إسلام ويب

تفسير سورة التوبة (44)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه وتعالى ينزل القرآن امتحاناً لقلوب عباده، فكلما أنزلت سورة اجتمع المنافقون في مجالسهم يتساءلون عمن ازداد بها إيماناً منهم للاطمئنان على حالهم، وألا يكون أحد منهم قد تأثر بهذا القرآن، وإذا كانوا في مجلس النبي وعلموا بنزول آيات من القرآن تسربوا من المجلس وانخنسوا حتى لا يسمعوا الموعظة، وحتى لا تنزل آيات تفضحهم كما في السابق، فهم لا يتعظون ولا يرعوون، أما المؤمنون الصادقون فإنهم يؤمنون بكل ما يتلقونه من ربهم، ويزدادون إيماناً إلى إيمانهم، ويستبشرون بموعود الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والليالي الثلاث بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة التوبة، تاب الله علينا وعلى كل مؤمن ومؤمنة.

    والسورة مدنية مباركة ميمونة، وها نحن مع هذه الآيات الأربع، فيها بنا نصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة ثم بعد ذلك نتدارسها إن شاء الله.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ * أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ * وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [التوبة:124-127].

    فضح المنافقين بما يقولونه في مجالسهم

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أعيد إلى أذهانكم أن هذه السورة تسمى بالفاضحة؛ إذ فضح الله تعالى فيها المنافقين أشد فضيحة، وعرفنا أن المنافقين رجالاً ونساء هم الذين يؤمنون بألسنتهم ويكفرون بقلوبهم، هم يدعون الإسلام ويصلون مع المصلين، بل ويجاهدون مع المجاهدين، وقلوبهم لا تؤمن بالله ولا بلقائه، لا برسول الله ولا بما جاء به من الهدى والنور.

    أين كان هؤلاء المنافقون؟ كانوا في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، ما سبب نفاقهم؟ سبب نفاقهم: أن النور يزداد وأن الناس يدخلون في الدين الإسلامي، وهم أرباب مال وأرباب عقائد ما يريدون أن يذوبوا في الإسلام فأصروا على كفرهم، وحفاظاً على أموالهم وأنفسهم أظهروا أنهم مسلمون، وانظر كيف فضحهم الله في هذه الآيات الأربع، قال تعالى: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ [التوبة:124]، أي: من سور القرآن البالغة مائة وأربع عشرة سورة، وهذه السورة المدنية من آخر ما نزل، إذاً: سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة، أولها الفاتحة وآخرها الناس.

    وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ [التوبة:124] في يوم من الأيام سُورَةٌ [التوبة:124] من القرآن فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا [التوبة:124]، هذه التساؤلات تتم في جلساتهم الخاصة، إذ المنافقون لهم مجالس في بيوتهم، يتكلمون فيها بما يشتهون، فهاهم قد كشف الله الستار عنهم وفضحهم وأعلم رسوله والمؤمنين بما يجري بينهم في الخفاء، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا [التوبة:124].

    معنى قوله تعالى: (فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون)

    قال تعالى في الجواب: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا [التوبة:124]، أما هم فلا يقول أحد منهم: زادتني إيماناً، فهم غير مؤمنين، لكن المؤمنين قال تعالى عنهم: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا [التوبة:124]، أي: ارتفع منسوب إيمانهم، أما تعرفون درجة الحرارة وعقربها يهبط يشير إلى السبعين ويرتفع يشير إلى المائة والعشرين؟ فكذلكم نور الإيمان والله العظيم، المؤمن بحق إذا تليت عليه آيات الله واستمع إليها يرتفع منسوب إيمانه، كان خمسين فيصبح مائة، والذي هو منافق لا يتحرك أبداً منسوب إيمانه؛ إذ لا إيمان له، واقرءوا لذلك قول الله تعالى في صفات المؤمنين حقاً: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ [الأنفال:2]، أي: بحق وصدق، الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ [الأنفال:2]، بينهم، وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال:2].

    فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا [التوبة:124]، بحق وصدق، فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة:124]، فرحون مسرورون بالخير الذي نزل والنور الذي ظهر بينهم وفي قلوبهم؛ إذ الآيات كلها خير ونور وهدى وشفاء، وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة:124].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم ...)

    وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [التوبة:125]، مرض الشك والشرك والكفر والنفاق، وقد يكون مرض الحسد، مرض البغض، مرض الكبر، إذ هذه كلها عوامل منعتهم من الإسلام والدخول في رحمة الله، فهذا مرض وأي مرض!

    وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة:125]، والرجس: الوسخ والدنس، ما يلوث القلب ويلطخ الروح وهو الشك والكفر والنفاق، فالشك والكفر والنفاق تحول النفس إلى أخبث نفس وأنتنها، فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة:125].

    وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:125]، إلى عذاب الله والخلد الدائم في عذاب الشقاء يوم القيامة، فمن بين هذا البيان يرحمكم الله؟ أليس الله؟ هل يقوى إنسان على أن يبين هذا ويقوله؟ هذا إخبار الله عز وجل: وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:125] والعياذ بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون)

    ثم قال تعالى وهو يفضحهم ويبين الطريق لهم علهم يتوبون: أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ [التوبة:126]، أولا يشاهدون واقعهم وما هم عليه وما هم فيه، أنهم يفتنون في كل عام بما ينزل من القرآن ويفضحهم ويكشف الستار عنهم ويبين عوارهم وما هم عليه، أما يتوبون؟

    هذا الاستفهام الإنكاري: أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ [التوبة:126]، يمتحنون بنزول الآيات وما تحمل من الهدايات والتكاليف بالجهاد والإنفاق إلى غير ذلك.

    ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ [التوبة:126]، لا توبة ولا ذكر حتى يتوبوا؛ وذلك لموت قلوبهم، وذلك لخبث نفوسهم وما طبع عليها؛ إذ هذا شأن الذنوب.

    يا أبناء الإسلام! الذنوب ضرب لها الرسول مثلاً، انظر إلى هذا الثوب الأبيض النظيف، وقعت عليه نكتة سوداء فهل ستؤثر فيه أو لا تؤثر؟ وإذا وقعت أخرى إلى جنبها والثالثة إليها حتى غطي بالأوساخ فهل سيغسل بعد؟ لا يغسل، فذلكم الختم، فلهذا وجب على الإنسان إذا أذنب ذنباً أن يتوب على الفور، أن يغسل ذلك الأذى وذاك الرجس ويزول من قلبه، أما أن يوالي الذنب بعد الذنب بعد الذنب فسيصدق عليه قول الله تعالى: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] نكتة سوداء، إن تاب انمحت، وإن لم يتب بقي هكذا حتى يختم على القلب، ويطبع عليه، فيصبح ما يفهم من كلام الله شيئاً، اعرضه أو لا تعرضه، ذكره فلا يذكر.

    أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ [التوبة:126] ما علة ذلك؟ الطبع والختم على قلوبهم حيث واصلوا الكفر والنفاق والشرك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض ثم انصرفوا ...)

    ثم قال تعالى: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ [التوبة:124] وهم جالسون في مجلس العلم والرسول يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ [التوبة:127] في المجلس.....

    ينظر بعضهم إلى بعض؛ لأنهم متعارفون يعرف بعضهم بعضاً، ثم يقولون: هل يراكم من أحد؟ فإن قالوا: لا استل ثيابه وخرج؛ حتى لا يسمع؛ لأنه لا يقوى على أن يعمل، نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا [التوبة:127] حتى لا يساهموا بالمال ولا بالنفس ولا بسماع الهدى والنور.

    ودعا الله عليهم فقال تعالى: صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [التوبة:127] والله لا ترجع، والله لن يموتوا إلا على الكفر، إنها دعوة الله، ما هي دعوتي أنا قد ترد وقد لا ترد، دعوة الله عليهم: صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [التوبة:127]، وجاءت الموعظة لنا فعلل تعالى ذلك الصرف بقوله: بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [التوبة:127].

    ومن هنا اعلموا وثقوا فيما تسمعون: ما من فرد أو أفراد أو جماعة أو أمة انغمسوا في الذنوب والمعاصي فما لذلك علة إلا أنهم لا يفقهون، فالذي ما يفقه سر هذه الشريعة لا يفقه سر وعلة وجوده، ما عرف لم هذا الكون، ما فكر في الحياة ولا في الموت، هذا المغلق على قلبه لا يفقه؛ فلهذا يزني ويسرق ويأكل الربا ويقتل، ويسب ويشتم ويغتاب وينم، ويحمل من أنواع المرض في القلب ما لا تسأل عنه، وعلته: عدم الفقه لأسرار الحياة، ما فكر لم هو موجود! ما فكر لم أعطي هذا السمع، ما هذه الحياة وما سرها؟ ما سأل ولا تذكر ولا ذكر ولا عرف، فهو كالبهائم، بل هو شر من البهائم، ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [التوبة:127].

    والرسول الكريم يقول صلى الله عليه وسلم: ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )، والعكس معروف: من لم يرد الله به خيراً لم يفقهه في الدين، ما عرف هذا الدين ولا سره ولا لم كان.

    ويقول: ( إنما العلم بالتعلم )، لا تفهم أنك في بيتك أو دكانك وينزل عليك العلم والوحي! إذا لم تلازم مجالس العلم وتعكف عكوفك على شئون دنياك فلن تتعلم أبداً، ومن لم يتعلم فهو شر الخلق، يسرق، يزني، يفجر، يكذب، يخدع، يتكبر، كل العلل والأمراض لا تفارقه؛ لأن القلب ميت.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    هيا نتدبر هداية هذه الآيات، فهل للآيات هداية؟ والله لا تخلو آية من هداية، إذ الآية معناها: العلامة، يا فلان! اذهب إلى فلان وقل له: يقول فلان لك: أعطني كذا وخذ هذا المفتاح في جيبك، فإذا قال: ما آية أنه بعثك وطلب؟ آية ذلك أن معك المفتاح، فأصبح المفتاح آية أم لا؟ وكل كائن في هذا الكون هو آية على وجود الرب جل جلاله وعظم سلطانه، وعلى عظيم علمه وقدرته ورحمته وحكمته وكماله.

    لا توجد ذرة إلا وهي تنطق بأنها مخلوقة مربوبة وراءها عليم حكيم قدير، فاخدم عقلك بهذا واستخدمه؛ فلهذا نقول: كم في القرآن من آية؟ ستة آلاف ومائتان وست وثلاثون آية، كل آية تدل دلالة قطعية على أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، لا تدرس ستين سنة أو ألف سنة وتستنطق الأشياء حتى تؤمن بهذا! كل آية تدل على أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ودليل ذلك هذه الآية الكريمة: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا [التوبة:124]، هذه الآية هي آية أم لا؟ علامة على ماذا؟ على أن منزلها هو الله، وإلا فمن أين جاءت؟ من قالها؟ لو تجتمع البشرية والجن معهم فلا يستطيعون أن يأتوا بسورة ولا بآية، فمن قال هذه الآية؟ الله. إذاً: الله موجود، هذه الآية دالة على العلم والحكمة أم لا؟ إذاً: الله عليم حكيم، أين الله؟ فوق سماواته فوق عرشه بائن من خلقه؛ لأنه ينزل الآيات، أنزلت من السماء إلى الأرض.

    والذي نزلت عليه ألا يكون رسولاً؟ مستحيل أن يكون غير رسول! أينزلها عليه ويقرؤها على الناس ولا يكون رسولاً؟ مستحيل أن يكون غير رسول؛ فلهذا كل آية في القرآن علامة على أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير مبدأ زيادة الإيمان ونقصانه، زيادته بالطاعة ونقصانه بالعصيان ]، أهل العقيدة السلفية سلف هذه الأمة من رسول الله والصحابة والتابعين وأتباعهم على أن الإيمان يزيد وينقص، وقال الخوارج والمعتزلة والهابطون الذين مزقهم الثالوث الأسود: الإيمان لا يزيد ولا ينقص! فكذبوا الله ورسوله، وخرجوا عن جماعة المؤمنين ويزعمون أنهم المسلمون، ولا تعجب، فحال المنافقين هي هي لأنهم بشر.

    فالإيمان يزيد وينقص، وضرب لذلك أهل العلم مثلاً: بعد طلوع الفجر أنت تكون في فضاء، فتشاهد حيواناً من بعيد، فلا تدري أهو إنسان أو حيوان؟ تشاهد شبحاً والظلام مخيم فلا تدري أهو إنسان أو حيوان؟ بعدما يرتفع الضوء والنور يتبين لك أنه إنسان أو حيوان، لكن هذا الإنسان أو الحيوان لا تعرف نوعه أهو ذكر أو أنثى، فلما يرتفع الضوء قليلاً تفهم أنه رجل، ولكن لا تعرف من هذا الرجل، ما تمكنت من النظر إليه، فيرتفع الضوء قليلاً فتعرف أنه فلان.

    إذاً: زيادة الإيمان هكذا، فكلما يرتفع إيمانك تتكشف الحقائق لك، الإيمان يزيد وينقص، وبينا فقلنا- سلمكم الله-: يزيد الإيمان بالطاعة، وينقص بالعصيان، قم آخر الليل واغتسل وأقبل على ربك واطرح بين يديه تركع وتسجد وتبكي، فمنسوب إيمانك يرتفع ويزداد وتشعر به وتحس به إحساساً، اجلس مع جماعة الإجرام واسمع أحاديثهم وأكاذيبهم ساعة أو ساعتين، فيؤذن للصلاة وما يخرجون والله لينقصن إيمانك! من أين لنا أن الإيمان يزيد وينقص؟ من قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا [التوبة:124].

    [ ثانياً: جواز الفرح بالإيمان وصالح الأعمال ]، الفرح بالدنيا ما هو بمحمود أبداً، سواء الأولاد أو المال أو السلطان، أما الفرح المحمود فهو ما كان بطاعة الله ورسوله، بالعبادة بالإيمان والعمل الصالح: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:57-58] من أطنان الذهب والفضة.

    الحمد لله! عندي أمي إلى جنب الدرس علم كل ما يذكر؛ لملازمته في صدق وجد هذا الدرس، وحرمه الملايين وهم يعيشون على الظلم والجهل، والذين يجلسون فقط لأن يسمعوا أو لأن يشاهدوا ما ينفعهم جلوسهم، لا بد من الصدق، وهو أن نعرف الله لنرهبه ونخافه ونحبه ونطمع فيه.

    [ جواز الفرح ] بماذا؟ [ بالإيمان وصالح الأعمال ]، من أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة:124] فرحون مسرورون.

    [ ثالثاً: مريض القلب يزداد مرضاً، وصحيحه يزداد صحة، سنة من سنن الله في العباد ]، تنزل الآية فتتلى فمريض القلب يزداد مرضاً، وصحيح القلب يزداد صحة وعافية، كلما تنزل آية أو تتلى أو يسمعها، من أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة:125] والعياذ بالله.

    [ رابعاً: كشف أغوار المنافقين وفضيحتهم في آخر آية من سورة التوبة تتحدث عنهم ]؛ إذ هي الأخيرة الآية،كشفتهم وأزاحت الستار عنهم، وتركتهم عراة ليهلكوا على الكفر والنفاق.

    [ خامساً: يستحب ألا يقال: انصرفنا من الصلاة أو الدرس، ولكن يقال: انقضت الصلاة أو انقضى الدرس ].

    هذه لطيفة خذوها، لا تقل: انصرفنا من الصلاة، لا يحسن هذا، قل: انقضت الصلاة، لا تقل: انصرفنا من الدرس والعياذ بالله، قل: انقضى الدرس وانتهى، من أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [التوبة:127]، فمن هنا ما يستحسن أن تقول: لما انصرفنا من الصلاة، أو لما انصرفنا من الحج، أو لما انصرفنا من الدرس، قل: لما فرغنا مثلاً.

    والله تعالى نسأل أن يحفظنا وإياكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966333178

    عدد مرات الحفظ

    711647253