إسلام ويب

تفسير سورة الكهف (16)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في رحلة موسى عليه السلام مع الخضر بين الخضر الحكم من وراء الأعمال التي قام بها والتي غابت عن موسى عليه السلام، منها فيما يتعلق بالسفينة حسن تدبير الله لأوليائه بما ظاهره المضرة والعذاب وباطنه الخير والرحمة، ومنها فيما يتعلق بقصة الغلام أن الصلاح والفساد والهداية والغواية بيد الله، وقد يخلق العاصي من الطائع والكافر من المؤمن، ومنها فيما يتعلق بالغلامين وكنزهما وأن صلاح الآباء قد يتعدى نفعه إلى الأبناء، وأن الله يهيء الخير وأسبابه لأوليائه حتى بدون بذل أسباب ذلك منهم.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة الكهف

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    ها نحن الليلة مع سورة الكهف المكية المباركة الميمونة، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات، وتلاوتها:

    قال تعالى: قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا * أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا * وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف:70-82].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! ما زال السياق الكريم مع نبي الله ورسوله موسى الكليم عليه السلام، ومع نبي الله خضر عليه السلام، وقد علمتم أن أهل العلم على أن خضر نبي من الأنبياء وليس بولي فقط، كما قد علمتم كيف أن بعض الجهال أو المتعمدين استغلوا كون خضر ولياً، وقد أطلعه الله على الغيوب ليدعو بذلك علم الغيب! مع أن علم الغيب مخصوص بالله عز وجل؛ لقوله تعالى: إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ [يونس:20]، وكذلك قد عرفنا أنه لما سافر خضر مع موسى اشترط عليه ألا يسأله عن شيء حتى يكون هو الذي يخبره، وقبل موسى الشرط ومشى معه ليطلب العلم؛ لأنه تلميذ لـخضر، والذي رغبه في ذلك هو ربه تعالى.

    وقد سأله عندما خرق سفينة لمساكين يستغلونها في البحر، وذلك لما ركب موسى مع خضر، فقال موسى: لم خرقتها؟ ونسي أنه اشترط عليه ألا يسأله، ولكن كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: ( ونسي موسى )، والنسيان معفو عنه، رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286].

    ثم مشيا أيضاً فوجدا غلاماً أو طفلاً لم يبلغ سن الحنث أو التبليغ، فمال به جانب الشارع وقتله، فتعجب أيضاً موسى من فعل خضر بقتله هذا الغلام، وقال: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا [الكهف:74]، وهنا قال خضر لموسى: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف:75]، لما قلت لي: أرافقك، أمش وراءك، ألتزمك لأطلب العلم الذي تفوقت فيه عني، قلتُ لك: إنك لن تستطيع معي صبراً، وبالفعل ما صبرت، فماذا قال موسى؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني...)

    قال تعالى: قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي [الكهف:76]، بعدما سأله عن خرق السفينة وقتل الغلام، واعده أيضاً ألا يسأله بعد ذلك عن شيء، وإلا ما تصحبني، أبعدني عنك، ثم قال له: قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا [الكهف:76]، أي: بلغت العذر مني، وما بقي لي مجال أن أسألك أو أن أصحبك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما ...)

    قال تعالى: فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا [الكهف:77].

    فَانطَلَقَا [الكهف:77]، أي: في مسيرهما وتجولهما في تلك البلاد، حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ [الكهف:77]، قيل: القرية هي أنطاكية، والخلافات كثيرة، وهذا علم لا ينفع وجهالة لا تضر، والمقصود أنها مدينة من المدن، وقد علمتم أن القرية بمعنى الحاضرة والمدينة، لا كاصطلاح الجغرافيين المعاصرين، وكان أهل هذه القرية شحاحاً بخلاء لئاماً، فاستضافوهم أو طالبوهم بحق الضيافة وهو حق واجب، فرفضوا ولم يطعموهم شيئاً، وهذا هو شأن من وصف باللؤم والشح والبخل، وهنا قد قرر النبي صلى الله عليه وسلم واجب الضيافة، فإذا دخل رجل القرية ولم يجد مطعماً ولا مسكناً وجاء إليك وقال: استضفني، فيجب أن تستضيفه في حدود طاقتك، ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه )، وكذلك الآية شاهد على ذلك.

    اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا [الكهف:77]، أي: طلبا منهم الطعام فأبوا أن يطعموهما، ثم مر موسى عليه السلام مع الخضر بجدار يكاد أن يسقط، كما قال تعالى: فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا [الكهف:77]، والجدار هو الحائط، يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ [الكهف:77]، أي: يسقط، وهذا الجدار هل خضر هدمه وبناه بناية جديدة، أو صحح منه ما هو فاسد، أو وضع يده عليه ودعا الله فاستقام؟ كل هذه روايات، لكن الصحيح أنه هدمه وبناه، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ [الكهف:77]، وأصبح مبنياً كما كان قبل اعوجاجه وانحرافه.

    فماذا قال موسى للخضر؟ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا [الكهف:77]، أي: مقابل العمل، وهذا فيه دليل على أن العامل يأخذ أجرته في الدنيا والآخرة، وهذا نظام إلهي إلى يوم القيامة، لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا [الكهف:77]، وذلك مقابل أنك جددت بناء هذا الجدار الذي كاد أن يسقط.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال هذا فراق بيني وبينك...)

    قال تعالى: قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف:78].

    وهنا قال خضر عليه السلام لموسى: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ، أي: ما بقيت لك صحبة معي، انتهت، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف:78]، وتستطيع وتستطع قراءتان بمعنى واحد، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ، أي: بتفسير تلك الأحداث الثلاثة: خرق السفينة، وقتل الغلام، وإعادة بناء الجدار.

    سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف:78]، وحقاً ما صبر موسى، فعندما خرق خضر السفينة قال: لم خرقتها؟ ولما قتل الغلام قال: لم قتلت نفساً زكية بغير نفس؟ ولما أقام الجدار قال: لم ما أخذت عليه أجراً؟ وهنا قال له: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف:78].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر...)

    ثم قال تعالى: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [الكهف:79].

    أَمَّا السَّفِينَةُ [الكهف:79]، والسفينة كما عرفتم أنها من سفن ذلك الزمان، وليست كسفننا اليوم، وسبب خرقي لها أنها كانت لمساكين فقراء، يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ [الكهف:79]، فهذه مهنتهم، أي: يقتاتون من صنع أيديهم، فيحملون الناس في السفينة ويأخذون مقابل ذلك أجراً، أو يحملون بضائع وينقلونها من ساحل إلى ساحل.

    وهنا لطيفة وهي: هناك من يقول: إن المساكين أحسن حالاً من الفقراء، وآخرون يقولون: إن المسكين أشد حاجة من الفقير، إذ إن المساكين ما دامت لهم سفينة فهم إذاً أحسن وأغنى من الفقير، والمسألة خلافية ولا معنى للخلاف فيها، إذ الفقير والمسكين كلاهما واحد، إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [التوبة:60].

    أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا [الكهف:79]، وعيبها هو أن كسر لوحاً منها فأخذ الماء يتسرب إليها، لماذا؟ وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف:79]، وقد ذكر ابن جرير اسم هذا الملك فقال: إن اسمه هدد بن بدد، وقد كان هذا الملك في حال استدعت أنه يأخذ السفن من البحر، وذلك لأمر اقتضته دولته، وقد قرئ بدل وراءهم: أمامهم، وليس هناك فرق بين أمام ووراء، فإنه إذا كان وراءهم فسيأتيهم، وإذا كان أمامهم فسيصلون إليه، فليس هناك حاجة إلى هذا، إذ لا فرق بين كونه أمامهم أو وراءهم؛ لأنه يتتبع السفن الصالحة فيستولي عليها لأمر ما، كتجارة أو ملك أو غير ذلك، لكن لما كانت السفينة مهشمة ومخروقة لم يأخذها، وقد فعل هذا خضر عليه السلام لعلم الله بذلك وتعليمه إياه أن هذه السفينة لما تخرق لا يأخذها الملك الظالم، وهذا هو سر خرقه السفينة، وقد بين له ذلك فقال: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [الكهف:79]، أي: بالقوة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً)

    قال تعالى: وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا [الكهف:80].

    وَأَمَّا الْغُلامُ [الكهف:80]، فقد قتل الغلام بعدما خرق السفينة، وذكر ابن جرير بأن اسم الغلام هو جيشون كما تقدم، وهناك من يقول: كان رجلاً بالغاً، وخلافات لا قيمة لها مع نصوص الآية، والصحيح أنه غلام، إذ لا يطلق الغلام إلا على الصغير لا على الرجل.

    وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ [الكهف:80]، أي: صالحين، فَخَشِينَا [الكهف:80]، أنا وربي وأنت معنا، أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا [الكهف:80]، وذلك إذا كبر هذا الولد، وهو مكتوب عليه الشقاء، وأنه سيكفر، وسيحملهما على الكفر والظلم والفساد، فرحمة بالصالحين قتلت الولد بأمر الله عز وجل.

    وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ [الكهف:80]، أي: أمه وأباه، وبعض الروايات تقول: الجد السابع، ولا قيمة لهذا كله أيضاً، فأبواه هم أمه وأباه، فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا [الكهف:80]، أي: يصيبهما بالظلم والعدوان ويكفرهما والعياذ بالله، أو يحملهما على الشر والباطل والفساد، فمن رحمة الله بأوليائه أمر الخضر أن يقتل هذا الغلام فقتله بأمر الله تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحما ...)

    قال تعالى: فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا [الكهف:81]، أي: رحمة، فهكذا يخبر تعالى، والقائل هو خضر عليه السلام، قال: فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا عز وجل خيراً من هذا الغلام الكافر الذي سيكفر وسيطغى، زكاة، أي: طهراً وصفاء، وإيماناً وإسلاماً وإحساناً، وأقرب رحمة منه لوالديه، وقد فعل الله عز وجل، والروايات تقول: رزقهما بنتاً وتسمى رحمة، وقد ولدت كذا من الأنبياء، وعلى كل حال فالروايات لا تؤخذ هكذا، فنقول: قطعاً رزقهما الله ولد، سواء ذكراً أو أنثى، وهو خير من ذلك الولد، وهذا وعد الله وفضله.

    فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً [الكهف:81]، أي: طهراً وصفاء، وَأَقْرَبَ رُحْمًا [الكهف:81]، أي: رحمة، والرُحْمُ والرحمة بمعنى واحد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة...)

    قال تعالى: وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف:82].

    وَأَمَّا الْجِدَارُ [الكهف:82]، وهو الحادث الثالث الكبير، فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ [الكهف:82]، أحدهما يقال له: أصرم، والثاني: صريم، هكذا ذكر ابن جرير لا على سبيل التأكيد والتصحيح، وإنما يذكر رواية فقط، واسمهما لا ينفعنا ولا يضرنا، إذ العبرة ليس باسمهما.

    وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ [الكهف:82]، والسر في أنهما يتيمان، إذ مات والدهما وجدهما، فِي الْمَدِينَةِ [الكهف:82]، التي هي في الغالب أنها أنطاكية، وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا [الكهف:82]، أي: لليتيمين، وقد ذكرت الروايات أن الكنز علم مكتوب في سطرين وثلث السطر، وذكروا هذا الذي مكتوب منه: عجبت للموقن بالرزق من عند الله كيف يتعب؟! أي: يشتغل لكن بدون إرهاق وتعب، وعجبت للموقن بالحساب كيف يغفل؟! وهو مؤمن بأنه سيحاسب، إذ كيف يغفل ولم يحاسب نفسه؟! وعجبت للموقن بالموت كيف يفرح؟!

    والصواب الذي رجحه إمام المفسرين ابن جرير: أنه كنز من الذهب والفضة؛ إذ لفظ الكنز لا يطلق إلا على معدن الذهب والفضة، وليس هناك حاجة إلى تأويله بالعلم.

    وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا [الكهف:82]، وهذه اللطيفة لا ننساها أبداً، إذ إن الآباء والأجداد إذا كانوا صالحين فإنه تعود بركة صلاحهما إلى أولادهما، فإذا كان الرجل صالحاً فإن أولاده سوف تنالهم بركة ذلك الصلاح، وها هم في هذه الحادثة، فلماذا هدم الجدار وبناه؟ ليبقى ذلك الكنز حتى يبلغا ويستخرجاه؛ لأن أباهما كان صالحاً، ومعنى هذا: هيا نصلح أنفسنا حتى نعد في الصالحين، فمن هم الصالحون؟ الصالحون هم الذين أدوا حقوق الله كاملة، وما نقصوها ولا بخسوا منها شيئاً، وأدوا حقوق عباده كذلك، وما نقصوها ولا بخسوها، فهذا هو العبد الصالح، ومعنى عبد صالح، أي: أدى حقوق الله الواجبة عليه، وهي عبادته المتمثلة في طاعته وطاعة رسوله بفعل الواجبات وترك المحرمات، ثم يضيف إلى ذلك أنه أدى حقوق الناس، فلا يظلم امرأة ولا والداً ولا ولداً، سواء كان قريباً أو بعيداً، وإنما الكل يعطيه حقه إذا لزمه حقه، فمن أدى حقوق الله تعالى وحقوق عباده أطلقوا عليه اسم صالح، وأنه من الصالحين.

    فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا [الكهف:82]، يعني: بالبلوغ، وذلك بسن الثامنة عشر فما فوق، وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا [الكهف:82]؛ لأن عندهم ورقة أو صك مكتوب لهم بهذا، فإذا بلغا أشدهما وكانا رجلين شابين، هدما الجدار واستخرجا كنزهما، فمن فعل هذا؟ والدهما.

    رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الكهف:82]، وهذا تدبير الله عز وجل، فهو الذي وفق الرجل الصالح لذلك، فقد خاف إذا مات وبقي المال فإنهم سيعبثون به ويفسدونه وهما يتامى صغار، فاحتفظ به حتى يبلغ الغلامان ويصبحان شابين، وحينئذ يستخرجا المال وينفقانه في مرضاة الله تعالى.

    وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الكهف:82]، أي: تم هذا برحمة الله عز وجل، وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف:82]، لا الأول ولا الثاني ولا الثالث، وإنما أتلقى أمر الله عز وجل في ذلك، وهذا الجزء من الآيات هو الذي يقرر أن الخضر نبي وليس مجرد ولي من أولياء الله تعالى.

    وتأملوا هذه الكلمة: وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف:82]، وإنما بأمر ربي عز وجل، ذَلِكَ تَأْوِيلُ [الكهف:82]، أي: تفسير، مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف:82]، أي: لا تقدر على أن تتحمله وتصبر عليه.

    وبالتالي فالذين ذهبوا إلى أن الخضر ولي ذهبوا إلى أنه لا زال حياً، وأن إلياس معه، وقد ذكر القرطبي مع الأسف صفحة أو صفحتين في ذلك، وكأنه يرجح أن الخضر لا زال حياً، وأنه قد شرب من عين الحياة! فسبحان الله!

    لو كانت توجد عين من يشرب منها لا يموت لشربت البشرية كلها، إذ كيف يعقل هذا الكلام ويدون ويكتب؟! عين الحياة من شرب منها لن يموت! وقد أخفاها الله عن الناس وأطلع عليها الخضر وإلياس، ولا زالا أحياء ما ماتا، وقالوا: إنهما يحجان كل عام! فكيف يعقل هذا الكلام؟

    وما نقوله على علم: بأن الخضر عليه السلام مات، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم قبيل وفاته بستة أشهر وهو يخطب في الناس: ( أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنه لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد )، والحديث في الصحاح وهو صحيح، ومع الأسف فقد أولوه بحكايات عن علي بن أبي طالب وكذا وقالوا: هذا عام وقد يخصص، وهم بذلك يريدون أن يكون الخضر حياً، وقد قلت لكم: كان الرجل يقول: انظر إلى الحناء في يدي، الخضر هو الذي حنا يدي! وقد رووا في ذلك رواية وهي سليمة، لكن لا تدل على هذا، وهي: أن هاتفاً هتف بأسرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعائلته حال تغسيله صلى الله عليه وسلم وتكفينه، فناداهم من عالي وعزاهم، فقالوا: هو الخضر! لكن لو كان خضراً فلماذا لم يأت يعزي فاطمة؟

    والشاهد عندنا: أن الروايات الكثيرة العظيمة تقول: إن الخضر ولي وليس بنبي، وأنه ما مات ولن يموت إلى يوم القيامة، وهذا ما قبله أولوا البصائر والنهى من أصحاب رسول الله وأحفادهم إلى اليوم؛ لأنهم دجلوا بهذا وفتحوا باب الشر وأصبحوا يدعون الغيب ويقولونه، وقد قلت: أما كان الخضر يعلم هذا؟ من علمه؟ إن هذا علم لدني خاص به من عند الله، وأخيراً فإن الخضر نبي وكل نبي ولي، وليس في ذلك شك أبداً، وقد مات عليه السلام كما مات موسى عليه السلام والأنبياء جميعاً حتى سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، وأما هذه الشطحات وهذه التخيلات وهذه الظنونات فكلها قد أحدثوها للإغراق في الفتنة بين المسلمين.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيات: أولاً: وجوب الوفاء بما التزم به الإنسان لآخر ]، وهذه لطيفة، بل هذه واجبة، فيجب على المؤمن الوفاء بما التزم به، فإذا التزمت بأن تعطي أو تأخذ أو تعمل أو تسافر فيجب أن تفي، وأخذنا هذا من قول الله تعالى: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا [الكهف:70]، وموسى نسي وسأل.

    قال: [ ثانياً: وجوب الضيافة لمن استحقها ]، فمن هو الذي يستحق الضيافة؟ المؤمن الفقير الذي جاء من بلد آخر وليس عنده أحد في تلك البلاد التي جاء إليها، فيجب أن تضيفه ثلاث ليال، وما زاد عن ذلك فهو خير.

    قال: [ ثالثاً: جواز التبرع بأي خير أو عمل ابتغاء وجه الله تعالى ]، جواز التبرع والعطاء مجاناً أو بمال أو بأي عمل، كما تبرع الخضر ببناء جدار، وذلك ليبقى الكنز مدفوناً فيه حتى يبلغ الغلامان سن الرشد.

    قال: [ بيان ضروب من خفي ألطاف الله تعالى، فعلى المؤمن أن يرضى بقضاء الله تعالى وإن كان ظاهره ضاراً ]، فهذه الأحداث ظاهرها أنها ضارة، ولذلك فقد أنكرها موسى عليه السلام، سواء من إغراق السفينة أو قتل الغلام أو هدم الجدار، ولكن وراء كل ذلك خير، ولذلك المؤمن إذا أصابته حادثة أو مصيبة فليعلم أن وراء ذلك الخير له، فلا يكرب ولا يحزن، بل يذكر أن الله عز وجل أراد به خيراً بهذا.

    قال: [ خامساً: بيان حسن تدبير الله تعالى لأوليائه بما ظاهره عذاب ولكن في باطنه رحمة ]، وهو كذلك.

    قال: [ سادساً وأخيراً: مراعاة صلاح الآباء في إصلاح حال الأبناء ]، فإذا كنت عبداً صالحاً فأبشر وبشر أولادك بأن الله سيرعاهم ويحفظهم مراعاة لصلاحك أنت، وإن كنت فاسداً فمن يهدي أولادك غير الله تعالى؟