إسلام ويب

تفسير سورة التوبة (20)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حين قام المنافقون بلمز النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقات، والطعن في قسمته لها، بين تعالى أهل الزكاة المختصين بها، وهم الفقراء والمساكين والعاملين عليها وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل، وهؤلاء الأصناف فرض الله على عباده المؤمنين إعطاءهم الزكاة، فلا يجوز حرمان صنف منهم من حقه، كما لا يجوز إضافة صنف زائد إليهم ممن لم يذكره الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين ...)

    الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة التوبة المدنية -تاب الله علينا وعلى كل مؤمن ومؤمنة- فمع هذه الآية المباركة، فهيا بنا نصغي إلى تلاوتها مجودة مرتلة، ثم بعد ذلك نتدارسها، والله يفتح علينا فيها.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:60].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! تذكرون ما علمناه في الدرس الماضي أن المنافقين طعنوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم في قسمته الصدقات، ولمزوا وطعنوا والله عز وجل بين لهم طريق الهداية، ومن أراد الله هدايته سلك الطريق ونجا، ومن لم يرد الله هدايته؛ لم يرد الهداية ولا يطلبها.

    بيان مصارف الزكاة وأحكامها

    وبالمناسبة بين -الآن- تعالى مصارف الزكاة.. فالصدقات سميت صدقات؛ لأنها تدل على صدق العبد في إيمانه، فلو كان كاذباً ما أخرج المال من جيبه ولا من بيته وأعطاه للإمام، فالصدقة تدل على صدق صاحبها في دعواه الإيمان والإسلام.

    واللفظ يشمل الزكاة وغيرها، ولكنه في الزكاة بصورة خاصة، هذه مصارف الزكاة الثمانية التي حددها الله عز وجل لعباده المؤمنين.

    يقول عز وجل: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ [التوبة:60] والفقراء: جمع فقير.

    والفقير: هو المحتاج الذي لا يجد ما يسد به حاجته من طعام أو شراب أو كساء، وسمي الفقير فقيراً من فقرة الظهر كأن ظهره منقسم، ما يقوى على شيء.

    والمراد بالفقير هنا: الفقير المسلم، أما الفقير الكافر فلا حق له في الزكاة، ولكن يعطى من الصدقات العامة، وأما الصدقات الخاصة والتي هي الزكاة فلا تعطى لفقير غير مسلم سواءٌ كان ذمياً أو غير ذمي، ولا تعطى إلا للمسلم، وهي حق أثبته الله له في مال الأغنياء، قسمة الله عز وجل.

    وَالْمَسَاكِينِ [التوبة:60]: جمع مسكين، والمسكين: من أذلته الحاجة والفقر ومسكنته.

    وهنا اختلف أهل العلم: هل الفقير والمسكين بمعنى واحد؟ أيهما أشد فقراً وحاجة؟

    وخلاف أهل العلم يدور حول المعرفة، أيهما أشد فقراً الفقير أم المسكين؟

    فأكثر أهل العلم على أن الفقير أشد فقراً من المسكين، ولهذا قدم على المسكين، ولطف الله بنا ووهبني لطيفة في هذه المسألة، وهي: أن المسكين يذل أمام الناس ويشحذهم ويطلبهم، فهو في هذه الحال أغنى من الفقير الذي لا يمد يده ولا يطلب، فسمي مسكيناً لذلته وانكساره أمام أهل المال ويطلبهم ويشحذهم، وفي هذه الحال يكون أكثر مالاً من الفقير.

    الخلاف عظيم في: أيهما أشد فقراً الفقير أم المسكين؟

    والذي يبدو أنه الحق أن الفقير أشد فقراً، وأن المسكين بما أنه تمسكن وذل وطلب يكون أحسن حالاً من الفقير، وهذا مشاهد، فالشحاذون عندهم المال أكثر ممن لا يسألون ولا يطلبون وهو الواقع.

    إذاً: لِلْفُقَرَاءِ أولاً، وَالْمَسَاكِينِ ثانياً.

    والفقراء: جمع فقير وفقيرة، والمساكين: مسكين ومسكينة، ولا فرق بين الذكر والأنثى.

    وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا [التوبة:60] وهم الذين يسند إليهم إمام المسلمين أن يجمعوا الزكاة ويجبوها من المزارع ومن الصحارى ومن البلاد، الجباة والسعاة عاملون، والكاتب والحارس والأمين على ذلك المال يعد عاملاً أيضاً، فيعطون أجورهم من الزكاة، وإن كانوا أغنياء لا يستحقون الزكاة. خارج الزكاة.

    العاملون عليها: الذين يعملون على جلبها وجمعها وحفظها وتوزيعها، فهذا كاتب وهذا رقيب وهذا كذا..، فهؤلاء يوظفون في الزكاة، وإن كانوا أغنياء من غير هذه الوظيفة، إلا أنه من الحكمة على الإمام إذا وجد أحدهم غنياً يفصله ويعين غيره من الفقراء.

    مرة ثانية: المسئول عن توزيع الزكاة وجمعها وحفظها، ينظر ويبحث عن الفقير يعينه فيها أفضل من أن يعين غنياً من الأغنياء، وإن فرضنا أنه عُين فله الحق بذلك بأمر الله تعالى.

    وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا [التوبة:60] أي: على الزكاة التي هي الصدقات.

    إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ [التوبة:60] أولاً: للفقراء، ثانياً: للمساكين، ثالثاً: للعاملين عليها.

    العَمَلة: جمع عامل، يعطى عمولته كجعولة عمله ذكراً كان أو أنثى على شرط أن يكون مسلماً مؤمناً، ولا يولى الكافر على الزكاة.

    وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ [التوبة:60] تؤلف القلوب، أي: تُجمع، كما يؤلف المؤلف الكتاب يجمع كلماته، قلوب بعض الناس شاردة عن الإسلام، راغبة عنه هاربة، فإذا رأى إمام المسلمين أن فلاناً له كلمة في قبيلته أو في دولته، وهو أسلم ولكن إسلامه ليس بذاك، فيريد أن يجمع قلبه على الإسلام بإعطائه من الزكاة، ما يؤلف قلبه ويجمعه على الإسلام، ويكون الرجل كافراً ما أسلم بعد، وله كلمة في قومه وله سلطة في بلاده، لو أسلم لأسلم الناس معه، هذا أيضاً بعناية خاصة يعطى من الزكاة لجلبه إلى الإسلام؛ لأن في إسلامه خيراً للمسلمين والإسلام.

    فهؤلاء هم المؤلفة قلوبهم، ويؤلفها الله عز وجل، ويؤلفها بإعطائهم المال، وخاصة إذا كانوا يرغبون في المال ويحبونه، إذا أعطيتهم المال تركوا دينهم وأسلموا، أو كان مسلماً ولكن ما هو صالح الإسلام متردداً، يحتاج إلى تأليف قلبه وربطه بعقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله، يعطى من الزكاة؛ لقوله تعالى: وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ [التوبة:60].

    وقوله تعالى: وَفِي الرِّقَابِ [التوبة:60] الرقاب: جمع رقبة، والرقبة: الإنسان يُملك بسبب حرب من الحروب، فينتصر جانب على الآخر ويأخذوا رجاله وأطفاله فيسترقهم ويستعبدهم، ويصبحون عبيداً لهم أرقاء يخدمونهم.

    وهكذا كان في العالم بأسره أيما قبيلة أو أيما دولة.. إقليم انتصر يسترقوا الأسرى استرقاقاً كاملاً، ما نجت من هذا أوروبا ولا آسيا ولا غيرها، فكل العالم كان يعيش على هذا النمط، فجاء الإسلام فوضع مبادئ للتخفيف من هذه الفتنة.

    ومن مبادئ التخفيف: أن من صام رمضان وأفطر يوماً عمداً عناداً عليه أن يكفر ذنبه بعتق رقبة، يشتري عبداً ويعتقه في سبيل الله، ومن ظاهر من امرأته وقال: أنت عليَّ كأمي، وجب عليه أن يكفر هذا الإثم لتعود إليه زوجته وتحل له بأن يعتق رقبة في سبيل الله، وهكذا من يقتل خطأً فعليه أن يعتق رقبة ليكفر ذنبه.

    ما زال الإسلام هكذا حتى لم يبق الرقيق، والعالم الكافر لما شاهد الإسلام طهر الأرض من الاسترقاق، هم كذلك تركوه؛ تباعاً للإسلام وعناداً له ومتابعة فقط.

    فـ(فِي الرِّقَابِ) معناه: إذا فلان كاتب سيده على أن يعطيه عشرين ألف ريال لمدة ثلاث سنوات، وكتب له كتاب وقال: اشتغل ووفر المال، فيأتيك ويقول لك: إني قد كاتبت سيدي على مبلغ كذا، فأعطني من الزكاة ما أعتق به نفسي، فيعطى من بيت المال أو يعطى من أفراد المسلمين ما يفك به رقبته، وهذا معنى: وَفِي الرِّقَابِ جمع رقبة؛ لأنه يؤخذ من رقبته، عبد لسيده، والله أمرنا: فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا [النور:33]، دعوهم أحراراً يعبدون الله فقط ولا تسترقونهم، فإذا حصل منك أن كاتبت عبداً أو عبدين على مبلغ من المال لمدة سنتين أو ثلاث عليه هو أن يسعى في جمع هذا المال من الزكاة وله الحق في ذلك، فليس معناه أنك تعطيه كل مال الزكاة، بل يأخذ منك قدراً، ومن الثاني آخر حتى يجمع المبلغ الذي عليه، وإن فرضنا أنك أعطيته كل ما عندك وأعتقته فلا حرج.

    وهذا معنى قوله تعالى: وَفِي الرِّقَابِ [التوبة:60].

    وقوله تعالى: وَالْغَارِمِينَ [التوبة:60] الغارم: من الغرم والغرامة، والغارم هو الذي أصلح بين اثنين بمال أعطاه إياهم، أو أصلح بين قبيلتين، فاستدان مالاً ودفعه لهم ليصلح ما بينهم، فيصبح بذلك غارماً، ويدخل في كل من استدان ديناً في غير معصية الله، أما من يستدين ليعصي الله تعالى، أو ليبذخ في الطعام والشراب ويصبح غارماً فلا يعطى من الزكاة.

    الغارم: من استدان ديناً في سبيل الله.. سد جوعه أو علاج نفسه، إعطاؤه كذا.. أما أن يأخذ الأموال وتصبح ديناً في ذمته ويطالب بالزكاة، فينظر في سبب استدانته للمال: فإذا كان إصلاحاً بين متشاجرين، أو كان لشراء بعيراً بدلاً من الذي مات عليه أو ذبحه؛ حتى يركب عليه، أو لشراء سيارة بدلاً من التي صُدمت أو انقلبت فتحطمت، وكان متكسباً منها ولا بد له منها، فهذا نعطيه.

    أما من يستدين المال للمعاصي والشهوات ويصبح غارماً، فهذا لا يحل عطاؤه ولا يدخل في هذه الآية، فالله يشجع على المعصية مطلقاً.

    والغارم من عليه دين لمؤمن أو كافر ننظر في هذا الدَّين: فإن كان سببه مشروعاً ومعقولاً وجائزاً أعطيناه، وإن كان سببه باطلاً فلا نعطيه.

    والسابع قوله تعالى: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:60]، سبيل الله: الطريق الموصل إلى رضا الله عز وجل.

    السبيل في اللغة: الطريق، وسبيل الله الطريق الموصل إليه، رضاه في الدنيا وفي الآخرة، ومجاورته في الملكوت الأعلى.

    وهنا فسر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأئمة أن المراد بـ(سبيل الله): ما ينفق في الجهاد، كشراء العتاد الحربي على اختلافه، تزويد المجاهدين بالطعام والشراب واللباس، وبما يحتاجون إليه من الأدوية والأطباء.. كل ما تفتقر إليه الجماعة المقاتلة، فهو في سبيل الله.

    فقديماً كانوا يشترون الخيول والإبل ليركبونها، والسيوف والرماح وأنواع النبال، واليوم الطائرات والنفاثات والبوارج وما إلى ذلك.

    إذاً: هذا مصرف من مصارف الزكاة ألا وهو سبيل الله عز وجل، ويقوم بهذا إمام المسلمين فهو الذي إذا أعلن الجهاد أو عدَّ له عدته يجب على المؤمنين الأغنياء أن يساهموا في ذلك ويجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، لكن الزكاة الفريضة فرض الله منها هذا القسط لا بد منه في سبيل الله، ألا في الجهاد في سبيل الله.

    ويدخل (في سبيل الله): الدعاة الذين يبعثون إلى بلاد الكفر؛ ليدعون إلى الإسلام، فيوظفون من الزكاة ويرسلون إلى بلاد الكفر؛ لهداية الناس وإدخالهم في رحمة الله عز وجل؛ إذ هذا سبيل الله، فإن كانت مدرسة تعلم المؤمنين كتاب الله وهدي رسوله في بلاد غير إسلامية أو في بلاد فقيرة محتاجة، فهذا التعليم لدين الله هو سبيل الله عز وجل، فالجهاد يحيي القلوب الميتة، والتعليم يحيي أيضاً القلوب الجاهلة والنفوس الجاهلة في سبيل الله، مساجد تبنى -الآن- في أوروبا، أو في أمريكا، أو في اليابان، أو في الصين.. في بلاد الكفر، فبناء المسجد هناك يعطى من الزكاة؛ لأنه سبيل الله وإظهاراً للإسلام في بلاد الكفر، والدعوة إليه بوجود إسلام ووجود مساجد يصلون فيها.

    يدخل (في سبيل الله): بناء المساجد في بلاد الكفر، مساجد لله؛ لتقام فيها الصلاة، إذا هذا من الدعوة إلى الله أو من الجهاد والقتال في سبيل الله.

    ومنهم من يرى أن الحاج الفقير الذي ما حج الفريضة لو يعطى من الزكاة حتى يحج فريضته يصح ذلك بناء على أنه سبيل الله.

    وهذا هو المصرف السابع (سبيل الله).

    والثامن: وَاِبْنِ السَّبِيلِ [التوبة:60] أي: ولد السبيل، والسبيل هو الطريق، فالمسافر الذي تجده في الطريق مسافراً ولا تعرف من أبوه ولا من أمه فيكون هذا هو ابن الطريق هذه، أي ابن السبيل، فلا يعرف عماً ولا أخاً ولا خالاً ولا أحد في البلد، كأنما ولدته الطريق فهو ابن الطريق.

    فابن السبيل يعطى من الزكاة حقاً ليحمله وليركب به إلى بلاده، أو لينفقه على نفسه في طعامه وشرابه ما دام بعيداً عن أهله وبلاده، حتى ولو كان غنياً في بلاده، إلا أن الوضع اليوم قد تغير، فالغني إذا انقطع به السبيل فقط بالهاتف يستطيع أن يتصل ببلاده ويأتيه المال، ويستطيع أن يستقرض وفي خلال أسبوع يأتي المال، ومع هذا يبقى الحكم كذلك، فإذا كان منقطعاً وهو ابن السبيل يعطى الزكاة وإن كان غنياً في بلده، يعطى زكاة يسد بها حاجته.. منزله الذي نزله، وطعامه وشرابه الذي هو في حاجة إليه.

    تقرير فرضية الزكاة

    فهذه هي المصارف الثمانية، واسمعوا الآية الكريمة: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ [التوبة:60] محصورة في هذه الأصناف الثمانية. إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ [التوبة:60] فرضها الله لهم فريضة منه، فلا يستطيع أحد أن يقف في وجهه أو يبطلها أو يفسدها؛ لأن الله هو الذي فرضها وقننها.

    وَاللَّهُ عَلِيمٌ [التوبة:60] أي: بخلقه وحاجاتهم وما تتطلبه حياتهم، حَكِيمٌ [التوبة:60] أي: في وضع أموره وأحكامه لا يضعها إلا في الموضع اللائق، ولهذا لا ترد على الله ولا تفكر أن تدخل طائفة تاسعة أو فريقاً تاسعاً، وما عليك إلا أن تسلم لله وتعمل بحكمه؛ لأنه عليم حكيم، فلو كان غير عليم ممكن ترك بعض الجوانب تستحق الزكاة وما عرَّفها لو كان لا يعلم، ولو كان غير حكيم ممكن خلط عين من لا يستحقون وترك من يستحقون، لكن ما دام عليماً حكيماً لم يبق مجالاً لمن يريد أن يرد على الله عز وجل في هذه الثمانية، أو يضيف إليها آخر.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    إليكم شرح الآية الكريمة من الكتاب، تأملوها كما سمعتم.

    يقول: [ بمناسبة لمز المنافقين للرسول صلى الله عليه وسلم والطعن في قسمته الصدقات بين تعالى في هذه الآية الكريمة أهل الصدقات المختصين بها، والمراد بالصدقات: الزكوات وصدقة التطوع.

    فقال عز وجل: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ محصورة في الأصناف الثمانية التي تذكر وهم:

    أولاً: الفقراء: وهم المؤمنون الذين لا يجدون ما يسد حاجتهم الضرورية من طعام وشراب وكساء ومأوى.

    [ ثانياً: المساكين: وهم الفقراء الذين لا يجدون ما يسد حاجتهم ولم يتعففوا، فكانوا يسألون الناس ويظهرون المسكنة لهم بالحاجة.

    ثالثاً: الموظفين فيها من سعاة جباة، وأمناء، وكتاب، وموزعين.. يعطون على عملهم فيها أجرة أمثالهم في العمل الحكومي ] أي: لا تكن وظيفتهم أقل أو أكثر كوظائف الحكومة.

    [ رابعاً: المؤلفة قلوبهم: وهم من يرجى نفعهم للإسلام والمسلمين لمناصبهم وشوكتهم في أقوامهم ] أي: من أجل مناصبهم وشوكتهم في أقوامهم [ فيعطون من الزكاة تأليفاً -أي: جمعاً- لقلوبهم على الإسلام ومحبته ونصرته ونصرة أهله، وقد يكون أحدهم لم يسلم بعد فيعطى ترغيباً له في الإسلام، وقد يكون مسلماً لكنه ضعيف الإسلام فيعطى تثبيتاً له وتقوية على الإسلام.

    خامساً: في الرقاب: وهو مساعدة المكاتبين على تسديد أقساطهم ليتحرروا، أما شراء عبد بالزكاة وتحريره فلا يجوز؛ لأنه يعود بالنفع على دافع الزكاة؛ لأن ولاء المعتوق له ].

    إذاً: هناك فرق بين المكاتب يعطى ليتحرر؛ لأن دين في ذمته، أما كونك تشتري عبداً أنت بالزكاة لا يجوز؛ لأنه إذا أصبح عبدك أصبح مولىً لك ترثه إذا مات ولو ترك الملايين. فالعبد إذا مات يرثه سيده، فإذا اشتريته وأعتقته أصبحت سيده، وإذا مات وترك مالاً ترثه، إذاً فلا تصح الزكاة فيه.

    [ سادساً: الغارمين: جمع غارم، وهو من ترتبت عليه ديون بسبب ما أنفقه في طاعة الله تعالى على نفسه وعائلته، ولم يكن لديه مال لا نقد ولا عرَض يسدد به دينه ] أما إذا كان عنده مالاً فلا يعطى ولو كان عليه دين، أو عنده عرض.. بضائع أو كذا لا يعطى.

    [ سابعاً: في سبيل الله: وهو تجهيز الغزاة والإنفاق عليهم تسليحاً وإركاباً وطعاماً ولباساً.

    ثامناً: ابن السبيل: وهم المسافرون ينزلون ببلد وتنتهي نفقتهم فيحتاجون فيعطون من الزكاة، ولو كانوا أغنياء ببلادهم.

    وقوله تعالى: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ [التوبة:60] أي: هذه الصدقات وقسمتها على هذا النحو جعله الله تعالى فريضة لازمة على عباده المؤمنين.

    وقوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ [التوبة:60] أي: بخلقه وأحوالهم، حَكِيمٌ [التوبة:60] في شرعه وقسمته، فلذا لا يجوز أبداً مخالفة هذه القسمة فلا يدخل أحد فيعطى من الزكاة وهو غير مذكور في هذه الآية، وليس شرطاً أن يعطى كل الأصناف فقد يعطي المرء زكاته كلها في الجهاد أو في الفقراء والمساكين، أو في الغارمين أو المكاتبين، وتجزئه وإن كان الأولى أن يقسمها بين الأصناف ] الثمانية إن وجدوا، وإذا ما وجد إلا صنف واحد يعطي الصنف الموجود.

    هداية الآيات

    هداية هذه الآية الكريمة، تأملوها. [ أولاً: تقرير فرضية الزكاة ]؛ لقوله تعالى: (( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ))[التوبة:60] والفلانيين والفلانيين. [ ثانياً: بيان مصارف الزكاة ]، وهي ثمانية أصناف، وهم: الفقراء، المساكين، العاملين عليها، المؤلفة قلوبهم، الغارمين، في سبيل الله، وابن السبيل. ويجب حفظ هذا على كل مؤمن ومؤمنة، وهي آية فقط من سورة التوبة. [ ثالثاً: وجوب التسليم لله تعالى في قسمته بعدم محاولة الخروج عنها ]. وجوب التسليم لله تعالى في هذه القسمة، وحرام المحاولة للخروج عنها؛ لأن الله قال: (( فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ))[التوبة:60]. [ رابعاً: إثبات صفات الله تعالى وهي هنا: العلم والحكمة، ومتى كان الله تعالى عليماً بخلقه وحاجاتهم، حكيماً في تصرفه وشرعه وجب التسليم لأمره والخضوع له بالطاعة والانقياد ]. وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966301395

    عدد مرات الحفظ

    711250030