهم أن يشركوا بالله، وفي هذا تعريض بما عليه أهل السجن من الشرك بالله تعالى بعبادة الأصنام، وواصل حديثه داعياً إلى الله تعالى، فقال ما أخبر به تعالى في هذا السياق: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف:39]، فخاطب صاحبه: يا صاحبي السجن! أخبرني واصدقني أَأَرْبَابٌ [يوسف:39] أي: آلهة مُتَفَرِّقُونَ [يوسف:39] هنا وهناك، هذا صنم وذاك كوكب وهذا إنسان وهذا حيوان، وهذا لونه كذا وهذا لونه كذا خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ [يوسف:39] الواحد في ذاته وصفاته الْقَهَّارُ [يوسف:39] لكل ما عداه من سائر المخلوقات، ولم يكن لهم من جواب سوى: الله الواحد القهار ] هذا هو الجواب، [ إن العقل يقضي بهذا ]، العقل يقضي بأنه لا إله إلا الله الواحد القهار.

    [ ثم خاطب أهل السجن كافة فقال: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ [يوسف:40] أي: من دون الله الواحد القهار إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ [يوسف:40] إنها مجرد أسماء لا غير؛ إذ كونكم تطلقون لفظ إله أو رب على صنم أو كوكب مرسوم له صورة لا يكون بذلك رباً وإلهاً، إذ الرب هو الخالق الرازق المدبر، أما المخلوق المرزوق الذي لا يملك نفعاً ولا ضراً لنفسه فضلاً عن غيره فإطلاق الرب والإله عليه كذب وزور، إنها أسماء ما أنزل الله بها من سلطان -أي: حجة ولا برهان- فتعبد لذلك بحكم أن الله أمر بعبادتها.

    ثم قال لهم: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [يوسف:40] أي: ما الحكم إلا لله، وقد حكم بأن لا يعبد إلا هو، إذاً: فكل عبادة لغيره باطلة، يجب تركها والتخلي عنها.

    ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [يوسف:40] أخبرهم أن عبادة الله وحده وترك عبادة غيره هي الدين القويم والصراط المستقيم، إلا إن أكثر الناس لا يعلمون، فجهلهم بمعرفة ربهم الحق الذي خلقهم ورزقهم، ويدبر حياتهم، وإليه مرجعهم؛ هو الذي جعلهم يعبدون ما ينحتون، ويؤلهون ما يصنعون.

    ولما فرغ من دعوته إلى ربه التفت إلى من طلبا منه تعبير رؤياهما، فقال ما أخبر تعالى به عنه: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا [يوسف:41] أي: سيطلق سراحه ويعود إلى عمله عند الملك فيسقي الخمر كما كان يسقيه من قبل، وأما الآخر -وهو طباخ الملك المتهم بأنه أراد أن يضع في طعام الملك السم ليقتله- فيصلب فتأكل الطير من رأسه بعد صلبه. وهنا قالا: إننا لم نر شيئاً وإنما سألناك لنجربك لا غير، فرد عليهما قائلاً: قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ [يوسف:41] أي: فُرغ منه وبُتَّ فيه، رأيتما أم لم تريا.

    ثم قال للذي ظن أنه ناج منهما ما أخبر تعالى به عنه: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [يوسف:42] أي: عند سيدك، وكانوا يطلقون على السيد المالك يطلقون عليه لفظ الرب.

    فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ [يوسف:42] أي: أنساه الشيطان ذكر ربه تعالى ] الصحيح: أنسى الشيطان الساقي لا يوسف، [ حيث التفت بقلبه إلى الخادم والملك ونسي الله تعالى، فعاقبه ربه الحق؛ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [يوسف:42] ].

    التوجيه الذي قلت لكم هو الأصح: وهو أن الشيطان أنسى الساقي لا أنه أنسى يوسف، يوسف قال ذلك بحسب سنة الله، كان الساقي معه سجيناً، فقال: اذكرني عند الملك حين تعود إلى الخدمة رجاء أن يستدعيني أو يسألني لعلي أخرج من السجن.

    وقد يقول قائل: عجباً لبعض المفسرين! كيف يرجعون الضمير في قوله: فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ [يوسف:42] إلى الفتى الخادم ولا يرجعونه إلى يوسف عليه السلام كما رجحه ابن جرير الطبري في تفسيره؛ إذ لو كان الضمير يصح رجوعه إلى الخادم لكان نظم القرآن هكذا: (فأنساه الشيطان ذكر يوسف عند ربه)؟!

    إذاً: نعود فنقول: هذه المسألة اختلف فيها المفسرون اختلافاً واسعاً لا حد له، وكما علمتم أن هذا التفسير خلاصة لـابن جرير لأنه أصح التفاسير؛ لأنه من السلف الصالح، وجاءت تفاسير من بعده.

    فقوله تعالى: فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ [يوسف:42] أي: أنسى الشيطان يوسف ذِكْرَ رَبِّهِ [يوسف:42] عندما قال: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [يوسف:42] فعوقب، عاقبه ربه فلم يذكر الخادم يوسف عند الملك، فسجن في السجن بضع سنين، عقاب الله تعالى له، هذا الذي رجحه ابن جرير ، وهذا الذي في التفسير.

    يبقى الوجه الأول الذي قلناه: فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ [يوسف:42] أي: أنسى الخادم ساقي الخمر أن يذكر يوسف عند الملك.

    هداية الآيات

    قال المؤلف: [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: وجوب اغتنام الفرصة للدعوة إلى الله ]، من أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ [يوسف:39] أخذ يدعوهم إلى الله.

    [ ثانياً: تقرير التوحيد عن طريق أحاديث السابقين وقصص الأولين.

    ثالثاً: لا حكم في شيء إلا بحكم الله تعالى، فالحق ما أحقه الله، والباطل ما أبطله الله، والدين ما شرعه الله، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [يوسف:40].

    رابعاً: مشروعية الاستفتاء في كل مشكل من الأمور ]، فقد استفتاه الفتيان، والاستفتاء وطلب المعرفة مشروع من كل إنسان.

    [ خامساً: غفلة يوسف عليه السلام بإقباله على الفتى وقوله له: اذكرني عند ربك، ناسياً مولاه الحق ووليه الذي أنجاه من القتل ]؛ لأن إخوته أرادوا قتله وألقوه في غيابة الجب، وأنجاه من فتنة النساء، هذه الغفلة جعلته يحبس في السجن سبع سنين.

    [ غفلة يوسف عليه السلام بإقباله على الفتى ] عندما قال: اذكرني يا فلان عند ربك، [ وقوله له: اذكرني عند ربك، ناسياً مولاه الحق ووليه الذي أنجاه من القتل ومن غيابة الجب ومن فتنة النساء ].

    إذاً: نعود إلى الآية الكريمة لتأخذوها على ما هي عليه جرياً وراء تفسير ابن جرير .

    أقول: قوله تعالى: وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ [يوسف:42] من القائل؟ يوسف قطعاً. والذي ظن أنه ناج هو ساقي الخمر، مِنْهُمَا [يوسف:42] أي: من الفتيين. اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [يوسف:42] أي: حين ترجع إلى خدمتك وتكون مع مولاك وسيدك اذكرني عله يسأل عني أو يطلبني، كما سيأتي أنهم سألوا عنه لما قال: إنه يعبر الرؤيا.

    فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ [يوسف:42] أي: أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه كما أنسى الشيطان أيضاً الفتى فما ذكره، لكن الله عز وجل عاقب يوسف لأنه أقبل على غيره، أي: آثر هذه العادة أو هذه السنة البشرية ومقامه أعلى وأسمى من هذا، فترتب على ذلك أن بقي في السجن سبع سنين.

    والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم بما ندرس ونسمع.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.