إسلام ويب

تفسير سورة الكهف (4)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما دخل الفتية إلى الكهف فارين بدينهم من طغيان الملك الكافر، تجلت رحمة الله عز وجل بهم في عدة مظاهر، منها طلوع الشمس عليهم مزورة عن كهفهم حتى لا يصيبهم حرها، وغروبها مائلة نحو الشمال، وتقليب أجسادهم يمنة ويسرة حتى لا تبلى أجسادهم من كثرة ملامستها للتراب، وإذا دخل عليهم الداخل رأى عينهم مفتوحة فظنهم أيقاظاً، علاوة على ما ألقى الله عليهم من المهابة والوقار فلا يقربهم أحد ولا يمسهم بسوء.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة الكهف

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    ها نحن الليلة مع سورة الكهف المكية المباركة الميمونة، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات، وتلاوتها:

    قال تعالى: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا * وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا [الكهف:17-18].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! الله عز وجل يقص على نبينا صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الكهف، فأذكر الناسين وأعلم غير العالمين من الحاضرين فأقول: إن المشركين والكفار في مكة بعثوا وفداً من مكة إلى المدينة، حيث كان يوجد في المدينة علماء اليهود من تلك الفرق الثلاثة: بنو قينقاع وبنو قريظة وبنو النضير، فاسألوهم: هل هذا الذي يدعي النبوة والرسالة هو حق فيما يدعي أو باطل؟ وما إن وصل الوفد حتى سأل علماء اليهود فقالوا للوفد: اسألوه عن ثلاث مسائل، فإن أجاب عنها كلها وعرفها فهو نبي ورسول، وإن لم يجب عنها وعجز فإنه غير نبي ولا رسول، فروا رأيكم فيه.

    ثم رجع الوفد إلى مكة وأتى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: نسألك عن ثلاث فأجبنا عنها إن كنت نبياً ورسولاً، فقال صلى الله عليه وسلم: ( غداً أجيبكم )، وبحكم أنه بشر ليس ملكاً من الملائكة غفل فما قال: إن شاء الله، كما غفلت أنا الآن وقلت كذا وما قلت: إن شاء الله؛ لأن المؤمن عبد الله الصادق في إيمانه إذا قال: سأفعل غداً أو يوم كذا فلابد وأن يقول: إن شاء الله، فمثلاً: لو قيل لإناس: متى تسافرون؟ غداً إن شاء الله، أو إذا فرغنا من الدرس صلينا العشاء إن شاء الله، إذ لو لا يشاء ما نفعل، ومن ثم عاتبه ربه تعالى بقوله في نفس السورة: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24]، فهل أخذتم هذه؟ لا يراكم الله في المستقبل إلا أن تقولوا: إن شاء الله.

    فانقطع الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم خمسة عشر يوماً، فخرجت أم جميل العوراء امرأة أبي جهل تقول: محمد قلينا ودينه تركنا، أو مذمماً أبينا ودينه تركنا، وقالوا: الآن اتضح أمره ما أجاب، فأنزل الله تبارك وتعالى سورة الكهف وفيها الإجابة عن الفتية الذي سألوه عنهم، وعن الملك الذي ملك الشرق والغرب، وأما سؤالهم عن الروح فقد أنزل الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]، فثبتت نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبهذا فوالله الذي لا إله غيره إن محمداً لرسول الله يجب الإيمان به ويجب حبه ويجب المشي وراءه، لا عن يمينه ولا عن شماله ولا أمامه، وإنما الاتباع هو المشي وراءه.

    وإليكم ما درسناه في الليلة السابقة لتسمعوا بداية الحادثة، قال تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ [الكهف:13]، أي: نبأ الفتية الذين كانوا في الزمان الماضي، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ [الكهف:13]، أي: خبرهم بالحق، كيف؟ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف:13]، أي: آمنوا بربهم، وأنه لا رب غيره ولا إله سواه، وزدناهم هداية، وربطنا وشددنا على قلوبهم حتى لا تضعف وتتزعزع، متى حصل ذلك؟

    إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا [الكهف:14]، أي: قالوا هذا في وسط مجتمع كافر مشرك، وما بالوا بما يقع أو يتم، وإنما أعلنوا عن إيمانهم في وسط ساحات يقتل الموحدين، فماذا قالوا؟ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا * هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ [الكهف:14-15]، أي: حجة تدل على أنهم آلهة، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الكهف:15]، أي: لا أظلم ممن يكذب على الله، وينسب إليه ما هو بريء منه.

    وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ [الكهف:16]، الآن كلامهم لبعضهم البعض، وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا [الكهف:16]، قالوا: هيا بنا نترك البلد وأهله ونأوي إلى غار موجود في جبل كبير، ومن ثم يتولانا الله عز وجل، فهو الذي يطعمنا ويسقينا، ولا نعيش مع الكافرين المشركين، وبالفعل ذهبوا إلى جبل فيه غار واسع فدخلوا فيه، وها نحن الآن نسمع كيف قص الله على رسوله قصتهم في الآيات هذه والتي بعدها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين...)

    قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ [الكهف:17]، أي: وترى يا رسولنا، الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ [الكهف:17]، (تزاور) أو (تزّاور) قراءتان سبعيتان، أي: تميل عن كهفهم، ذَاتَ الْيَمِينِ [الكهف:17]، في الصباح، وذلك حتى لا تواجههم حرارة الشمس.

    وَإِذَا غَرَبَتْ [الكهف:17]، إلى الغروب أيضاً، تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ [الكهف:17]، أيضاً، أي: تبتعد عنهم ذات الشمال، وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ [الكهف:17]، أي: فجوة من الغار في الجبل، فسبحان الله! ناموا ثلاثمائة سنة وتسع سنين وأعينهم مفتوحة ولا يأكلون ولا يشربون، ويتقلبون عن اليمين وعن الشمال حتى لا تأكل الأرض أجسامهم وثيابهم، فهل الذي يفعل هذا يعجز على أن يحيي الموتى ويحاسبهم ويجزيهم؟! وكيف ينكر عليه البعث الآخر والحياة الثانية؟! وهذه سور واضحة.

    ومن هنا قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ونحن أتباعه: ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ [الكهف:17]، أي: من العلامة الدالة دلالة قطعية على وجود الله رباً وإلهاً، وعلى أنه لا معبود سواه، وأنه ذو العلم والقدرة والحكمة واللطف والرحمة، فمن أراد أن ينظر إلى علامات وجود الله فهذه الحادثة كافية، ومن أراد أن ينظر إلى رحمة الله وإحسانه ولطفه بأوليائه فانظر كيف لطف الله بهؤلاء الفتية -السبعة أنفار- عندما خرجوا من بلادهم وتركوا أرضهم وأهليهم مهاجرين إلى الله، فيؤويهم في كهف، ويحفظهم ثلاثمائة وتسع سنين، فأي آية أعظم من هذه الآية؟! وأية علامة أوضح من هذه العلامة على أنه لا إله إلا الله؟! ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ [الكهف:17].

    ثم قال تعالى: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا [الكهف:17]، فانظر كيف هدى هؤلاء الفتية، بل راحوا في قومهم وأعلنوا عن إيمانهم، وفروا هاربين بعقيدتهم، والكافرون من بعدهم أظلهم الله، وهذه حقيقة فتأملوها، وهي أن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وعليه فلا تكربوا ولا تحزنوا ولا تتضايقوا ولا تتألموا من كفر الكافرين، وإبطال المبطلين، وشرك المشركين؛ لأن هذا بيد الله، فلا كرب ولا حزن عليكم، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء.

    ومن هنا فما دامت الهداية بيد الله، والإضلال بيد الله، فمن أراد الهداية فليطلبها من الله، فليطرح بين يديه ويسأله الهداية فإن الله يهديه، ومن أعرض وولى وجهه وأبى أن يسمع دعوة الحق ويستجيب لها، فقد أضله الله، فمن يهدي من أضل الله؟

    مرة أخرى: لنعلم أن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فيهدي من طلب الهداية، ورغب فيها، وسعى إليها، وجرى وراءها، فهذا لن يحرمه الله الهداية أبداً، ويضل من أعرض وأعطاها ظهره، وأبى أن يلتفت إليها، ونازع أهلها، وقال الباطل والسوء، فهذا لن يهديه الله، ولذلك فهذا الحقيقة يجب أن تكون من عقائدنا، فأولاً: الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء قطعاً، وثانياً: من طلب الهداية ورغب فيها وعمل عليها فهذا والله لا يضله الله أبداً، بل يهديه ويوفقه إلى كل خير، ويضل الله الذي يتكبر ويترفع ويعرض عنها، يسخر من الدعاة، ويستهزئ بالأنبياء، فهذا لا يهتدي، وإن قلت: قد هدى الله فلاناً وفلاناً بعد الكفر؟ والجواب: والله ما هداهم حتى رجعوا وطلبوا الهداية ورغبوا فيها.

    إذاً: هذه الحقيقة وهي قوله جل وعز: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا [الكهف:17]، يتولاه ويرشده أبداً، وفي الآية أيضاً تخفيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألم عصيان العصاة، وتمرد الكافرين والمشركين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود...)

    ثم قال تعالى يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم وهو يقص عليه قصة أصحاب الكهف: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ [الكهف:18]، أي: لما تقف عليهم وتنظر إليهم تحسبهم يقظين، واليقظ ضد النائم، وهم في الحقيقة رقود، ورقود جمع راقد، بمعنى: لو وقفت عليهم وتنظر إليهم لحسبتهم يقظين، والواقع أنهم رقود، وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ [الكهف:18]، والحال أنهم رقود، فهذا لو وقفت يا رسولنا! أو يا عبد الله! لو قدر لك أن تقف عليهم فستراهم كأنهم رقود، وتحسبهم أيقاظاً وتظنهم يقظين ما هم بنائمين، والحال أنهم راقدون، وذلك لأن أعينهم مفتوحة، وثيابهم نظيفة، وأجسامهم كما هي، فتنظر إليهم فتقول: هؤلاء يقظين، ما هم بنائمين أبداً، إذ هل النائم يفتح عينيه؟ وهل رأيتم نائماً عينيه مفتوحة؟ أبداً ما كان ولن يكون، فهؤلاء تنظر إليهم وأعينهم مفتوحة، وهم في الحقيقة رقود.

    ويقول تعالى: وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ [الكهف:18]، لا ندري هل يومياً أو في كل أسبوع أو في كل شهر أو في كل عام؟ ولكن نعرف أن الإنسان إذا نام على جنب واحد أسبوعين ثلاثة تتآكل لحمة جسمه، والثوب يتمزق، إذاً فهم ممكن يتقلبون في الأربعة والعشرين ساعة مرتين أو ثلاث.

    فمن يقلبهم وهم رقود؟ الله، وكم من نائم يتقلب وهو راقد، ولكن نسب ذلك إليه تعالى فقال: وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ [الكهف:18]، حتى لا تفنى أجسامهم ولا تأكلها الأرض، ولا تبلى ثيابهم ولا تتمزق.

    ثم قال تعالى: وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ [الكهف:18]، ذراعي الكلب معروف، وهو يديه، ولهذا نهينا إذا سجدنا أن نبسط ذراعينا كما يبسطها الكلب، وخذوا هذه الفقهية: إذا سجدت فلا تبسطهما بسطاً كبسط الكلب لذراعيه، بل باعدهما وجافهما عن الأرض، اللهم إلا في حال الكبر والعجز فمعذور، ولذلك لما كبر ابن عمر قيل له ذلك فقال: إنه الكبر والعجز، أما مع القدرة فلا ينبغي أن تبسط يديك أبداً، بل لابد أن تباعدهما وتجافهما عن الأرض، وذلك في كل سجودك.

    وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ [الكهف:18]، وهذا الكلب خرج معهم، وذلك لما رآهم خارجين مؤمنين نورانيين رغب في مرافقتهم والمشي معهم، وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوصيد [الكهف:18]، والوصيد من حيث يوصد الباب، فالمكان الذي لو كان فيه باب يغلق فيه على باب الفجوة التي هم فيها، وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [الكهف:18].

    وهنا اعلموا واعملوا والحمد لله إنكم عاملون: لا يحل لمؤمن أن يتخذ كلباً، فلا يضعه في سيارته كاليهود والنصارى، ولا في غرفته ومنزله، وقد استثنى الشارع الحكيم كلب الصيد وكلب الحراسة، أي: الزراعة، فكلب الصيد يصطادون به، إذ إن ببعض الكلاب مربى على ذلك ومعلمة، فينتفعون بما يصطادون ليأكلوا اللحم، أو مزرعة يكون فيها كلب يحميها من السرق ومن غيرهم، أما أن تتخذ كلباً في بيتك، فتدخل معه وتخرج معه، فهذه الصورة قبيحة لا يفعلها مؤمن عرف الإيمان، وإنما هذا من شأن الكفار، وقد رأيناهم فيجعل كلبه وراء السيارة، ويمشي معه أينما ذهب، وأقبح ما سمعنا عن هذه المحنة أن المرأة الكافرة تمكن الكلب من نفسها لكثرة المخالطة والملازمة ليلاً ونهاراً.

    مرة أخرى: هل يحل لمؤمن أو مؤمنة أن يتخذ كلباً في بيته؟ لا يحل بالإجماع، لكن هل هناك استثناء؟ فالجواب: نعم، كلب الصيد وكلب حراسة الماشية والزراعة فقط.

    وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [الكهف:18]، وهذا الكلب أيضاً حاله كحالهم، فمن يراه يظن أنه يقظان ليس بنائم، إذ هو مفتوح العينين، فمن رآه يقول: يحرس هؤلاء الجماعة النائمين، ويبقى الكلب ثلاثمائة وتسع سنين، فقولوا: آمنا بالله، آمنا بالله، آمنا بالله.

    وهناك لطيفة أخرى: وهي أن الكلب الذي صاحب أولياء الله من عباده الصالحين فاز بهذه المكرمة، ومن هنا يستحب يا عقلاء أن تصاحب الأبرار، وأن تجالس الأخيار، وألا تفارق الصالحين، فتظفر بالبركة ويحصل لك الخير، وهذا مجرب، فامش مع الصالحين ولازمهم دائماً لا تعص الله، إذ هم لا يعصون الله فكيف تعصي أنت؟ فمثلاً: أنت مع جماعة في مجلس لا يدخن فيهم أحداً، فهل تخرج السيجارة وتدخن؟ لا تستطيع، أو جالس جماعة صالحين بلحاهم وأنت حالق، هل تستطيع أن تبقى معهم؟ والله ما تستطيع، إذ لابد وأن تعفي لحيتك، ومن جالس الفجرة والفسقة فسوف يفجر ويفسق، طال الزمان أو قصر، وهذه حقيقة لا ننساها، وآية ستأتي في هذا السياق، وهي قوله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [الكهف:28].

    نعود إلى ما قدمناه: ينبغي أن يكون لنا مجالس مثل هذا المجلس في بيوت ربنا، وذلك كل ليلة، فالذين يلازمون هذه الحلقة طول العام لا يفجرون ولا يفسقون ولا يؤذون؛ لأنه قد طابت أرواحهم وزكت نفوسهم وسمت أخلاقهم وآدابهم، إذ كيف يهبطون كالفسقة والفجرة؟ وهذه ملازمة الصالحين، فهذا كلب لازم الصالحين فماذا فعل الله به؟ رفع درجته إلى مستوى أولياء الله عز وجل.

    ثم يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ولكل من آمن به: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا [الكهف:18]، أي: هارباً، فلو قدر لك يا رسولنا! يا من يسمع! أن اطلعت عليهم لهربت، إذ لا تقوى على رؤيتهم، ومن ثم ما استطاع أحد من تلك البلاد أن يأتيهم أو يوقظهم أو يؤذيهم أو يشد ثيابهم أو يتعرض لهم، إذ بمجرد ما يمر يفزع ويهرب.

    لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا [الكهف:18]، وفي قراءة سبعية: (لملَِّئت)، أي: امتلأت منهم رُعُباً، والرعب هو الخوف الشديد، وعلى قراءة: (لملئت)، أي: يمتلئ قلبك بالخوف منهم، وبهذا حفظهم الله ثلاثمائة وتسع سنين، فما استطاع أحد من أهل البلاد أن يمر بهم أو يقف عليهم، فقولوا: آمنا بالله، آمنا بالله، إذاً: محمد رسول الله، فيجب أن نؤمن به، وأن نتبعه، وأن نمشي وراءه، وذلك لنسعد ونكمل بجواره.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    والآن أسمعكم الآيات من الكتاب شرحاً وتفسيراً.

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات: مازال السياق الكريم في عرض قصة أصحاب الكهف، يقول تعالى في خطاب رسوله صلى الله عليه وسلم: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ [الكهف:17]، أي: تميل عنه ذات اليمين، وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ [الكهف:17]، أي: تتركهم وتتجاوز عنهم، فلا تصيبهم ذات الشمال.

    وقوله تعالى: وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ [الكهف:17]، أي: متسع من الكهف ينالهم برد الريح ونسيمها فقط.

    وقوله: ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ [الكهف:17]، أي: وذلك المذكور من ميلان الشمس عنهم إذا طلعت، وقرضها لهم إذا غربت، من دلائل قدرة الله تعالى ورحمته بأوليائه ولطفه بهم ]، بل وما زال إلى الآن، إذ لا ألطف من الله بأوليائه، فيا أولياء الله! أبشروا، لكن من هم أولياء الله؟ بنو هاشم؟ سيدي عبد القادر الجيلاني؟ سموهم لنا أو لا وجود لهم؟ إن كل تقي فهو لله ولي، أو كل مؤمن تقي فهو لله ولي، إذ إن أولياء الله هم المؤمنون المتقون، لا أبيض ولا أسود ولا أحمر ولا أصفر ولا غني ولا فقير ولا مريض ولا صحيح، فكل هذا لا تبالي به أبداً، وإنما فقط كل مؤمن تقي فهو لله ولي.

    أما تقي وهو كافر ليس بولي، أو مؤمن وهو غير تقي فما هو لله بولي، فالولي هو المؤمن التقي، والآن لو سئلتم هل تجيبون من هو ولي الله؟ لكن قبل هذه الفترة لقلت: سيدي عبد القادر، فهذا هو ولي الله! أو سيدي فلان من الموتى الذين بنوا على قبورهم فقط، أما ولي يمشي في الناس فلا، ولهذا استباحوا نساء إخوانهم وأموالهم ودماءهم وأعراضهم؛ لأنهم ليسوا بأولياء الله، لكن لو كانوا يعلمون أنهم أولياء الله فلا يؤذوهم؛ لأن الله قال: ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ) .

    فمن خطط هذه الخطة يا أهل الدرس؟! إنه الثالوث الأسود المكون من المجوسية واليهودية والصليبية، وذلك أنهم قد عرفوا أن المؤمن لا يؤذي ولي الله أبداً، حتى لو صفعه قال له: سامحتك، إذاً ماذا نصنع؟ قالوا: نحصر الولاية في الموتى، فإذا مات الولي وبنو على قبره قبة ووضعوا تابوتاً وأزراً حريرية وأوقدوا الشموع فذاك هو الولي.

    وأما عامة الناس فليسوا بأولياء الله، فافجر بنسائهم وكل أموالهم واضربهم ولا تخف، فيا حجاج بيت الله! يا زوار مسجد رسول الله! هل فهمتم هذه الحقيقة أو تشكون فيها؟ قبل هذه الفترة من الزمن، ونحن نصرخ منذ خمسة وأربعين سنة هنا، لو تدخل إلى دمشق أو بغداد أو القاهرة وتسأل أول من تجده في الطريق: من فضلك! أنا جئت لأزور ولياً في هذه البلاد فدلني، والله ما يأخذك إلا إل ميت، ولا يفهم أن ولياً في السوق أو في المسجد.

    فلتعرفوا أن هذا من صنع اليهود والنصارى والمجوس، فقد حصروا الولاية في الموتى، إذ المؤمن لا يستطيع أن يسب ولياً أبداً أو يؤذيه في قبره، والأولياء الأحياء ما هم بأولياء، فلهذا يأكل بعضهم بعضاً، ويسب بعضهم بعضاً، ويسرق بعضهم بعضاً، ويشتم بعضهم بعضاً كما تعلمون إلى الآن؛ لأنهم ما عرفوا أنهم أولياء الله، والله يقول: ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب )، فالله يعلن الحرب على من يؤذي أولياءه إلى الآن وإلى يوم القيامة.

    قال: [ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا [الكهف:17]، يخبر تعالى أن الهداية بيده وكذلك الإضلال بيده، فليطلب العبد من ربه الهداية إلى صراطه المستقيم، وليستعذ به من الضلال المبين، إذ من يضله الله لن يوجد له ولياً يرشده بحال من الأحوال.

    وقوله تعالى: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ [الكهف:18]، أي: أنك إذا نظرت إليهم تظنهم أيقاظاً، أي: منتبهين؛ لأن أعينهم متفتحة، وهم رقود نائمون لا يحسّون بأحد ولا يشعرون.

    وقوله تعالى: وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ [الكهف:18]، أي: جهة اليمين، وَذَاتَ الشِّمَالِ [الكهف:18]، أي: جهة الشمال حتى لا تَعْدو التربة على أجسامهم فتبليها.

    وقوله: وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [الكهف:18]، أي: وكلبهم الذي خرج معهم، وهو كلب صيد، بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [الكهف:18]، أي: بفناء الكهف.

    وقوله تعالى: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ [الكهف:18]، أي: لو شاهدتهم وهم رقود وأعينهم مفتحة، لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا [الكهف:18]، لرجعت فاراً منهم، وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا [الكهف:18]، أي: خوفاً وفزعاً.

    ذلك أن الله تعالى ألقى عليهم من الهيبة والوقار حتى لا يدنو منهم أحد ويمسهم بسوء إلى أن يوقظهم عند نهاية الأجل الذي ضرب لهم ] وهم ثلاثمائة وتسع سنين [ ليكون أمرهم آية من آيات الله الدالة على قدرته وعلمه وسلطانه وعجيب تدبيره ورحمته ].

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات: أولاً: بيان لطف الله تعالى بأوليائه وذلك بإكرامهم في هجرتهم إليه ]، بيان لطف الله تعالى بأوليائه وذلك يظهر في إكرامه لهؤلاء المؤمنين بعدما أعلنوا كلمة التوحيد، وتعرضوا للقتل، وخرجوا هاربين مهاجرين آواهم ونصرهم، وأكرمهم ورحمهم، ومعنى هذا: أن كل من يفزع إلى الله ويلجأ إليه ولا يبالي بالناس ولا بالدنيا، فإن الله يحفظه ويصونه ولا يفرط فيه.

    قال: [ ثانياً: تقرير أن الهداية بيد الله، فالمهتدي من هداه الله، والضال من أضله الله، ولازم ذلك طلب الهداية من الله، والتعوذ به من الضلال؛ لأنه مالك ذلك ] وهذه قد قررناها مرت فقلنا: اعلموا أن الهداية والإضلال بيد الله، فمتى طلب العبد الهداية وقرع باب الله في صدق لا يحرمه الله الهداية، ومتى ما رفض العبد الدين وتكبر عنه وأعرض عنه أضله الله ولن يهديه أحد أبداً، ومعنى هذا: الفزع إلى الله عز وجل في طلب الهداية، والهرب من الله في طلب الضلال، والله نسأل أن يهدينا.

    قال: [ ثالثاً وأخيراً: بيان عجيب تدبير الله تعالى وتصرفه في مخلوقاته، فسبحانه من إله عظيم عليم حكيم ]، أي تصرف أعظم من أن يأوي جماعة مكونة من ثمانية أنفار معهم كلب هربوا من الكفر والشرك والظلم والطغيان، فيؤويهم في ذلك الكهف ويحفظهم ثلاثة قرون وتسع سنين، وهم يقظون نائمون يتقلبون يميناً وشمالاً؟ إن هذه الآيات من أراد أن يكون ولي الله فباسم الله، ويصحح إيمانه، ويتقي ربه بفعل ما أمر الله بفعله وترك ما أمر الله بتركه، إذ لا ولاية إلا بهذا الطريق، فآمن وافعل ما أمر الله بفعله، واترك ما نهى الله عن فعله، تصبح ولي الله، اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم.