إسلام ويب

تفسير سورة الأنعام (42)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الله عز وجل هو خالق كل شيء في السماء والأرض، ولكن المشركين لقصور في عقولهم، وانحراف في أفهامهم جعلوا لله سبحانه وتعالى شركاء من الأصنام والأوثان فيما رزقهم من الزروع والأنعام، فإذا أنتج ما كان لله بزعمهم حولوه إلى أصنامهم التي لم ينتج ما كان مقرراً لها، أما إذا أنتج ما كان لأصنامهم فإنهم لا يرجعونه إلى الله، وهذا من تزيين الشياطين لهم، وقد عاب الله عليهم هذا الفعل وبين قبحه ورداءته.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والليالي الثلاث بعدها ندرس إن شاء الله كتاب الله، رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة الأنعام المكية المباركة الميمونة، تلكم السورة التي زفت بسبعين ألف ملك ولهم زجل وتسبيح، هذه السورة المباركة تقرر أعظم القواعد الشرعية الإسلامية:

    القاعدة الأولى: توحيد الله عز وجل، وأنه لا يعبد إلا الله.

    الثانية: تقرير النبوة المحمدية، وهي أن محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الثالثة: عقيدة البعث والجزاء والحساب، ثم إما جزاء بالنعيم المقيم وإما بالعذاب الأليم.

    والرابعة: تقرير شريعة الله، وأنه لا يزكي النفس ولا يطيبها ولا يطهرها إلا ما شرعه الله من العبادات القولية والعملية.

    السورة تدور على هذه القواعد الأربع، وها نحن مع هذه الآيات، فلنصغ مستمعين إلى تلاوتها مجودة مرتلة من أحد الأبناء، فليتفضل.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام:136-137].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! ما زال السياق مع أولئك العادلين بربهم غيره من أوثانهم وأصنامهم التي يعتبرونها آلهة لهم، فالآيات تقرر معنى لا إله إلا الله، والعرب في جاهليتهم نذكر أنهم في يوم من الأيام كانوا مؤمنين موحدين، وذلك بإرسال الله تعالى عبده ورسوله إسماعيل بن إبراهيم الخليل، إذ نشأ في ديارهم ونبئ وأرسل فيهم، وعلمهم هدى الله، وعبدوا الله عبادة شرعية، ففازوا زمناً، ثم مات الرسول ومات العالمون جيلاً بعد جيل فانطمست تلك الأنوار وغشيتهم الجاهلية كغيرهم من الناس في العالم، فلنستمع إلى قول ربنا عنهم: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ [الأنعام:136]، ومعنى (ذرأ): خلق. جعلوا لله عز وجل رب الكعبة، رب إبراهيم وإسماعيل، وهم يؤمنون بالله عز وجل الخالق الرزاق المدبر المميت المحيي، جعلوا لله مما ذرأ من الحرث، والحرث: ما يحرث وينبت من أنواع الزروع كالذرة والبر والشعير وما إلى ذلك، والأنعام المراد بها الإبل والبقر والغنم، وهي هنا الإبل بالذات.

    ماذا فعلوا؟ جعلوا لله نصيباً، قالوا: ما تنبته هذه القطعة من الأرض من البر أو الشعير لله فيها الربع أو النصف أو الثلث، ولآلهتنا مثل ذلك! وهذا دال على أنهم يؤمنون بالله رباً يجعلون له نصيباً.

    قال تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ [الأنعام:136]، لم قال: بزعمهم؟ أي: بكذبهم؛ لأن الله ما أمر بذلك ولا أنزل به أبداً قرآناً ولا علمهم رسول الله إسماعيل ولا غيره، هذا كذب منهم فقط، والزعم يقول عنه شريح القاضي : لكل شيء كنية يكنى بها، وكنية الكذب الزعم. شريح القاضي في هذا التفسير يقول: لكل شيء كنية يكنى بها، والكذب ما كنيته؟ الزعم، زعم بمعنى: كذب، أما قال تعالى: بِزَعْمِهِمْ [الأنعام:136]؟ ما معناه؟ بكذبهم. هل الله شرع هذا، هل أنبأهم به، علمهم؟ بدعة من أنفسهم ابتدعوها بزعمهم.

    وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا [الأنعام:136] أي: لآلهتنا التي كانوا يعبدونها متعددة، كل قبيلة لها صنم تعبده، أليس كذلك؟ وفي كل منطقة آلهة منصوبة، وما ننسى ذلكم الأعرابي الذي كان له إله يعبده، تمثال في مكان ما، عند الحاجة يأتي يتمسح به ويتقرب إليه ويدعوه لتقضى حاجاته، فجاء يوماً لزيارة إلهه والعكوف عنده فوجد ثعلباً رفع رجله فوضعها على كتف الصنم يبول عليه، فاندهش الأعرابي مع ذكائه وأنشد يقول:

    أرب يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب

    وتركه فلم يرجع إليه أبداً.

    والشاهد عندنا قولهم: وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا [الأنعام:136] فهي متعددة، أصنام منصوبة في كل مكان، ولها أيضاً نصيب، ما ذكر تعالى الخمس، الربع، السدس، يجعلون لله نصيباً ولشركائهم -آلهتهم- نصيباً.

    مِنَ الْحَرْثِ [الأنعام:136] أي: الزرع، ومن الأنعام، فما تلده هذه الناقة هو لكذا، أو ما يولد من هذا الغنم لكذا، إذ ما هناك إلا الحرث والأنعام، هذه أموالهم.

    معنى قوله تعالى: (فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم)

    ماذا قال تعالى؟ فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ [الأنعام:136]، ما جعلوه لآلهتهم لا ينقلون منه لله، والذي يعطونه لله يجعلون منه للضيفان، لليتامى، للفقراء، هؤلاء هم الذين يعطونه لهم، ما جعلوه لله ينفقونه على الضيفان إذا استضافوهم، وعلى اليتامى من أولاد وبنات، وعلى الفقراء والمساكين، وما يجعلونه للآلهة ينفق على سدنتها والقائمين عليها والعاكفين حولها، هذه هي القسمة: ما تنبته أرضهم يقسمونه قسمين: قسم منه للآلهة وقسم منه لله عز وجل، فالذي لله ينفقونه على الفقراء واليتامى والمساكين والضيفان، إكرام الضيف عندهم من أوجب الواجبات، والذي للآلهة للأصنام ينفقونه على السدنة والقائمين عليها والعاكفين حولها والزائرين لها، فهل هذا شرع الله؟ الجواب: لا، هذا شرعه لهم إبليس، هو الذي زينه لهم وحسنه لهم.

    والقبيحة في هذا السلوك بالذات أنه إذا كان الذي جعلوه لله أنتج من زرع أو أنعام، وما جعلوه للآلهة لم ينتج في تلك السنة، ينقلون الذي جعلوه لله إلى الآلهة، ويوقفون حظ الفقراء والمساكين واليتامى، وإن كان العكس: فما جعلوه للآلهة فأنتج حيث أثمر الزرع وولدت الأنعام، والذي جعلوه لله ما أنتج شيئاً، لا ينقلون هذا لله، فعابهم الله على هذا التصرف.

    وهنا ذكرنا مئات المرات وقلنا: هذه البدعة انتقلت إلى العالم الإسلامي، بعد موت العلماء وانطماس نور الله في أكثر البلاد في القرون الذاهبة من السابع إلى اليوم، أصبح الرجل يغرس قطعة أرض شجر زيتون أو نخلاً ويجعل لسيده فلان نخلة أو زيتونة، يقول: هذه شجرة سيدي فلان أو هذه نخلة سيدي فلان! لماذا؟ من أجل أن يحفظها حتى تنبت وتصلح، ولكن لم يجعلوا لله مقابل ذلك شيئاً، فأي الفريقين أهدى؟ أهل الجاهلية أفضل، أهل الجاهلية يجعلون أولاً لله وللآلهة، وجهالنا لا يجعلون لله لا شيئاً، بل لمن يدعونهم فقط: هذه نخلة سيدي عبد القادر، هذه زيتونة مولاي فلان، هذه شجرة كذا، بل يشتري قطيع الغنم في آخر الشتاء ليستقبل الربيع فيقول: هذه شاة سيدي فلان حتى يرعاها الولي ويحفظها وتنمو وتلد ويكثر ماله، فانظر كيف هبطنا أكثر هبوطاً من أهل الجاهلية!

    لا يصح ولا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يقول: هذه الشاة لسيدي فلان، لا لرسول الله ولا لفاطمة ولا لحسين ولا لعبد القادر ولا لجبريل ولا لأحد من الخلق أبداً؛ إذ لا يعبد إلا الله، ومن جعل ذلك فوالله لقد أشرك في عبادة ربه.

    قبح صنيع المشركين فيما جعلوه من النصيب لله والآلهة

    ونعيد تلاوة الآية، فتأملوا، قال تعالى مخبراً عن أولئك العادلين بربهم المشركين: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ [الأنعام:136] من الخالق؟ الله، وهم يعرفون هذا. مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا [الأنعام:136]، النصيب -كما قد بينا- عدد هم أعلم به.

    فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ [الأنعام:136] ليس معناه أن الله أمرهم أو شرع لهم هذا بواسطة نبي أو رسول، بل من أنفسهم والشياطين تزين لهم، قالوا: هذا لله بكذبهم وهذا لشركائنا.

    قال تعالى: فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ [الأنعام:136] متى؟ إذا كان الذي جعلوا للآلهة ما أنتج ينقلون الذي كان لله لآلهتهم ويتركون الله، ما يعطونه، يقولون: الله غني، ما هو في حاجة إلينا.

    فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ [الأنعام:136] متى؟ إذا كان الذي جعلوه للآلهة ما أنتج فلا زرع ولا بقر ولا غنم، ينقلون الذي جعلوا لله، وهذا فيه حيف وجور أم لا؟ ما عدلوا، المفروض أن ما كان لله يكون لله دائماً، وما كان للآلهة فللآلهة، أما أن ينقلوا فقط ما كان لله لآلهتهم ولا ينقلون ما للآلهة إلى الله فهو حيف واضح وجور وظلم.

    ومعنى هذا: أن الظلم والحيف محرم حتى في حالة كهذه، فلا يجوز هذا، ولكن الشياطين تزين لهم ذلك وتحسنه، فكان هذا ديناً عندهم وعبادة.

    قال تعالى: سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الأنعام:136] أي: قبح أشد القبح هذا الحكم الذي يحكمون به. هل فيه قبح أم لا؟ يا أهل الذوق والأخلاق! أليس القبح واضحاً؟ يجعلون لله شيئاً وللآلهة شيئاً، ثم إذا ما أنتج الذي لله ما ينقلون من نصيب الآلهة إلى الله، وإذا كان العكس ينقلون ما كان لله لآلهتهم، وهذا أسوأ قبح: سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الأنعام:136].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ...)

    ثم قال تعالى: وَكَذَلِكَ زَيَّنَ [الأنعام:137] أي: وكهذا التزيين من الشيطان لأوليائه من المشركين زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ [الأنعام:137] شركاؤهم زينوا لهم قتل أولادهم، هل هناك أكبر من هذا؟

    أسباب الوأد في المجتمع العربي الجاهلي

    قتل الأولاد عند العرب منه أولاً: الوأد، أن تلد المرأة الطفل، وقبل إرضاعه أو بعد إرضاعه بساعة أو يوم يدفنونه في الأرض، هذا يعرف بوأد البنات، قال تعالى: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير:8-9] هذا في عرصات القيامة، اذكروا هذا: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير:8-9].

    هذا الوأد له ثلاث حالات تستدعيه عندهم:

    الحالة الأولى: النذر، ينذر لإلهه أن يقتل أول ولد يولد له، أو ينذر لإلهه ما في بطن امرأته بأنه إذا تحقق له كذا يئده.

    واعلموا أن عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نذر عبد المطلب أن يذبحه، نذر لله ولده في قضية حفر زمزم، ثم فداه بمائة بعير فذبحها لله وترك ولده ما وأده ولا ذبحه. فكانوا ينذرون للآلهة أولادهم، هذا سبب من أسباب قتل الأولاد.

    الحالة الثانية: وأد البنات خاصة خشية أن تسبى هذه البنت ويتزوجها عدو من أعداء قبيلته، يرى في ذلك معرة وعيباً ما يطيقه، فكيف نتخلص؟ إذاً: نئد البنت، تحفر الحفرة تحت المرأة وهي تضع، إن وضعت ولداً أرضعته، وإن وضعت بنتاً دفنوها خشية العار والمذمة من أن تسبى بحرب بينهم وبين قبيلة أخرى وتصبح بنته في قبيلة أخرى، فما يطيق هذا، فشهامتهم ومروءتهم فرضت عليهم وأد البنات.

    الحالة الثالثة: وهي خوف الجوع والمجاعة، حيث ينظرون إلى السنة، فإذا لم يكن مطر وكان الجدب خافوا أن يجوعوا ويهلكوا، فيئدون الأولاد ذكوراً أو إناثاً، من في بطنها ولد ما إن تضعه حتى يدفن في الحفرة في نفس المكان.

    فهذه ثلاث حالات لوأد الأولاد، من زين هذا؟ آلهتهم، شركاؤهم، الشياطين التي تعلمهم هذا الباطل.

    تزيين الشياطين للمشركين قتل الأولاد

    قال تعالى: وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ [الأنعام:137] لماذا؟ قال: لِيُرْدُوهُمْ [الأنعام:137] والإرداء: الإهلاك والدمار والقضاء عليهم، زين لهم هذا الشياطين الذين عبدوهم، لأن عبادة الصنم أو التمثال أو الوثن من زينها؟ من دعا إليها؟ والله إنه الشيطان، فهم عابدو الشيطان أو عابدو الصنم؟ الشيطان هو المعبود، وهو المطاع.

    وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ [الأنعام:137] أي: ليهلكوهم الهلاك الكامل في الدنيا والآخرة. وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ [الأنعام:137] ومعنى (يلبسوا): يخلطوا، لبس: خلط، التبس عليه الأمر: اختلط.

    وهذا الدين هو الذي ورثوه عن إسماعيل بن إبراهيم، أما كانوا يحجون البيت ويطوفون؟ أما كانوا يكرمون الضيوف؟ فضائل كاملة ورثوها عن دين الله الأول، فحرفتهم الشياطين بعد أن نقلت إليهم الأصنام بواسطة عمرو بن لحي عليه لعائن الله، عمرو بن لحي جاء بالأصنام من الشام، كانت تعبد هناك فقال: لم لا يكون لنا نحن العرب في الجزيرة مثل هذه الآلهة؟ ولهذا رآه النبي صلى الله عليه وسلم في النار يجر قصبه في جهنم، أمعاؤه كلها خارجة من بطنه وهو يسحبها في جهنم، هذا عمرو بن لحي هو الذي ورث عبادة الأصنام هنا في القرون الأولى واستمرت حتى انتشرت في الجزيرة.

    قال تعالى: وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ [الأنعام:137] الذي هو الدين الحق الموروث عن إسماعيل وإبراهيم عليهما السلام، ومن بعدهما من العالمين والعارفين.

    معنى قوله تعالى: (ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون)

    ثم قال تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام:137]، كيف تفهمون جملة (ولو شاء الله ما فعلوه)؟ لا تظن أنهم أعجزوا الله عز وجل وفرضوا عليه ما أرادوا وهو غير قادر على ذلك، بل لو شاء ألا يفعلوا فوالله ما فعلوا، إذ هو الملك الحق وبيده كل شيء وهو على كل شيء قدير، ولكن ما دام أنه خلقهم للمحنة، للابتلاء، ليسعد من يسعد ويشقى من يشقى؛ تركهم في ذلك لأهوائهم وشياطينهم.

    مرة ثانية أقول: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام:137]، أي: لو شاء الله أن يحول بينهم وبين اتخاذ الآلهة معبودات، وبين ذبحهم الأولاد لفعل، وكيف لا وهو على كل شيء قدير! فلماذا -إذاً- تركهم؟ للامتحان، والآن بين المسلمين فجرة، فسقة، ظلمة، آكلو ربا، مبطلون لو شاء الله أن يميتهم لأماتهم، لو شاء الله أن يهديهم لهداهم، ولكن الدار دار امتحان، دار عمل للخير والشر حتى يتم العمل والجزاء بعد ذلك في الدار الثانية إما النعيم المقيم أو العذاب الأليم، فلا تفهم أنهم أعجزوا الله وخرجوا عن دينه وألهوا الآلهة عجزاً من الله عز وجل، لا تفهم هذا أبداً.

    فقوله تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام:137] يا رسولنا، إذاً: فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام:137] اتركهم وكذبهم وباطلهم وما يفعلون.

    ملخص لما جاء في تفسير الآية

    أعيد تلاوت الآية مرة ثانية: وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ [الأنعام:137] من زين لهم هذا؟ شُرَكَاؤُهُمْ [الأنعام:137] آلهتهم التي يعبدونها والشيطان هو الذي زينها، هل ليكملوا ويسعدوا؟ قال تعالى: لِيُرْدُوهُمْ [الأنعام:137] والإرداء أعظم من كلمة (ليهلكوهم).

    إذاً: هذا هو السبب أولاً: لِيُرْدُوهُمْ [الأنعام:137] ليهلكوهم، وثانياً: وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ [الأنعام:137] الحق حتى لا يدخلوا الجنة وتدخل الشياطين النار، فنقمة إبليس أنه يقول: كيف أدخل النار وأخلد فيها والآدميون الذين بسببهم أبلست من كل خير يدخلون الجنة؟ إذاً: وعزتك يا رب لأغوينهم أجمعين.

    إذاً: فكل معصية يزينها الشيطان وذريته الشياطين من أجل الانتقام من بني آدم، لم يدخلون الجنة وندخل النار؟ لم يحبهم الله ويبغضنا؟ لم يسخط علينا ويرضى عنهم؟ إذاً: لا بد أن نحملهم على هذا الذي يبعدهم من رحمة الله ورضاه.

    وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ [الأنعام:137] ويخلطوه عليهم حتى لا يعبدوا الله عبادة تزكي أنفسهم وتطهرها.

    وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام:137] يا رسولنا! لا تحزن، لا تتألم، لو أراد الله ألا يشركوا فوالله ما أشركوا، أليس كذلك؟ ولكن لحكمته خلق هذا المخلوق ليبتليه، يأمره وينهاه وهو ذو حرية وإرادة، إن شاء فعل ما أمر الله، وإن شاء ترك، أليس كذلك؟ فلو كان لا إرادة له ولا حرية لا يؤاخذ ولا يعاقب، لكن أعطاه الإرادة والحرية إن شاء صلى وإن شاء غنَّى، إن شاء أكل الربا وإن شاء أكل الحلال، ليتم بذلك الجزاء في الدار الآخرة، فمن أطاع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ففعل الأوامر فزكت نفسه وحفظ ذلك الطهر فلم يلوثه ولم يخبثه بمعصية الله ورسوله ومات على ذلك كان من أهل دار السلام، وإن هو ما أطاع الله ولا رسوله فلم يعمل بواجب ولم ينهض بمعروف أصبحت نفسه خبيثة منتنة، يضيف إليها نتن المعاصي الأخرى فتصبح كأنفس الشياطين وكأرواحهم، فهل هؤلاء يدخلون الجنة وقد حكم الله بطردهم؟

    وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام:137] أي: يكذبون ويقولون. والمأمور بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم والخطاب له، وكل مؤمن يتألم من شرك المشركين وأباطيل المبطلين يقال له: اتركهم لله، فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الأنعام:137].

    1.   

    مظاهر من الشرك في السنين الماضية في العالم الإسلامي

    معاشر المستمعين! أعيد القول: في ديارنا الإسلامية قبل خمسين سنة -باستثناء هذه الديار التي طهرها الله بحكومة الملك عبد العزيز - كانت الناس في ديارنا يجعلون للأولياء نصيباً، يقول: هذه نخلة سيدي فلان، هذه شاة سيدي فلان، هذه بقرة سيدي فلان! وإخواننا المصريون حاضرون، أما عندكم عجل سيدي البدوي ؟ فعندنا محفوظة قضية عجل البدوي ، أظهر من الشمس.

    وقلت: إنهم -مع الأسف- لا يجعلون لله مقابلاً، وهو لا يقبل منهم، لكن من باب الإنصاف فقط، لما جعلوا عجل البدوي لم يعطوا للفقراء والمساكين أيضاً، فكان وضعنا أكثر هبوطاً من المشركين في الجاهلية في هذه القضية خاصة، مع أنه لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يجعل شيئاً لغير الله تعالى، ومن جعل شيئاً لغير الله، لملك، لنبي، لولي؛ فقد اتخذه إلهاً وعبده مع الله عز وجل.

    وأنتم تعرفون أنه يحرف حتى الحلف بغير الله تعالى، لا شاة ذبحتها ولا كيساً من دقيق قربته، فقط حلفت بغير الله فأشركت، والرسول على المنبر يقول: ( ألا إن الله ورسوله ينهيانكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت ).

    ويقول: ( من حلف بغير الله فقد أشرك )، ومرة قال: ( فقد كفر )، هذا مجرد الحلف، فكيف تعطيه ناقة أو عجلاً أو نخلة أو زرعاً؟ وهذا هو الشرك الذي صاحبه لا يظفر بالجنة ولا يدخلها إلا إذا تداركه الله.

    وهذا الكلام أكرره؛ لأنه كان في بستان والدي نخلة لسيدي فلان، والله العظيم، ولكن لما بلغت وعرفت أبطلتها.

    1.   

    حكم من مات من الجهلة على شيء من الشرك بالله تعالى

    فهؤلاء المساكين الذين كانوا يشركون بالله وهم لا يريدون الشرك؛ الجهل هو الذي غشيهم وغطاهم وما عرفوا، هؤلاء يصومون ويصلون ويحبون الله ورسوله والمؤمنين، فماذا نقول في مصيرهم؟

    نقول: الغالب أن من كان منهم ما فعل ذلك إلا فهماً منه أنه يجوز وأنه من الدين؛ فعند الوفاة وهو على سرير الموت يلهم ويموت على كلمة الإخلاص: لا إله إلا الله محمد رسول الله حتى تقبض روحه، من مات على هذا يغفر له ما تقدم، ومن مات وهو على (يا سيدي فلان) فقد هلك إلى جهنم يخلد فيها أبداً.

    فلهذا كررت القول وقلت: يجب أن يكون في المستشفيات نساء ممرضات ورجال ممرضون، وأن يكون بينهم من يلقن الميت كلمة التوحيد، يجلس إلى جنبه ويقول: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، فإذا قالها المريض سكت حتى يختم له بها، فإن تكلم المريض بعد ذلك وقال: أعطوني ماء أو كذا؛ يعيدها الملقن: لا إله إلا الله، حتى يموت عليها المؤمن، فـ( من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة )، بهذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فهمتم ما قلت لكم؟ قلت: تلك الجاهلية لو أن شخصاً فيها أراد الله نجاته لأنه كان يفعل ذلك لا عن عمد ولا قصد بل تقليداً يظن أنه دين الله، هذا في الغالب أنه يموت وهو يقول: لا إله إلا الله، وهذا مشاهد، وينسى عبد القادر والبدوي فما يخطر على باله، لأن الله عصمه، فيموت على كلمة التوحيد، فهذا يدخل الجنة ولا يخلد في النار.

    والكلمة الأخيرة قلنا ما فعل رجالنا حتى في المدينة، وبلغناهم: يجب أن يكون ضمن الممرضين والممرضات في المشافي من هو مختص بالذين هم في حالة الاحتضار، يجلس إليهم ويلقنهم كلمة التوحيد، لا يقول له: قل، فممكن أن يقول: لا أقول فيهلك، فقط يقول إلى جنبه: لا إله إلا الله امتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: ( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله )، الميت هنا المحتضر إذ هو في حكم الميت. ( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ) رجاء أن يختم له بها فيغفر له ويدخل الجنة.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.