إسلام ويب

تفسير سورة آل عمران (9)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الدين هو ما يدين به العبد ربه، وما يخضع به له، ويعمل بمقتضاه وموجبه، وهذا الدين محصور حصراً كاملاً في الإسلام، فلا يوجد في يهودية ولا نصرانية ولا صابئة ولا بوذية ولا غيرها، فدين الإسلام هو دين الأنبياء من آدم إلى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، ومن ابتغى ديناً سواه لم يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة آل عمران

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده )، فالحمد لله الذي أهلنا لهذا الخير، وربنا على كل شيء قدير.

    وها نحن مع قول ربنا عز وجل: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:19-20].

    فضل شهادة أن لا إله إلا الله

    هل تذكرون الغنيمة الباردة التي غنمناها بالأمس؟ هل انتفعتم بها؟ إنها رواية ( من تلا هذه الآية أثناء تلاوته للسورة وهي قول الله عز وجل: (( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ))[آل عمران:18]. وقال: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، فهي لي عندك يا رب وديعة، يؤتى به يوم القيامة، ويقول الجبار عز وجل: إن لعبدي علي عهد، وأنا أحق من يوفي بالعهد، أدخلوه الجنة ).

    اختلاف أهل العلم في صحة إيمان المقلد في الشهادة

    تذكرون أيضاً: أن الذي يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله بدون علم، فقط يقلد الناس.. سمع أهل القرية يقولون: لا إله إلا الله فقال: لا إله إلا الله، تعلمون أن أهل العلم مختلفون في صحة إيمانه؛ لأن الشاهد -كما هي حال البشر- لا يشهد على وقوع شيء أو على عدمه إلا بعلم حصل عليه من طريق سمعه وبصره وعقله ووعيه.

    أما أن يقول: أشهد أن كذا وكذا ولم يعلم ذلك فهذا لا تقبل شهادته.

    من شهد أن لا إله إلا الله فقد واطأت شهادته شهادة الله وملائكته وأولي العلم من عباده

    ما الذي فزنا به أمس في هذا الباب؟

    إذا سئلت: كيف عرفت أنه لا إله إلا الله وبم تشهد؟ تقول: أنا أشهد بشهادة الله وملائكته وأولي العلم من عباده، فإذا كان هؤلاء يكذبون أو يخطئون كنت أنا كذلك، ومستحيل أن يشهد الله بدون علم، ولو علم الله في العوالم الظاهرة والباطنة أن هناك إلهاً لأخبر عنه، ولكنه شهد أنه لا إله إلا هو.

    والملائكة وهم يطوفون بالعوالم ويسبحون فيها لو كان هناك من يستحق أن يعبد مع الله فيؤله لعرفوه؛ لكنهم شهدوا أنه لا إله إلا الله.

    والأنبياء والرسل يوحي الله إليهم ويكلمهم وينزل كتبه عليهم، وأتباعهم من أهل العلم الكل شهدوا على علم أنه لا يوجد إله إلا الله. فهذه تكفي وتسد حاجته، وترفعه إلى مستوى كأنه فتش العالم وما وجد إلهاً إلا الله، فقد شهد بشهادة الله أنه لا إله إلا هو، وبشهادة الملائكة أيضاً وأولو العلم.

    فضل أهل العلم

    هنا لطيفة أخرى فيها بيان فضيلة أهل العلم، ويكفي في الدلالة على فضلهم أن الله قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، ما فصل حتى بـ ( ثم ) ولا شك أن العلماء ورثة الأنبياء.

    من وارث محمد صلى الله عليه وسلم؟ الرسول ليس عنده نخيل ولا بغال ولا غنم، ما ترك شيئا من متاع الدنيا، ولكنه ترك علمه فمن أخذه فقد أخذه بحظ وافر، العلماء سواء كانوا بيضاً أو سوداًً، حمراً أو صفراً، عجماً أو عرباً هم ورثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فما خلفه رسول الله هم ينشرونه ويعلمونه ويبلغونه غيرهم.

    إذاً: هيا نتعلم حتى نكون من ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم!

    العلم طريق الفوز والنجاة

    قد يقول قائل: هذا أمر صعب يا شيخ، لا نستطيعه.

    فأقول: لم ما نستطيع؟ نترك مزارعنا، مصانعنا، وظائفنا، أعمالنا ثم ننقطع لنطلب العلم حتى نكون علماء وترفع درجاتنا في عليين. أهذا أمر صعب؟!

    لقد فتح الله علينا باباً والله لمن أيسر الأبواب وأسهلها، ولأحق بتحقيق هذا الهدف السامي من مدارسكم وجامعاتكم وكلياتكم، وهو ما سمعناه وقررناه وبذلناه ببكاء ودموع وهو أن أهل القرية إذا دقت الساعة السادسة مساءً توضئوا وتطهروا لبسوا أحسن ثيابهم وجاءوا بنسائهم وأطفالهم إلى بيت ربهم وهو المسجد الجامع الذي بنوه لأداء الصلاة فيه، فإن ضاق وسعوه وإن اتسع فبها ونعمت، فيجتمعون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء اجتماعنا هذا، والنساء وراء الستار، ويتعلمون ليلة آية من كتاب الله، من ستة آلاف ومائتين وأربعين آية! وليلة بعدها يتعلمون حديثاً يبين الهداية الإلهية من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحفظونه في المجلس ويفهمون مراد رسولهم في المجلس، وكلهم عزم وإرادة أن يعملوا بمقتضاه.

    وكذا أهل المدن، المدينة ذات مناطق، المنطقة السابعة والثامنة والعاشرة، أو مدينة فيها ثلاث مناطق، فأهل كل حي يوسعون جامعهم حتى يتسع لكل أفرادهم وإن كانوا ألفاً أو ألفين أو ثلاثة! يوسعونه، ثم إذا دقت الساعة السادسة أوقفوا دولاب العمل، أغلقوا المتجر، أوقفوا المصنع، تركوا المزرعة، ويتوضئون ويتطهرون، ويحملون نساءهم وأطفالهم إلى بيت ربهم، ويصلون المغرب، ويجلس لهم عالم بالكتاب والحكمة فيعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم نيابة عن رسولهم صلى الله عليه وسلم، ليلة آية يقرءون، يتغنون بها، يحفظونها رجالاً ونساء وأطفالاً، ثم تشرح لهم، ويبين مراد الله منها، وتوضع أيديهم على المطلوب، وإن كانت في العقيدة عقدوها في قلوبهم، وإن كان أدباً تأدبوا به، وإن كان واجباً عرفوه وعزموا على النهوض به، وإن كان حراماً هجروه وتركوه، وليلة حديثاً، وطول العام! بل وطول الحياة.

    هل يبقى بعد هذا جاهل أو جاهلة؟ ماذا تقولون؟ والله ما يبقى، كلهم علماء!

    وبعد: فما هي المظاهر التي ستتجلى في ذلك المجتمع؟

    أولاً: لا خبث، لا ظلمة، لا شر، لا فساد، ولكن خير وطهر وصدق، وعدل ورحمة وبركة، وحسبهم أنهم أصبحوا أولياء الله! لو رفعوا أكفهم إلى الله على أن يزيل الجبال لأزالها!

    والآن من يرد على الشيخ؟ ما نستطيع؟! الذين اقتدينا بهم وسرنا في ركابهم وقلدناهم -وهم المستعمرون الأوروبيون- إذا دقت الساعة السادسة عندهم وقف العمل، انتهى، يحملون نساءهم وأطفالهم إلى دور السينماء، ودور الرقص والعبث واللهو والباطل، ويمكثون الساعات العديدة من الليل، ونحن لا هؤلاء ولا هؤلاء! نعجز عن أن نذهب إلى بيت ربنا، فنتعلم الكتاب والحكمة، نعد أنفسنا للسعادة والكمال، ونهيئ أنفسنا لأن نرقى السماوات وننزل بديار الأبرار.

    لا مانع إلا أن نكون مسحورين، ولعل اليهود سحرونا حتى نبقى هابطين مثلهم، لا سعادة ولا كمال!

    جائز أن يسحرون بالكلام.. بالأدوية التي نستوردها من عندهم.

    هيا نحل هذا المشكلة؟ الخبث الآن في العالم الإسلامي عالم الطهر تعفنت الأجواء منه، الظلم، الحسد، البغي، الشر، الفساد، كأننا لسنا أولئك المؤمنين، فلا إله إلا الله، لا كاشف لها إلا الله، ونحن نتعرض للفتن يومياً، وما وقعت في بلد إلا وستنتقل إلى آخر! والعلاج بأيدينا.

    لا نقوى على أن نتعلم كلام الله وكلام رسوله ونقوى على أن نتكلم البذاء وسوء المنطق والألفاظ الخبيثة، والأغاني؟ أغاني العواهر نعرفها ونحفظها؟!

    فلتبكوا يا معشر المؤمنين! الزموا باب الله فإن الله لا يحرمكم الولوج والدخول فيه، قل: أنا مسلم، ولا تنتمي إلى فرقة ولا حزب ولا جماعة ولا حكومة، أنا مسلم! واقرع باب الله، اسأل أهل العلم كيف تعبد ربك، واعبده واصبر، وإن عم البلاء يجعل الله لك مخرجاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام...)

    هيا بنا الآن نعود إلى دراسة هذه الآية الكريمة، فاسمع هذا الخبر: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19] هذا خبر ، والمخبر به هو الله جل جلاله.

    كيف حصلنا على خبر الله؟ بكتابه. أين كتابه؟ القرآن العظيم. ولا عقل لمن يقول: ليس بكتاب الله! فلو اجتمعت البشرية أن ترد هذا الكتاب ما استطاعت فهو كتاب الله العظيم الحكيم العزيز، الكتاب الذي حوى علوم الأولين والآخرين، علوم الملكوت الأعلى، مفصل ما فيه تفصيلاً، فضلاً عن ملكوت الأرض وما دونه.

    هذا الكلام كلام من؟ كلام الله، ما أخس الكافر وما أحطه! كيف يكفر بالله وكتابه بين يديه وكلامه يسمعه بأذنيه؟ من أين يأتي الكفر؟! لا إله إلا الله!

    تعجب الرب سبحانه من كفر الكافر مع ما يتلى عليه من آيات

    يقول الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران:100] لبيك اللهم لبيك! إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران:100] ما أطاعهم أحد إلا كفر، ثم التعجب، يقول: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [آل عمران:101] العجب من أين يأتي الكفر؟!

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا [آل عمران:100] خاصة من اليهود والنصارى الأساتذة، المعلمين، الخبراء، المستشارين، مع عامة اليهود والنصارى من فلاحين وسوقة إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران:100] والله العظيم! ثم يقول: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ [آل عمران:101] كيف تكفرون ومعكم هذه المناعة؟

    ما هذه المناعة؟ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [آل عمران:101] فإذا المسلمون في أي جزء من الأرض كانوا يعيشون على هذا المبدأ، على كتاب الله وسنة ورسوله، والله ما تسرب إليهم كفر، ولا عرفوا الكفر، ولا انتهت مسيرتهم إليه بحال من الأحوال، وما إن يعرضوا عن كتاب الله وسنة ورسوله ويهجروهما هجراناً كاملاً فلا يعرفون منهما القليل ولا الكثير إلا صاروا عرضة والله للردة والكفر!

    معاشر المستمعين! هذا قرآن فاسمعوه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [آل عمران:100] من اليهود والنصارى يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران:100] ثم يأتي التعجب: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ [آل عمران:101] كيف يصل إليكم الكفر ويدخل في قلوبكم والحال أنكم تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [آل عمران:101].

    أين توجد المناعة يا عبد الله المسلم؟! توجد في الكتاب والسنة.

    أين توجد المناعة والحصانة حتى لا نتورط في الكفر بعد الإيمان؟

    الحصانة أن يتلى علينا كتاب الله، وأن يكون بيننا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو الذي يشرح لنا مسالك الحياة، ويعلمنا كيف نأكل، كيف نشرب، كيف ندخل الخلاء، كيف نقاتل، كيف نبيع، كيف نشتري، فتعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم لا تفارقنا حتى في إخراج أرجلنا من المسجد أو إدخالها فيه، فإن هجرنا كتاب الله وما أصبحنا نسمعه ولا نريده وأبعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصبحنا نأكل ونبيع ونشتري كما نشاء فلا بد إذن من الوقوع في الكفر ما دام هناك فريق متميز مهمته: كفروهم!

    يرحمكم الله! فهمتم هذه البربرية أم لا؟ كيف نخلص؟ هل نمد أعناقنا حتى تنزل الصاعقة؟ إلى متى؟ أين العلماء؟

    لو أن العلماء كلهم بكوا كما بكينا نحن والله لقد أصبحنا على حال من الكمال.

    هل منا من يقول: هذا الشيخ وهمي يعمل بالأوهام إذ كيف تدخل أمة المساجد وتتعلم بنسائها ورجالها؟

    فأقول له: وكيف دخلوا السينما والملاهي والأباطيل؟!

    إن الدين عند الله الإسلام

    قال الله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19] الدين: ما يدين به العبد للرب، وما يخضع به له، ويعمل بمقتضاه وموجبه، والذي يجزى به، كالمداينة يعطي اليوم ويأخذ غداً.

    هذا الدين محصور حصراً كاملاً في الإسلام، لا يوجد في يهودية ولا نصرانية ولا صابئة ولا بوذا ولا أية ملة، الدين الحق هو الإسلام، وهو دين آدم فمن بعده إلى اليوم، وما من نبي ولا رسول إلا ويدين لله بالإسلام.

    قال الله عن نوح عليه السلام: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:71-72]. أي: أمرني ربي أن أكون من المسلمين.

    وهذا يوسف الصديق ابن الصديق يقول فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:101].

    والشاهد عندنا: أنه ما من نبي ولا رسول ولا عبد صالح إلا ودان لله بالإسلام، فلا دين إلا الإسلام، فكل الألقاب التي تطلق على العبادات نصرانية أو يهودية أو كذا كلها أباطيل وترهات: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19] الذي هو إسلام القلب والوجه للرب تعالى. أسلمت لفلان حقه: أي: أعطيته. أسلمت وجهي لله: أي: أصبحت لا أرى إلا الله! من أجله أحيا ومن أجله أموت. أسلمت قلبي له: لا يتقلب قلبي إلا في طلب مرضاة الرب. هذا هو الإسلام.

    كفر من ابتغى سوى الإسلام ديناً

    يقول تعالى في هذه السورة: وَمَنْ يَبْتَغِ [آل عمران:85] أي: يطلب غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85].

    وعندنا سر من أسرار هذا العلم الإلهي، أهل الحلقة يعرفونه، لماذا النصراني يعبد الله، واليهودي يعبد الله، والبوذي يزعم أنه يعبد الله، ثم لا يدخلهم الله جنته؟ لم؟! بل يبذلون أرواحهم في سبيل ذلك فضلاً عن أموالهم؟ الجواب: القضية قضية زكاة النفس وطهارتها، فالعبادات التي يشرعها الله ولا ينسخها، بل يقرها ويبقي عليها، هذه العبادة هي التي من شأنها أن تزكي النفس وتطهرها، أما أن يشرع فلان أو فلان أو فلان ويخترع ما شاء من أقوال أو أعمال أو حركات؛ فوالله ما تزكي النفس، ولن تطهرها، فلا تزكو نفس الآدمي إلا على عبادة وضعها الله وقننها شرعها من أجل تزكية النفس وتطهيرها، فاليهودية والنصرانية أولاً: هاتان الشريعتان نسخهما الله، وأبطل مفعولهما.

    ثانياً: نسبة الحق إلى البدعة عند هؤلاء لا تزيد على خمسة في المائة، وخمسة وتسعون كلها أباطيل وترهات، وضعها رجالهم، ومن أراد أن يتأكد فهذا الإنجيل حولوه إلى خمسة وثلاثين إنجيلاً! فما هي نسبة الحق فيه؟ ولما عوتبوا ولوموا وضحك عليهم وسخر منهم من قبل اليهود اجتمعوا في روما أو في قسطنطينية وجعلوها خمسة أناجيل: يوحنا، مرقُس، لوقا، متى ، برنابا.

    كيف يصير كتاباً وحداً خمسة كتب؟ نحن نعرف أن زيادة حرف واحد محرمة، وهذا القرآن بين أيدينا ألف وأربعمائة سنة والله لا حرف يزيد أو ينقص، فكيف يصبح الكتاب المقدس عندهم خمسة كتب؟ معنى ذلك: أن كلام الله خمس وأربعة أخماس كلها أباطيل وكذب!

    والشاهد عندنا: إِنَّ الدِّينَ [آل عمران:19] المنجي المسعد الرافع المكمل للآدمي هو الإسلام فقط.

    لما تسمع الله يقول: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19]تقول: إن الدين عندنا الإسلام، ولو قال: (إن الدين عندنا الإسلام) لقال المشركون: هذا محمد وجماعته، لا، بل قال الله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ) فهو منزل من عند الله، الكتاب الكريم منزل من عند الله.

    معنى الإسلام

    ما هو الإسلام؟

    الإسلام: أن تسلم وجهك وقلبك لله، فلا تلتفت إلا إليه، ولا تأمل إلا فيه، ولا ترجو إلا إياه، ولا تطرح بين يدي مخلوق وإنما بين يديه سبحانه، فكلك لله، وعندئذ تكون أنت المسلم الحق!

    كيف يكون العبد كله لله؟ إي نعم! يجامع امرأته لله، يطعم دابته من أجل الله، يطلق امرأته من أجل الله، كل عمله لله، لأننا عبيده، موقوفون عليه، فأنت تطلق ظلماً وعدواناً وأنت فاسق وفاجر وحرام عليك أن تؤذي أمة الله، لكن إذا ارتكبت ما يستوجب الطلاق طلقت، وعرفت أنها لا تسعد إلا بطلاقها؛ طلقها، فطلاقك هذا عبادة تعبدت الله تعالى بها.

    وعندنا آية من ستة آلاف آية ومائتين، وهي آية الوقفية على الله، لتعرف أنك وقف على الله، فكل غلالك ودخلك لله عز وجل، قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].

    لو نادى الآن مناد: من يسلم؟ فكل واحد يريد أن يكون أول من يقول: أنا أسلمت لله، فهل عرفتم أننا وقف لله أم لا؟!

    لما تزرع ازرع لله، ولما تحصد احصد من أجل الله، ولما تأكل الخبز واللحم كل من أجل الله؛ لأنك أنت عبد الله.

    ورضي الله عن أبي هريرة السدوسي اليمني إذ قال: إني أحتسب نومتي وقومتي لله.

    أي: أنام من أجل الله، وأستيقظ من أجل الله فضلاً عن باقي حياتي، فالنوم واليقظة لله عز وجل، يريد أن ينام حتى يقوم آخر الليل أو يشهد صلاة الجماعة، فينام لله، ولما يستيقظ يستيقظ لله ليجيب منادي الله يناديني أن حي على الصلاة.

    هل عرف المسلمون هذا؟ ما عرفوا.

    كيف يعرفونه؟ من أين يأتيهم وقد هجروا مصدر العلم والمعرفة؟ من أين يأتيهم وقد تركوا آيات الله وأبعدوا رسول الله؟ ما دام هذا حالهم فلا بد وأن يقع هذا الظلام.

    إذاً: ينبغي أن لا ننسى: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [آل عمران:101] فلا يفارقنا كلام الله أبداً، يتلى علينا يومياً، ورسول الله لا يفارقنا، وإن فارقنا بذاته فهو لا يفارقنا بأنوار هدايته، نأكل كما يأكل، نلبس كما يلبس، نشرب كما يشرب، نجاهد كما يجاهد.. كل حياتنا مستمدة من تلك الأنوار المحمدية؛ وبذلك تكون العصمة، أما أن نهجر الكتاب والسنة ونريد أن نبقى مؤمنين فهذا ليس بمعقول.

    يقول الله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19] فمن أراد أن يعبد الله فليعبده بشرائع الإسلام، بها يدين لله ويذل ويخضع، يفعل الأمر، ويترك النهي خوفاً من الله عز وجل، وحباً فيه، وشوقاً إلى لقائه.

    ومن يعبد الله بدون الإسلام بأية عبادة أو بدعة فوالله إنه لفي ضلال.

    قواعد الإسلام التي بني عليها

    هل تعرفون أن الإسلام مبني على قواعد أم لا؟

    الجواب: نعم قواعد الإسلام خمس، علمنا إياها جبريل سيد الملائكة، السفير بين الله وبين رسله.

    من جبريل هذا؟ وما هي الصورة التي تجلى فيها لرسولنا؟.

    أولاً: دخل عليه في غار حراء -غار حراء موجود في جبال مكة- والرسول منقطع يتبتل إلى ربه وقد توخمت البلاد واتخمت بالباطل والكفر والشرك، فمل النظر إليهم والجلوس معهم، فأخذ ينقطع الشهر والشهرين في ذلك الغار، ففاجأه جبريل في صورة عظيمة وأول نور بدأ في كلمة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1].

    وقد أخبرتنا بذلك خديجة رضي الله عنها كما أخبرها صلى الله عليه وسلم، لما عاد ترجف بوادره قال: ( أجلسني بين يديه، وقال: محمد! اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ ) يعني: لا أعرف القراءة، ماذا أقرأ. قال: ( فيضمني أو يغطني ثم يرسلني ويقول: اقرأ، أقول: ما أنا بقارئ، ثلاث مرات يضمني إلى صدره كما تضم الأم الحنون الرءوم طفلها؛ لينشرح صدره ويتسع لما يلقى إليه، ثم قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5] وفارقه ) .

    فجأة وهو في جياد -المستشفى المعروف باسم: مستشفى جياد- جنوب المسجد الحرام، وإذا به يناديه: يا محمد! أنا جبريل وأنت رسول الله! ينظر وإذا بجبريل قد سد الأفق كله، إذ له ستمائة جناح، فلا إله إلا الله، ستمائة جناح؟ نعم، وهل للملائكة أجنحة؟ إي نعم، أخبر خالقهم بذلك: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ [فاطر:1] فجبريل ذو ستمائة جناح.

    ثانياً: في أمسية والرسول صلى الله عليه وسلم جالس وأمامه أصحابه يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، وإذا بجبريل يدخل في صورة دحية بن خليفة الكلبي ، وكان من أجمل الأنصار ويشق الحلقة، ويجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسة من لم يجلسها بين يدي عالم لن يتعلم!

    جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه، ليتلقى بجامع قواه، عجب! ثم قال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام، فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم بإلهام بوحي من الله: ( الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت الحرام إن استطعت إليه سبيلاً. قال: صدقت! ) فعجب الأصحاب. قالوا: ( فعجبنا له يسأله ويصدقه ) كيف يقول: صدقت؟ إذاً: هو عالم قبل الآن.

    وسأله عن الإيمان فأبان أركانه، وسأله عن الإحسان فصححه، وسأله عن الساعة متى تقوم فقال: ( ما المسئول عنها بأعلم من السائل، قال: أخبرني عن أماراتها ) فأعطاه أمارة قائمة الآن. ما هذه الأمارة؟ الأمارة: العلامة ما هي الإمارة، حيث الأمير بالكسر والعامة يقولون: الأمارة، الإمارة التي فيها الأمير يأمر وينهى، أما الأمارة فهي العلامة ( أخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان )، أيهم عمارته تتجاوز الأخرى، هذا ما كان لا في أوروبا ولا في غيرها، فقد كانوا في الأكواخ في أوروبا، ما كان الناس إلا رعاة بقر أو غنم وإبل، وإذا بهم يتطاولون في البنيان، هذه العمارة عشرين طابقاً ، فيزيد هو طابقاً ليجعلها واحداً وعشرين حتى تكون أعلى، وصدق رسول الله.

    إذاً: الساعة قريبة؟ والله لقريبة، وهذه أماراتها لاحت في الأفق من زمان أكثر من مائة سنة أو مائة وخمسين ( أن ترى الحفاة العراة ) العالة الفقراء ( رعاء الشاة يتطاولون في البنيان )، أيهم بنايتهم أطول وأعلى.

    عرفه بالإسلام فقال: ( الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت الحرام إن استطعت إلى ذلك سبيلاً. قال: صدقت ).

    إذاً: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ [آل عمران:19] ماذا؟ الإِسْلامُ [آل عمران:19]، الإسلام هذا مبني على كم خمس قواعد لو سقطت قاعدة سقط البناء، فمن هنا من ترك قاعدة من هذه القواعد وهو قادر على إتيانها كفر وخرج من الإسلام وما أصبح بمسلم.

    وتبقى أمور أخرى كالطلاء والزخرفة فهذا شيء آخر، أما هذه فقواعد، ترك الصلاة كفر، منع الزكاة كفر، ومن قال: لا أصوم وسخر من الصيام كفر، ومن قال: لا أحج البيت ولا ألعب هذه الألاعيب التي تأتونها كفر.. وهكذا إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19].

    سبب اختلاف الذين أوتوا الكتاب

    ثم قال تعالى: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ [آل عمران:19]، وهذه حقيقة تاريخية.. حقيقة علمية.. حقيقة قل ما شئت فيها فهي ثابتة ثبوت الليل والنهار، وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ [آل عمران:19] وسبب تفرقتهم هو البغي والحسد بينهم!

    والحروب التي دارت بين اليهود يقشعر لهولها الجلد، من أجل اختلافهم في دينهم!

    ولو تعرفون عن اختلاف النصارى وما دار بينهم من حروب أحرقوا فيها بيوت بعضهم بعض وفعلوا الأعاجيب لاندهشتم.

    والمسلمون تفرقوا وإلا لا؟ اختلفوا وإلا لا؟ فهذه سنة الله عز وجل في البشرية، كانت أمة واحدة على لا إله إلا الله لا تعبد إلا الله، فأنشأ العدو الشيطان إبليس مبدأ الشرك بالله عز وجل وزينه للناس، والقضية عندنا معلومة من الضرورات إذ جاءت في كتاب الله وبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قبل نوح عليه السلام ما كانت أمة الإسلام إلا أمة واحدة، ثم كان بينهم رجال صالحون من خيرة الرجال يعبدون الله معهم، فلما ماتوا بنوا على قبورهم أضرحة من أجل التبرك والزيارة، ومضت فترة من الزمان وضعوا لهم تماثيل، كل واحد له تمثال من أجل التبرك بهم والانتفاع برؤيتهم ليزدادوا حباً في الله ورغبة فيما عند الله، فجاء جيل فعبدوهم مع الله، واسمعوا ما قالوه لنبيهم نوح عليه السلام: وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ [نوح:23]، هذا زعيمهم يقول، لا تتركن آلهتكم التي يقول نوح اتركوها ولا تعبدوها وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح:23]، وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم كانوا رجالاً صالحين، ولما ماتوا بنوا على قبورهم مرحلة أولى من أجل التبرك بهم وزيارتهم وضعوا لهم تماثيل: هذا يعوق، هذا نسر، هذا سواع، هذا ود، من أجل رؤيتهم وليزدادوا حباً في الله ورغبة في عبادته، وجاء جيل آخر فقال: هؤلاء آلهة فعبدوهم، فلما عبدوهم وجاء العلم اختلفوا، لما جاء العلم يحمله رسول الله زال ذلك الاتفاق واختلفوا، فمنهم الكافر ومنهم المؤمن، منهم الموحد ومنهم المشرك. هذه قاعدة.

    إذاً: العلم الرباني حامل الهداية يجب على البشرية حيثما كانت ألا تخرج عنه ولا تعادي أهله ولا تناوئهم وتحاربهم فتتفرق الأمة وتختلف. هذه قاعدة ربانية.

    يكون أهل قرية أمرهم واحد -مثلاً- على خرافة وضلالة، فلما جاء العلم قال الله وقال رسوله يختلفون وإلا والمفروض أننا لا نختلف أبداً بل نتفق على عبادة الله وعلى شرعه ودينه، لكن الذي يحملهم على الخلاف هو حب الذات.. حب الرئاسة.. المنصب.. المال، وهذا الذي حدث في بني إسرائيل، والآن الآيات في اليهود والنصارى إذ هم أهل الكتاب.

    أيضاً: وفد نجران الذي جاء عرفوا يقيناً أن محمداً رسول الله، وما منعهم أن يقبلوا هذا إلا الحفاظ على مناصبهم في الكنيسة، فأبوا أن يفوتوا فرصة سعادتهم في دنياهم فرفضوا، واليهود على علم يقيني بصدق محمد صلى الله عليه وسلم، وعندنا مثل واضح كالشمس:

    كان غلام صغير يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، يأتيه بماء وضوئه ويحمل نعله، فمرض هذا الولد فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعوده ويزوره، فدخل عليه فوجده على فراش الموت ووالده إلى جنبه، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ( يا غلام! قل لا إله إلا الله ) فنظر الغلام إلى أبيه يريد أن يقولها فيكفهر وجه أبيه ويغضب ويسكت، يا فلان قل لا إله إلا الله، وفي المرة الثالثة قال اليهودي لولده: أطع أبا القاسم، فقال الولد: لا إله إلا الله محمد رسول الله وفاضت روحه فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من الدار وهو يقول: ( الحمد لله الذي أخرجه بي من النار ).

    ( الحمد لله الذي أخرجه بي ) أي: بسببي ( من النار ) وإلا كان من أهلها. هذا اليهودي الذي قال: أطع أبا القاسم كان على علم، والآن خمسة وسبعين في المائة من رجالات الكنيسة بعد هذا التفتح وهذه المواصلات وهذه العلوم وهذه الصحف وهذه الكتب يعرفون أن الإسلام هو دين الله، ولكن الحفاظ على مراكزهم ووجودهم بين أممهم جعلهم لا يعترفون به، ولا عجب إذ من المسلمين من يعرف الحق معرفة يقينية ويرفضه ولا يقبله؛ حفاظاً على حاله وموقعه، ولا عجب.

    إذاً: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [آل عمران:19] من اليهود والنصارى وغيرهم إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ [آل عمران:19] بسبب بالبغي.. العدوان.. الحسد.. الظلم، كم وكم، الآن تدخل قرية تريد أن تنشئ فيها جماعة ربانية صالحة في المسجد فتجد من يناهضك ويأتي بكلام غير كلامك، ولا تتفقون ولا تجتمعون؛ لأن البغي والحسد من فطر الإنسان، فإذا لم يذب في ذات الله ويتخلى عن أوساخ هذه الحياة فلا بد وأن يحسدك وأن يبغضك لأجل الدنيا.

    جزاء من يكفر بآيات الله

    قال تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ [آل عمران:19] سواء كان عالماً أو جاهلاً، ومن يكفر بآيات الله الحاملة لشرائعه وأحكامه وهدايته، وقد تكون الآيات معجزات أيضاً، من يكفر بآيات الله التنزيلية الحاملة للشرائع والأحكام أو المعجزات المقررة لنبوة النبي ورسالة الرسول فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [آل عمران:19] فسوف ينزل بهم نقمه ويجزيهم بأسوأ الجزاء وأقبحه، ولا يطول ذلك، فإنه تعالى سريع الحساب، وهذه جملة معللة للجملة المحذوفة، والمحذوفة فوق ما تتصور، يكفر بآيات الله، الجواب: يمزق.. يحرق، ماذا؟ ما تتصور، لكن قوله: فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [آل عمران:19] يدل على هذا المعنى.

    (يكفر بآيات الله) ينكرها.. يجحدها.. يعرض عنها، لا يسمع.. لا يقرأ.. لا يعمل، هذا هو الكفران، الجحود والإعراض، وهذا هو الجزاء، سواء كان أبيض أو أسود، من أية جهة كان في العالم

    و(من) من ألفاظ العموم، من يكفر بآيات الله التي حواها كتابه وشاهدها الناس من رسوله، فإن العقاب عظيم وشديد لا يقادر قدره، وسوف ينزل أيضاً والله سريع الحساب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله...)

    قال تعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:20].

    فَإِنْ حَاجُّوكَ أي: يا رسولنا.

    من الذين يحاجونه؟ وفد نجران، ونجران بلدة في المملكة وراء مكة جنوباً تسمى نجران، كانت فيها النصرانية واليهودية أيضاً.

    إذاً: جاء وفدهم المكون من ستين فارساً، جاء ليحاج الرسول في شأن عيسى، يريدون أن يثبتوا بنوة عيسى لله. خرافة!

    ستون راكباً يأتون على الخيل وهم يعيشون على هذه الخرافة، من أجل أن يأكلوا ويشربوا ويسودوا العوام ويتحكمون بهم!

    هل هناك عاقل يقول: الله عنده ولد؟ من امرأته إذاً؟

    الله الذي يخلق كل شيء يحتاج إلى زوجة؟! كيف هذا؟

    هؤلاء يعلمون يقنياً أن الله منزه عن الصاحبة والولد، ولكنهم يريدون أن يأكلوا ويشربوا ويضحكوا على عوامهم، فجاءوا يجادلون حتى لا تبطل مناصبهم، فهزمهم الله شر هزيمة.

    قال الله لرسوله: اتركهم فإن حاجوك لا تحاجهم أنت: فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ [آل عمران:20] واتركهم يتخبطون، فليسوا أهلاً لأن يحاجوا، ولما دعوا للمباهلة فشلوا وهربوا.

    إذاً: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ [آل عمران:20] أنت أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ [آل عمران:20] كذلك، واتركهم.

    إذ كنت تعرف أن هذا الشخص عالم وعارف ولكن منعه الاعتراف بالعلم والمعرفة أغراضه الدنيوية الهابطة، فهذا ما يجادل ولا يحاج، بل يحاج الذي ما عرف، فتبين له الطريق، أما شخص يعرف أنك رسول الله ولا يريد فلم تقض معه الساعة والساعات؟ ليس هناك حاجة إلى هذا.

    إذاً: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ [آل عمران:20] أيضاً أسلموا وجوههم لله، وأنتم افعلوا ما شئتم، كونوا ما شئتم أن تكونوا.

    فَإِنْ حَاجُّوكَ [آل عمران:20] في ماذا؟ في الله.. في التوحيد.. في الإسلام.. في الرسالة.. في كل شئون الدين، فلا تجادلهم؛ لأنهم على علم ليسوا جهالاً، والله إنهم ليعرفون أنه رسول الله، وأن الإسلام هو دين الله، وأن المسيحية والنصرانية عبث بها، وأن الله نسخها وأبطلها، ولكن البغي والحسد والمنافع التي يعيشون عليها تمنعهم من الاعتراف.

    وهذا وللأسف إلى الآن موجود حتى بين المسلمين، فكم من صاحب بدعة يعرف أنها بدعة، لكنها خولته تكريماً بين رجاله واحتراماً لهم أو مكنته من وظيفة مرموقة فلا يتنازل عن بدعته.

    فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ [آل عمران:20] إن شاء الله نحن منهم، إي والله، نسلم وجوهنا لله، لا نعرف إلا الله عز وجل، لا هم لنا ولا هدف ولا غاية إلا أن يرضى الله عنا ويحبنا، فإذا قال: صوموا صمنا، وإذا قال: أفطروا أفطرنا، وإذا قال: أنصتوا أنصتنا، وإذا قال: تكلموا تكلمنا، فوالله ما نتحرك حركة إلا بإذنه، وهذا يتطلب منا معرفة، لا بد من معرفة أوامر الله ورسوله ونواهيهما.

    قال: وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ [آل عمران:20]العرب، الذين أوتوا الكتاب هم اليهود والنصارى والصابئة، والأميون هم: المشركون.

    قل لهم ماذا يا رسولنا؟ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ [آل عمران:20] اسألهم: أَأَسْلَمْتُمْ [آل عمران:20]أم لا؟ هذا هو الحد الفاصل، وبعد هذا ما بقي شيء.

    أأسلمتم أم لا، فأنا ومن تبعني قد أسلمنا وجوهنا لله، وأنتم اكشفوا النقاب عن وجوهكم.

    أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا [آل عمران:20] إلى طريق السعادة وسبل الكمال في الدارين وَإِنْ تَوَلَّوْا [آل عمران:20] ورجعوا إلى الوراء معرضين عنك وعن كلامك ودعوتك فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ [آل عمران:20] وقد بلغت، فهنيئاً لك رسول الله!

    لا تحزن ولا تكرب أبداً ولو ما أسلم ولا واحد، إذ عليك البلاغ، فهذه مهمتك التي تجزى بها وتؤاخذ عليها إن قصرت فيها، وقد بلغت فلا شيء عليك وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:20] سوف يجزيهم الجزاء العادل إما فقراً وهواناً وذلاً في الدنيا، وإما تمزقاً واحتراقاً وتلاشياً في الدار الآخرة، وبذلك استراحت نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب النجرانيون إلى بيوتهم في كرب وحزن.

    وصلى الله على نبينا محمد.