إسلام ويب

تفسير سورة النساء (21)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الكبائر تبعد العبد عن ربه، وتجعله يتخبط في ظلمات العصيان وغياهب المنكر، والله عز وجل بعد أن بين لعباده الكبائر التي أمرهم باجتنابها ونهاهم عن إتيانها، أردف ذلك ببيان عاقبة من اجتنب الكبائر، مما أعده الله له في الدنيا من العز والرفعة والكرامة، فضلاً عما ينتظره في الآخرة من رضوان الله عز وجل ودخول جنته.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة النساء

    الحمد لله؛ نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات!

    إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والليالي الثلاث بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي والعالم أجمع. قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    اللهم حقق لنا رجاءنا، وأكرمنا بحبك يا رب العالمين!

    ما زلنا مع سورة النساء، ومعنا الليلة آية واحدة، وقبل تلاوتها ودراستها أذكر المستمعين والمستمعات بالآيتين السابقتين لها تذكيراً للناسين، وتعليماً لغير العالمين.

    قال تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [النساء:29-30].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [النساء:29] لبيك اللهم لبيك! نادانا مولانا بعنوان الإيمان بوصفنا أحياء غير أموات نعقل ونفهم، ونمتثل ونفعل، نادانا ليأمرنا أو لينهانا، لينهانا عن أي شيء؟ عن أكل أموال بعضنا البعض، سواء بالسرقة بالتلصص بالخيانة بالغش بالخداع بأي سبيل من سبل التوصل إلى مال المؤمن لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [النساء:29] فإن كان بحق فلك ذلك، ولا بد من مراعاة قيود النفس ورضا صاحب المال.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [النساء:29] هذه الآية من عرفها وفهمها وسمعها ضع عنده مليارات الدولارات والله ما يأخذ منها ريالاً واحداً، أزيد أحلف أم لا؟ والله ما من عبد آمن بعد أن عرف وسمع هذا النداء، والله ما يمد يده إلى مال مؤمن يأكله بالباطل قط، والذي ما آمن أو آمن وما عرف من الجائز أن يسرق .. أن يختلس .. أن يزور؛ لأنه شبه ميت! هذا سر القضية.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ [النساء:29] بين البائع والمشتري، يشتري البضاعة بخمسين ويبيعها بألف، كم استفاد؟ أموالاً كثيرة! وله فيها حق، ما أخذها بالباطل، لأن البيع عن تراض، وباع البضاعة ممن اشتراها عن رضاه، هنا مسألة تحتاجون إليها. أنت تبيع البر أو السكر أو الزيت بمبلغ، لنفرض أن اللتر الزيت بعشرة ريالات، وأنت اشتريته من الشام أو من إيطاليا بريال، فهل تبيعه بعشرة وأنت اشتريته بريال؟ ما أكلت حق من باعك؟ الجواب: لا؛ لأنه هكذا في السوق بعشرة ريالات، فإن اشتريته بعشرة ريالات، وبعته باثني عشر ريال بحسب السوق لك ذلك، فإن بعته بعشرين وفي السوق يساوي اثني عشر وثلاثة عشر ريال، وإنما استغللت فرصة رجل كبير السن أو عجوز من عجائز القرية أو ولد صغير، وبعته البضاعة التي باثني عشر بعشرين أو بخمسة عشر؛ هذا هو الغبن وهو حرام.

    لا يحل أن تغبن! نعم لو اشتريته بريال وفي السوق يساوي عشرين بعه بعشرين، لكن اشتريته بعشرة فقط والسوق يساوي فيه اثنتي عشرة أو ثلاث عشرة ينبغي أن تبيعه كما في السوق، فإن أنت خادعت رجلاً لا يعرف أو عجوزاً أو ولداً صغيراً ما يدري، وبعت له البضاعة بأغلى مما في السوق بزيادة الكلفة؛ فهذا هو الغبن، ويجب أن يرجع عليه وترد عليه ما أخذته، عرفتم هذه في باب البيع والشراء؟ هي عن تراض، لكن ما فيه رضا حقيقي، غشه.

    ثانياً: قال: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29].

    يا معشر المؤمنين! لا يحل لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن، ولا يحل أن يقتل نفسه، وقد قال: (أموالكم) باعتبار أن المال قوام الأعمال، وأن الأموال عندي وعندك وعند فلان كلها عائدها على الأمة تنتفع به. كذلك نفسي ونفسك ونفس كل مؤمن كنفسي أنا ونفسك أنت: ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً )، المؤمنون كالجسد الواحد فقتلك لنفسك كقتلك للآخر، لا فرق بينهما، وعرفنا أنه لا يحل إزهاق روح مؤمن إلا بالحق: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الأنعام:151] حتى ولو كانت نفس يهودي أو مجوسي أو صليبي لا يحل إزهاقها إلا بحق، ما الحق؟ أن يَقتُل فيُقتل، ما الحق؟ إن زنى وفجر يقتل بزناه وفجوره، حق، ارتد بعد إيمانه ليعبث بالإسلام يقتل لردته، الكافر إذا أعلنت الحرب بيننا وبينهم اقتله، هناك معاهدة سلم موادعة كما وادع الرسول اليهود لا يحل أن تقتل كافراً بوصفه كافراً!

    وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا [النساء:30] هل تذكرون العدوان هنا؟ بمعنى: العمد، يريد أن يقتله، ما هو ساه ولا ناس ولا غالط ولا.. ولا..، وإنما يتعمد قتله، هذا العدوان، والظلم: بغير حق، يقتله على عمد وهو بغير حق، أما إن تعمد قتله لأنه مستحق للقتل قتل مثلاً أو زنى هذا ليس بالظلم، هاتان الآيتان الكريمتان درسناهما في الدرس الماضي، والآن مع ما تحملان من هداية نتذكر بها ما فهمنا.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ من هداية الآيتين.

    [أولاً: حرمة مال المسلم، وكل مال حرام، سواء حازه بسرقة أو غش أو قمار أو ربا ].

    هذا هو شأننا معشر المؤمنين والمؤمنات! حرم علينا مولانا هادينا ومربينا مكرمنا أن نأكل أموال إخواننا بالباطل فاستجبنا، الحمد لله! هذا مأخوذ من قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [النساء:29].

    [ ثانياً: إباحة التجارة والترغيب فيها، والرد على جهلة المتصوفة الذين يمنعون الكسب بحجة التوكل على الله ] كانوا. الآن انتهوا، ما أنت مؤمن بالله؟ بلى، ما تتوكل عليه؟ أتوكل، إذاً: اجلس في المسجد لم تخرج إلى السوق وتبيع وتشتري؟ رزقك على الله؟! هذا أيام كانوا يطبقونه في الأمة وويقعدون بها، من أين عرفنا إباحة التجارة؟ من النداء: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29].

    [ ثالثاً: تقرير مبدأ: ( إنما البيع عن تراض، ) و: ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ) ] هذان الحديثان يجب على كل من يدخل السوق ليبيع أو يشتري أن يحفظهما، وإلا فهو عاص آثم، ويطرد من السوق، وللأسف لا يوجد واحد في المليون يحفظهما! ولكن هذا هو الحق فعدلوا عنه وهبطوا، أيصعب على مؤمن أن يحفظ: ( إنما البيع عن تراض )؟ البيع عن تراضي يقولها بالعامية صعبة؟ رضا من البائع ورضا من المشتري، ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ) أسهل الأحاديث. إذا بعت أخاك شيئاً وأنت في المسجد، وقال: سامحني ندمت رد عليه، أخوك لا تزعجه! إذا تفرقتما وكل ذهب إلى حاله ما هناك حاجة إلى الرجوع إلا من باب الإقالة، وفي الحديث: ( من أقال عثرة امرئ مسلم أقال الله عثرته يوم القيامة ).

    قال: [ رابعاً: حرمة قتل المسلم نفسه أو نفس غيره من المسلمين؛ لأنهم أمة واحدة ].

    المسلمون أمة أو أمم؟ أمة واحدة، أفرادها أعضاء فيها، هل يجوز أن تقطع أصبعك، تقول: أنا ما قتلت نفسي، أصبعي؟! فواحد من ألف مليون كالذي يقطع من نفسه بضعاً منه ويقول: هذا يجوز .

    [خامساً: الوعيد الشديد لقاتل النفس عدواناً وظلماً بالإصلاء بالنار].

    تذكرون لطيفة من لطائف الدرس، هل يعقل أن مؤمناً صادق الإيمان يقتل مؤمناً غيره خطأ؟!

    الجواب:لا. المؤمن الذي عرف الله وامتلأ قلبه بالخوف منه والحب فيه والله ما يعمد إلى عبد يعبد الله فيقتله، يرضى أن يموت هو ولا يموت الآخر، ولهذا قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لـعبد الله بن عمر : ( يا عبد الله

    ! كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل )، وقال: ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول؟! قال: إنه كان حريصاً على قتل أخيه ) وإلا لماذا جرد سيفه؟!

    والآية الكريمة يقول تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً [النساء:92] يا عرب! فهمتم هذه اللغة أم لا؟ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً [النساء:92] أما عمداً فمستحيل، مؤمن يقتل مؤمناً؟ لا والله! إلا في حال الخطأ فقط، أراد أن يصيد غزالة سدد سهمه فأصاب مؤمناً، أما أن يتعمد أن يقتله! ومن ثم إذا سمعنا الجزاء ما نعجب؛ إذ قال تعالى في آخر السياق: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93].

    [سادساً: إذا كان القتل غير عدوان كأن كان خطأً، أو كان غير ظلم، بأن كان عمداً ولكن بحق، كقتل من قتل والده أو ابنه، أو أخاه فلا يستوجب هذا الوعيد الشديد ]؛ لأنه بحق.

    إذاً: هذا تذكير بالآيتين السابقتين.

    1.   

    الشهادة لله بالألوهية ولنبيه بالرسالة

    ما المراد بالآية؟! الآية معناها: العلامة الدالة على شيء، يا فلان! من أنت؟ قال: أنا إبراهيم بن سعد. قلنا: ما آية ذلك؟ يخرج البطاقة اقرأ، ما علامة أنك إبراهيم بن سعد؟ أنا ذاهب إلى قباء، دلوني على الآيات الدالة عليه. العمارة الفلانية والشارع الفلاني، فالآية: العلامة، كم آية في القرآن؟

    ستة آلاف ومائتين وأربعين آية، كل آية تدل دلالة قطعية كدلالة الكتاب في يدي، في من ينكر؟

    كل آية تدل على أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، والله العظيم! كل آية من ستة آلاف ومائتين وأربعين آية كل آية على انفراد تدل على أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.

    قولوا: ما وجه ذلك؟ كيف نفهم هذا؟ الجواب: هذه الآية من أنزلها؟ ما في من يقول: غير الله، أو يقول: لا أدري، لا تدري؟ ادر إذاً تعلم! من أنزل هذه الآية؟ ما عندنا من يقول إلا الله، إذاً: الله أنزله الله موجود، ومن نزلت عليه؟ في من يقول غير محمد؟ إذاً: محمد رسول الله، ما دام أنزل عليه آياته إذاً: أرسله رسولاً، كل آية تشهد بأنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.

    ثم إذا آمنت بالله منزل الآيات ومرسل الرسول صلى الله عليه وسلم اسمع شهادته: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [آل عمران:18] شهد الله بماذا؟ بأنه لا إله إلا هو، ما تفسير هذا؟ لما يشهد في قريتكم رجل عالم تقبلون الشهادة أم لا؟ أو تقولون: يكذب؟ الله شاهد على علم بأنه خالق كل شيء، وبيده كل شيء، وأمامه كل شيء، ما رأى إلهاً يستحق أن يعبد، فقال: أشهد أنه لا إله إلا أنا.

    والملائكة يشهدون أيضاً؟ فيه من تساوي شهادته شهادة الملائكة؟ الملائكة يحيطون بالعالم بأسره علويه وسفليه، يشهدون على علم أنه لا إله يعبد إلا الله.

    ثالثاً: أولوا العلم، العلماء من الرسل والأنبياء وأهل العلم الكل يشهد بأعلى صوته بأنه لا إله إلا الله، تشك مع هذا؟ إذاً: ميت أنت! شهادة العلماء وحدها كافية، أنتم تصدقون يهودياً، قال: وصلنا للقمر، طأطأتم رءوسكم: وصل! وكذبوا ما وصلوا.

    هذه اللطيفة قد تخفى عليكم، وهي لنعلم أننا مطالبون كعقلاء أن نستدل على وجود الله وعلى ألوهيته بالآيات الكونية، بالشمس بالقمر بالموت بالحياة، بالصحة بالمرض، إذ كل هذه الأحداث الله موجدها، فهو موجود إذاً! لكن إذا ما توصلت إلى الاستدلال بهذا على أنه لا إله إلا الله، تقول: يكفيني أنا، أنا سمعت الله يشهد بأنه لا إله إلا هو، أشهد بشهادة الله! والله لتكفي، أنا شهدت بشهادة ربي، قال تعالى في سورة آل عمران: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ [آل عمران:18] أيضاً وَأُوْلُوا الْعِلْمِ [آل عمران:18] أيضاً، إذاً: أنا أشهد بما شهد به الله وملائكته وأولوا العلم، يكفيك ولو تغمض عينيك عن الدنيا كلها، ما تحتاج إلى دليل ولا برهان.

    هذه الآية الكريمة اسمعوا تلاوتها واحفظوها. أو ما تستطيعون؟ آية واحدة، ما نستطيع يا شيخ! اسمعوا. هذا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول لكم: (إن أمي أم الفضل تقول: صليت المغرب وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ بسورة: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا [المرسلات:1] فحفظتها)، صلت وراء الرسول صلى الله عليه وسلم كما صلينا الليلة قرأ بـ: (الكافرون) والله ما يحفظها واحد، إلا من قرأها وتلاها وهو يحفظ، أما يسمعها فقط يحفظها مع أن الكافرون كم آية فيها؟ هذه والمرسلات ذات المتشابهات: و وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [المرسلات:47] تسع مرات! حفظتها، والآن نتحدى كل مؤمن ومؤمنة أن يسمعها من القارئ وهو يصلي ثم يحفظها! واقع هذا أم لا؟ لماذا؟ لأننا هابطون، ما نحن طالعون، أصحاب الرسول تلك الأجيال كانوا طالعين أم لا؟ ونحن هابطون.

    وندلل على هذه الحقيقة أيام كنا شبيبة في البلد إخواننا في القرآن يسمع أغنية أم كلثوم فريد الأطرش كذا من تلك الآلة يحفظها باللحن! ما هو بالصيغة، عرفتم؟ يحفظها بلحنها وجرسها، سمعها، ما شاهد الأطرش ولا عايش فلانة، لم؟ لأننا هابطون، أما أن تحفظ آية ما هو معقول! من منكم يذكر لنا الحديثين اللذين حدثنا بهما، وقلنا: يجب أن نحفظهما؟ من؟ ( البيعان بالخيار ) ، أنتم حفظتم: ( إنما البيع عن تراض )، هيا احفظوا هذه الآية، وهي من الآيات التي خير من الدنيا وما فيها لأمة الإسلام، في هذه السورة ثماني آيات، الواحدة تعدل الدنيا وما فيها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ...)

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

    إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء:31] آية واحدة: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء:31] يا لها من بشرى! هذه الآية تزن الدنيا وما فيها: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء:31] ألا وهو الجنة، من المخاطب؟ الله، من المخاطبون؟ نحن؛ لأنه نادانا بـ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [النساء:29] ثم قال هنا: إِنْ تَجْتَنِبُوا [النساء:31] اسمعوا. والاجتناب: الابتعاد، نترك القضية المنهي عنها إلى جانباً، ما نقبل عليها ليفعلها، نتركها جانباً: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ [النساء:31] الكبائر: واحدها كبيرة، ما تطاق، ما تحمل، والجمع كبائر.

    إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ [النساء:31] من الذي ينهانا؟ الله ورسوله هما اللذان ينهيانا عن الكبائر، لماذا ينهانا الله عن الكبيرة؟ حتى لا نهلك، والله العظيم! لا حاجة إلينا هو أبداً، وإنما ينهانا عن أكل السم حتى لا نموت، كذا أم لا؟ ينهانا عن شرب الحشيش حتى لا نفقد عقولنا، ينهانا عن عقوق والدينا لتمزيق الصلة بيننا ونصبح أعداء.

    نهي الله عن المحرمات لتطيب النفوس المؤمنة

    والله ما ينهانا الله ولا رسوله عن شيء إلا من أجل صالحنا فقط؛ لأن المنهيات المعبرة عنها بالمحرمات معناها كالسم، والحديد والنار وما إلى ذلك.

    فالله ولينا ومولانا ما يرضى لنا أن نهلك أبداً أنفسنا، فما حرم الله من عقيدة أو كلمة أو عمل أو صفة إلا لأنها ضارة بنا: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ [النساء:31] الجزاء: نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31] وإذا كفر عنا سيئاتنا طبنا وطهرنا أم لا؟ لأن الجنة دار السلام لا تدخلها النفس الخبيثة، اقسم بالله وأحلف، الجنة دار السلام ومواكب النبيين والصديقين والشهداء والصالحين نزلوا بها وحلوا فيها، لا يدخلها إلا ذو روح طيبة طاهرة، الروح الخبيثة المنتنة هيهات هيهات أن تدخل دار السلام، حتى الذين يكون لهم إيمان وصالح أعمال واستوجبوا النار يحترقون ويصبحون كالفحم، ثم يخرجون فيغسلون في نهر خاص يقال له: الحياة عند باب الجنة، فينبتون كما ينبت العشب والنبات من جديد، أما روح خبيثة بالشرك والآثام والمعاصي تدخل الجنة؟ هيهات هيهات!

    أهل الحلقة يذكرون أن الحكم لله قد صدر في هذه القضية، وأحكام الله لا تعقب، هل هناك محكمة تراجع الله؟ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد:41] ما هذا الحكم؟ خل الزوار الليلة يأخذونه، والله خير لهم من العودة بمليون جنيه مصري، ما هذا؟ اسمع هذا الحكم. واسأل أهل العلم إذا لم تفهم معناه.

    قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10] من يراجع؟ قد أفلح من زكى نفسه، وقد خاب من دسا نفسه، إذاً: احلف بالله ولا تتردد، ( أَفْلَحَ ) ما معنى أفلح؟ شق طريقه إلى الجنة، (وقد خاب) خسر حتى نفسه.

    إذاً: هذا الحكم حلف الله عليه لتطمئن نفوسنا، وتستقر هذه الأحكام في قلوبنا، حلف عليه بأيمان ما حلفها على شيء في القرآن بكامله: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس:1]، هذه يمين أم لا؟ هذه واو القسم، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:1-8].

    لم يحلف ربنا؟ من أجلنا؛ لأننا فطرنا على طبيعة، وهي أننا إذا ألقي إلينا الخبر ما نثق ولا تطمئن نفوسنا حتى يحلف لنا عليه، فهو يحلف لصالحنا، ما رأينا لله أقساماً كهذه، هو حلف بالتين والزيتون، وطور سنين، والسماء والطارق، لكن سبعة أيمان أو ثمانية لقضية واحدة، هذا الحكم من أراد الجنة ودار السلام من الآن يعزم على تزكية نفسه، يتعرف إلى الأدوات المزكية، ويتعرف إلى كيفية استعمالها في أوقاتها بكمياتها، ويأخذ في تزكية نفسه، هذا الذي يزكو.

    ومن قال: إيش فيه؟ ما نستطيع هذا، دعنا من هذا، الله غفور رحيم، سوف تدق الساعة ويذهب هذا الظن كله، إذا وقف ملك الموت وشاهده ورآه في الغرغرة فات الأوان، يجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يعرف ما تزكو به النفس وتطيب، ويعرف كيف يستعمله، ويستعمله إيماناً أيضاً واحتساباً، وبذلك يزكي نفسه، كما يعرف ما يخبثها ويدسيها؛ ليجتنبه ويبتعد عنه طول حياته، هذا الذي يريد الجنة ومواكبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

    في الحقيقة دروسنا هذه ما هي ذات قيمة، لم؟ نذكر مسائل كثيرة، ولا نحفظ كل شيء، لو كنا جادين فالطريق إلى دار السلام مسألة واحدة فقط نحفظها نفهمها، نعزم ونصمم على تطبيقها والعمل بها، نقضي الساعة والساعتين وهي هم من همومنا، وبذلك نترقى في العلم والعمل، والآن مسائل كثيرة، فهمتم هذه البربرية وإلا لا؟

    إني لعلى علم مما أقول.

    الكبائر التي يجب اجتنابها

    ما هي الكبائر التي يجب أن نتجنبها؟ من سأل هذا السؤال؟ ولا أحد، ولو مشينا ما في من يسأل، إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ [النساء:31]، الجزاء: نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31]، أولاً، وندخلكم الجنة ثانياً، ما الكبائر يا شيخ؟ ما أنتم في حاجة إلى معرفتها، صحيح أم لا؟

    قلنا: الكبائر: جمع كبيرة، وتسمى بالموبقة، أي: المهلكة، والرسول في أحاديثه المختلفة المتنوعة بحسب أحوال الحاضرين ومن يأتي ومن يغيب من ساعة إلى ساعة يعطيهم بعض الكبائر، حتى قيل لـابن عباس : الكبائر سبع؟ قال: (هي إلى السبعين أقرب)، ومرة أخرى قال لهم: (هي إلى السبعمائة أقرب من سبعين).

    أولاً: الرسول الكريم يقول: ( اجتنبوا السبع الموبقات )، أي: الكبائر السبع المهلكات، قالوا: ما هي يا رسول الله؟ قال: ( الشرك بالله، وقتل النفس، والزنا، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ).

    مرة قال: ( ألا )، ألو ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ). لماذا الشيخ يقول: ألو؟ لأنكم ألفتموها، الأطفال الصغار تأخذ الهاتف: ألو ألو، ما معنى ألو يا بنيتي؟ ما ندري، ما معنى ألو؟ قالوا: هكذا خلقت، ما عرفنا معناها، فلما كانت تحركنا أكثر من ألا، نقول: ألو انتبهوا أنتم تسمعون؟

    ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الشرك بالله )، ما معنى الشرك بالله يا شيخ؟ أن تدعو غير الله؛ ليعطيك حاجتك، أن تستعين بالله؛ ليحفظك ويقيك من خوفك، أن تنحني راكعاً أو ساجداً؛ تعظيماً وإجلالاً لغير الله، هذا الشرك أكبر الكبائر.

    ثم قال: ( وعقوق الوالدين )، عق والديه: قطع الصلة بهما، وآذاهما وقصّر في حقوقهما، وكان متكئاً؛ لتعب وكبر السن، ثم لما جاءت الثالثة جلس ثم قال: ( ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور )، حتى تمنوا أن لو سكت رسول الله؛ خافوا أن تنزل صواعق أو يحصل بلاء، قول الزور شهادة الزور.

    أيام هبطنا يوجد في المحكمة في بلاد المسلمين صعاليك مثلي جالسين، يأتي الرجل له حاجة بالشهادة يقول: تشهدون معنا؟ إذا فيه شيء .. عشرة ريالات وإلا لن نشهد، يقول: تفضل، يشهد فلان قال فلانة كذا كذا كأنك حاضر، ويعود يتسكع في الظل كما كان، عرفتم؟

    حادثة ثبتت شهد عليها سبعون رجلاً من القبيلة بالكذب، لا لوم ولا عتاب؛ لأنهم ما عرفوا، والله ما عرفوا، لو علموا وعرفوا لو يقتّلون ويصلّبون ويحرّقون ما يشهدون شهادة زور، وهل المسلمون اليوم علموا؟ أين العلم، ما دامت مظاهر الضلال والفسق والباطل والشرك متجلية كالشمس أين العلم؟ ما علموا.

    تريدون أن نعلم وإلا لا؟ والله لو كنا صادقين نريد أن نعلم؛ لنعبد الله ونتقرب إليه لكان هذا المسجد كله يمتلئ كل ليلة وما يجد النساء أين يجلسن إلا عند باب المسجد، وإن شئتم حلفت بالله، لو كنا نريد أن نعلم لنترقى في العلم والصلاح والتقوى لكان من المغرب إلى العشاء لا يبقى رجل في السوق ولا في الدكان ولا في البيت ولا في الشارع كل الأمة في بيت ربها؛ تتلقى الكتاب والحكمة وتزكي أنفسها، هل هذا موجود في العالم؟ إذاً: كيف يتعلمون؟ وإذا لم يتعلموا كيف يستقيمون على منهج الحق وما عرفوه؟!

    الكبائر تعرف بالعد أو بالحد؟

    قال الحكماء: تعرف بالحد لا بالعد؛ العد كثيرة.

    فما هو حدها؟

    كل قول أو اعتقاد أو عمل أو صفة لعن الله أو رسوله صاحبها فهي كبيرة، كل ما ورد فيه لعن عن الله أو عن رسوله فقط فهو كبيرة، هيا: ( لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال )، فتشبه الرجل بالمرأة كبيرة.. يحلق وجهه؛ لحيته .. شاربه يعمل الأحمر والأكحل وكذا، والحناء في يديه، ماذا تقولون فيه؟ تشبه وإلا لا؟ ملعون أم لا؟ ما معنى ملعون؟ مطرود من رحمة الله، ما هو أهل للجنة دار السلام.

    المتشبهات من النساء بالرجال ماذا تصنع؟ تحلق رأسها وتجعله كشعر الرجل، وتلبس الكرفتة وتلبس البدلة، وتعمل -إن استطاعت- بعض الشعرات في وجهها؛ لتكون كالرجل، ملعونة وإلا لا؟ ملعونة.

    ( لعن الله السارق يسرق البيضة )، السرقة كبيرة وإلا لا أو ما هي كبيرة؟ ولو بيضة دجاجة، كبيرة صاحبها ملعون أم لا؟ كبيرة.

    ( لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه )، كم واحد ملعون؟ خمسة، إذاً: أكل الربا كبيرة، وكتابته كبيرة، والشهادة له كبيرة، يا ويحنا! الحمد لله.. الحمد لله، لا نأكل الربا ولا نجري وراءه، ألستم كلكم كذلك؟ ومن عنده دريهمات في البنك من الغد يسحبها سمعت؟ وإذا خاف عليها تضيع يتركها، وإذا جاء يأخذ قال له: خذ هذه الفائدة يقول: لا لا، الفائدة حرام لا تحل لي، بأي شيء آخذها أنا ما عرقت عليها ولا عملت شيئاً، أنا أودعتكم هذا المال محفوظ عندكم.

    ثانياً: كل ما ورد فيه وعيد بالعذاب في الدنيا أو الآخرة فهو كبيرة، والقرآن فيه الوعيد؛ ما يتوعد الله به عباده من عذاب يوم القيامة، مثال ذلك: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10].

    لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً ... [النساء:29]..

    كذلك: الويل وعيد بالعذاب: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين:1]، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [المرسلات:15]، كل ما ورد فيه وعيد فهو كبيرة من كبائر الذنوب، الذي يطفف عندما يبيع أو يشتري نقّص في الكيل والوزن هذا وعيد له.

    وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [الجاثية:7]، كل من يكذب ويزور الكذب ويحسنها؛ لتقبل فهو ملعون كبيرة من كبائر الذنوب.

    كل ما ورد فيه حد يقام عليه كالزنا، الزاني إذا كان بكراً يجلد مائة جلدة: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2]، والمحصن يرجم ويقتل، السارق تقطع يده، القاتل يقتل.

    إذاً: كل ما ورد فيه حد من حدود الشرع فهو كبيرة من كبائر الذنوب، ولا بد من معرفة ذلك من طريق الكتاب والسنة، قال الله وقال رسوله.

    الكذب كبيرة وإلا لا؟ ألا لعنة الله على الكاذبين، الكذب كبيرة؟ نعم، بل المؤمن لا يكذب أبداً، والرسول قرر هذا: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ [النساء:31]، من الناهي؟ الله ورسوله، الجزاء: يكفر عنا سيئاتنا، ما هي السيئات؟ هنا دون الكبائر، لفظ السيئة: يطلق على كل اعتقاد أو قول أو عمل يسوء إلى الإنسان ويفسد قلبه وروحه، لكن فيه كبير وفيه صغير، وهذه الحقيقة تعرف كالتالي:

    مثلاً: انتهرت مؤمناً بصوت عال هذه سيئة، بالنسبة إلى ضربه على خده ماذا تعتبر؟ صغيرة وإلا لا؟

    فأنت لما اجتنبت ضربه خفت من الله وأبيت واكتفيت بالنهر والصوت العالي هذا الذي جعلك ترجع إلى الوراء وما تضرب أخاك تنازلك عن هذا يكفر سيئتك.

    مثال هذا: نظر إلى امرأة وأراد أن يمسها ويجسها بيديه، ثم خاف من الله وارتعدت فرائصه وعاد وما رجع، النظرة الأولى تكفر، تركه للمسها أو جسها بيده؛ خوفاً من الله يكفر عنه السيئة الأولى سيئة النظر.

    مثلاً: الذي خلا بامرأة الخلوة بها حرام، وأراد أن يفجر بها فخاف من الله، خوفه من الله حسنة وإلا لا؟ هذا الخوف الذي علا وغشّا قلبه يمحو سيئة الخلوة. نجا، أو ما فهمتم؟

    كل الذنوب فيها صغائر وكبائر؛ فالذي يجتنب الكبيرة خوفاً من الله، وحباً فيه ورغبة فيما عنده، هذا الخوف من الله يمحو ذلك الأثر السيئ ما يبقيه، إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء:31]، ألا وهو الجنة دار الأبرار.

    إن شاء الله غداً نعيد أيضاً بيان هذه الآية ومعها آيات أخرى.

    وصل اللهم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.