إسلام ويب

تفسير سورة النساء (10)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فرق الله عز وجل في إرث الكلالة بين الإخوة من أم والإخوة الأشقاء والإخوة من أب، ففي الأول إن كان الأخ واحداً فيرث السدس، وإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث، أما الإخوة الأشقاء أو من أب فقسمتهم مختلفة، فإن كان له أخت فهي ترث النصف، وإن كانتا اثنتين فتشتركان في الثلثين، وإن كانوا إخوة رجالاً ونساءً فللذكر مثل حظ الأنثيين، وإن كان الميت امرأة ولها أخ فهو يرث مالها كله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات!

    إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة من ليالي التفسير ندرس كتاب الله عز وجل، وقد انتهى بنا الدرس إلى آيتي المواريث، وقد درسنا أكثرها، ولم تبق إلا آية واحدة، وهي من خاتمة سورة النساء، ندرسها ونعود من جديد لتقرير ما سبق أن علمناه.

    سبب نزول قوله تعالى: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ...)

    هذه الآية الأخيرة تسمى آية الصيف؛ لأن الآيتين التي قبلها نزلتا في الشتاء، وهذه الآية نزلت في الصيف في شدة الحر، فتعرف بآية الصيف، وذكر لنزولها أسباب أصحها -والله أعلم- ما يلي:

    أن جابر بن عبد الله بن حرام رضي الله عنه صاحب رسول الله مرض مرضاً شديداً، ولكن لم يتوف فيه، فزاره النبي صلى الله عليه وسلم فوجده مغمى عليه، فتوضأ صلى الله عليه وسلم ثم صب عليه من فضل وضوئه فأفاق، فلما أفاق قال: ( يا رسول الله! كيف أقضي في مالي؟ )، وكان له تسع أخوات من أبيه وأمه، ولهذا ما حضر وقعة من الوقائع؛ لأن أباه استخلفه لرعاية أخواته؛ فلما سأل لم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً حتى نزلت هذه الآية ، والآية بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

    يَسْتَفْتُونَكَ [النساء:176] من هم؟ أصحابه يطلبون الفتيا: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ [النساء:176]، أما أنا فلا علم لي، حولهم على الله عز وجل: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النساء:176]، هذه التي أتعبت عمر تعباً شديداً، ومن كثرة إلحاحه وسؤاله قال فيه الرسول هكذا في صبره: ( أما تكفيك آية الصيف يا عمر )، وبقي مرتاباً شاكاً إلى يوم وفاته، وكتبها، وكان يستخير الله طوال حياته، فلما لم يتضح له شيء أعلن ذلك ومحيت الورقة وأقر ما أقره أبو بكر رضي الله عنه.

    كيفية تقسيم الكلالة

    قال الله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النساء:176]، بيانه: إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ [النساء:176]، هلك بمعنى مات، وأخيراً أصبحت كلمة هلك يطلقونها على ما لا يحمد حاله ولا موته، والقرآن ذكر هلك بمعنى مات.

    قال: إِنْ امْرُؤٌ [النساء:176]، وكلمة امرؤ يراد بها الذكر أو الأنثى: هَلَكَ [النساء:176] أباً أو أماً: لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:176] ولا والد، ما يحتاج إلى ذكر؛ لأنه تقدمت الآيات: وَلَهُ أُخْتٌ [النساء:176]، مات سعيد ولم يترك أباً ولا أماً وترك أخته، ترثه أو لا؟ هذه أخت شقيقة أو من أب، أما آية الكلالة في الأخوات من الأم تقدمت، فإن كان ليس له ولد فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ [النساء:176]، ترث نصف ما ترك أخوها، كما ترث نصف ما ترك أبوها لو مات، وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ [النساء:176]، يرثها كلها أو النصف أو الربع؟ كلها، هي لا ترث إلا النصف ولا تزيد عليه، وهو أكثر ما ترثه دائماً، وهو يرث الكل: وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ [النساء:176] فإن كان لها ولد يرثها، والأخ ما له شيء لأنه محجوب بالولد، لكن إذا كانت له بنت أنثى فلها النصف والباقي للأخ بالتعصيب إن لم يكن لها ولد.

    ثم قال تعالى: فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ [النساء:176]، هلك هالك وترك أختين، كذا أو لا؟ عبد الله بن حرام ترك تسعاً: فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ [النساء:176]، لهما الثلثان مما ترك والثلث الباقي للعاصب.

    وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً [النساء:176]، مثل جابر له أخوات وهو ذكر، لو كان له أخ آخر قالوا: إخوة رجالاً ونساء.

    قال: وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً [النساء:176] كيف يرثون أخاهم الذي مات؟ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:176]، البنت تأخذ ريالاً والذكر يأخذ ريالين: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء:176] كي لا تضلوا وتخطئوا في القسمة وتأكلوا أموالكم بالباطل، أو يورث هذا عداوة بينكم أو حسداً أو ما إلى ذلك، يبين لكم كراهة أن تضلوا: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النساء:176] فسلموا له القضاء والحكم، أعدل العادلين .. أرحم الراحمين؛ بكل شيء عليم، بالبواطن والظواهر والمستقبل والآتي، فلهذا إذا حكم الله احمد الله، افرح وزغرد أعني النساء، أما الرجال ما يزغردون.

    إذاً: يقول الله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ [النساء:176] في ماذا؟ فِي الْكَلالَةِ [النساء:176]، عرفنا الكلالة؟ أن لا يكون له والد ولا أب ولا أم، لا جد ولا أم ولا جدة، وإنما يرثه من يحيطون به من إخوانه، إن كانوا لأم هذه كلالة تقدمت، وإن كانوا لأب أو لأب وأم فهي هذه بالذات، فهو بين تعالى: إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:176]، ذكر أو أنثى لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ [النساء:176]، ماذا ترث الأخت من أخيها الذي مات أو أختها؟ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا [النساء:176] بشرط: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ [النساء:176]، إذا كان لها ولد ما بقي لها شيء، هذا أخ، حاشية من الإكليل، الولد أولى: فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ [النساء:176] أو أكثر أخوات، لو مات جابر وترك تسع أخوات ماذا لهن؟ الثلثان فقط، والثلث يبحثون عن عصبة، فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ [النساء:176]، هذا في حال أخ واحد أخت وحدها ولا يوجد ثاني، وفي حال اثنتين أو أكثر؟ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً [النساء:176] أكثر من اثنين، رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:176]، تقسم هذه التركة بينهم إن مات أخوهم وترك هذا المال، للذكر مثل حظ الأنثيين، قد تكون بنتاً ومعها ولدان ذكران، أو ثلاث بنات ومعهم ذكر القسمة: للذكر مثل حظ الأنثيين كما تقدم في النسب، عرفتم أن هذه الآية تسمى آية الصيف أو لا؟ وعرفتم أن عمر تردد فيها طويلاً، ولكن الله بينها على لسان رسوله فأقرها.

    مرة ثالثة نقول: هلك هالك وما ترك له ولد ولا أب ولا أم ولا ولد ولد، وإنما ترك أخاه أو أخته، إن كانت أخت فلها النصف، وهو إن ماتت؟ كلها، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ [النساء:176]، فإن كان لها ولد فلا حظ له نهائياً لأنه محجوب، فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ [النساء:176]، هلك هالك وترك أختين فقط، وليس له أب ولا أم؛ لأنها كلالة، فما الحكم؟ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ [النساء:176]، والثلث الباقي للعم .. لابن العم .. للعصبة: وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً [النساء:176] خليط أخوات وإخوان، فماذا يصنعون؟ يقتسمون تركة أخيهم للذكر مثل حظ الأنثيين: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ [النساء:176] لكيلا تضلوا، وضل في القضية أخطأ الطريق فيها كما ضل في الطريق، أراد الشام فمشى إلى اليمن.

    وتأملوا الآية: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا [النساء:176] بشرط: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النساء:176].

    القرآن فيه اختصار كبير، لو كان فيه تطويل لا يحفظ ولا يحمل، فلهذا بدل أن يقول: كراهة أن تضلوا

    أو لكيلا تضلوا، نفهم من السياق: يبين لنا حتى نضل يعني؟ في عاقل يقول هذا؟ يقول: أبين لكم لتضلوا! هذا كلام يقوله عقلاء؟ إذاً: يبين لكم حتى لا تضلوا، لكيلا تضلوا، أو ما فهتم هذه البربرية؟!

    القرآن فيه إيجاز واختصار، أولاً: لأنه يحفظ في الصدور، عندكم كتاب كالقرآن محفوظ في الصدر؟ ما هو معقول أبداً، وينبغي أن يحفظ من قبل الرجال والنساء.

    ثانياً: لو كان يوسع فيه يخسر معناه ، لو يشرح بكلام الله تطول قراءته ويصعب على الناس حتى فهمه.

    فالله عز وجل أنزله مختصراً ووكل بيانه إلى رسول الله، والرسول بين كل ما نحتاج إليه: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44].

    يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النساء:176].

    هنا ما ذكر الدين والوصية، لماذا؟ ذكرت في أول السورة، لم التكرار؟ هنا ذكر الوصية والدين؟ لا، ذكر هناك مرتين فلا حاجة لتعاد؛ لأن تلك الآيات نزلت قبل هذه الآية .. أول السورة ينزل قبل آخرها.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات المواريث

    أولاً: عرفنا أن الإرث يكون بثلاثة أسباب، سبب معدوم؛ لأننا وضعنا السيوف قلنا: يكفي لا جهاد بعد اليوم، من أين يأتي إذاً الأرقاء والعبيد حتى نرثهم؟ إذاً: بقي النسب والمصاهرة، وهذا هو الإنسان، قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا [الفرقان:54]، لا يخرج الإنسان عن النسب والمصاهرة، هذا أبي، هذا أبو زوجتي.

    نصف الآية الأولى في النسب اسمع، يقول تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، لماذا يرث الولد أباه؟ نسباً؛ لأنه منه انحدر، وهو منسوب إليه، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، مات رجل وترك أولاداً -بنين وبنات- كيف تقسمون التركة؟ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، إن كان هناك دين أو وصية ماذا تفعلون؟

    أولاً: الدين، مرده إلى أصحابه.

    ثانياً: تنفذ الوصية على شرط ألا يكون فيها جور، لا في الوصية ولا في الدين كما سيأتي: غَيْرَ مُضَارٍّ [النساء:12]، قد يوجد شخص يحسد الورثة فيسجل عليه أكثر من تركته ديوناً حتى يحرمهم، أو يريد أن يحرمهم أيضاً فيوصي بالثلث لفلان وفلان ولو كانوا فقراء، وما يريد الأجر يريد أن لا يرث فلان وفلان، هذا المرض يوجد أو لا؟ فإن عالجه صاحبه شفي بإذن الله، ولكن أين الأطباء وأين الدواء؟ موجود، ولكن المريض ما يقبل، ما يريد أن يعالج، يريد أن يبقى بمرضه.

    إذاً: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، هذه الخطوة الأولى أو لا؟ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ [النساء:11]، مات الرجل وترك بنتين فأكثر كيف تقسمون؟ قال: فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ [النساء:11]، والثلث الباقي للعصبة أو لبيت المال: وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ [النساء:11]، مات وترك بنتاً واحدة فلها النصف، والأبوان في الصور الثلاثة، وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [النساء:11]، ولأبويه: أي: أم الهالك وأباه.

    إذاً: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ [النساء:11] بشرط: إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:11]، فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فقط. مات الرجل ما ترك ابناً ولا بنت ولا ولا، ولكن ترك أباه وأمه فقط، كيف تقسمون؟ كما قسم الله، فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ [النساء:11]، وسكت عن الثلثين الباقيين لأن المعنى واضح،وأنه من حق الأب، قلت لكم: الكلام فيه اختصار؛ لأنه كلام ذي العرش.

    إذاً: فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ [النساء:11]، الأم هنا حجبت من الثلث إلى السدس؛ لأن الصورة: مات وترك أمه وأباه أو لا؟ فقط، كيف أعطاهم الله؟ أعطى للأم الثلث والباقي للأب الثلثان الباقيان، فإن فرضنا أنه أيضاً ترك ولداً واحداً فلا يؤثر، ما يحجب الولد الواحد أمه، تبقى بثلثها، لكن إن ترك ولدين فأكثر حجبت من الثلث إلى السدس.

    قال وقوله الحق: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ [النساء:11]، هذا عدد أو لا؟ جمع أخ: فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ [النساء:11]، لو قال: فإن كان له أخ؟ نقول: حجبت الأم، لكن قال: إخوة فقط، الواحد ما يؤثر، الأخ الواحد ما يمنع الأم من الثلث تبقى آخذة الثلث.

    ثم قال تعالى: مِنْ بَعْدِ [النساء:11]، يعني: تأخذون في هذه القسمة متى؟ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ [النساء:11] تطبقونها فقد أوصى بها أَوْ دَيْنٍ [النساء:11] كان له، فإذا فرغتم من الوصية والدين حينئذ قسموا التركة على النحو الذي بين الله تعالى.

    نعود من جديد يقول تعالى جل جلاله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء:11] بماذا؟ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، صورته: أن يموت رجل ويترك أولاداً من بنين وبنات، والقسمة تكون كالتالي: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، فإن كن نساء كلهن فَوْقَ اثْنَتَيْنِ [النساء:11] اثنتين فما فوق، فلهن ثُلُثَا مَا تَرَكَ [النساء:11]، وإن كانت واحدة فقط ما ترك إلا بنتاً واحدة فلها النصف: وَلِأَبَوَيْهِ [النساء:11] أبوي الميت، لكل واحد منهما السدس في الأولى والثانية والثالثة، دائماً ماداموا موجودين إن كان له ولد: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ [النساء:11]؛ لأن الولد يرث أباه والجد له السدس: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ [النساء:11] لهذا الميت وورثه أبواه فقط فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ [النساء:11] والثلثان الباقيان للأب، فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ [النساء:11]، هذا الميت له إخوة وما ترك أولاداً، فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ [النساء:11]، حجبت من الثلث إلى السدس بوجود الإخوة، والإخوة لا يرثون لأن أبهم موجود، فقط حجبت من الثلث إلى السدس؛ لأن الإخوة كثيرون وأبوهم يتحمل نفقاتهم، فإن كان أخ واحد ما يعتبر شيئاً، ويبقى لها الثلث.

    وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:12]، هذا هو ما يعرف بالمصاهرة أو إرث المصاهرة، ولكم معاشر المؤمنين المستمعين وغير المستمعين نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ [النساء:12]، ليس شرطاً أن يكون عندك أربع زوجات أو ثلاثة حتى ترث النصف، وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ [النساء:12] أيما رجل ماتت زوجته وكان لها أولاداً منه أو من غيره لا يأخذ إلا الربع، فإن لم يكن لها ولد فله النصف: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ [النساء:12] هذا القيد، فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:12]، هذا ما فيه شك ولا خلاف

    وأوضح ما يكون.

    نعود إلى السيدات: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:12]، وهنا قلنا: الإجماع على أن الزوجة إن ورثت الثمن وكان معها ضراتها الكل يأخذن الثمن، الزوجة الواحدة لها الربع، فإن كانت معها ضرة أو ضرتان أو ثلاثة أو أربعة الكل الربع؛ فهن شركاء في الربع، أو شركاء في الثمن.

    واللطيفة التي عرفناها: أن الأصل أن الرجل يتزوج امرأة واحدة، ولا يتزوج ثانية إلا لحاجة، إلا لضرورة؛ لأن الإسلام قنن ووضع قوانين الاقتصاد؛ فحينئذ هذه التي جاءت من بعد تؤذي الأولى وتقاسمها في ربعها أو ثمنها، والذي يرجح أننا قلنا: آدم كم تزوج؟ لماذا ما صنع الله له اثنتين أو ثلاثاً؟ واحدة، واشتراط العدل كافٍ لأولي البصيرة، فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً [النساء:3] لا يحل غيرها، فهذا العدل أنتم تتحققون وجوده معنا كلنا؟ ولا 1% يستطيع أن يعدل،لم؟ أما هو يظلم الناس، يأخذ أعراضهم وأموالهم ويسب ويشتم، هذا يعدل هذا، هذا يعرف يعدل؟ لكن إذا أراد الإحسان امرأة ولية من أولياء الله توفي زوجها وبقيت أرملة يتفق مع أسرته ويأتون بها لتعيش آمنة صالحة كما كان، الأرض للجميع أو لا؟ مثلاً: ما استطاع وما قدر على أن يصبر على وقاع امرأته، كلما تحيض يحيض، كلما تلد كم شهر وهو هائج، قال: أنا أخاف أن أعصي ربي وأدخل النار، تزوج، اخطب فتاة صالحة مؤمنة طاهرة على شرط أن تطلبها صالحة طيبة طاهرة إن كنت طيباً أنت وطاهراً؛ لأن الله يقول: وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [النور:26]، ولما تتزوجا يجب أن تعدل بينها وبين ضرتها الأولى في الابتسامة في الكلمة في الفراش في الطعام في الريال في كل شيء؛ فإن كنت غير قادر تأكلك النار، إن زينت وفجرت هلكت، وإن ظلمت وجرت أيضاً هلكت، إذاً: ما علينا إلا أن نعدل ونحسن ونستمسك بحبل الله فإننا لن نسقط أبداً.

    اسمع إرث المصاهرة: الزوج والزوجة: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ [النساء:12] بشرط أو بدون شرط؟ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ [النساء:12] ماذا؟ الربع، الزوج لا يشاركه أحد لا في النصف ولا في الربع أليس كذلك؟ ولكن الزوجة: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:12].

    الآن الجزء الأخير من الآية الكريمة وهو ما يعرف بورثة الكلالة، قال تعالى: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً [النساء:12]، ما معنى يورث كلالة؟ يرثه كلالته لا أباه ولا أمه ولا ولده؛ يرثه إخوته من أمه فقط؛ لأن الكلالة في آخر السورة بيناها، إخوان له أشقاء لأب، هؤلاء إخوة لأم فقط، وإليكم البيان، قال تعالى: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ [النساء:12]، أي ليس الشرط للرجل ، بل المرأة تورث كلالة أيضاً: وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ [النساء:12] من أم: فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ [النساء:12]، أي: من اثنتين وثلاثة فأكثر فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ [النساء:12] فقط.

    آية الكلالة في آخره: ثم هلك هالك وترك إخوة وأخوات يقتسمون الذكر مثل حظ الأنثيين، وهنا كلالة خاصة مع الإخوة للام.

    يقول تعالى: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ [النساء:12]، أي: وإن وجد رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً [النساء:12]، لا نسباً ولا صهراً، أو امرأة كذلك وَلَهُ أَخٌ [النساء:12] أي: من أمه أَوْ أُخْتٌ [النساء:12] من أمه، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [النساء:12] إن كان أخ واحد له السدس، إن كانت أخت واحدة لها السدس، فإن كانوا أكثر من اثنين فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ [النساء:12]، فإن بقي شيء يرثه العصبة؛ الأخ لأب أو الشقيق.

    مراجعة لمسألة الحمارية أو الحجرية أو المشتركة

    تقدمت مسألة الحمارية أو الحجرية، وهي:

    هلكت امرأة وتركت زوجها وأمها وأخاها كيف القسمة، للزوج كم؟

    النصف، وللأم السدس.

    قال: [وهنا ما يعرف بالحجرية أو الحمارية أو المشتركة، وهي أن تموت امرأة، وتترك زوجها صاحب النصف، وأمها، وإخوة لأمها، وأخاً لأبيها أو إخوة].

    الزوج له النصف، والأم ترث السدس لوجود إخوة له متعددين، الأم لها السدس، وبعد النصف والسدس بقي الإخوة للأم لهم الباقي، وهو السدس؛ لأنهم تعددوا، والذي للأب أو الشقيق لم يبق له شيء، هذا الشقيق اشتكى إلى القاضي، وقال: يا سيادة القاضي، افرض أن أبانا حماراً أليست أمنا واحدة فكيف أنا أحرم؟!

    الزوج أخذ النصف، الأم أخذت السدس، منعها من الثلث الإخوة، الإخوة للأم لهم الثلث. هذه الكلالة. إذاً: ماذا بقي؟ ما بقي شيء، قال: اذهب فليس لك شيء فقد حجبت؛ لأن الإخوة للأم لهم الثلث تعددوا، الثلث والنصف والسدس ما بقي شيء للإخوة لأب. هذه تعرف عند الفقهاء بالحمارية، إذ قالوا: افرض أن أبانا حماراً أو حجراً، أليست أمنا واحدة كيف نحرم؟ قال: هذا الذي أعطاكم الله.

    نعود إلى آية الكلالة التي ذكرناها: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النساء:176]، هنا الكلالة إخوة لأم وأب أو لأب، وليست كالأولى الإخوة لأم فقط: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ [النساء:176] ماذا ترث؟ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ [النساء:176].

    إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ [النساء:176]، فإن كان الولد لا حظ له، فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ [النساء:176] من تركة أخيهما؛ لأن النسوة إذا تعددين لا يرثن أكثر من ثلثين ، وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النساء:176].

    1.   

    مسائل في المواريث

    نسأل:

    مسألة: هلك هالك وترك أولاداً، كيف تقسم هذه التركة؟

    للذكر مثل حظ الأنثيين.

    مسألة:هلك هالك وترك بنات ولا ولد معهما كيف؟

    لهما ثلثا ما ترك، وإن ترك هذا الهالك ابنة واحدة فقط، فلها النصف؛ لقوله تعالى: وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ [النساء:11]، وللأبوين الأم والأب مع هؤلاء الوارثين لكل واحد منهما السدس.

    وإن فرضنا أن الولد لم يكن له سوى أباه وأمه، كيف تقسم التركة؟

    السدس للأم والباقي للأب بالعصبة والفرضية؛ لقول الله تعالى: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ [النساء:11]، وإن هلك هالك وترك إخوة وأمه وأباه كيف تقسمون التركة؟

    فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ [النساء:11] والباقي للأب والإخوة محجوبون.

    فإن ترك أخاً واحداً فلأمه الثلث والباقي للأب. هلك هالك عن امرأتين، وترك أولاداً منهما أو من غيرهما، ماذا للزوجتين؟

    شركاء في الثمن، وإن هلكت هالكة وتركت زوجها وبنتها؟

    للزوج الربع، فهو محجوب من النصف بهذه البنت أو هذا الابن، وإن هلك هو وما ترك ولداً ولا ولد ولد؟

    لها الربع.

    أما كلالة الإخوة للأم فصورتها: أن يهلك مؤمن ولم يترك ولداً ولا ولد ولد ولا أب ولا جد، لا من الأصول ولا من الفروع، ثم ترك إخوة لأمه؛فإن ترك أخاً واحداً لأمه يأخذ السدس. وإن ترك إخوة متعددين فهم شركاء في الثلث وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:12].

    نكتفي بهذا القدر.

    اللهم صل على نبينا محمد وآله وصحبه.