إسلام ويب

تفسير سورة النساء (55)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد امتن الله عز وجل على عباده بأن هداهم للإيمان، وأمرهم بتبليغ دينه ونشره في أصقاع الأرض، وشرع لهم في سبيل ذلك الجهاد، وبين لهم آدابه وما يلزمهم عند ملاقاة أعدائهم، من التثبت من حالهم، والتأكد من كفرهم قبل إعمال السيف فيهم، وذلك لاحتمال وجود المؤمنين المستخفين بينهم، فإذا ادعى بعضهم الإيمان فيكف عنه، ولا يطمع فيما عنده من غنيمة ومتاع، لأن ما عند الله من الأجر والثواب أعظم من أي غنيمة مادية ومكسب عاجل.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة النساء

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ليلة الأحد من يوم السبت والليالي الثلاث بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر جميعاً بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    معاشر المستمعين والمستمعات! ما زلنا مع سورة النساء المدنية المباركة، وها نحن مع هذا النداء الرباني، وتلاوته بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:94].

    في الدرس السابق للآيات الثلاث التي درسناها، أذكركم بأن المؤمن الحق الصدق لا يتأتى منه قتل امرئ ظلماً وعدواناً أبداً، إذ ليس هذا من شأنه وعادته، والدليل على ذلك قول الله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً [النساء:92] أما عدواناً وعمداً فلا، إذ لا يستطيع ذلك ولا يتأتى له.

    كما عرفنا أن قتل الخطأ يجب على صاحبه أو فاعله أمران:

    الأول: عتق رقبة، إذ إنه قتل نفساً فأحيا نفساً أخرى، فهذه بتلك.

    الثاني: الدية لأولياء المقتول، ومقدارها مائة بعير أو ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم، وتقوَّم بحسب الظروف، وتكون على العاقلة، أي: على أقرباء القاتل من أبيه كالأعمام وأبنائهم والإخوان وأولادهم، فيساهمون فيها كل بقدره.

    كذلك عرفنا أن المقتول إذا كان مؤمناً، وبيننا وبين قومه عداء وحرب، فعلى القاتل العتق فقط، فإن عجز عن العتق صام، ولا تعطى الدية لمن بيننا وبينهم عداء لئلا يتقوون بها علينا.

    مرة أخرى: يقول الله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً [النساء:92]، ثم قال: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً [النساء:92]، فماذا عليه؟ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا [النساء:92]، أي: إلا إذا تصدقوا وقالوا: ما نأخذ الدية، فلهم ذلك.

    فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ [النساء:92]، أي: إن كان المقتول من قوم أعداء لنا وهو مؤمن، فماذا يجب على القاتل؟ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء:92]، ولا دية.

    وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ [النساء:92]، أي: وعهد وسلم وعدم حرب واعتداء، فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ [النساء:92]، أي: إن كان بيننا وبين أولئك القوم معاهدة وسلم وعدم اعتداء فلا بد وأن نعطي الدية لأهل المقتول مؤمناً كان أو كافراً، ثم إن عجز القاتل عن العتق، إما لا وجود للأرقاء والعبيد كما هو الحال الآن، أو وجدوا ولكن عجز عن شراء أمة أو عبد، فمن رحمة الله بعباده المؤمنين أنه يصوم القاتل شهرين متتابعين بدلاً من االعتق، إذ قال تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:92].

    فهذه هي الكفارة في القتل الخطأ، فعلى المؤمن أن يحتاط ويحترس ويتنبه في أفعاله، ولا يصبح يتخبط فيقتل الناس ويقول: ما تعمدت، بل لا بد من الاحتراس الكامل، فإذا أراد أن يرمي بسهم فقبل أن يرمي به فلا بد وأن ينظر إلى ما حول تلك الجهة التي سيرمي إليها، وكذلك أيما عمل من شأنه أن يوجد مثلاً ضرراً، فقبل ما يقوم به يتنبه وينظر، وهذا ما يسمى بالاحتياط والاحتراس، فلما وقع منه هذا القتل، بم يمحو هذا الإثم؟ بما بين الله تعالى، وذلك بعتق رقبة مؤمنة ودية لأصحاب القتيل، فإن عجز عن الرقبة صام شهرين متتابعين.

    أما القتل العمد العدوان ظلماً وعدواناً، فهذا يقول الله تعالى فيه: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا [النساء:93]، أي: يعمد إلى مؤمن فيقتله ظلماً وعدواناً، فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، فإذا ذكرنا الكلمة الأولى-أي: فجزاؤه جهنم خالداً فيها-فنقول: هذا لا يفعله إلا كافر، إذ لو كان مؤمناً ما يقدم على هذا، وحينئذ لا نحتاج إلى تأويل قوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93].

    وقاتل نفسه كقاتل غيره سواءً بسواء، ولا تقل: من قتل نفسه فإنما إثمه ومسئوليته عليه؛ لأن هذه النفس ملك لله تعالى، فكيف يصح قتلها؟ الجزاء واحد.

    واللطيفة التي حفظناها عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ما ننساها، وهي: أنه إذا سألك مؤمن قائلاً: هل لقاتل النفس من توبة؟ أتقبل توبة من قتل نفساً عدواناً وظلماً؟ فتجيبه بما يلي: هل قتلت؟ فإن قال: نعم، فقل له: وما يمنعك من التوبة؟! ومن يحول بينك وبينها والله تواب رحيم؟! تب يا عبد الله! فيأخذ ذاك المؤمن في البكاء والتوبة والاستغفار، وإن قال: ما قتلت، وإنما فقط أسأل، فقل له: وكيف يتوب من حكم الله عليه بالخلود في جهنم وغضب عليه ولعنه، وهذا المسلك حسن، ومن الخير أن نسلكه، فلا نقنط من رحمة الله تعالى من قتل فيزداد في سفك الدماء والقتل والتدمير، ولا نبيح ذلك ونقول لمن لم يقتل: له التوبة إن قتل، فيقوم أحدنا ويذبح أخاه ويقول: سأتوب إلى الله بعد ذلك.

    وأهل التوحيد إذا ماتوا على التوحيد ودخلوا النار يعيشون أو يخلدون فيها دهراً ثم يخرجون منها، وصيغة هذا الحكم الإلهي تقول: هذا هو الجزاء، إن شاء الله أنفذه، وإن شاء عفا ولم يؤاخذ القاتل، فيبقى باب الله مفتوحاً للمؤمنين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ...)

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:94].

    اسمعوا هذا النداء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [النساء:94]، لبيك اللهم لبيك، فهل يناديك سيدك ولا تقول: لبيك؟! هل يناديك مولاك يا عبد الله ولا تبصر ولا تسمع لما يدعوك إليه؟ الجواب: لن يكون هذا أبداً، وقد درسنا هذا واستقر في نفوسنا هذا العلم العظيم وهو: أن نداءات الله عز وجل لعباده المؤمنين في القرآن الكريم بلغت تسعين نداءً.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [النساء:94]، ولمَ يناديهم بعنوان الإيمان؟ قال: لأن المؤمنين أحياء، والحي ينادى ليؤمر أو ينهى، أو يبشر أو يحذر أو يعلم لكمال حياته، أما الميت فتناديه؟ هل يسمع النداء؟ وإن فرضنا أنه سمع فهل يقول: لبيك ويطيعك في ما تأمر أو تنهى؟ الجواب: لا.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [النساء:94]، أي: يا معشر الأحياء! بإيمانهم؛ لأننا علمنا أن الإيمان الحق الصحيح هو بمثابة الروح، والروح إذا دخلت الجسد حيي هذا الجسد، فالعين تبصر، والأذن تسمع، واللسان ينطق، وإذا فارقته فلا الأذن تسمع، ولا العين تبصر، ولا اللسان ينطق، فلهذا يناديهم سيدهم ومولاهم: يا أيها الذين آمنوا.

    وعلمنا بالاستقراء والتتبع لنداءات الرحمن التسعين أنه لا ينادينا إلا لأمر مما يلي:

    أولاً: إما ليأمرنا بفعلي أو اعتقادي أو قولي ما من شأنه أن يكملنا ويسعدنا، ووالله الذي لا إله غيره! لا يأمرنا الله ربنا إلا من أجل إكمالنا وإسعادنا.

    ثانياً: ينادينا لينهانا عن اعتقاد فاسد، أو عن قول باطل، أو عن عمل سيء، أي: لينهانا عما يضر بنا، عما يشقينا ويردينا.

    ثالثاً: ينادينا ليبشرنا بخبر يسرنا ويزيد في نشاطنا للخيرات والصالحات.

    رابعاً: ينادينا ليحذرنا فنحذر ونتنبه حتى لا نقع في ما يضرنا ويفسد حياتنا، وهذه أربع.

    والخامسة: أنه ينادينا ليعلمنا، أما أن ينادينا لغير هذا فلا، تعالى الله عن العبث واللهو والباطل، ولهذا يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إذا سمعت: يا أيها الذين آمنوا! يا عبد الله! يا أمة الله! فأرعها سمعك، فأنت إذا كنت ماشياً وسمعت قارئاً يقرأ: يا أيها الذين آمنوا، فأعطها أذنك؛ لأنك مؤمن فكيف تعرض؟! إذا سمعت قارئاً يقرأ: يا أيها الذين آمنوا، فإنك منادى مأمور أو منهي، محذر أو مبشر أو معلم، فأعطها أذنك.

    إذاً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [النساء:94]، نادانا هنا ليعلمنا، فماذا قال؟ قال: إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:94]، ضربنا من؟ إخواننا أو نساءنا؟ ضربنا الأرض بأرجلنا، أي: مشيتم على الأرض في سبيلنا، أما إن مشيتم إلى الباطل أو إلى اللهو فذاك ليس لنا، إذ إن سبيل الله هو الطريق الموصل إلى رضاه وجواره بعد الموت، وهو إيمان بمثابة الروح، ومأمورات وواجبات عن جانب اليمين يجب أن ينهض بها ولا يتخلى عن واحد منها في حدود طاقته البشرية،، ومنهيات عن جانب الشمال لا يلتفت إليها ولا يمس منها شيئاً، والعبد مواصل سيره إلى باب الجنة، وينتهي بانتهاء عمره في هذه الحياة الدنيا.

    إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:94]، أي: إذا مشيتم على الأرض مجاهدين لغزو قبيلة من القبائل أو بلد من البلاد أيام الجهاد.

    فَتَبَيَّنُوا [النساء:94]، أي: تثبتوا، فإذا مررنا برجل فقال: السلام عليكم، أو قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فلا نقول: هذا ما قالها إلا من الخوف على نفسه أو ماله، ثم نقوم بقتله والعياذ بالله.

    وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا [النساء:94]، أي: ولا تقولوا لمن ألقى بالسلام عليكم: لست بمؤمن، وإنما قلتها فقط لتسلم أنت ومالك.

    تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [النساء:94]، أي: تقتلون هذا الذي قال: لا إله إلا الله، أو قال: السلام عليكم، وأفصح عن إيمانه، وتتهمونه بأنه ما قالها إلا من الخوف، فتقتلونه وتأخذون ماله.

    فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ [النساء:94]، أي: فعند الله مغانم كثيرة يرزقكموها ويعطيكم إياها على الوجه الذي يرضي الله عز وجل ولا يغضبه عليكم.

    كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ [النساء:94]، أي: كذلك كنتم كفاراً مشركين ثم أسلمتم وتاب الله عليكم ودخلتم في رحمته، فاذكروا هذا مع هذا المسكين الذي قتلتموه لأجل ماله.

    كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ [النساء:94]، أي: تخفون إسلامكم في مكة عن إخوانكم حتى لا يقتلوكم، وتجحدون وتتظاهرون بالشرك، فكذلك هذا كان خائفاً من قومه، إذ إنه ما أعلن عن إسلامه، لكن لما شاهدكم وعرفكم قال: السلام عليكم.

    كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [النساء:94]، إذاً: فَتَبَيَّنُوا [النساء:94] أيها المؤمنون، وتأكدوا من صحة كفره.

    إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:94]، الوعيد والوعد، إذ كل عمل نقوم به الله مطلع عليه، وهنا الآية قررت هذا المبدأ، فإذا قال أحد: أنا مسلم، فإنه يحرم قتله، وإذا صلى معك فريضة فإنه يحرم قتله، وإذا قال: السلام عليكم، فمعناه أنه أسلم، وبالتالي فلا يحل قتله إلا بالتثبت واليقين.

    وهذا قد حدث مرة مع المقداد بن الأسود، ومرة مع أسامة بن زيد، فبعث الرسول صلى الله عليه وسلم بالدية لأهل القتيل، وذلك أنهم كانوا في طريقهم إلى غزاة جهة تبوك، فمروا بقبيلة أعلنت الحرب عليهم، فقاتلهم المسلمون فهرب منهم من هرب، وبقي هذا الرجل مع غنمه، فلما دنوا منه قال: السلام عليكم، فقالوا: ما قالها إلا تقية يريد أن يحفظ نفسه وماله وإلا فهو كافر كقومه، فقتلوه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم للمقداد: هلا شققت عن قلبه وعرفت أنه كافر، ثلاث مرات، وإذا عرفنا هذا فما بال إخوانكم الذين يكفر بعضهم بعضاً؟! إن كلمة: السلام عليكم أبعدته من ساحة الكفر وأدخلته في الإسلام، فلو أن كافراً من النصارى أو اليهود أو غيرهم دخل المسجد فصلى معنا نقول: مسلم ولو ما نطق بالشهادتين، ولو أن كافراً قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، اعتبرناه مسلماً، ويحرم قتله وأذاه بحال من الأحوال.

    ولنتأمل مرة أخرى قوله تعالى: كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ [النساء:94]، أي: كنتم جهَّالاً لا تعرفون شيئاً، ثم علمكم وعرفكم الله عز وجل، وهذا الجهل أيضاً تنسبونه إلى الكفر وتكفِّرونه، إذاً فاذكروا فضل الله عليكم حتى ترحموا هذا العبد.

    الغرض من الجهاد في سبيل الله هو هداية البشر لا جباية أموالهم

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:94]، ولنذكر أن سبل الله كثيرة وهي سبيل واحد، فالذي ضرب الأرض يطلب العلم في سبيل الله، والذي ضرب الأرض حاجاً أو معتمراً في سبيل الله، والذي ضرب الأرض برجليه يزور مؤمناً في سبيل الله، إذاً فسبيل الله كل عمل صالح يجلب لك رضا الله ورحمته عليك، لكن المراد به هنا في الآية الخروج للجهاد.

    فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ [النساء:94]، وفي قراءة سبعية أخرى: ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السَّلم، قراءة، والسِّلم والسَّلم والسلام كلها بمعنى واحد، ومعناها: عدم الحرب والاعتداء.

    وقوله: عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [النساء:94]، والعرْض كل البضائع والأدوات والأثاث وغيرها، وأما العَرَض-بفتح العين- فهو الدينار والدرهم وغيرهما من الأمتعة المالية؛ لأنه عارض ويزول كالشيء يعرض لك ثم يزول، وهنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: ( ليس الغنى عن كثرة العرْض، إن الغنى غنى النفس ).

    ( ليس الغنى عن كثرة العرْض )، أي: المال والأغنام وكل المتاع، ( إنما الغنى -في الحقيقة- غنى النفس )، أليس الغني هو ذاك الذي لم يحتج إلى غيره ويحتاج الآخرون إليه؟ إن الغني حقاً وصدقاً هو الذي استغنى عن غيره، فلا يمد يده ولا يطلب حاجة من أحد، ولذلك فكم من صاحب عرْض وهو يسرق ويغش ويظلم ويجمع المال من كل أبواب الحرام، وهذا والله ما هو بغني، وإنما الذي لا يملك ديناراً ولا درهماً ولا يسأل أحداً، ولا يأخذ مال أحد، ولا يسرق ولا يغش ولا يظلم، والله لهذا هو الغنى.

    ( ليس الغنى عن كثرة العرْض، إنما الغنى غنى النفس )، من هو الغني؟ الذي يحتاج إليه غيره ولا يحتاج هو إلى غيره، فالذي لا يشحت ولا يطلب ولا يسرق ومستغني بشاة أو بصاع تمر، هو الغني الحق، والذي يملك الدنانير والدراهم والإبل والأغنام والأموال وهو يأخذ من هذا وذاك، فهذا هو الفقير والله.

    تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ [النساء:94]، ما هو بمغنم واحد، فاقرعوا باب الله عز وجل واطلبوا الغنى منه تبارك وتعالى.

    إذاً: فتثبتوا من هذا الرجل حتى تتيقنوا أنه كافر أو مشرك أو ملحد، وعند ذلك فاقتلوه وخذوا منه المال وأنتم في الجهاد، وهذه القضية خاصة في حال الحرب، وأما الذين بيننا وبينهم معاهدة ومسالمة فلا يجوز قتل واحد منهم، أما إذا كنا في حرب مع أمة فحينئذ إذا وجدنا أحداً منهم نتثبت هل هو مؤمن أو لا؟ فإن كان غير مؤمن قتلناه كما نقاتل إخوانه لندخلهم في رحمة الله.

    كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ [النساء:94]، وهذه موعظة إلهية ربانية، وقد جاء في سورة البقرة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ [البقرة:282]، وليس بالحيف ولا بالجور، ثم قال تعالى: كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ [البقرة:282]، ما معنى هذا؟ أما كنت جاهلاً لا تعرف الياء ولا الباء؟ من علمك؟ إذاً: فاذكر إفضال الله وإنعامه عليك فاكتب لأخيك إذا قال لك: من فضلك! اكتب بيني وبين فلان.

    كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ [البقرة:282]، أي: يكتب بحسب العلم الذي علمه، وهذا معنى، والأصل: كما علمه فليشكر نعمة الله عليه وليكتب لإخوانه، كذلك هنا قال: كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ [النساء:94]، أي: أما كان إخوانكم في مكة يخفون الإيمان خوفاً من أهل مكة حتى لا يقتلوهم وحتى يهاجروا؟ فكذلك أيضاً هذا كان خائفاً من قومه أن يقتلوه، فكان جاحداً لإسلامه، لكن لما رآكم أعلن عنه.

    كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ [النساء:94]، أي: كفرة ومشركين، ثم تاب الله عليكم وهداكم وعلمكم، فكذلك أخوكم هذا يتوب الله عليه ويهديه ويعلمه، وهذه هي الآداب القرآنية.

    فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [النساء:94]، أي: بنعمة الإيمان والإسلام والعلم والمعرفة.

    فَتَبَيَّنُوا [النساء:94]، أي: قبل أن تقتلوا.

    إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:94] كان وما زال، وهذه صفاته الدائمة معه، فهو عليم بكل خير أو غيره، فيا عباد الله! احذروا الله تعالى، ولا تفهم أنك عندما تعمل أو تتكلم وأنت خالٍ ليس معك أحد، والله ما من حركة نتحركها إلا والله يراها ويعلمها، فإذا امتلأ قلب العبد بمراقبة الرب عز عليه بل صعب عليه أن يخرج عن طاعة الله ورسوله، وإذا غفل ونسي وما يدري أن الله معه يسمعه ويراه يقع في المهاوي والمفاسد وهو لا يشعر.

    1.   

    أدوات الحفاظ على زكاة الروح وطهارتها

    ولهذا لما ذكر تعالى أدوات الحفاظ على زكاة الروح وطهارتها، قال تعالى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ [العنكبوت:45]، أي: بالليل والنهار، وذلك بالتدبر والتفهم واستنباط المعاني واستخراج الهداية القرآنية، وهذا من أكبر عوامل الإبقاء على نور الإيمان في النفس، وصاحبه لا تزل قدمه ولا يقع في كبيرة من كبائر الذنوب.

    ثانياً: وَأَقِمِ الصَّلاةَ [العنكبوت:45]، فالذي يقيم الصلاة كما بينها رسول الله، ويؤديها على الوجه الذي بين رسول الله، فيستوفي أركانها بعد شرائطها وفروضها وآدابها، وفي أوقاتها المحددة لا يقع في كبيرة من الكبائر، ولهذا قال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45].

    وكثيراً ما أسمعنا المؤمنين والمؤمنات -أربعين سنة- ونحن نقول: هيا بنا نمشي إلى المحافظ أو إلى مدير الشرطة، ونقول له: يا فلان! أعطنا قائمة بالمجرمين الذين سرقوا أو ضربوا أو قتلوا في هذا الشهر، فيعطينا القائمة فنجد مائة جانٍ، والله ما نجد بينهم أكثر من خمسة في المائة من مقيمي الصلاة، وخمسة وتسعين إما تاركون للصلاة أو مصلون غير مقيمين للصلاة، وتكلمنا بهذا في الشرق والغرب، ولذلك فالذي يناجي ربه ويتكلم معه ويجالسه خمس مرات في أربع وعشرين ساعة لا يقوى على أن يزني أو يسرق أو يكذب أو يقول الباطل، إذ إنه مع الله، أما أن يصلي المسلم صلاة لا خشوع فيها ولا ذكر ولا معرفة ولا اطمئنان فصلاته لا تنتج شيئاً؛ لأن الله ما قال: والمصلين، وإنما قال: والمقيمي الصلاة.

    ثالثاً: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت:45]، أي: ولذكر الله أكبر مما تقدم؛ لأن الذي يذكر الله بقلبه ولسانه لا يستطيع أن يمد يده إلى ما لا يحل له، وبالتالي كيف يقع في الجريمة؟! لا يتأتى له ذلك أبداً، إذ إنه لو أراد أن يشتم أو يسب ثم ذكر الله توقف عن ذلك، أو أراد أن يأكل محرماً ثم ذكر الله عز وجل امتنع عن ذلك.

    إذاً: ذكر الله أكبر حصن لمن أراد أن يتحصن من الوقوع في معاصي الله، ولن يقع في هذه المهاوي إلا التاركون لذكر الله، الناسون المعرضون، على شرط أن يكون الذكر بالقلب واللسان، وأن يكون على علم بالمعاني التي يذكر الله بها.

    رابعاً وأخيراً: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45] المراقبة لله تعالى، فإذا علمت أن الله يعلم ما تصنع بجوارحك وأيقنت بهذا فوالله ما تستطيع أن تعصي وتخرج عن طاعته.

    وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45]، أي: من الأعمال الظاهرة والباطنة، فمن عرف هذا وأيقن به ما يستطيع أن يقتل مؤمناً أو يزني بامرأته أو ابنته، أو يسلبه ماله، أو يمزق عرضه، أو يحتقره ويهينه بين المؤمنين.

    فإن قيل: يا شيخ! ولماذا نشاهد هذا الباطل والفساد والشر والظلم والخبث؟ والجواب: ما علمنا، من علمنا؟ من ربانا؟ أما كان الرسول يربي أصحابه الكرام؟ أما كان الأصحاب يُربَّون؟ ونحن من ربانا؟ من يرفع يده ويقول: أنا تربيت عند الشيخ الفلاني، اليوم نحن نشتم المشايخ ونعيرهم، إذاً: كيف نستطيع أن نستقيم في آدابنا وأخلاقنا ومعارفنا وحياتنا؟ يتربى مع الصعاليك في البيت؟ مع الأولاد في الشارع؟ يحاول لكن ما ينفعه، والله يقول: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [البقرة:129]، فهيا نعود إلى الله تعالى، فإن قيل: ما نستطيع يا شيخ، قلنا لهم: لماذا؟ قالوا: الدنيا والشهوات والأهواء غلبتنا، فنقول لهم: ونحن طالبناكم بالمال أو بالدماء والجهاد؟ لا أبداً، إذاً يا أهل القرية! يا أهل الحي الفلاني! من غدٍ لا يتخلف منا رجل ولا امرأة عن المسجد، أو في يوم الجمعة يقول خطيب المسجد: يا معشر الأبناء والإخوان! غداً لا يتخلف أحد من رجالنا ونسائنا عن صلاة المغرب في المسجد، فيحضرون جميعاً، النساء في مؤخرة المسجد أمامهن الستارة، والأبناء صفوف كالملائكة، والفحول أمامهم، والمربي أمام الجميع، فيأخذون ليلة آية من كتاب الله تعالى، فيدرسونها ويحفظونها ويفهمون مراد الله منها، ويعزمون على العمل والتطبيق، وليلة بعدها يأخذون حديثاً من أحاديث الرسول المفسرة للقرآن المبينة له، والكل عازم على أن يعمل وأن يطبق، ويوماً بعد يوم والحال كذلك، فوالله لن يبق مظهراً من مظاهر الخبث والظلم والشر والفساد، بل ينتهي كل ذلك بلا عصا ولا هراوة ولا بوليس، وإنما فقط بالعلم واليقين، فهل هناك طريق آخر؟ والله لا طريق إلا هذا، ولهذا نصرخ طول العام: أي قرية قامت بهذا؟ أي حي من أحياء المدن قام بهذا؟ ما بلغنا بعد شيء، فإلى الله شكوانا.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.