إسلام ويب

تفسير سورة التوبة (32)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أهل الجدة والطول هم أولى الناس بالإنفاق في سبيل الله والخروج للجهاد في سبيله، وحين يأتي الأمر من الله بالجهاد فإن المؤمنين الصادقين يبادرون في الخروج للجهاد في سبيل الله مع رسوله صلى الله عليه وسلم، أما أصحاب القلوب المريضة من أصحاب الأموال الطائلة فإنهم يتخلفون عنه، ويقدمون الأعذار الواهية لذلك، مع قدرتهم على تجهيز أنفسهم وغيرهم، فأولئك توعدهم الله بالخزي في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات في أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله، فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألفاً وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة التوبة المدنية المباركة -تاب الله علينا وعلى كل مؤمن ومؤمنة-، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات، ثم بعد تلاوتها مجودة مرتلة نتدارسها جميعاً، والله نسأل أن يعلمنا وينفعنا بما يعلمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ * رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ * لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:86-90].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! نذكركم بأن سورة التوبة والمسماة: بالفاضحة نزلت أيام غزوة تبوك، والمنافقون في المدينة كثر، والمنافقين هم الذين أظهروا الإسلام بألسنتهم وبعض جوارحهم كالصلاة والصيام، وهم كافرون في قلوبهم، فما آمنوا بـ(لا إله إلا الله) ولا بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا بيوم القيامة ولا بما يتم فيه من سعادة أو شقاء، بل أخفوا كفرهم خوفاً على أنفسهم وأموالهم، والآيات نزلت تفضحهم وتظهر عوارهم؛ علهم يتوبون ويعودون إلى الحق فتاب الكثيرون.

    فهيا نستمع إلى قول ربنا: وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ [التوبة:86]، والسورة من القرآن جزء وقطعة منه، آيات أو سورة مفتتحة بـ(بسم الله الرحمن الرحيم)، وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ [التوبة:86] تقول لهم: آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ [التوبة:86]، أي: إذا نزلت سورة من كتاب الله تأمرهم بالإيمان بالله ورسوله، وبالجهاد في سبيل الله مع رسوله، إذ الرسول صلى الله عليه وسلم كان يخرج للجهاد ويخرج المؤمنون معه، فيقول تعالى عنهم: اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ [التوبة:86]، والطول: هو السعة في المال والقدرة، وصاحب الطول: هو القوي القادر ذو المال، استأذنوه في أن يسمح لهم بالبقاء مع أموالهم وأهليهم.

    اسْتَأْذَنَكَ [التوبة:86]، أي: طلبوا الإذن منك بالبقاء، وَقَالُوا ذَرْنَا [التوبة:86]، أي: دعنا.. اتركنا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ [التوبة:86]، (القاعدين) أي: الذين لا يخرجون للجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كالنساء والأطفال والزمنى وكبار السن، رضوا بأن يكونوا مع القاعدين.

    وتأملوا! فهؤلاء أغنياء وأقوياء قادرون على الإنفاق وعلى الخروج، ولكن لكفرهم الباطن في نفوسهم، يستأذنون الرسول صلى الله عليه وسلم في أن يأذن لهم بالبقاء في المدينة.

    وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ [التوبة:86]، أي: القدرة المالية والبدنية. وَقَالُوا ذَرْنَا [التوبة:86]، أي: اتركنا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ [التوبة:86]، والقاعدون هم النساء والأطفال.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف..)

    وقال تعالى: رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ [التوبة:87]، (الخوالف): أي: المخلفون المخلَّفين في البيوت، وفيه معنى اللوم والعتاب. والخوالف: الذين خالفوا الحق ورضوا بمخالفته.

    مَعَ الْخَوَالِفِ [التوبة:87]، أي: النساء والأطفال، ومن يتخلف لعذر، رَضُوا [التوبة:87] مع أنهم أهل قدرة ومال، بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ [التوبة:87]، والختم على القلب يصبح صاحبه لا يفهم شيئاً ولا يعي، ولا يدرك عاراً ولا مذلة ولا خزي ولا.. ولا..، وهذا الطبع سببه الإصرار على الكفر والنفاق، والإصرار على محاربة الإسلام وأهله بترك الجهاد وإنفاق المال.

    وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ [التوبة:87]، فلو كان لهم بصيرة أو فقه ما قالوا: اتركنا مع الخوالف، فعيب على الرجل الفحل أن يقول هذه الكلمة: دعني مع النساء، لكن لا يَفْقَهُونَ [التوبة:87] أي: أسرار الشريعة، ولا معالم هداية الله فيها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم ...)

    ثم قال تعالى: لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ [التوبة:88]، (لكن): استدراك، لَكِنِ الرَّسُولُ [التوبة:88] أي: محمد صلى الله عليه وسلم، وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [التوبة:88]، أي: من المهاجرين والأنصار أولي الإيمان الصادق، جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ [التوبة:88]، في الدنيا: الغنائم والنصر، وفي الآخرة: الجنة ورضوان الله.

    وَأُوْلَئِكَ [التوبة:88] أي: الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الذين معه، هُمُ الْمُفْلِحُونَ [التوبة:88]. المفلح: الذي نجا من الخزي والعذاب، وفاز برضوان الله والجنة دار النعيم، أفلح فاز، والفوز: النجاة من النار ودخول الجنة دار الأبرار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار...)

    ثم قال تعالى أيضاً مبشراً للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة:89]، أي: هيأ وأوجد لهم، جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا [التوبة:89] أي: دائماً وأبداً، بشريات لأهل الإيمان والعمل والصالح، وهذه تنشرح لها صدور المؤمنين وتطيب نفوسهم، ويفرحون بالموت والاستشهاد في سبيل الله.

    أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [التوبة:89]. الجنات: جمع جنة، بستان، والأنهار: أنهار الماء والعسل واللبن والخمر تجري خلال الأشجار والمباني والقصور، خَالِدِينَ فِيهَا [التوبة:89] أبداً، أي: لا يخرجون منها إذ لا يموتون ولا يغادرون بحال من الأحوال، بل بقاؤهم في الجنة فوق السماء السابعة أبدي لا نهاية له، سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا [الملك:3]، واحدة فوق أخرى، فقد ارتادها أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، ووطئ أرضها بقدميه الشريفتين ورأى حورها وقصورها، وجاء يبشر بذلك ويخبر كما بين تعالى في كتابه: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء:1] ومن ثَمَّ عرج به إلى الملكوت الأعلى، واقرءوا كيف يحلف الله؟! وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى [النجم:1-8] هذا جبريل.

    فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى [النجم:9-15] وهذه شاهد على رؤية الرسول للملكوت الأعلى، ولقد رآه مرة أخرى في الملكوت الأعلى، وليس في مكة، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى [النجم:14-15].

    خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:89] فلا فوز أعظم من هذا الفوز، فإنهم يخلدون في دار السلام مع ربهم، فيكشف الله عز وجل عن وجهه فيسلم عليهم فيسعدون سعادة لا يعرفون لها مدى، رضوان الله أكبر، خالدين أبداً، فليست أموال الدنيا وأوساخها التي تنتهي في ساعات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجاء المعذرون من الأعراب...)

    ثم قال تعالى: وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ [التوبة:90] أي: الذين سبق الحديث عنهم في المدينة، المتحضرون أصحاب المال والأعمال، والأعراب هم أسد وغطفان وعامر بن الطفيل وجماعته بعيدين عن المدينة، فجاءوا أيضاً يعتذرون.

    وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ [التوبة:90] أي: في القعود، واعتذروا فقالوا: عندنا قحط وجدب، ونخاف القبيلة الفلانية تغزونا وتأخذ نساءنا وأطفالنا، فائذن لنا يا رسول الله في القعود، أي: في القعود عن الجهاد الذي صمم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وعزم على قتال الروم بني الأصفر بأجمعهم، ومعه اثني عشر ألف مقاتل، فأعد الروم ثلاثمائة ألف مقاتل لقتاله، ولكن الإيمان.. فمشى ووصل إلى تبوك في مشارف الشام فهزمهم الله وقرروا عدم الخروج إلى قتال محمد بعدما اتخذوا قراراً بغزوه في عقر داره وانهزموا قبل الوصول إليه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ( أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي، منها: نصرت بالرعب مسيرة شهر ) أي: نصرت بالخوف مسيرة شهر، فالمسافة من تبوك إلى عاصمة الروم شهر كامل، ولكن هزمهم الله.

    وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ [التوبة:90] فالمعذرون ممكن يكون عندهم أعذار أو اصطنعوا أعذار ليتخلفوا؛ لأنهم منافقون أيضاً.

    لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة:90] أي: المنافقون ومرضى القلوب جاءوا يعتذرون، وأما الكفار أبوا أن يعتذروا ولا أن يطلبوا إذناً لهم من الرسول وبقوا في ديارهم، وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة:90].

    وأخيراً قال تعالى: سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:90] وهذا وعيد لا محالة واقع في الدنيا وفي الآخرة.

    سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:90] أي: من المنافقين والكافرين المعلنين عن الكفر.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    نتلوا هذه الآيات مرة ثانية، فتأملوها:

    قال الله تعالى: وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ * رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ * لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [التوبة:86-88] فهنيئاً لهم.

    أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ [التوبة:88-90] أي: المعتذرون.

    وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ [التوبة:90] أي: سكان البادية، وهم قبيلتي أسد وغطفان ورهط ابن الطفيل جاءوا ليؤذن لهم في القعود وترك الجهاد.

    وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة:90] أي: ما جاءوا يعتذرون.

    قال تعالى: سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:90] وتم كما أخبر تعالى.

    معاشر المستمعين! القرآن من أوضح ما يكون، ولكن العدو لما عرف أن القرآن نور وأن القرآن روح.. وأنتم عرفتم أن القرآن روح ونور.. قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [الشورى:52] فالقرآن روح ولا حياة بدونه.

    وقال: جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى:52] فوالله! ما اهتدى إنسان إلى السعادة والكمال في الدارين إلا على نور القرآن.

    عرف هذا الثالوث الأسود المكون من المجوس واليهود والنصارى، فقالوا: هيا نحتال عليهم ونمنعهم عن القرآن؛ ليموتوا ويعموا ويعيشوا في الضلال. فكيف فعلوا؟

    قالوا: تفسير القرآن صوابه خطأ وخطؤه كفر، فكمموا أفواه المسلمين، فلا تقل: قال الله، انتبه!

    صوابه.. إذا فسرت فأصبت فأنت مخطئ آثم، وإن أخطأت كفرت، فلم يبق من يقول: قال الله، أو تعال نسمع قول الله، ماذا يصنعون بالقرآن؟

    قالوا: اقرءوه على الموتى، من إندونيسيا إلى موريتانيا يتعلم القرآن في الكتاتيب، في المساجد لا لشيء إلا من أجل أن يقرأ على الموتى. والله! كما تسمعون، ما أصبح من يتدارس كتاب الله، فلا يجلس أحد إلى سارية ويقول: تعال! اقرأ علي شيئاً من القرآن نتدبره، فمنعوا التفسير.

    ومن ثَمَّ قتلوا هذه الأمة فهبطت فركبوها وساسوها وسادوها ومزقوها وهاهي تركض في ضلالها، ولن تعود إلى سمو كمالها إلا بالعودة إلى القرآن الكريم لا ليقرأ على الموتى، بل يقرأ على الأحياء. وإن شئت حلفتُ لكم بالله.

    عبد الله بن مسعود يكنى بـابن أم عبد قال له الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم: (يا ابن أم عبد! اقرأ علي شيئاً من القرآن، قال: عليك أنزل وعليك أقرأ يا رسول الله؟! قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [النساء:1]) ثلاثين آية، حتى انتهى إلى قول الله تعالى: ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ [النساء:41-42]، وإذا بعيني رسول الله تذرفان الدموع وهو يبكي ويقول: حسبك، حسبك، حسبك)، ونحن نقرأ القرآن على الموتى في المقابر والميت بين أيدينا! وبعد نقله في بيت الميت نقرأ القرآن لا لنتدبر ولا لنفهم العلم والهدى والمعرفة والنور أبداً، بل صرفونا صرفاً كاملاً أكثر من سبعمائة سنة، بل قرابة ألف سنة.

    والله نسأل أن يتوب علينا، وأن نعود إلى كتاب الله.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    لكل آية هداية تهدي؛ لأن الآية نور الله تهدي صاحبها إلى مرضاة الله، وإلى سعادته في الدنيا والآخرة، وبالأمس قلت لكم: الآية الواحدة مثل قوله تعالى: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:89] هذه آية تطول وتقصر. وهذه الآية تشهد بأنه: لا إله إلا الله، وهذا الكلام تكلم به الله عز وجل، فلا يوجد من ادعى وقال: إن هذا كلامي لا من الإنس ولا من الجن.

    إذاً: كلام الله. فالله موجود وهذا كلامه، وهو الذي يخبر عن نفسه بأنه لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، فكل آية تدل على أنه لا إله إلا الله، ومن نزل عليه القرآن وهو كلام الله يكون رسولاً، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فكل آية من ستة آلاف ومائتين وأربعين آية تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله عقلاً ووعياً وبصيرة وفهماً.

    فمن هداية هذه الآيات:

    قال: [أولاً: القرآن هو مصدر التشريع الإلهي الأول والسنة الثاني ] التشريع للإسلام مصدره القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم، أي: قال الله وقال رسوله، فلا نقبل قال: فلان ولا فلان أبداً، لا أبيض ولا أسود، بل قال الله وقال رسوله، وإذا قلت أنت ما تقول: قلت أنا، قل: قال الله نسمع، قال رسول الله نسمع منك.

    مصدر التشريع الذي صدر عنه التشريع الإلهي في بيان الواجبات والحلال والحرام، والعقائد والجهاد وما إلى ذلك مصدره: قال الله وقال رسوله، الكتاب والسنة؛ فما أنزلت من سورة ففيها بيان التشريع والأحكام.

    [ ثانياً: مشروعية الاستئذان للحاجة الملحة ] أي: جواز طلب الإذن إذا كنت في حاجة ملحة، تطلب من إمام المسلمين أو من الحاكم؛ لأجل أنك محتاج إلى ذلك؛ لقوله تعالى: اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ [التوبة:86] (استأذنوا) أي: طلبوا الإذن فمعناه: أن طلب الإذن مشروع، لكن لا أنه يكذب ليتخلف أو لئلا ينفق المال في سبيل الله، ومعناه: أن الاستئذان من الإمام لعلة قوية أو حاجة مانعة مشروع بهذه الآية مأخوذة منها.

    [ ثالثاً: حرمة الاستئذان للتخلف عن الجهاد مع القدرة عليه ] فإذا أعلن إمام المسلمين الجهاد وأراد غزو دار الكفر، وكانت تعبئة عامة ونفير عام ففي هذه الحال يجوز لصاحب العذر أن يعتذر ويأخذ بالعذر، والذي ما له مرض ولا مانع ويعتذر وهو كاذب فهذا حرام ولا يجوز أبداً؛ لقوله تعالى: وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ [التوبة:86] وهم ذو طول وقدرة ومال.

    [ رابعاً: حرمة التخلف عن الجهاد بدون إذن من الإمام ] أي: القائد، ويكون هذا إذا أعلن التعبئة العامة، أما إذا قال: من كان عمره خمس وعشرين أو ثلاثين سنة فليحضر ولا يجوز له التخلف، والذين ما وصفهم ولا حدثهم لهم حق ألا يعتذروا لأنهم ما طلب منهم، لكن إذا قال: النفير العام، فكل رجل يجب أن يلتحق بالثكنات أو بتجمعات الجيش، ويحرم التخلف؛ لقوله تعالى: وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ [التوبة:87].

    [ خامساً: فضل الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله ] فضل الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله، لا في سبيل تحرير الوطن.. فقد جاهدنا من إندونيسيا إلى موريتانيا وأخرجنا بريطانيا وأخرجنا فرنسا وإيطاليا وحتى هولندا العجوز و.. و.. واستقللنا، فهل أقمنا دين الله؟!

    قل: لا لا؛ لأن الجهاد ما كان في سبيل الله، بل كان في سبيل تحرير الوطن والحكم والسيادة، عسى أن يفهم هذا الكلام المستمعون، ففي سبيل الله نجاهد بأموالنا وأنفسنا، من أجل أن يعبد الله في الأرض، وأن يسود شرعه ودينه في العالمين، لا من أجل تحرير التراب والطين والماء. وهذه آية واضحة، فمن إندونيسيا إلى موريتانيا جاهدنا وأخرجنا بريطانيا واستقللنا من فرنسا ومن كذا وكذا، فهل قامت دولة إسلامية؟

    فلا دولة أقامت دين الله، وسبب ذلك أنه لم يكن الجهاد أساساً من أجل أن يعبد الله عز وجل وتقوم دولة الإسلام، فقط كان لتحرير البلاد لأجل المال والكرسي والمنصب.

    [سادساً: بيان عظم الأجر وعظيم الجزاء لأهل الإيمان والجهاد ]، أما قال تعالى: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:89]؟

    هذا والله نسأل أن ينفعنا وإياكم بكتابه، وهدي نبيه صلى الله عليه وسلم.