إسلام ويب

تفسير سورة الكهف (9)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما رأى الرجل المؤمن ما عليه صاحبه من الكفر والغرور وعدم شكر النعمة، ذكره بالله سبحانه ووجوب الإيمان به، وشكره على نعمه العظيمة؛ لما في ذلك من حفظها وزيادتها، وأن الله عز وجل بيده تبديل الأحوال بأن يعطي الفقير فيصير غنياً، ويمحق ما بيد الغني فيصبح فقيراً، وهذا ما حصل بالفعل فقد أفسد الله عليه جنته فغار ماؤها، وماتت أشجارها، وصارت صعيداً زلقاً، جزاء كفره وطغيانه، وعتوه عن أمر ربه وعصيانه.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة الكهف

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    ها نحن الليلة مع سورة الكهف المكية المباركة الميمونة، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات، وتلاوتها:

    قال تعالى: وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا * هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا [الكهف:34-44].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أعيد إلى أذهانكم: أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض عليه رجال قريش كـأبي جهل وعقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف فقالوا له: إن أبعدت هؤلاء الفقراء من مجلسك -يعنون بلالاً وصهيباً وعماراً وخباباً- جلسنا معك وسمعنا منك، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم -هو يرغب في نصرة دينه- ما أعلن، ولكن ما كره هذا العرض، فأنزل الله تبارك وتعالى عليه قوله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا * وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:28-29].

    كما أنزل الله تعالى هذا المثل العجيب بين مؤمن صادق الإيمان وبين كافر خبيث النفس شرير السلوك، وذلك في صورة قصة؛ لينتفع بها المؤمنون مدى الحياة، فقال تعالى لرسوله وهو يخاطبه: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ [الكهف:32]، أي: مؤمن وكافر، إن شئت قل: محمد صلى الله عليه وسلم وأبو جهل، مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا [الكهف:32]، أتعرفون الزرع؟ أتعرفون النخل؟ فالكرم هو العنب، وهذه هي الجنة، وسمي البستان جنة لأن من دخله يجتن بأشجاره وظلها.

    ثم قال تعالى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ [الكهف:33]، أي: كل واحدة منهما، آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا [الكهف:33]، فالثمار عجب، إذ ليس هناك نخلة ولا كرمة إلا أثمرت، وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا [الكهف:33]، أي: ما بين البستانين عين متفجرة لسقي الزرع والنخل.

    وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ [الكهف:34]، وفي قراءة: (وكان له ثُمُر)، أي: مال نتيجة هذه الخيرات، فَقَالَ [الكهف:34]، أي: هذا الكافر، لِصَاحِبِهِ [الكهف:34]، المؤمن، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ [الكهف:34]، ويجادله، قال له: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا [الكهف:34]، وذلك تبجحاً وتعالياً، فهذا الكافر الغني يقول للمؤمن الفقير: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا [الكهف:34]، أي: رجال قبيلتي وإخواني.

    وَدَخَلَ جَنَّتَهُ [الكهف:35]، أي: هذا الكافر الغني المتبجح، وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ [الكهف:35]، بالشرك والكفر، ظالم لنفسه بكفره وشركه وتعاليه وتكبره والعياذ بالله، فماذا قال؟ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا [الكهف:35]، أي: ما أظن أن تفنى وتبيد هذه الأشجار والنخيل والمياه أبداً، بل تبقى أبداً.

    ثانياً: وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً [الكهف:36]، كما يقول هذا الذي يقول، يعني: هذا المؤمن الذي يجادله، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ [الكهف:36]، على فرض وقامت الساعة وردني ربي إليها، لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا [الكهف:36]، يعطيني كما أعطاني في الدنيا، وهذا هو الغرور والانخداع والغطرسة والتعالي.

    والآن يجيبه صاحبه المؤمن الصادق الفقير: قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا [الكهف:37]، هكذا يوبخه ويؤدبه، أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ [الكهف:37]، وذلك كما علمتم، إذ خلق آدم من تراب، وهو أبوك ومصدر وجودك، وأنت خلقك من نطفة من مَنِيِّ النساء والرجال، ثم سواك وصنعك رجلاً فكيف تكفر به وتجحده وتتعالى عن عباده؟! هذا هو تأديب هذا المؤمن الصالح.

    ثم قال له: لَكِنَّا [الكهف:38]، أي: لكن أنا، هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا [الكهف:38]، واكفر أنت كما كفرت، أما أنا فالله ربي ولا أشرك به أحداً، فانتصر الإيمان على الكفر، والتوحيد على الشرك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله ...)

    ثم قال أيضاً هذا الرجل الصالح: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ [الكهف:39]، يا عبد الله الكافر، أي: هلا إذ دخلت جنتك، قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ [الكهف:39]، لم لا تقول هذا؟ تنسى أن الله هو خالق هذه الأشجار والنباتات، وخالقك وخالق كل شيء.

    وهنا لطيفة علمية: اعلموا أن من دخل بستاناً أو داراً أو مكاناً ذا قيمة ويخاف عليه من العين فعليه أن يقول: مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ [الكهف:39]، فإذا نظرت إلى شيء أعجبك، وذلك من أي شيء، فعجل بكلمة: (ما شاء الله لا قوة إلا بالله)، فإنك لن تضره؛ لأن العين لها أثرها في بعض الناس، أما قال تعالى: وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق:5]؟ والرسول يقول: ( العين تدخل الجمل القدر، والرجل القبر ).

    إذاً: هذه لا ننساها، ما هي؟ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ [الكهف:39]، فنتعلمها إذا نسيناها، فإذا دخلت بستانك أو دخلت دارك أو دخلت دار جارك أو مكان إخوانك، فعجل بهذه الجملة الإلهية: (ما شاء الله لا قوة إلا بالله)، ما يضرك شيء، وهذا هو المؤمن الصالح الذي يمثل رسول الله وأصحابه هو الذي قال هذا، وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ [الكهف:39]، فلا تتعالى وتقول: مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا [الكهف:35]، والله ستبيد وتفنى.

    معاشر المستمعين! هل أخذنا هذه اللطيفة أو ليس عندكم حاجة إليها؟ والله ما منا إلا وهو مفتقر إليها، وهي سهلة: مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ [الكهف:39]، فتعجبك السيارة الفخمة فقل: مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ [الكهف:39]، وذلك حتى لا تصيبها بعينك، فما يمنعك أن تقول هذا؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فعسى ربي أن يؤتين خيراً من جنتك ...)

    قال: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ [الكهف:39]، أي: ما شاء الله كان ولا قدرة لأحد على الكون إلا لله، إِنْ تُرَنِ [الكهف:39]، يا هذا الكافر! إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا [الكهف:39]، وهو كذلك، أي: إن تراني أني أقل منك مالاً وولداً، فاسمع: فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ الكهف:40] ، وهذا هو الرجاء في الله عز وجل، والرجاء من العبادات، اللهم اجعلنا من أهل الرجاء في الله عز وجل، فلا يأس عند المؤمنين ولا قنوط، وإنما الرجاء دائماً أمامهم.

    ماذا قال هذا المؤمن؟ قال: فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ [الكهف:40]، أي: صاعقة أو رياح أو عواصف أو حجارة، فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا [الكهف:40]، يزلق فيه الماشي، فلا كرم ولا نخل ولا زرع، وإنما أرض فقط يزلق فيها الماشي، وهذه كلمة المؤمن الموحد، فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ [الكهف:40]، أي: على جنتك، حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا [الكهف:40]، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا [الكهف:41]، أي: يصبح ماؤها غوراً يغور في أعماق الأرض، فلا تطلع قطرة من البئر إلى الأرض أو من العين، وحينئذ فلن تستطيع لذلك الماء طلباً تطلبه بأي آلة، بل والله لو تجتمع الخليقة كلها ما تستطيع؛ لأن الله أراد ذلك، أي: أراد أن يغوِّر هذا الماء تأديباً لهذا الكافر، وهذه هي كلمات هذا المؤمن.

    مرة أخرى نعيد كلمات هذا المؤمن الصالح: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ [الكهف:39]، يا هذا، قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا [الكهف:39]، فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا [الكهف:40-41] لتحصل عليه أبداً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها...)

    ثم استجاب الله لعبده ووليه فقال: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [الكهف:42]، وفي قراءة: وأحيط بثُمُره، فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا [الكهف:42]، وقد حدث الذي قال، فقد غار الماء، وأصبحت الأرض صعيداً زلقاً، وأصبح يقلب كفيه متألماً متحسراً وهو يقول: يا حسرتاه! يا حسرتاه! على ما أنفق فيها من أموال ووقت وعمل، وأصبحت خاوية على عروشها، أي: ساقطة على عروشها، والعروش جمع عرش، وهو ما يجعله تحت الكرم أو العنب، والنخيل فوق ذلك، ويقول: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا [الكهف:42]، لكن فات الوقت، وهذا موقفه يوم القيامة، وقد انتهى الأمر، لكن لو كان في الدنيا فإنه سيدخل في الإسلام من جديد ويسلم، لكن هذا يوم القيامة، يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا [الكهف:42]، أي: من الشركاء، أبيضاً أو أسوداً، من الملائكة أو من الرسل أو من الأنبياء أو من الصالحين أو غيرهم من الخلق.

    معاشر المستمعين! من باب وجوب البيان، إن بيننا إخواناً لنا ما عرفوا الطريق، والفرصة سانحة فأقول واسمعوا: لنعلم أن الشرك بالله من أعظم الذنوب، إذ لا ذنب أعظم منه، ولهذا من مات على الشرك أو مات وهو يشرك بالله شيئاً لم يغفر له ولن يدخل الجنة، وهذا حكم الله تعالى، جاء من سورة النساء قول ربنا تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48]، فتأملوا هذه الآية، وهذا خبر فمن المخبر؟ إنه الله جل جلاله، كيف وصلنا خبر الله؟ بواسطة كتابه القرآن العظيم الذي في صدورنا وسطورنا.

    إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48]، وفي الآية الثانية: فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:116]، فلنعلم أنه لا إله إلا الله، ولنصرح بهذا، ولنذكر الله به، فالمآذن نسمع فيها لا إله إلا الله، ومن هنا فالحلف بغير الله من الشرك، فمن كان منا يحلف بغير الله فيقول: ورأس فلان أو حق فلان أو كذا، فعليه أن يتوب إلى الله من الآن، ولا يحلف بغير الله أبداً؛ لأن الحلف بغير الله شرك، وقد أخبر بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( من حلف بغير الله فقد أشرك )، وعلى المنبر قال: ( ألا من كان حالفاً فليحلف بالله أو فليصمت )، ومن حلف بغير الله فقد أشرك.

    معاشر المستمعين والمستمعات! لن نحلف بغير ربنا حتى نموت، ومن يجري على لسانه بغير قصد لأنه اعتاده سنين، فما العلاج؟ بيَّن العلاج والدواء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ( فليقل بعد ذلك: لا إله إلا الله )، وذلك ما شعرت حتى قلت: وحق فلان أو رأس فلان، فبعدها قل: لا إله إلا الله، فتمح هذه الحسنة تلك السيئة، وهذا تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن أصحابه منهم من آمن بعد أربعين سنة من عمره، ومنهم ثلاثين سنة وهو يعبد غير الله، فيجري على لسانه فيقول: واللات، فعالج الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الموقف فقال: ( من حلف بغير الله وهو لا يشعر فليقل: لا إله إلا الله، فإنها تمحها ).

    ثانياً: أن بعض الغافلين أو بعض الجاهلين يدعون غير الله فيقولون: يا سيدي فلان، يا رسول الله، يا فاطمة ، يا رجال البلاد، يا مولاي فلان، وهذا والله لشرك أعظم، فلنتب إلى الله عز وجل قبل الوفاة، إذ لا يحل لنا أن نسأل غير ربنا أبداً، فكيف نقول: يا فلان! يا فلان! يا فلان! وننسى الرحمن، فالله قال: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، والدعاء هو العبادة ومخها، فليحذر المؤمنون المؤمنات أن يراه الله ويسمعه وهو يقول: يا سيدي فلان! يا فلان!

    والقائلون: بأنها وسيلة جاهلون أو مغلطون أو مضللون، إذ الوسيلة أن تصلي ركعتين وتسأل الله، أن تتصدق بدرهمين وتسأل الله، أن تصوم يوماً وتسأل الله، أن تمشي على قدميك إلى بيت الله وتسأل الله، وليست الوسيلة أن تدعو غير الله وتقول: أتوسل به، إذ لو كان حياً مؤمناً وقلت له: يا فلان! ادع الله لي فلا بأس، لكن تنادي ميتاً: يا فلان! افعل بي كذا وكذا، فهذا جهل عام والعياذ بالله تعالى وشرك لا يغفر إلا لمن تاب منه.

    ثالثاً: من مظاهر الشرك في أمتنا وذلك في عصور الظلام والجهل: النذر، ويسمى بالعيد أو الوعدة، فيُقال: يا سيدي فلان! إذا أنجبت امرأتي ولداً سأفعل لك كذا وكذا، يا سيدي فلان! إذا شفي ولدي أو جاء من الجيش سليماً سأفعل لك كذا وكذا، فهذا النذر لن يكون إلا لله، ولن يكون لمخلوق من مخلوقات الله، إذ لا يقوى على إعطائك مطلوبك وقضاء حاجتك إلا الله، فكيف تقول: يا فلان! وفلان! إذا فعل الله بي كذا سأفعل لك كذا وكذا؟! تشرك بالله وترجو الله! ولذا فافهموا أن النذر من العبادات، والله يقول: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان:7]، فلنذكر هذه، أي: الحلف بغير الله، والدعاء، والنذر.

    وكذلك الذبح، سواء ذبح غنم أو دجاج أو أي حيوان، لا يكون إلا لله تعالى، والذبح يسمى في القرآن بالنسك، قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163]، فهكذا أمر الله رسوله أن يقول، ونحن أتباعه نقول بما يقول، قُلْ إِنَّ صَلاتِي [الأنعام:162]، والصلاة معروفة، وَنُسُكِي [الأنعام:162]، أي: ذبحي تقرباً إلى ربي لله عز وجل، فالذين يذبحون للأولياء ويتقربون بالذبح إليهم أشركوا بربهم والعياذ بالله تعالى، بل وبعضهم يسمي هذا العجل أو هذه الشاة لسيدي فلان أو فلان، وهذا قد شاع أيام الجهل والعياذ بالله تعالى، فمن هو الذي نتملق له ونقول هذا له ليعطينا؟ الله المالك لكل شيء، والذي بيده كل شيء، أما من مات من عباد الله فنقول: هذه الشاة لسيدي فلان؟! بل يغرس بستاناً من النخل فيقول: هذه نخلة سيدي فلان! ويشتري قطيعاً من الغنم في آخر الشتاء لتصبح في الربيع ويقول: هذه الشاة لمولاي فلان وسيدي فلان! وكل هذا من الشرك المحرم، والله تعالى نسأل أن يتوب علينا وعلى كل مؤمن ومؤمنة، وما يذبح للأولياء لا يحل أكله أبداً، فإن جهل جاهل وذبح ودعاك والله لا يحل لك أن تأكل ذلك اللحم بحال من الأحوال، إذ لا يحل أكل ما تقرب به إلى غير الله.

    معاشر المستمعين! نعود إلى الآية الكريمة: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا [الكهف:42]، لكن لا ينفعه الآن بعدما مات، حتى لو حشرت الروح في الصدر فلا تنفعه التوبة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله...)

    قال تعالى: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا [الكهف:43]، أي: ولم يكن لهذا المشرك وهذا الكافر فئة أو جماعة من عصبته أو أقاربه ينصرونه من دون الله، والله ما كان وما كان منتصراً أبداً، وهو بين يدي الله في ساحة فصل القضاء يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هنالك الولاية لله الحق...)

    ثم قال تعالى: هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ [الكهف:44]، ولهذا عرفنا أن هذا الموقف وقفه يوم القيامة، فقال تعالى: هُنَالِكَ [الكهف:44]، أي: في ساحة فصل القضاء وفي عرصات القيامة تكون الولاية لله وحده، وليس هناك من يستطيع أن يمد يده أو حتى ينطق بلسانه، فالولاية الكاملة لله الحق، والوَلاية والوِلاية بمعنى النصرة وبمعنى الحكم، والولاية التي نريدها هي ما كانت لله عز وجل، فوالي الله يا عبد الله، والي الله ولا توالي غيره، كن وليه وليك.

    فإن قيل: كيف نوالي ربنا؟ نفعل ما يحب ونترك ما يكره، فهل تريد أن تكون ولي الله؟ أحبب ما يحب، واكره ما يكره، وأنت وليه، ومن يريد أن يكون عدو الله فليعكس، أي: يكره ما يحب الله، ويحب ما يكره الله.

    مرة أخرى: أصحاب الولاية لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وقد أخبر تعالى بذلك في قوله: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، فمن هم يا رب أولياؤك؟ قال: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]، أي: آمنوا الإيمان الحق، وكانوا في حياتهم يتقون الله فلا يخرجون عن طاعته بفعل الواجبات وترك المحرمات، ومن باب التيسير والتسهيل فخذ هذه الجملة: من أراد أن يكون ولياً لله فليحب ما أحب الله، وليكره ما كره الله، ومعنى هذا أنه يفعل ما يحب الله فعله، ويكره ما يكره الله فعله، وهو معنى يؤدي الواجبات ويتخلى عن المحرمات.

    والولاية لا تكون بالنسب أبداً، وإنما فقط بموافقة الرب في محابه ومكارهه، هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا [الكهف:44] فهل هناك ثواب أكثر من ثواب الله من الجنة؟ وخير العاقبة لأولياء الله من الله عز وجل، وهنا انتهت هذه المحاورة بين أهل الإيمان وأهل الكفر، فاللهم اجعلنا من أهل الإيمان وأبعدنا عن أهل الكفر يا رب العالمين.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [من هداية الآيات: أولاً: بيان مآل المؤمنين كـصهيب وسلمان وبلال وهو الجنّة، ومآل الكافرين كـأبي جهل وعقبة بن أبي معيط وهو النار ]، أي: من هداية الآيات أنها بينت لنا مصير ومآل المؤمنين الموحدين ومصير ومآل الكافرين والمشركين، وإن كان المؤمنين فقراء ومساكين، وكان الكافرون عتاة وطغاة وأغنياء، فقد بينت الآية مصير الكل.

    قال: [ ثانياً: استحباب قول من أعجبه شيء: ( ما شاء الله، لا قوة إلاّ بالله ) فإنه لا يرى فيه مكروهاً إن شاء الله ]، وهذه ما ننساها وقد بينتها لكم، فإذا دخلت منزلاً أو بستاناً أو داراً أو دكاناً أو رأيت سيارة أو رأيت إنساناً وأعجبك فقل: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، بل إن الإمام مالك يستحبها لكل من دخل بيته أن يقول هذه الكلمة، وهذا هو التوحيد، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا قوة على الخلق والإيجاد إلا بالله عز وجل، وهذا الاعتراف من العبد إلى العظيم.

    قال: [ ثالثاً: استجابة الله تعالى لعباده المؤمنين وتحقيق رجائهم فيه سبحانه وتعالى ]، استجابة دعاء المؤمنين، فالله عز وجل يستجيب لعباده المؤمنين ويحقق رجاءهم فيه، وقد سمعتم كيف حقق الله رجاء هذا المؤمن، وكيف ذم أموال وبساتين ومياه ذلك الكافر، إذ إن المؤمن الصادق الإيمان إذا رجا من الله شيئاً وسأله فغنه يعطيه ولا يخيبه أبداً.

    قال: [ رابعاً: المخذول من خذله الله تعالى، فإنه لا ينصر أبداً ]، فالمخذول من خذله الله، ومن خذله الله لا ينصر أبداً، إذ من ينصره؟ فإذا كان الله هو الناصر قد خذله يبقى من ينصره؟! لو تجمع الدنيا كلها على نصرة من خذله الله والله ما ينتصر، ومعنى هذا أنه يجب أن نخاف من الله، وأن نرهبه، وأن نتحاشى ما يغضبه؛ خشية أن يسخط علينا ويخذلنا ويضلنا، ولنفزع إليه تعالى دائماً بالنصر فإنه هو الناصر الكريم، وقد رأينا كيف نصر الله المؤمن وخذل الكافر وحطمه.

    قال: [ خامساً: الولاية بمعنى: الموالاة النافعة للعبد، وهي موالاة الله تعالى لا موالاة غيره ]، الموالاة ينبغي أن تكون لله، فوال الله تعالى، أي: افعل ما يحب مولاك واترك ما يكره، فإن هذه الولاية تنفع في الدنيا والآخرة، أما ولاية الناس والمخلوقات فلا قيمة لها أبداً، إذ لو يواليك أهل الأرض كلهم ويعاديك الله والله لا تفلح ولن تنجح ولن تفوز أبداً، وإذا والاك الله وأصبحت وليه وهو وليك، لو اجتمع أهل الأرض كلهم على أذيتك ما قدروا، فهيا نطلب ولاية الله، وهي سهلة، فكيف؟ نحب ما يحب من الاعتقادات والأقوال والأفعال والصفات والذوات، ونكره ما يكره تعالى من الاعتقادات الباطلة والأقوال الفاسدة والأعمال السيئة والصفات الذميمة والذوات المكروهة، وبهذا تتحقق ولاية الله تعالى.

    ولكن يا عباد الله! لن تستطيع أن تحقق هذا إلا بالعلم، فإذا كنت لا تعرف ما يحب الله من الاعتقادات فكيف تظفر بذلك؟ ومعنى هذا لا بد من العلم، والرسول الكريم يقول صلى الله عليه وسلم: ( طلب العلم فريضة على كل مسلم )، والمسلمة تابعة لأخيها، فطلب العلم معاشر المؤمنين والمؤمنات! يطلب في بيوت الرب عز وجل كما كان أصحاب رسول الله يطلبونه في حلق الذكر، وقد سمعتم في المقدمة: اجتمعوا على كتاب الله يتدارسونه، فازوا وظفروا وعلموا، ووفقهم الله للعمل وعملوا.

    ولذا لا بد من العودة إلى بيوت الله من جديد، وذلك عودة سليمة صحيحة، فنصلي المغرب ونجلس للعلم ولطلبه والتعلم، ثم نصلي العشاء وننصرف إلى بيوتنا وأهلينا، ولا نكن كالكافرين، وذلك إذا دقت الساعة السادسة ذهبوا إلى المراقص والملاهي والملاعب، لكن نحن إذا دقت الساعة السادسة فنتوضأ ونحمل نساءنا وأطفالنا إلى بيوت ربنا، فنصلي المغرب ويجلس لنا عالم بالكتاب والسنة، وليلة آية وليلة حديثاً، ونحن نعلم ونعمل، لا تمضي سنة إلا وكلنا لله أولياء، وحينئذ لو نرفع أكفنا نسأل الله أن يزيل الجبال لأزالها، وبغير هذا ما يتحقق الولاية، إذ لا بد وأن تعرف ما يحب مولاك ويكره، فتفعل المحبوب وتكره المكروه.

    قال: [ سادساً: الولاية بمعنى: الملك والسلطان لله يوم القيامة ليست لغيره، إذ الملك والأمر كلاهما لله تعالى ]، الولاية بمعنى: الملك والسلطان لله يوم القيامة، إذ لا ملك ولا سلطان في عرصات القيامة، والوَلاية بالفتح تعني الموالاة.

    وصلى الله على نبينا محمد.