إسلام ويب

تفسير سورة النساء (84)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الكفر بالله عز وجل مع الصد عن سبيله، وظلم المؤمنين به والسالكين لطريقه والمصدقين برسالاته هو الضلال البعيد، وقد توعد الله سبحانه وتعالى هؤلاء الكافرين الظالمين بحرمانهم من مغفرته سبحانه، وحرمانهم من طريق الهداية، إذ مآلهم النار، خالدين فيها وبئس القرار.

    1.   

    تابع تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالاً بعيداً ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم لنا هذا الفوز الكبير، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك.

    وما زلنا مع سورة النساء المباركة الميمونة المدنية، وما زلنا أيضاً مع هذه الآيات الأربع التي تلونها بالأمس ورددناها وأخذنا في شرحها وبيان ما تحمله من الهدى والنور، والآن نكمل إن شاء الله دراستها، فهيا بنا نتغنى بها أولاً متأملين متدبرين متفكرين فيما تحمله من الهدايات الإلهية، وتلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:167-170].

    الكفر بالله تعالى مع الصد عن سبيله هو الضلال البعيد

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه أحكام الله تعالى وأخباره، فهو الذي أوحاها إلى رسوله ومصطفاه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقد حواها كتابه القرآن العظيم، فالخبر الأول المؤكد بأداة التوكيد: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء:167]، ويقابل الكفر الإيمان.

    إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء:167]، أي: لم يؤمنوا، وإنما كفروا بالله خالقهم ومالك أمرهم، وجحدوه سبحانه وتعالى، وأبوا أن يعترفوا بألوهيته، وأبوا أن يعترفوا برسالاته التي يرسل بها رسله، وأبوا أن يؤمنوا بلقائه والوقوف بين يديه للحساب والجزاء بعد نهاية هذه الدنيا، بل وأضافوا إلى كفرهم -والكفر موت، بل أسوأ من الموت- صدهم عن سبيل الله غيرهم بعد أنفسهم.

    وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:167]، وسبيل الله هو دينه الإسلام، وهو الطريق الموصل إلى رضاه والنزول بجواره في دار الكرامة يوم القيامة، فهم قد صدوا أنفسهم أولاً، وما اكتفوا بذلك، وإنما أخذوا يصرفون الناس عن الدخول في الإسلام بالأكاذيب والأباطيل والادعاءات، وتقبيح الإسلام وتشويه ما فيه من النور والهدى، وهذا شأنهم، فهم أئمة الضلال ودعاة الباطل، فلا هم لهم إلا أن يترأسوا ويسودوا ويعيشوا في دنياهم، ولا يضرهم أن يهلك الناس عن آخرهم.

    كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:167]، أخبر تعالى عنهم بأنهم ضلوا الطريق الموصل إلى الرضوان الإلهي، الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة، الموصل إلى الطهارة والصفاء والحب والولاء، فهذا الطريق قد ضلوه والضلال بعيد، فأنى لهم أن يهتدوا ويعودوا، فنبرأ إلى الله تعالى من الجريمتين: جريمة الكفر، وجريمة الصد عن سبيل الله.

    وقد نبهت أبناءنا وإخواننا إلى أنه لا ينبغي لأحد منا أن يصد عن سبيل الله ولو بكلمة، فإياك يا عبد الله! وإياك يا أمة الله! أن يراك الله وأنت تصرف عن دينه ولو عن شعيرة من شعائره، ولو عن فضيلة من فضائله، ولو عن سنة من سننه، فإما أن تدعو إلى سبيل الله، وإما أن تكف لسانك ويدك ولا تدعو إلى غير سبيل الله، كما قد لفتنا النظر إلى أن الذين يوجدون أسباب الصد والصرف عن سبيل الله يعتبرون صادين وصارفين عن سبيل الله، فالذي يفتح مقهى يملؤها باللهو والباطل من أجل الدينار والدرهم، ويشاهد إخوانه لا يخرجون للصلاة ولا يجيبون نداء الله، وإنما هم يلعبون ويضحكون، وهو فرح بذلك مسرور؛ لأنه يحصل على مال، فقد صد عن سبيل الله، إذ كان المفروض إذا أذن المؤذن أو دقت ساعته أن يغلق باب مقهاه ويقول للجالسين: الآن أجيبوا ربكم، إنكم مدعوون إلى مولاكم، اذهبوا فأدوا واجبكم، ثم عودوا إن شئتم، والذين يستوردون أو يفتحون استديوهات للتصوير، فهؤلاء أيضاً صدوا عن سبيل الله، أما الذي يفتح بنكاً على مصراعيه في بلد إسلامي، فهو يدعو الناس إلى الوقوع في هذه الكبيرة العظيمة، وهو أيضاً قد صد عن سبيل الله، وكذلك الذي يفتح دكان حلاقه يحلق وجوه الفحول من أجل أن يأخذ الريال والدرهم، فقد صد عن سبيل الله تعالى، والذي يستورد ملابس الخلاعة والدعارة، وما عرف بلباس العواهر، فينشره بين المؤمنات في بلاد المسلمين فقد صد عن سبيل الله.

    الواجب في حق من وقع في الذنب سرعة الرجوع والتوبة

    قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:167]، كل ما أريد أن أقوله للمستمعين والمستمعات: نحذر في حياتنا أن يرانا الله نصرف مؤمناً أو مؤمنة عن طريق الله، لا بكلمة ولا بنظرة ولا بأية حركة، والمفروض أننا ندعو إلى سبيل الله لا أن نصد عنه، وقد بينت لكم أن الضلال إذا بعد فصاحبه لا يرجع، ومن هنا قال أهل العلم: التوبة عندنا معاشر المسلمين والمسلمات! تجب على الفور، ولا يحل التراخي فيها أبداً، فإياك أن تقول: أتوب يوم أن يحصل كذا، أو عندما يجيء كذا، أو عندما يحصل لي كذا، فهذا لا يصح أبداً، وإنما الواجب إذا زلت القدم، وسقط عبد الله في المعصية، أن يرفع صوته: أستغفر الله، وكله نية صادقة ألا يعود لهذه الرذيلة ولا ينغمس في هذه البؤرة من الإثم والذنوب، أما حتى أتزوج، أو حتى أوظف، أو حتى يعود كذا، فهذا باطل، فعلى الفور يا عبد الله تب إلى الله تعالى، فأنت ما تريد تلك السقطة ولا الزلة، لكن أوقعك فيها عدوك الشيطان وأعوانه، فإذا أفقت وعرفت أنك زللت وارتكبت إثماً يغضب ربك، فعلى الفور تمسح ذلك الأذى، واغسله بدموعك واستغفارك، فإن من واصل الذنب يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، وعاماً بعد عام، فإنه يصبح ضلاله بعيداً، وحينئذٍ أنى له أن يعود، لا يستطيع.

    وتذكرون ما جاء في سورة المطففين، إذ قال تعالى: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14]، ويقول الرسول الحكيم والمبين لكلام الله ولمراد الله منه: ( إذا أذنب العبد ذنباً )، صغيراً كان أو كبيراً، إذ النكرة دالة على العموم، ( إذا أذنب العبد )، أو الأمة، والرسول منهجه هو القرآن، إذ لا يذكر النساء من أجل أن الفحول لا يريدون أن تذكر نساؤهم في كل ميدان، ( إذا أذنب العبد ذنباً وقع على قلبه نكتة سوداء )، أي: مظلمة، ( فإن هو تاب )، بالاستغفار والعزم ألا يعود، ( صقل ذلك المكان )، ومسح، وأصبح كالزجاجة يقع فيها شيء فيحجبها ثم تمسحه فيُمسح، وتعود كما كانت والله العظيم، فإن هو لم يتب وأذنب ذنباً آخر وقعت إلى جنب الأولى نكتة أخرى، وإذا لم يتب وزاد الثالثة والرابعة والخامسة، فيغطى القلب كله بظلمة الذنوب والآثام، فيقول عليه السلام: ( فذلكم الران الذي قال الله تعالى فيه: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] ).

    ولذلك فالتوبة هي الرجعة الصادقة إلى الله عز وجل، فإن كان ذنبي ترتب عن ذمي لمؤمن أو سبي له أو تعييري له، فآتيه وأطرح بين يديه، وأطلب منه أن يعفو عني أو يقتص مني، وإن كان مالاً أخذته منه بغش أو خداع أو بأي ضرب من ضروب الحصول على المال بغير الطريقة الشرعية، كالسرقة مثلاً، فنأتيه ونطرح بين يديه ونقول له: أتوب إلى الله، يا أخي! سامحني، والذي في ذمتي لك أسدده يوم أن يغنيني الله أو يعطيني الله تعالى من فضله.

    أما الذنوب المتعلقة بترك واجب من واجبات الله، أو غشيان محرم مما حرم الله، فالتوبة هي المبادرة الفورية على الندم والاستغفار والعزم الأكيد على ألا يعود إلى ذلك الذنب، والله تعالى يقول في التوبة النصوح: (يا أيها الذين آمنوا) لبيك اللهم لبيك، سبحان الله! ربنا نادانا، الحمد لله، من نحن حتى ينادينا رب العالمين؟! الذي يطوي السموات بيمينه يوم القيامة، والذي يقول للشيء: كن فيكون، والذي خلق هذا الكوكب النهاري، أعني: الشمس، وهو أكبر من أرضنا بمليون ونصف مليون مرة، هذا الواهب للحياة والموت ينادينا وما نفرح ولا نسر! يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ [التحريم:8]، فما معنى قوله: (توبوا) يا شيخ؟ ترجع إلى الحق والصواب بعد أن فارقته واعتزلته، وقال: توبة نصوحاً، ولم يقل: ناصحة، قال أهل العلم: التوبة النصوح هي التي لا يعاود صاحبها الذنب أبداً، كما لا يعود اللبن في الضرع، فمن حلب شاة أو بقرة أو بعيراً وأخذ اللبن في إنائه، فهل يمكن أن يعود اللبن في الضرع؟ مستحيل، حتى بالإبرة لا يستطيع، فالتوبة النصوح هي التي لا يعاود المذنب ذلك الذنب أبداً، فيجعل هذا من باب المستحيل أن نعود إلى الخنا والزنا والباطل والشر بعد أن تبت منه وأنقذني الله منه.

    قبح الجمع بين الكفر بالله تعالى والظلم وبيان جزاء ذلك

    إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا [النساء:168]، وهذه أخرى، فهل بعد الكفر من ذنب؟ ما إن كفر هلك، وحرم رضا الله وجواره، لكن إذا أضاف الكفر ظلماً، فإن ضرره يعود على المجتمع البشري، فهو كالأول، ما اكتفى بكفره وإنما يحمل الناس على الكفر ويدعوهم إليه بصدهم وصرفهم عن رضا الله وطلب هداه، وهذا أيضاً في القبح كالأول، فهو قد كفر وظلم، ولا شك أن اليهود والنصارى متورطون في هذا، وعندنا أبناؤنا الذين أسلموا يعرفون عن القسس والرهبان كيف يصدون عن الإسلام بشتى الوسائل والحيل، فيبنون المستشفيات ويوزعون الأموال ويوزعون كذا من الطعام والشراب لأجل إدخال الناس في بؤرة الكفر، فاليهود كفروا وظلموا، إذ إنهم يصدون عن سبيل الله لا من أجل أن يتهود الناس، وإنما يريدون أن تبقى لهم عقيدتهم ودينهم خاص بهم، بخلاف النصارى فإنهم يريدون أن يتنصر الناس ويصبحون على دينهم.

    ثم يقول تعالى مبيناً الجزاء على كفرهم وظلمهم: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا [النساء:168]، اللهم إلا طريق جهنم فنعم، فإنه يهديهم إليه ويسوقهم، وهم سائرون فيه سالكونه حتى نهايتهم إلى جهنم.

    لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ [النساء:168]، أولاً، وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا [النساء:168]؛ لأن المغفرة يا معاشر الأبناء والإخوان! سببها التوبة والرجعة الصادقة إلى الله تعالى، وهؤلاء أضافوا إلى كفرهم ظلماً، فهم غير مستعدين والله للتوبة، فلهذا كيف يغفر لهم؟ من لم يتب لا يغفر الله له، بل لا بد من توبة صادقة، فلما كانوا على هذه الحال فالله لا يغفر لهم، ولا تقل: وإن تابوا، فإن باب الله مفتوح لعباده من الإنس والجن، فما من إنسي ولا جني يقارف ذنباً أو يرتكب كبيرة أو يكفر أو يشرك بالله، ثم يتوب إلى الله، فالله عز وجل يقبله، ولنذكر الحديث: ( إن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار )؛ لأن الله غني غنىً مطلق، وهو ليس في حاجة إلى عبادة زيد أو يهاب أو يخاف كفر زيد أو عمرو، لكن كما قدمنا أن الإنسان إذا توغل في الظلم والشر والكفر قد لا يرجع ولا يتوب، أما طريق جهنم وهو الكفر والشرك والذنوب والمعاصي فهذا مفتوح والشياطين تدعوا وتؤهل وتسهل لكل من أجابهم.

    عقيدة أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة

    خَالِدِينَ فِيهَا [النساء:169]، وهنا حقيقة علمية عقدية، وهي: اعلموا يرحمكم الله! أن أهل التوحيد والإيمان الذين ما كفروا ولا أشركوا، ولكن قارفوا ذنوباً وارتكبوا جرائم، ثم ماتوا قبل التوبة منها، فهؤلاء يوم القيامة إما أن يغفرها الله لهم فلا يدخلهم عالم الشقاء، وإما أن يدخلهم النار ويلبثون فيها دهراً ثم يخرجهم منها بإيمانهم وصالح أعمالهم التي عملوها؛ لأن الله يخبر عن نفسه فيقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:40].

    مرة أخرى: يا معشر المستمعين والمستمعات! هذه عقيدة رسول الله وأصحابه، عقيدة سلف هذه الأمة، وليست اعتزالية ولا خارجية ولا جهمية ولا باطنية، وإنما هي العقيدة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ لأن هذه الأمة ستفترق كما افترقت الأمم، وقد أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقع ما أخبر به، فقد افترقت هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، وذلك بزيادة فرقة عن النصارى، ومن أراد الوقوف على أسماء هذه الفرق فعليه بتفسير القرطبي رحمه الله في سورة آل عمران عند قول الله تعالى: وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103]، فقد ذكرها طائفة بعد أخرى.

    والشاهد عندنا: لما أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن افتراق هذه الأمة كالأمم السابقة، إذ الكل بشر والعدو واحد وهو إبليس عليه لعائن الله، قال عليه السلام: ( كلها في النار إلا واحدة ففي الجنة )، فألهم الله أحد أصحابه فقام وقال: ( من هي الفرقة الناجية يا رسول الله؟ )، فأجاب صلى الله عليه وسلم بجواب يجب أن نحفظه الآن، وحرام عليك يا بني ألا تحفظه وتخرج من الدرس ناسياً له، إذ لو حفظنا هذا الجواب ما ضل فينا ضال، والجواب هو: قال: ( هم الذين يكونون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي )، إذاً الفرقة الناجية هم الذين يكونون على ما كان عليه رسول الله وأصحابه عقيدة وعبادة وقضاء وآداباً وأخلاقاً، بل قل ما شئت، تفكيراً وذوقاً وفهماً، فلهذا نعمل الليل والنهار على أن نكون مثل رسولنا وأصحابه في عقيدتنا وفي صلاتنا وفي عباداتنا وفي آدابنا وفي أخلاقنا، حتى يتوفانا ربنا ويلحقنا بهم، فلا بد من بذل جهد، ولا بد من معرفة.

    فعقيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه هي: أن من مات كافراً أو مشركاً فهو مخلد في النار لا يخرج منها أبداً، ومن مات من المؤمنين مقارفاً للذنوب، ولكن له أعمال صالحة، ولكن مات على كبيرة الذنب، فهذا يوم القيامة هو بين أمرين: بين أن يغفر الله له، فمن يرد على الله حكمه؟ أو يدخله النار فيمكث فيها ما شاء الله أن يمكث، ثم ينقذهم الله منها ويخرجهم ويدخلهم الجنة دار السلام، لكن الخوارج يقولون: من مات على كبيرة من كبائر الذنوب لن ينجو من النار، وهذا مضادة للكتاب والسنة، فما الذي حملهم على هذا؟ سوء فهم، وقد أصروا عليه للحفاظ على تلك الكتلة أو تلك الجماعة من أجل أن تفوز بالسيادة والحكم بين الناس.

    إذاً: معشر المستمعين والمستمعات! من مات على الكفر أو الشرك بالله، فهذا خالد في دار الخلد لا يخرج من النار أبداً، أما إن كان مؤمناً موحداً غير مشرك ولا كافر ولكن قارف ذنوباً وله صالحات أيضاً، وشاء الله أن يموت على شرب الخمر أو على إتيانه الزنا أو على أكله الربا بدون توبة، فكيف تحكمون على هذا العبد؟ فوضوا أمره إلى الله تعالى، إن شاء غفر له، وإن شاء أدخله النار فطهره فيها ثم يخرجه، والله تعالى يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:40].

    وأعود إلى ما أوصيتكم به: من هي الفرقة الناجية من فرق أمة الإسلام؟ هم الذين يعيشون في عقيدتهم على ما كان عليه رسول الله وأصحابه، فلا ننسى هذا، فنتعلم كيف كان الرسول يعتقد؟ وكيف كانت عقيدة أصحابه؟ وكيف كانوا يعبدون الله؟ حتى في التيمم كيف يتيممون؟ وهذا يتطلب منا طلب العلم، وملازمة أهل العلم ليل نهار حتى نتعلم كيف نعبد الله عبادة تزكي أنفسنا وتطهر أرواحنا؟

    إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا [النساء:168]، فلنحذر الكفر والظلم، وقد قلت لكم: الظلم أنواع، وهو يوم القيامة ظلمات كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: ( الظلم ظلمات يوم القيامة )، والذين يجدون أنفسهم يوم القيامة في ظلمة لا يدخلون الجنة، وقد شاهدنا هذا لما انطفأ النور عنهم ووقفوا حيارى ينادون أهل الجنة: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ [الحديد:13]، فرجعوا، وفجأة ضرب بينهم وبين أهل النور بسور له باب، باطنه فيه الرحمة بالجنة، والآخر بالعذاب، قال تعالى: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ [الحديد:13]، فالنساء موجودات أيضاً في هذه الآية، يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا [الحديد:13]، فهل عرفتم النكتة في: ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا [الحديد:13]؟ أي: عودوا إلى الدار التي يكتسب فيها النور، أما هذه الدار فلا كسب فيها، فهل يعودون إلى الحياة مرة ثانية ويؤمنون ويوحدون ويعبدون الله عز وجل؟ مستحيل، فقد انتهت الحياة الدنيا، وبالفعل يظنون أنهم يكذبون عليهم، فيرجعون وعلى الفور يحال بينهم وبين أهل النور، بِسُورٍ لَهُ بَابٌ [الحديد:13]، واحد، بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الحديد:13-15]، وهذا كلام الله الذي نقرؤه على الموتى ونحرم منه الأحياء!

    الشرك بالله تعالى أفظع وأبشع أنواع الظلم

    أقول: ما هو أفظع أنواع الظلم؟ ما هو قتل أبيك أو أمك فقط، أو سرقة جارك، أو الزنا بامرأة جارك، أو بانغماسك في البنك تأكل الربا، إن أفظع وأعظم أنواع الظلم هو الشرك بالله عز وجل؛ لأنه ذنبٌ لا يُغفر إلا بالتوبة النصوح قبل أن يغرغر، أما إذا حشرجت في الصدر فلا ينفع توبة، وحشرجة في الصدر الروح هي أن تؤخذ الروح من الجسم شيئاً فشيئاً حتى تصل إلى الحلقوم، فلا ترجع بعد ذلك، ويشاهد المحتضر ملك الموت وأعوانه أمامه، وهنا إذا قال: أتوب إلى الله، استغفر الله، وهذا على فرض، وإلا فإنه لا يلهم لهذا أبداً، قال تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ [النساء:17-18]، إذاً أفظع أنواع الظلم هو الشرك بالله تعالى، والشرك بالله تعالى كأن تعلق الصليب في عنقك وتعبد المسيح، أو اتخاذك تمثالاً من ذهب أو من فضة أو من طين أو من خشب في بيتك وتنحني أمامه وتسجد بين يديه.

    وبالتالي فالشرك هو عبادة غير الله كيفما كان المعبود، حتى لو كان جبريل أو ميكائيل عليهما السلام، إذ قد عبد المشركون من العرب الملائكة وقالوا: إنهم بنات الله، وأن الله قد أصهر إلى الجن فأنجب الملائكة، فأنكر الله عليهم فقال: أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [الصافات:153-154]، فعبادة غير الله هي الشرك الأعظم، سواء كان المعبود ملكاً في السماء أو نبياً في الأرض أو ولياً صالحاً بيننا، أو كان غير ذلك، فالله عز وجل لم يسمح ولم يأذن ولم يرض لعبد من عباده أن يعبُد غيره، إذ خلقه ورزقه وحفظه من أجل أن يعبده، فإذا رآه يلتفت إلى غيره ويعبده بأي نوع من أنواع العبادة فقد أغضب عليه ربه عز وجل، وظلم مولاه، واعتدى على حقه، إذ حق الله ثابت علينا وهو: أن نعبده مقابل خلقنا ورزقنا وحفظنا، ومقابل إيجاد هذه الحياة كلها لنا ومن أجلنا.

    الدعاء هو العبادة ولا يجوز صرفه لغير الله

    واسمعوا! والذي نفسي بيده، لا يرضى الله عز وجل عن عبد ينادي غيره ويتركه هو، وذلك لينقذه أو يسعفه، فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( الدعاء هو العبادة )، ومعناه: من لم يدع الله ما عبد الله تعالى، ومعناه: من دعا غير الله فقد كفر بالله، إذ الدعاء هو العبادة، فلا عبادة تصح أبداً من عبد يدعو غير الله أو لا يدعو الله تعالى.

    ومن لطائف الدرس: أن جماعة من المتصوفة وغلاتهم احتالوا على مريدين وقالوا لهم: كيف تدعون الله؟ الله ما يعرفكم؟! ما يعلم بحاجاتكم حتى ترفعون إليه أيديكم وتقولون: أعطني كذا وكذا، وافعل لي كذا وكذا؟! ووضعوا لذلك قاعدة لا تحفظوها، فقالوا: حالي يغني عن سؤالي، أي: هو يعرف مرضي إن كنت مريضاً، وجوعي إن كنت جائعاً، وغربتي إن كنت غريباً، فلمَ ندعوه؟ ومعنى هذا الكلام: لا تدعوا، واستشهدوا لهذا بقضية خاصة وهي أن الخليل إبراهيم عليه السلام يوم أن حكم عليه بالإعدام بأرض بابل بالعراق، وأججت النيران، وأعدت إعداداً خاصاً، وجيء به بالفعل مكتوف اليدين والرجلين، ووضع في المنجنيق ودفعوه إلى النار؛ لأنهم ما استطاعوا أن يقربوا منها، فقد كانت من مسافات بعيدة ملتهبة وحارة جداً، حتى الطير لا يستطيع أن يحوم فوقها، فلما ألقي عرض عليه جبريل على الفور فقال له: ألك حاجة يا إبراهيم؟ فقالوا كذباً عليه: حالي يغني عن سؤالي! ونحن قد أخبرنا حفيده صلى الله عليه وسلم بأنه قال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم، أي: لا حاجة لي عندك، وإنما حاجتي عند ربي، فصدر أمر الله عز وجل إلى النار، إذ هي مخلوقة من مخلوقاته، ومربوبة من مربوباته: يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69]، وقد علمنا من قبل نبينا صلى الله عليه وسلم أن الله لو ما قال: وَسَلامًا [الأنبياء:69]، لمات إبراهيم في النار بالبرد، إذ البرد قاتل كالحر، والآن يموتون في الثلج، لكن قوله: بَرْدًا وَسَلامًا [الأنبياء:69]، فخرج -بعدما احترق القيد من يديه ورجليه- وهو يتفصد عرقاً، فانبهر ذلك الشعب واندهش، وقال: هيا نترك هذه الديار وأهلها، فخرج مع ابن أخيه لوط وزوجه سارة، إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي [العنكبوت:26] سَيَهْدِينِ [الصافات:99]، ولا يدري أين يذهب، وقد هداه ربه عز وجل، والشاهد عندنا في كلمة: حالي يغني عن سؤالي، إذ معناها: لا تدعو الله!! أعوذ بالله، إنه لا أعظم من الدعاء، فاصرخ يا عبد الله بين يدي ربك، إذ إن هذه أعظم عبادة لله تعالى، حتى قيل: إن الدعاء مخ العبادة، فمخ الحيوان إذا زال مات، وكذلك إذا نزع الدعاء ما بقيت عبادة.

    ولنا صورة دائماً نمثلها للحاضرين: قف يا إدريس! وارفع يديك إلى الله، فماذا تقرءون في هيئته هذه؟ أنا أقرأ وأنتم تسمعون: إن هذا العبد فقير محتاج إلى الله تعالى، والدليل أنه رفع كفيه إلى السماء، وهي علامة على فقره، والله يحب من عبده أن يعلن عن فقره، وأنه لا غنى له عن ربه، وثانياً: أن هذا العبد قد علم وأيقن أن ربه يسمع كلامه وإن أسره وأخفاه، فهو بين يديه يسمعه، ولولا أنه يعلم أن الله يسمعه هل يدعو بهذا الدعاء فقط؟ وإذا رفع صوته فربه قريب منه في الملكوت الأعلى؟ لكن علم هذا العبد أن الله عليم بذات الصدور، وأنه يعلم السر والنجوى، وأنه يعلم السر وأخفى، ويعلم ما في الظلمات، وما في الليل والنهار، وما في البر والبحر، وبالتالي فهذا مؤمن بأن الله يسمعه ويراه، وثالثاً: لولا علمه أن الله يرى مكانه في المدينة أو في مراكش أو في الليل أو في النهار فكيف يدعو هنا؟ ليذهب إلى مكان يراه الله، أو إلى كعبته وبيته، إذاً هو مؤمن بأن الله يراه حيث ما كان، وأضف إلى هذا: لو عرف أن غير الله يعطيه حاجته لعمل بيديه هكذا، أي: مدها إلى من يطلب منه، لكنه ما رفع يديه إلا إلى أعلى، علماً منه أنه لا يوجد أبداً في الكون من يعطيه أو يقضي حاجته إلا الله تعالى، وإلا لنكَّس يديه إلى أسفل، أو قال يا فلان.

    فهل عرفتم أن الدعاء هو العبادة؟ إذاً فادعوا الله عز وجل وابكوا وعفروا وجوهكم في التراب، وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق:19]، إذ إن أعظم حالة لاستجابة الدعاء وأنت ساجد بين يدي الله تعالى، فتعفر وجهك بين التراب، لا على هذا الحرير، والدموع تسيل، فلا ترفع رأسك حتى تُعطى حاجتك، واقرءوا: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق:19]، وقال عليه الصلاة والسلام: ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد )، واحفظوا هذه الكلمة عن نبينا صلى الله عليه وسلم، فهيا بالبالون نطلع خمسين عاماً في السماء، هل نقرب إلى الله أكثر ممن هو هنا؟ والله ما كان، حتى لو تخترق السموات السبع ما تقرب من الله كما تقرب منه وأنت ساجد ووجهك في التراب على الأرض؛ لأن الملكوت كله في يديه وقبضته.

    معاشر المستمعين! إن الشرك أعظم ذنب وصاحبه إن لم يتب منه فهو خاسر خسراناً أبدياً.

    ذكر بعض مظاهر الشرك بالله تعالى

    كما يجب علينا أن نعرف مظاهر الشرك مظهراً بعد آخر، وذلك حتى ننقذ إخواننا من الشرك، والحمد لله فقد أنقذ الله بهذه الدعوة من المؤمنين والمؤمنات الكثير، وذلك ممن كانوا يعيشون والله على أفظع الشرك، فقد كانوا يستغيثون ويدعون ويصرخون وينادون بأسماء غير أسماء الله تعالى! وقد كانت قلوبهم متعلقة بالأولياء وبالقبور والأضرحة، ولذا فقد كانوا يحلفون بها ويستغيثون بها وينذرون لها ويحبون فيها ويبغضون فيها، والحمد لله قد نجانا الله من ذلك، ونجى أيضاً من عاشرناه.

    وخلاصة القول: من الآن إياك يا عبد الله ويا أمة الله أن تحلف بغير ربك، صادقاً كنت أو كاذباً؛ لأن الحلف بغير الله شرك في عظمة الله عز وجل، إذ إن الذي تحلف به يكون قد عظمته وأعطيته منزلة حتى أصبح لأن يُحلف به، ومعناه أنك رفعته إلى مستوى الألوهية والربوبية، فإياي وإياكم أن يسمعنا الله نحلف بغيره، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في رواية الترمذي في جامعه الصحيح: ( من حلف بغير الله فقد أشرك )، صدقت يا رسول الله، إذ لما نقول: وحقك، ورأسك، وسيدي فلان، يكون قد عظمته، وأعطيت من عظمة الله لهذا المخلوق عظمة وأشركته فيها، وهذا أمر واضح للمتأمل.

    والرسول صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول: ( ألا )، ألو، أستغفر الله، ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ألو، لكن أنتم تعرفونها أكثر من ألا، ( ألا إن الله ورسوله ينهيانكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت )، وفعلاً فقد كانوا يحلفون بآبائهم، وقد كانوا يحلفون باللات والعزى، إذ إن الرجل أسلم أمس، فلا يستطيع أن يترك الحلف بإلهه الذي عاش معه أربعين سنة، إذ إنه ما يشعر حتى يقول: واللات أو والعزى، فكانت مشكلة عالجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أستاذ الحكمة ومعلمها، فقال عليه السلام: ( من حلف باللات فليقل: لا إله إلا الله )، وهل استفاد إخواننا الذين تعودوا: بحق سيدي عبد القادر، والنبي؟ قل: لا إله إلا الله تمحها على الفور، إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114]، وبعضهم قد عاش في مكة على القمار سنين عديدة، فما يدري إلا وقد بدون شعور أو بدون قصد: تعال أقامرك، فقال عليه الصلاة والسلام: ( ومن قال: تعال أقامرك فليتصدق )، بصدقة مطلقاً، فإنها تمحو هذه الكلمة، فهذا هو العلاج للمجتمع الذي تعود على القمار؛ لأنه بقوله: تعال أقامرك أو ألعب معك، يكون قد زلت قدمه، ومع هذا قد تدست النفس، فإنه يحتاج إلى محو وإزالة هذا الأثر بصدقة ولو بحفنة تمر.

    وأما من يقول: علي الطلاق، أو بالطلاق، أو والطلاق، فما هو الطلاق؟ جبل أحد هذا؟ ماذا عليه؟ إن هذه من ألفاظ الجهال، إذ حقيقة الطلاق يا عباد الله أن المؤمن وهو ولي الله، والمؤمنة وهي ولية الله، إذا تأذى هذا الرجل من امرأته وصبر وبقي في آلامه، فإن سيده ومولاه لا يرضى له أن يعذب طول حياته، فله أن يطلق، وكذلك المؤمنة أمة الله، فإن تأذت من هذا الزوج، وصبرت عاماً وعامين، فإن الله لا يرضى لأمته أن تعذب، فلها عند ذلك أن تطلب الطلاق، إذ إن الطلاق هو لرفع الضرر على عباد الله الصالحين، فكيف أصنع؟ نأتي باثنين من الرجال العدول، ونجلس معاً في البيت، ونقدم لهم طعاماً أو شراباً، ثم نقول لهما: أشهدكما أني قد طلقت فلانة، يا فلانة أنت طالق، ابق في بيتك حتى تنتهي عدتك، ثم الحقي بأهلك، فهذا هو الطلاق، وأي طلاق غير هذا فهو بدعة وضلال ومنكر.

    مرة أخرى: يكون الطلاق عندما يؤذى عبد الله أو أمة الله عاماً أو عامين، ولا يستطيع أن يصبر أكثر من ذلك، إذ كيف يرضى الله بأذيته وهو وليه؟ وكذلك المؤمنة لا يرضى الله لها أن تبقى معذبة، ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب )، إذاً: فأذن الله في الطلاق، فكيف نطلق؟ علي الطلاق؟! وبالطلاق؟! وبجامعة الأيمان؟! كل هذه ألفاظ مبدعة محدثة، إذ إن الطلاق هو أن تأتي باثنين من عدول القرية أو من جماعتك أو من حيك، وتدخلون المنزل وتقول لهما: أشهدكما أني قد طلقت فلانة، فقط بهذه الكلمة، وهي تسمع، ثم يقول لها: يا فلانة! ابق في بيتك، وكلي واشربي واستريحي حتى تنتهي العدة، وهي ثلاثة حيض أو أقراء، ثم تذهبين إلى أهلك، وإن قالت: لا، اسمح لي من الآن اذهب إلى بيتنا، فلا يمنعها، ثم يسألها: هل لك عندنا شيء؟ قالت: نعم، لي عليك ألفين ريال من يوم كذا، فيعطيها إياها، وإن قالت: أمتعني وأكرمني بشيء فأنا الآن ذاهبة إلى بيت أبي، فأعطها ألف ريال، ومع السلامة يا أمة الله، فهذا هو الطلاق، وهذا هو الإسلام، وهذا الموضوع طويل كموضوع الشرك، وسنعود إليه إن شاء الله يوم غد.

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.