إسلام ويب

تفسير سورة الكهف (5)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد أن ضرب الله عز وجل على آذان أصحاب الكهف فناموا في كهفهم ثلاثمائة وتسع سنين، بعثهم من نومتهم فأخذوا يتساءلون فيما بينهم عن مدة نومهم في الكهف، فلم يستطيعوا أن يجزموا بشيء، فأرجعوا علم ذلك إلى الله سبحانه وتعالى، وكانوا جياعاً عندما استيقظوا من نومهم فكلفوا واحداً منهم لينزل إلى المدينة فيحضر لهم الطعام دون أن يشعر به أهل المدينة، خشية أن يطلعوا على حالهم فيفتنوهم عن دينهم الذي فروا به أول الأمر، فأراد الله إطلاع الناس على حال هؤلاء الفتية ليصدقوا بحقيقة البعث بعد الموت، وبصدق موعود الله عز وجل في قيام الساعة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    ها نحن الليلة مع سورة الكهف المكية المباركة الميمونة، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات، وتلاوتها:

    قال تعالى: وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا * وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:19-21].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أعيد إلى أذهانكم: أن فتية أو شبيبة من شبيبة الإيمان الصحيح عزم حاكمهم على قتلهم، إذ كان يقتل الموحدين، ولم يقبل لهم كلمة بينه وبين قومه، فما كان من هؤلاء الفتية السبعة إلا أن هجروا تلك البلاد وخرجوا منها فارين بدينهم، فآواهم الله تعالى بتدبيره وتيسيره إلى كهف في جبل فدخلوه، وكان معهم كلب يمشي معهم، فبسط يديه عند باب الغار ونام وناموا ثلاثمائة سنة وتسع سنين، ويتقلبون يميناً وشمالاً، فمن يقلبهم؟ إنه الله عز وجل، ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [الكهف:18]، يحرسهم ويحميهم، فلم يدخل عليهم أحد أبداً، ومن شاهدهم من بعيد أخذه الرعب وهرب وفزع، وكل ذلك حماية الله لأوليائه.

    والآن يقول تعالى وقوله الحق: وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ [الكهف:19]، أيقظهم من أنامهم، وكأنما كانوا أمواتاً، والنائم كالميت، ولذا قال: بعثناهم، لأجل ماذا؟ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ [الكهف:19]، كم لبثنا؟ بعضهم قال: يوماً، وبعضهم قال: بعض اليوم؛ لأنهم دخلوا الكهف في الصباح وناموا، وما استيقظوا إلا في آخر النهار، فلهذا قال بعضهم: لبثنا يوماً، وبعضهم قال: بعض اليوم.

    قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [الكهف:19]، فقال سيدهم وأصلحهم وأميرهم: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ [الكهف:19]، فلا تتنازعوا، فهدأ الموقف حتى لا يقع جدل وخصومة، وهنا ماذا فعلوا؟ قالوا: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ [الكهف:19]، أي: إلى المدينة، وهي طرسوس في شمال الشام التي تلي بلاد الروم، وهذه هي البلاد التي خرجوا منها، بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ [الكهف:19]، والمراد بالورق دراهم أو فضة، و(بورِقَكُم) أو (بورْقِكُم) وهي قراءتان سليمتان، هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ [الكهف:19]، أي: التي يعرفونها وعاشوا فيها، فَلْيَنظُرْ [الكهف:19]، أي: هذا الذي نبعثه بالنيابة عنا، وهنا قال العلماء: يؤخذ من هذه الآية جواز الوكالة، فيجوز أن توكل أحداً، إلا أن العاجز أولى بالوكالة، والسليم الصحيح كونه لا يوكل أولى، والجواب: الجواز، فقد وكلوا أحدهم أن يشتري الطعام لهم نيابة عنهم.

    مرة أخرى: الوكالة جائزة في الإسلام، وتستحب للعاجز وتجوز لغير العاجز، إذ غير العاجز يقوم بنفسه فلا يكلف غيره، ولكن إن فعل جاز، بدليل هذه الآية: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا [الكهف:19]، أي: أطهر وأطيب طعام يشتري منه، وبالتالي فلا يشتري الطعام الحرام ولا الطعام الذي فيه خبث، ولكن ليكن أطيب طعام، وهذا هو كلام العقلاء والرشداء، فيختار لكم أزكى طعام وأطيبه وأطهره وأنفعه لكم.

    فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ [الكهف:19]، برزق ترتزقونه، أي: طعام تأكلونه وتشربون الماء معه، وَلْيَتَلَطَّفْ [الكهف:19]، فيا من ذهب ليشتري لنا تلطف ولا تثر الزوابع ضدنا فيأتون وراءكم فيقولون: من هذا وهذا؟ وإنما تلطف في الشراء ولا تشدد ولا تماكس، وإنما بكم هذا؟ قال: بكذا، إذاً أعطني، وذلك خشية أن يعرفوهم ويأتوا إليهم، ولهذا من الحكمة قالوا للوكيل: فلتتلطف في طلب الرزق والشراء حتى لا تثير زوبعة بيننا وبينهم.

    وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا [الكهف:19]، أي: ولا يعلمن أحداً بكم؛ لأنهم ما زالوا فاهمين أنهم ناموا يوماً فقط أو بعض اليوم، وأنهم كما خرجوا من المدينة، بينما المدينة قد تغير سلطانها وملكها خلال ثلاثمائة سنة، بل وتغير الوضع فيها تماماً، وأصبح فيها مؤمنون وكافرون.

    وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا [الكهف:19]، فلو قلت لهم: لماذا هذا التحفظ؟ قالوا: إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ [الكهف:20]، فهم ما زالوا فاهمين أن الدولة ما زالت بعد، وأن السلطان هو السلطان، والمشركون هم السائدون الحاكمون، وبناءً على هذا لو اطلعوا علينا لقتلونا بالحجارة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ...)

    قال تعالى: إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ [الكهف:20]، أي: إما يرجموكم بالحجارة حتى يقتلوكم، وفعلاً فقد كانوا يقتلون بالحجارة، أو يعيدوكم في ملة الشرك والكفر والعياذ بالله.

    وبعد، وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا [الكهف:20]، أي: إذا عدتم إلى الشرك والكفر فلن تفلحوا لا في هذه الدنيا ولا في الآخرة، وهذه وصايا عجيبة من رشداء وحكماء؛ لأن الله مولاهم، فهو الذي علمهم، وهو الذي هداهم، وهو الذي أرشدهم، إذ كيف يقولون هذا الكلام؟!

    إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ [الكهف:20]، أي: يطلعون عليكم، يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ [الكهف:20] والعياذ بالله، وإذا عدتم إلى ملة الكفر والشرك، َلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا [الكهف:20]، وهذا كلام رشيد وصائب وسديد، وهؤلاء فعلاً هم أولياء الله تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق...)

    قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:21].

    قال: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ [الكهف:21]، أي: وكما أيقظناهم أعثرنا الآن عليهم، لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا [الكهف:21]، أطلعنا عليهم أهل البلاد وهم مضطربون، فبعضهم يقول: لا حياة بعد الموت، وآخر يقول: حياة بالأجسام دون الأرواح، وآخر يقول: بالأرواح دون الأجسام، وهكذا اضطرابات الجهل، فكانت هذه آية من أعظم الآيات توقنهم بأن البعث حق، وأن الله يعيد الأجسام كما كانت والأرواح بها.

    وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا [الكهف:21]، أي: أهل البلاد المضطربين، أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا [الكهف:21]، أي: لا شك في إتيانها، والمراد بالساعة يوم القيامة، أي: ساعة نهاية هذه وبداية تلك، إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ [الكهف:21]، أي: بعد أن مات السبعة أنفار وانتهت حياتهم اختلف فيهم أهل البلاد، فمنهم من قال: نبني عليهم كذا، ومنهم من قال: نبني كذا، وكل واحد يقول: كيف نفعل مع هؤلاء؟ وقال من انتصروا: نبني عليهم مسجداً، قال تعالى مصوراً ذلك: فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:21]، ثم إن هذا النزاع صار بين أهل البلاد من حكامهم وعلمائهم وأفرادهم، لكن الجانب الأخير غالب إذ قال: نبني عليهم مسجداً، لا كنيسة ولا بيعة.

    وهنا معاشر المستمعين والمستمعات! اعلموا أنه لا يحل في ملة الإسلام وفي دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن نبني على ميت مسجداً، كما لا يحل أبداً دفن ميت في مسجد ولا بناء مسجد على ميت، وذلك بتحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث صحاح: ( لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها مساجد )، وكذلك أن امرأتين من أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم هاجرتا أول مرة إلى الحبشة فرأتا الكنائس وفيها القبور والصور، فذكرتا ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم فقال: ( لعنهم الله، ذاك شرار الخلق )، وعلى كل حال سنذكر هذه الأحاديث فيما بعد.

    والشاهد عندنا أنه لا يحل للمسلمين في الشرق أو في الغرب أن يتخذوا مسجداً على قبر، ولا أن يأتوا بميت فيدفنونه في المسجد، وهنا ألفت نظركم إلى أن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بني والرسول حي، أي: بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حي، وثانياً: أن الحجرات الشريفة الطاهرة بناها رسول الله صلى الله عليه وسلم وسكنها بنسائه التسع، ثم من سنة الله في الأنبياء أن يدفن الأنبياء حيث يقبضون، فلا ينقل ولا يحمل إلى مكان آخر، فدفن الرسول صلى الله عليه وسلم في بيته، ومن هنا لا بيت الرسول بني عليه مسجد، ولا بيت الرسول بنيت على مسجد، إذ يقول لكم إخوانكم: لماذا لا يجوز بناء المسجد على القبر؟ لماذا لا يدفن الميت في المسجد، والرسول مدفون في المسجد؟ فهذه الكلمة يقولونها لكم وهي خطأ والله العظيم، إذ قد بني مسجد رسول الله قبل وفاته، ووالله ما دفن رسول الله إلا في حجرته وفي بيته، وبالتالي فلا شبهة أبداً.

    لكن لما انتشر الجهل وعم البلاد الإسلامية من الشرق إلى الغرب، بنيت القباب على الموتى، وبنيت المساجد عليهم، بحيث أصبح في ظرف من الظروف لا تجد مسجداً عتيقاً قديماً إلا وفيه قبر، وقد ويسر الله عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -تغمده الله برحمته- فطبق سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، فما ترك قبة في هذه المملكة ولا ميتاً في مسجد، إذ الميت يؤخذ من المسجد ويدفن في المقبرة، أو تؤخذ عظامه ويدفن في المقبرة ولا يصلى عليه، والحمد لله أننا في ظرف من خمسين أو ستين سنة قلما يوجد مسجد يبنى على قبر، أو يؤتى بميت فيدفن في قبر، وسبب ذلك هو العلم، وذلك لما علم المسلمون وعرفوا لا يعصون رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يريدون حبه وطاعته، لكن قبل العلم حصل الذي حصل، ومن هنا نقول: يا عبد الله! إذا وجدت مسجداً ليس فيه قبر فصل فيه، وإن لم تجد ولم يكن في مسجدكم إلا مسجد واحد فيه قبر فلا تصلي فوق القبر، ولا تجعله أمامك، وإنما صل في أي مكان آخر وصلاتك صحيحة.

    مرة أخرى: إن كان في حيك أو في قريتك مسجدان: مسجد فيه قبور، ومسجد خالي منها، فإياك أن تصلي في مسجد فيه قبر، وإنما صل في المسجد الخالي من القبور، وإن لم تجد إلا مسجد فيه قبر فصل ولا حرج، لكن على شرط ألا تستقبل القبر أمامك وتصلي إليه، وإنما ابتعد عنه، وإن كان مدفوناً في الأرض فلا تصلي فوقه، وبذلك تسلم من هذه الفتنة.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    ومرة أخرى اسمعوا إلى هذه الآيات: وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ [الكهف:19]، أي: حقاً وصدقاً، فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا [الكهف:19]، لماذا؟

    إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا [الكهف:20]؛ لأنهم كانوا فاهمين أن الدولة أو الأمة لا زالت كما هي.

    وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ [الكهف:21]، لم؟ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا [الكهف:21]، وهذه الآية شاهد على وجوب الإيمان بالبعث الآخر في الحياة الثانية، أو بالساعة النهائية لهذه الحياة وبداية للحياة الأخرى، إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ [الكهف:21]، أي: أهل البلاد، فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:21]، وفعلاً انتصروا عليهم، ومن هنا لا يقولن قائل: ذكر تعالى أن أهل مدينة طرسوس اتخذوا المسجد على أصحاب الكهف، فإن الشريعة المحمدية الطاهرة النقية نسخت ما كان من الباطل في الشرائع الأولى، والنسخ معروف في الشريعة الإسلامية.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    إليكم شرح هذه الآيات من الكتاب.

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات: مازال السياق الكريم في الحديث عن أصحاب الكهف، فقوله تعالى : وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ [الكهف:19]، أي: كما أنمناهم ثلاثمائة سنة وتسعاً، وحفظنا أجسادهم وثيابهم من البلى، ومنعناهم من وصول أحد إليهم، وهذا من مظاهر قدرة الله وعظيم سلطانه، بعثناهم من نومهم الطويل ليتساءلوا بينهم، فقال قائل منهم مستفهماً: كم لبثتم يا إخواننا؟ فأجاب بعضهم قائلاً: لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [الكهف:19]، لأنهم آووا إلى الكهف في الصباح وبعثوا من رقادهم في المساء، وأجاب بعض آخر يقول بقول مُرْضٍ للجميع وهو قوله: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ [الكهف:19]، فسلموا الأمر إليه، وكانوا جياعاً ]، وكيف لا يجوعون وقد لبثوا هذه الفترة بكلها؟!

    قال: [ فقالوا لبعضهم: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ [الكهف:19]، يشيرون إلى عملة من فضة كانت معهم في جيوبهم، إِلَى الْمَدِينَةِ [الكهف:19]، وهي أقيوس والتي تعرف الآن بطرسوس، والتي خرجوا منها هاربين بدينهم.

    وقوله: فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ [الكهف:19]، أي: فلينظر الذي تبعثونه لشراء الطعام، أي أنواع الأطعمة أزكى؟ أي: أطهر من الحرام والاستقذار، فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ [الكهف:19]، لتأكلوه سداً لجوعتكم، وليتلطف [الكهف:19]، في شرائه وذهابه وإيابه -أي: ورجوعه- حتى لا يشعر بكم أحداً، وعلل لقوله هذا بقوله: إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ [الكهف:20]، أي: يطلعوا، يَرْجُمُوكُمْ [الكهف:20]، أي: يقتلوكم رجماً بالحجارة، أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ [الكهف:20]، ملة الشرك بالقسر والقهر، وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا [الكهف:20]، أي: ولن تفلحوا بالنجاة من النار ودخول الجنة إذا أنتم عدتم للكفر والشرك فكفرتم وأشركتم بربكم.

    وقوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ [الكهف:21]، أي: وكما أمتناهم تلك المدة الطويلة، وبعثناهم ليتساءلوا بينهم فيزدادوا إيماناً ومعرفة بولاية الله تعالى وحمايته لأوليائه، أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ [الكهف:21]، أهل مدينتهم الذين انقسموا إلى فريقين: فريق يعتقد أن البعث حق، وأنه بالأجسام والأرواح، وفريق يقول: البعث الآخر للأرواح دون الأجسام كما في عقيدة النصارى إلى اليوم.

    فأنام الله الفتية وبعثهم وأعثر عليهم هؤلاء القوم المختلفين، فأتضح لهم أن الله قادر على بعث الناس أحياء أجساماً وأرواحاً كما بعث أصحاب الكهف، وهو معنى قوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا [الكهف:21]، أي: أولئك المختلفون في شأن البعث، أن وعد الله حق، وهو ما وعد به الناس من أنه سيبعثهم بعد موتهم يوم القيامة ليحاسبهم ويجزيهم بأعمالهم، وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا [الكهف:21].

    وقوله تعالى: إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ [الكهف:21]، أي: أعثرناهم عليهم في وقت كان أهل البلد يتنازعون في شأن البعث والحياة الآخرة، هل هي بالأجسام والأرواح أو بالأرواح دون الأجسام؟ فتبين لهم بهذه الحادثة أن البعث حق، وأنه بالأجسام والأرواح معاً.

    وقوله تعالى: فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا [الكهف:21]، واتركوهم في الكهف، أي: سدوا عليهم باب الكهف واتركوهم فيه؛ لأنهم بعد أن عثروا عليهم ماتوا، رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ [الكهف:21] وبحالهم.

    وقوله تعالى: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:21]، أي: قال الذين غلبوا على أمر الفتية لكون الملك كان مسلماً معهم، لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:21]، أي: للصلاة فيه، وفعلاً بنو على مقربة من فم الغار بالكهف بنوا مسجداً ].

    النهي عن اتخاذ المساجد على القبور

    يقول الشارح غفر الله لنا وله: [ اتخاذ المساجد على القبور من عمل أهل الكتاب قبل هذه الأمة، وقد بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وحذر منه وحرمه على أمته؛ لما يفضي به إلى الشرك وعبادة غير الله تعالى.

    فقد روى أبو داود والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج.

    وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: أن أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهما ذكرتا كنيسة رأتاها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: ( إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً، وصوروا تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة )، رواه مسلم.

    وروى مسلم: ( لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها ).

    وفي الصحيحين: ( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا ) .

    وروى الترمذي وصححه عن جابر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها أو يبنى عليها، وأن توطأ ]، فقوله: أن تجصص القبور، أي: بالجص والأسمنت، ومع الأسف فقد شاع هذا بين المسلمين، إذ إنهم يعملون الرموز والحجارة على القبر ويكتبون اسمه، وهذا مخالف لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل هذا نتيجة الجهل وعدم العلم.

    ثم قال: [ وروى أبو داود والترمذي وغيرهما: (أن علياً قال لأحد رجاله: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تدع تمثالاً إلاّ طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلاّ سويته) ]، أي: سويته بالأرض، قال: [ (ولا صورة إلاّ طمستها) ]، أي: ولا صورة إلا طمس وجودها.

    قال: [ وذكر القرطبي هنا أنّ الدفن في التابوت جائز لاسيما في الأرض الرخوة، وقال: روي أنّ دانيال عليه السلام كان في تابوت من حجر وأنّ يوسف عليه السلام ]، وهذه مسألة لم نتعرض لها، فأقول: يجوز الدفن في الصندوق من خشب أو من حديد للحاجة وللضرورة، وذلك كأن تكون الأرض بها مياه لا تصلح للدفن، وقد دفن يوسف عليه السلام في صندوق من زجاج.

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات: أولاً: مظاهر قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته ] وأخذنا هذا من الحادثة أو القصة كلها، إذ إن كلها تدل على علم الله تعالى وقدرته.

    قال: [ ثانياً: وجوب طلب الحلال في الطعام والشراب وغيرهما ]، وأخذنا هذا من قوله تعالى: فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ [الكهف:19].

    قال: [ ثالثاً: الموت على الشرك والكفر مانع من الفلاح يوم القيامة أبداً ] وأخذنا هذا من قوله تعالى: وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا [الكهف:20]، أي: إن اطلعوا عليكم يرجموكم، أو يردوكم إلى كفرهم وشركهم، وحينئذ لن تفلحوا أبداً، ولهذا لن يفلح الكافر والمشرك أبداً، ولن يفوز بالجنة بحال من الأحوال.

    قال: [ رابعاً: تقرير معتقد البعث والجزاء الذي ينكره أهل مكة ]، أي: تقرير معتقد البعث والجزاء الذي ينكره أهل مكة ويكفرون به ويستهزئون من رسول الله ومن القرآن، إذ يقولون: كيف بعدما ترم أجسامنا وتبلى العظام نعود أحياء كما كنا؟! فهذه الآية بينت لهم الطريق، أي: ثلاثمائة وتسع سنين والناس نائمون ثم أحياهم الله، فهل هذا يعجز على أن يحيي الناس بعد موتهم؟! إن هذا بعث واضح كالشمس.

    قال: [ خامساً: مصداق قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )، وقوله: ( إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً فصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق يوم القيامة ) ]، وهذا قد دلت عليه الآية أنهم اتخذوا عليهم مسجداً.

    قال: [ سادساً: مصداق قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لتتبعن سنن من قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع )، إذ قد بنى المسلمون على قبور الأولياء والصالحين المساجد بعد القرون المفضلة، حتى أصبح يندر وجود مسجد عتيق خال من قبر أو قبور ]، وفعلاً صدق قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( لتتبعن سنن من قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه )، فاتبعنا الأولين ممن كانوا يبنون على المساجد فبنينا على المساجد.

    والله تعالى أسأل أن يعفو عنا وعن المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.