إسلام ويب

تفسير سورة الكهف (7)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاء بعض المشركين إلى النبي صلى الله عليه وسلم يساومه ويخيره بين جلوسه مع صناديد قريش وأشراف مكة، وبين جلوسه مع فقراء المسلمين أمثال بلال وعمار وصهيب، فأتى التوجيه المباشر من الله سبحانه وتعالى لنبيه أن يلزم مجالس الفقراء المقبلين على ربهم، ولا يطيع فيهم أعداء الله ممن طبع على قلبه فصد عن السبيل؛ لأن الحق الذي جاء من عند الله إنما هو للناس كافة، فمن شاء قبله واهتدى، ومن شاء كفر به وأعرض عنه فضل وغوى، واستحق العذاب الأليم وشراب الحميم، في نار الجحيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    ها نحن الليلة مع سورة الكهف المكية المباركة الميمونة، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات، وتلاوتها.

    قال تعالى: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا * وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا * أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا [الكهف:27-31].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ [الكهف:27]، من الآمر؟ إنه الله جل جلاله، والمأمور بهذا هو محمد رسول الله، وهذا هو معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله، فالله موجود وهو حي قيوم، وقد أنزل الكتاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوحاه إليه، وهذه الآية تدل على أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فيأمر تعالى رسوله ومصطفاه بقوله: وَاتْلُ [الكهف:27]، أي: اقرأ يا رسولنا! الذي أوحي إليك، فمن أوحاه إليه؟ إه الله عز وجل، والإيحاء: الإعلام السريع، مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ [الكهف:27]، فبيَّن أن الذي يتلوه هو القرآن الكريم، ومن هنا من أراد أن يظفر ويفوز بالجنة دار السلام فعليه بالإيمان بالله ولقائه، والإيمان برسوله، وبما جاء في هذا الكتاب، وليقرأه وليتأمله وليتدبره، فسيجد فيه أن الحلال بين والحرام بين، والحق والباطل، والخير والشر، فيصبح ذا علم وبصيرة.

    وها هو الله تعالى يأمر رسوله فيقول له: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ [الكهف:27]، وذلك بعد ذاك النزاع الذي بينك وبين اليهود، فقال له: اترك هؤلاء، وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ [الكهف:27]، أي: القرآن الكريم، ثم قال له: لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ [الكهف:27]، وكلمات الله هي أحكامه وقضاياه وشرائعه وأخباره ووصاياه التي لا تتبدل، ومعنى هذا: الزم باب الله، فاتل كتاب الله، وادع إليه الناس ليؤمنوا به، وادع إليه عبيد الله المؤمنين ليعملوا به، إذ إن تلاوة هذا الكتاب ليس لمجرد التعبد، بل لتعليمه المؤمنين وبيان ما فيه، ولدعوة الكافرين والمشركين إلى الإيمان به.

    وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ [الكهف:27]، فإذا حكم الله حكماً فمن ينقضه؟! وإذا أخبر تعالى بخبر -كما أخبر عن أصحاب الكهف- فمستحيل أن يتبدل أو يتغير، وإذا توعد الله أهل الشر والضر والفساد فلن تستطيع يد أن تصرف ذلك عنهم، لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ [الكهف:27]، وإذا واعد أهل الإيمان وصالح الأعمال بالفوز والنجاة والنصر فلن تستطيع يد أن تبدل ذلك أو تغير.

    لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ [الكهف:27]، وهذا أولاً، وثانياً: وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا [الكهف:27]، فيا من أعرض عن كتاب الله، ولم يقرأه ولم يعمل بما فيه! اعلم أنك لن تجد من دون الله ملجأ تلجأ إليه يوم يحق العذاب وتنزل ساعته، إذ لا ملاذ ولا ملجأ ولا مكان تلجأ وتلتحد فيه أبداً، وإذا كان هذا يوجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فما بالك بنا نحن؟! لا نقرأ القرآن إلا على الموتى، فلا يجتمع عليه اثنان، ولا يتدارسانه اثنان، ولا يعملون به، وإنما إعراض عنه إعراضاً كاملاً، ولا تطبق أحكامه لا في القضاء ولا في السياسة ولا في المال ولا في الحياة كلها كما هو مشاهد إلا من رحم الله.

    إذاً: إذا دقت الساعة وأراد الله أن يضرب المعرضين عن كتابه فإنهم والله لن يجدوا ملجأً إلا إلى الله، وتأملوا: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا [الكهف:27]، أي: من دون الله من تلجأ إليه وتحتمي به إذا أراد الله أن يضرب أو يعاقب أو يعذب المعرضين عن كتابه، الساخرين المستهزئين بقضائه وأحكامه، وبوعده ووعيده من أهل الشرك والظلم والكفر.

    وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ [الكهف:27]، أي: القرآن، واعلم أنه لا مبدل لكلمات الله، ولأحكامه التي يحكم بها وقضاياه التي يقضيها بالخير أو الغير أبداً، ثم شيء آخر: إذا أنت أعرضت عن كتابه، وما تلوته، وما عملت بما فيه، واستوجبت العذاب والنقمة فلن تجد لك مَن تلجأ إليه وتحتمي بحماه أبداً، وإذا كان هذا يوجه إلى رسول الله فما بالك بنا نحن؟! ألسنا أولى بهذا؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ...)

    قال تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28].

    ثم قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أيضاً: وَاصْبِرْ [الكهف:28]، أي: احبس، نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الكهف:28]، وهذه تعاليم وتوجيهات ربنا لرسول الله ولأمته الماشية وراءه والتابعة له، فهل اصبر نفسك واحبسها مع أصحاب المقاهي والشهوات والملاهي والأباطيل والأضاحيك؟ لا والله، وإنما مع الذين يدعون ربهم طول الليل والنهار بالغداة والعشي، وفي الصباح والمساء، وفي الليل والنهار، وفي الصلاة وخارج الصلاة، فهؤلاء احبس نفسك معهم، أما أن تجالس المبطلين الفاسقين الضالين المشركين أرباب الدنيا المتكالبين عليها فلا ينبغي لك هذا أبداً.

    يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الكهف:28]، أي: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه فقط، إذ لا همَّ لهم أبداً إلا أن يرضى الله عنهم، لا همَّ لهم في الحياة إلا أن يطيعوا ربهم، لا همَّ لهم في الحياة الدنيا إلا أن يكونوا ربانيين أولياء الله عز وجل، وهذه الولاية مبدؤها الإيمان الحق ثم الاستقامة على منهج الإسلام، وذلك بأن نقوم بالواجبات بصدق ونؤديها كما أوجبها الله تعالى، ونتجنب ما حرم الله تعالى من النظرة المحرمة إلى الكلمة إلى قتل النفس.

    وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:28]، أي: لا تتجاوز عيناك هؤلاء الفقراء المؤمنين إلى أولئك الأغنياء الكافرين، وهذا تعليم الله لرسوله، ونحن أتباعه ينبغي أن نكون مثله، وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ [الكهف:28]، أي: لا تتجاوز الفقراء المؤمنين الصابرين الأتقياء الصالحين إلى أولئك الأغنياء أرباب المال والدنيا الفاسقين الفاجرين من المشركين والظالمين، وهذا نهي من الله تعالى، إذ نهي رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينظر إلى الأغنياء أرباب المال، وأمره أن يكف بصره عنهم، وأن ينظر إلى الفقراء والمساكين الربانيين المؤمنين، واسمع ماذا قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم؟ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:28]، وزخارفها بالطعام والشراب واللباس وما إلى ذلك.

    ثم نهي الله نبيه عن شيء آخر فقال: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا [الكهف:28]، أي: الذي أغلقنا الباب عنه، وأغفلنا قلبه عن ذكر الله، فلا يذكر الله ولا يسأل عنه ولا يلتفت إليه ولا يطلب طاعته أبداً، فهذا الشخص وهذا النوع لا تطعه أبداً، فإذا أمرك أو نهاك فلا تلتفت إليه أبداً، وهنا حادثة حدثت وهي: أن أمية بن خلف الجمحي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: إن أردت أن يجلس إليك أعيان البلاد وأشرافهم، وأهل الحل والعقد، كـأبي جهل وعقبة بن أبي معيط ومن عداهم، فاطرد من حولك بلالاً وصهيباً وعماراً هؤلاء الفقراء، وحينئذ ينزل إليك هؤلاء ويجلسون إليك، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحكمه البشري كاد أن يلين لهم، وذلك لعلهم إذا نزلوا وجلسوا وسمعوا يؤمنون ويهتدون، لكن الله وليَّه ومربيه لم يرض بهذا، إذ أخبره أنه غير مسئول عن هدايتهم، وإنما عليه البلاغ فقط، فقال له: واصبر نفسك مع بلال وعمار والفقراء والمساكين، وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [الكهف:28] والعياذ بالله! كـأمية بن خلف الجمحي وغيره.

    وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [الكهف:28]، وما اتبع عقله، وهل الكفار اتبعوا عقولهم؟ والله ما اتبع كافر عقله، إذ العقل يقول له: أنت مخلوق مرزوق أما تسأل من خلقك؟ ويبلغه أن هناك من يعرف خالقه وصفاته وما إلى ذلك، لكن يعرض ولا يلتفت، وهذا هو الإغفال عن القلب، فصرف الله قلوبهم باستمرارهم على الكفر والشرك والباطل والشر والفساد.

    وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ [الكهف:28]، خساراً كاملاً، إذ لا خير فيه بالمرة، وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28]، من الإفراط في الباطل والشر والفساد، فهل عرفتم هذا الخطاب؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ...)

    قال تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا [الكهف:29].

    رابعاً: وَقُلِ [الكهف:29]، أي: يا رسولنا! وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29]، فهذه هي مهمتك، أي: البلاغ والبيان، وما أنت مسئول عن هدايتهم، إذ هدايتهم بيد الله تعالى، وإنما بلغ فقط، ولا تتنازل لطلباتهم وما يريدون علّهم يهتدون، لا، وإنما اثبت على دعوتك، واصبر مع الذين يتقون ربهم، وأعلنها في صراحة: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29]، أعلمهم بهذا، وأعلن هذا الإعلان.

    وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ [الكهف:29]، لماذا قال من ربكم؟ لأنهم مؤمنون أنهم مخلوقون مرزوقون، وأن العوالم لها خالق هو الرب تبارك وتعالى، إذ ما كان العرب في الجاهلية ينكرون وجود الله، بل ما كان في العالم كله من ينكر وجود الله، فالمذهب البلشفي الشيوعي الأحمر -من صنع اليهود- ما كان إلا في القرن قبل هذا القرن، والبشرية كلها بالفطرة تؤمن أنها مخلوقة، فتسأل عن خالقها من هو؟ وكيف هو؟ فتتعلم وتعرف، والرسل يبلغون ذلك، ولا ينكرون وجود الله أبداً، لكن صنيعة اليهود البلشفية: لا إله والحياة مادة، لكن لما سقطت الشيوعية اليوم قالوا: العلمانية، العلم فقط، ودعنا من الصلاة والصيام، وإنما العلم فقط، إذ السعادة لا تتحقق إلا به، وكان هذا بديل عن الشيوعية، ولا ندري ماذا يحدثون بعد أيام؛ لأن العلمانية انهزمت أيضاً، وعرفت أنها بنت الشيوعية.

    فاسمع يقول الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ [الكهف:29]، بالله ولقائه ورسوله، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29]، والجزاء على الإيمان بالجنة دار النعيم، وعلى الكفر بالنار والجحيم، ومعنى هذا: عليك البيان فقط، ولا تعطهم أكثر من هذا.

    ثم بيّن جزاء الكافرين وجزاء المؤمنين، فقال تعالى: إِنَّا أَعْتَدْنَا [الكهف:29]، أي: هيأنا وأعددنا وأحضرنا، لِلظَّالِمِينَ [الكهف:29]، من هم الظالمون؟ أولاً: المشركون، ما وجه ظلمهم؟ كيف يخلقك خالقك ويرزقك ويحفظك وتدعو غيره وتلتفت إلى سواه وتطيع غيره؟ إن هذا أبشع ما يكون من الظلم، فأنا كسوتك وأطعمتك وحملتك من أجل أن تذكرني بخير، فإذا بك تسبني وتشتمني وتنسب إلي الباطل وتلتفت إلى غيري تعبده وتحمده، فأي ظلم أعظم من هذا؟ واقرءوا قول الله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، فالذي يلتفت إلى غير ربه يدعوه، يا سيدي فلان! المدد، الغوث، أو يلتفت إلى حجر أو إلى شجرة أو إلى قبة فيقول: أنا كذا، أعطوني كذا، ونسي الله وأعرض عنه، فأي ظلم أفظع من هذا الظلم؟ إن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، فلو وقفت أمام قبر تدعو صاحبه ألف سنة والله لم تمتد إليك يد، ولا تقبل لك حاجة، ولا تسمع نداء من ذلك الميت أبداً، ومع هذا إخوانكم وآباؤكم وأجدادكم في هذه القرون المظلمة: يا سيدي عبد القادر، يا مولاي إدريس، يا حسين، يا فاطمة، يا رسول الله، آلله أمرهم بهذا؟ ما هو السبب؟ إنه الجهل، إذ ما جلسوا في حِلَقِ العلم، ما تدارسوا كتاب الله، فكيف يعلمون؟! مستحيل.

    وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ [الكهف:27]، لو اجتمعوا على كتاب الله في بيوت ربهم طول العام لا يبقى فيهم من ينكر فضيلة من الفضائل فضلاً عن عقيدة من عقائد التوحيد، لكن ما علموهم، أبعدوهم عن ساحة العلم.

    واسمع ماذا أعد الله وهيأ للظالمين؟ قال: نَارًا [الكهف:29]، أتعرفون النار؟ موجودة في الشجر الأخضر أو في الحطب، فمن يستطيع أن يدخل أصبعه فيها ويتلذذ بذلك؟ لا أحد، والحريق الذي تم العام الماضي هول الدنيا كاملة، ونار الله ليست هذه النار، وإنما هذه جزء من سبعين جزءاً، إذ النار في هذه الحياة الدنيا جاء الله بها لينتفع بها عباده، وهي جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، وبهذا أخبر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

    إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا [الكهف:29]، والسرادق هو جدران من النار، وطول الجدار أربعين سنة وهم في أوسطها، فسرادقها من النار، فهي نار وسرادقها وجدرانها المحيطة بها نيران، ومن ارتبك وما عرف ما يقول، نقول له: غداً إن شاء الله في الساعة العاشرة صباحاً انظر إلى الشمس، إلى ذلك الكوكب، فإنه أكبر من الأرض بمليون ونصف مليون مرة، وكله جحيم ونار، إذ لو تلقى فيه البشرية كلها ما سدت ثلثه أبداً، فكيف إذاً تجهل النار التي لا حد لها؟!

    وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا [الكهف:29]، من العطش وشدته، واللهب وحريقه، فيطلبون من يغيثهم، يُغَاثُوا بِمَاءٍ [الكهف:29]، هل بماء زمزم؟ أو نهر النيل؟ أو من السماء؟ بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ [الكهف:29]، أتعرفون النحاس المذاب أو العكر من الزيت؟ إنه ماء ثخين منتن، إذا شربوه مزق أمعاءهم، يَشْوِي الْوُجُوهَ [الكهف:29]، لما يقدم له الإناء فيدنيه ليشرب منه تسقط جبهته وجلدته عليه، فهذه أخبار الله عز وجل، بِئْسَ الشَّرَابُ [الكهف:29]، أي: هذا الشراب ما أقبحه وما أسوأه، وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا [الكهف:29]، أي: وبئس مرتفقاً يرتفق به أهل النار.

    فيا عباد الله! هل عند أمان بأننا سننجوا من النار؟ من يرفع يده ويقول: نعم؟ إذاً: فعلينا اللجأ الصادق إلى الله تعالى ليلاً ونهاراً، فندعوه أن يقينا عذاب النار، ولذا لا بد من أن نستعيذ بالله: وقنا عذاب النار، ولنعمل على تزكية أنفسنا وتطهيرها لتصبح مرضياً عنها من قبل ربها، أما الأنفس الخبيثة المنتنة بأوضار الذنوب والآثام، فالله غني عنها ولا يقربها ولا يدنيها منه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً ...)

    إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [الكهف:30].

    بم تزكو أنفسنا وتطيب وتطهر؟ الجواب: قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [الكهف:30]، أي: آمنوا الإيمان الحق، آمنوا بالله ولقائه، آمنوا بالله وكتابه، آمنوا بالله ورسوله، وهذا الإيمان الصادق يضاف إليه الصالحات، أي: الأعمال الصالحة التي شرعها الله لنا وبينها رسوله من الصلاة إلى الرباط والجهاد، فكل هذه العبادات أعمال من شأنها تزكية النفس وتطهيرها، ومن ثَمَّ تسمى أعمالاً صالحة، أي: تصلح النفس وتطيبها وتطهرها، ويدلك لذلك ذو الإيمان والعمل الصالح لا خبث فيه، لا في نطقه ولا في مشيته ولا في تعامله، وإنما تتجلى أنوار الإيمان في سلوكه، وصاحب النفس الخبيثة هو الذي يغش ويخون ويكذب ويفجر ويقول الباطل ويؤثر دنياه عن آخرته، وكل ذلك لظلمة نفسه، أما من آمن وعمل صالحاً فقد زكت نفسه وطابت وطهرت، وهيهات هيهات أن يرضى أن يبيت على جريمة من الجرائم.

    إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [الكهف:30]، ما لهم يا رب؟ قال: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [الكهف:30]، ثم بين الجزاء الأوفى الذي أعده لهم، فهل عرفتم ما هو الإيمان؟ آمنا بأنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن الآخرة حق، ثم الأعمال الصالحة من الوضوء إلى الغسل، من إزالة الأذى من طريق المؤمنين، من غض البصر، من نظرة محرمة، من كلمة سيئة وما إلى ذلك، كل ذلك من باب الأعمال الصالحة، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [الكهف:30]، ما عملوا المفسدات أو الفاسدات.

    إذاً: ما لهم؟ قال: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [الكهف:30]، فكم من مصلي يصلي وصلاته باطلة؛ لأنه ما أحسنها، وكم من رجل حج وحجه باطل؛ لأنه ما أحسن حجّه، وكم من عالم علم ما أحسن علمه وما انتفع به فهو باطل، وكم من صائم يصوم ولا أجر له؛ لأنه ما أحسن عمله، وهنا يعلمنا ربنا تعالى أنه يجب أن نحسن العمل، وأن نؤديه على الوجه المطلوب، وهذا يتطلب منا العلم والمعرفة، فالذين لا يعلمون ولا يعرفون كيف يحسنون أعمالهم وهم ما يعرفونها؟! سنجد أنفسنا مضطرين إلى أن نعكف في بيوت الرب، ونتعلم قال الله وقال رسوله حتى نعرف كيف نصلح أعمالنا ونحسنها، أما مع البعد عن الكتاب والسنة فهيهات هيهات.

    ماذا قال تعالى؟ إِنَّا لا نُضِيعُ [الكهف:30]، أي: إنا رب الجلال والكمال، لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [الكهف:30]، فنوفيه أجره كاملاً، وإليكم بيان هذا الأجر العظيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار ...)

    قال تعالى: أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا [الكهف:31].

    قال: أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ [الكهف:31]، أي: أولئك السامون الأعلون الفائزون أهل الإيمان وصالح الأعمال، والذين أحسنوا أعمالهم الصالحة، فهؤلاء لهم جنات، وجنات جمع جنة، جَنَّاتُ عَدْنٍ [الكهف:31]، أي: إقامة دائمة لا يخرجون منها ولا يبرحون.

    جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ [الكهف:31]، هم على أرائكهم وأسرَّتهم والأنهار تجري من تحتهم، يُحَلَّوْنَ فِيهَا [الكهف:31]، بماذا؟ مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ [الكهف:31]، أتعرفون الحلية؟ ما تتحلى به المرأة في أذنيها وفي عنقها وفي يديها، فكذلك أهل الجنة يتحلون أساور من ذهب في أيديهم والله العظيم، وكنا قبل هذا نقول: كيف هذا؟ الآن رأينا أصحاب الساعات يتبجحون بها، وذلك انه يتجمل بها.

    ومن اللطائف: كان شيخنا العلامة البحر الطيب العقبي خريج المسجد النبوي ومؤسس جريدة القبلة وأم القرى، في درسه، وإذا بشيخ كبير هرم مثلي قال: والله لا نقبل يا شيخنا! ما نصبح كالنساء! فهو ما عرف أن القلوب تتقلب والطباع تتغير والأحوال تتبدل، وما هو كأنت الآن تقول: ما نلبس، وجاءت الأيام ورأينا الناس الآن يتحلون بساعات الذهب في أيديهم، وهم فحول، إذاً: أبشروا بأنكم تحلون أساور من ذهب في أيديكم.

    قال تعالى: أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ [الكهف:31]، والأنهار في الجنة أربعة أنهار، قال تعالى من سورة محمد صلى الله عليه وسلم أو القتال: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد:15].

    تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ [الكهف:31]، أي: يلبسون ثياباً من حرير أخضر، والسندس ما كان خفيفاً لطيفاً، والإستبرق ما كان غليظاً متيناً، إذ الثياب منها الخفيف ومنها الثقيل، وكلها من الحرير، وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا [الكهف:31]، والخضرة محمودة، والشيوعيون بماذا يتزينون؟ الأحمر والعياذ بالله، حتى أعلامهم حمراء، لكن قد هزمهم الله، أما الخضرة فهي محبوبة للصالحين والصالحات، وكل خضرة محبوبة مرغبة في الجنة، حتى البساتين فيها الخضرة، وهذه ثياب خضر من سندس، أي: حرير خفيف، وإستبرق، أي: حرير كثيف ثقيل.

    مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ [الكهف:31]، والأرائك: جمع أريكة، وهي السرير التي عليه الحجلة فوقه قبة، نِعْمَ الثَّوَابُ [الكهف:31]، أي: نِعْمَ الجزاء، وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا [الكهف:31]، أي: وحسنت الجنة مرتفقاً؛ لما فيها من النعيم المقيم، وفوق ذلك رضوان رب العالمين، اللهم اجعلنا منهم، اللهم اجعلنا منهم، واحشرنا في زمرتهم، واهدنا إلى ما هديتهم إليه من الإيمان وصالح الأعمال، وأبعدنا عن الشرك والكفر والظلم والفسق والفجور يا رب العالمين.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات: أولاً: بيان خيبة وخسران المعرضين عن كتاب الله، فلم يتلوه ولم يعملوا بما جاء فيه من شرائع وأحكام ]، أي: بيان خيبة وخسران المعرضين عن كتاب الله، الذين لا يجتمعون عليه، ولا يتدارسونه، ولا يفهمون ما فيه، ولا يعملون بما فيه، فيا ويلهم من هذا الخسران العظيم.

    قال: [ ثانياً: الترغيب في مجالسة أبناء الآخرة وهم الفقراء الصابرون، وترك أبناء الدنيا والإعراض عما هم فيه ]، فيا معشر المستمعين! هل أنتم قادرون على أن تعملوا هذا؟ فلتكن مجالسكم مجالس ذكر، فتجتمعون فيها مع الصلحاء والربانيين من الفقراء والمساكين، أما الذين يريدوا أن يجالسوا أرباب الدنيا والأموال والباطل والشر فيا ويلهم ويا ويحهم من مصيرهم المظلم، إذ الله يرشد رسوله إلى هذا فقال له: وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:28]، وهذا يتم لنا عندما نقبل على ربنا في بيوته رجالاً ونساءً، فنتعلم الكتاب والسنة، ونتعلم الهدى، ونزكي أنفسنا، وعند ذلك تتجلى لنا هذه الحقائق، أما ونحن بعيدون عن العلم فأنى لنا ذلك.

    قال: [ ثالثاً: على الداعي إلى الله تعالى أن يبين الحق، والناس بعد بحسب ما كتب لهم أو عليهم ]، أي: على الداعي إلى الله أن يبين الحق للكافر وللظالم وللمشرك وللفاسق، وليس عليه هدايتهم، إذ هدايتهم إلى الله، وإضلالهم إلى الله تعالى، وهو ما عليه إلا أن يبين، وأخذنا هذا من قول الله تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29]، فأنا ما أملك هداية أحداً، لكن أبين الطريق، فمن سلكه نجا ومن أعرض عنه والتفت إلى غيره خسر وهلك، وما أنا بمسئول عنه، وهذا الله يرشد رسوله لهذا ويقول له: قل لهم: الحق جاء من ربكم، فمن شاء أن يؤمن ومن شاء فليكفر، وقد بينا لكم الطريق، فاسلكوه أو لا تسلكوه، وذلك حتى لا يكرب رسول صلى الله عليه وسلم ويحزن.

    قال: [ رابعاً: الترغيب والترهيب بذكر جزاء الفريقين المؤمنين والكافرين ]، أي: أن الترغيب والترهيب مبدأ للدعاة الصالحين، فيرغبون المؤمنين ويرهبون الفاسقين، يرغبون أهل الأعمال الصالحة ويحذرون الأعمال الفاسدة، فالترغيب يذكرون ما يرغب في العمل الصالح، والترهيب يذكرون ما يرهب ويبعد من العمل الفاسد، وأخذنا هذا من الآية، إذ بين تعالى جزاء الظالمين وجزاء المؤمنين، وهذا ترغيب وترهيب، وأكثر القرآن هكذا.

    قال: [ خامساً وأخيراً: عذاب النار شر عذاب، ونعيم الجنة نِعْمَ النعيم، ولا يهلك على الله إلا هالك ]، وهذه هي الحقيقة، فنعيم الجنة أعظم نعيم ولا نعيم مثله أبداً، وعذاب النار أو عذاب الجحيم لا عذاب أشد منه أبداً، والله نسأل أن يقينا عذاب النار، وأن يجعلنا من أهل الجنة دار الأبرار.