إسلام ويب

تفسير سورة آل عمران (40)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن طاعة المؤمنين لأعدائهم من الكافرين سبب لبعدهم عن كتاب ربهم وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وبعدهم عن هذين المصدرين سبب لضعفهم وذهاب ريحهم، وتسلط عدوهم عليهم؛ لأنهم إنما يقوون باتباع الكتاب والسنة، وتحكيمها في كل شأن من شئونهم الدنيوية والأخروية.

    1.   

    تابع تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والليالي التي سبقتها ندرس كتاب الله عز وجل، وقد انتهى بنا الدرس إلى هذه الآيات، وتلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:100-103].

    مخططات الأعداء في صرف المسلمين عن القرآن

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! عرفنا بتعريف الله لنا أن الذي يطيع فريقاً من اليهود والنصارى والمشركين والكافرين يردوه عن دينه، لكن الآية خصت أهل الكتاب: اليهود والنصارى؛ لأن اليهود لا يريدون أن يبقى الإسلام ولا المسلمون، يريدون فقط أن يبقى بنو إسرائيل، والنصارى لا يريدون أن يغمرهم نور الإسلام، يريدون الصليب ليسودوا على أممهم الجاهلة ويتحكموا فيها.

    وقد علم أهل الكتاب أن الإسلام روح لا حياة بدونه، ونور لا هداية بدونه، عرف اليهود والنصارى هذا معرفة يقينية.

    وقد قررنا -على علم- أن القرآن روح ولا حياة بدون روح، وأن القرآن نور ولا هداية بدون نور، فلما عرف أعداء الإسلام هذا صرفوا أمة الإسلام عن القرآن، ففقدت الروح فماتت، وابتعدت عن النور القرآني فضلت وما اهتدت، وقد علمتم -ولا يخالكم تنسون هذا- أنهم حولوا القرآن ليُقرأ على الموتى، فلا يجتمع اثنان تحت ظل شجرة أو جدار أو سارية في مسجد أو على حصير في بيت ويقول أحدهما للآخر: اقرأ عليّ شيئاً من القرآن. أبداً، وإنما إذا مات أحدنا يؤتى بطلبة القرآن يقرءون عليه ثلاث ليال، سبع ليال، أربعين ليلة.. بحسب غناه وفقره، لا أقل ولا أكثر.

    فلما أخذوا القرآن وحولوه ليُقرأ على الموتى ماتت وضلت أمة الإسلام، ومن ثَّم أمكنهم أن يسودونا ويحكمونا، ويتحكموا فينا من اندونيسيا التي حكمتها بلجيكا إلى موريتانيا والمغرب التي حكمتهم فرنسا، والشرق الأوسط بكامله لبريطانيا وممالك الهند.

    كيف حكمونا؟! كيف سادوا علينا؟! كيف ساقونا سوقَ البهائم؟ لأنهم أماتونا أولاً، أخذوا الروح القرآن، ولكنهم ما عرفوا أين يضعونه، فقد تعهد الله بحفظه، حاولوا أن ينتزعوا من القرآن كلمة: (قل) فقط وعقدوا مؤتمرات سرية لذلك فما استطاعوا.

    إذاً: ماذا يصنعون به؟ حوَّلوه ليُقرأ على الموتى فقط، وما زال المسلمون إلى الآن يقرءون القرآن على الموتى! حتى إن بغياً-زانية-في دار البغاء يُؤتى لها إذا ماتت بأهل القرآن يقرءون عليها في بيتها!

    وعليه فلا تسألني كيف هبطنا؟! كيف متنا؟! كيف سادنا الشرق والغرب؟! كيف عزَّ اليهود الأذلاء وذل المؤمنون الأعزاء؟! تطلب دليلاً؟ الآن علمتم، ولن يَرُدَّ هذا أحد على الأرض.

    وصف الله للقرآن الكريم بأنه روح ونور

    قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [الشورى:52] أيسميه الله روحاً وهو ليس بروح؟! ممكن؟! مستحيل، أيكذب الله؟! لمَ لم يقل: وكذلك أوحينا إليك قرآناً؟ بل قال: روحاً؛ ليعلِّم البشرية أنه لا حياة بدون القرآن، ومن عاش بدونه عاش حياة البهائم، يأكل ويشرب وينكح، وكل آماله في ذلك لا تخرج عنه.

    وقال تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا [التغابن:8] أي نور أنزله الله؟ والله إنه للقرآن، فهو نور، فالذي حفظه، فهمه، عرفه، عاش عليه، لن يضل أبداً، لن يخطئ طريق الحق أبداً، ولن يتيه في متاهات الحياة والنور بين يديه.

    كيد الأعداء للكتاب والسنة

    إذاً: عرفتم ما فعل بنا أهل الكتاب؟ لقد أبعدونا عن مصدر حياتنا: الكتاب والسنة.

    وهل تذكرون أن السنة النبوية -وهي المفسرة للقرآن، المبينة لأحكامه، الشارحة لكلماته- في عصور الهبوط تُقرأ للبركة، يجتمعون في الروضة في المسجد النبوي يدرسون البخاري فقط حدثنا حدثنا، قال الرسول صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، ولا يسألون عن حكمٍ في الأموال، ولا في السياسة، ولا في الاجتماع، ولا في الحرب، ولا في السلم، ولا في الآداب، ولا في الأخلاق، ولا في العقيدة، ولا في العبادة، أبداً، يسمعون فقط، فإذا فرغوا رفعوا أيديهم يدعون ليحصلوا على بركة دراسة كتاب البخاري!

    أزيدكم: توجد مؤلفات ومصنفات في الفقه، في العقيدة، لا يوجد فيها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لمَ؟ لأن العدو أراد أن يميتنا، وأن يهبط بنا لنساويه وننزل إلى الدرك الأسفل دونه، فعرفوا الحياة والنور فأبعدونا عنهما فضللنا في متاهات الحياة وإلى الآن.

    دعائم الدولة القرآنية الإسلامية

    يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران:100] من يقول: لا يا رب؟! أعوذ بالله، إن الواقع شاهد، ثم لمَ لما استقل العالم الإسلامي عن مستعمريه في الشرق والغرب ما طبق شريعة الله؟ من يقف ويدلل ويبرهن؟

    إن قلت: قد جهلوها فكيف يطبقونها؟! قلنا: الدولة القرآنية الإسلامية تقوم على ثلاثة دعائم يعرفها النساء والرجال والصبيان والعلماء والجهال، وهي بعض آية فقط من القرآن الكريم، إذ إن القرآن الكريم يحتوي على ستة آلاف آية ومائتين وأربعين، كل آية علامة أكثر من الشمس تدل على أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وسميت الآية آية أو علامة -لا فرق بين آية وعلامة- لتدل على أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، جاء ذلك في سورة الحج المدنية المكية، إذ بعضها مكي وبعضها مدني، جاء فيها قول الله عز وجل: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ [الحج:41] ما معنى: مكناهم في الأرض؟ سوَّدنهم، حكَّمناهم، أصبحوا حاكمين سائدين في الأرض.

    الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ [الحج:41] ماذا فعلوا؟ الذي عاصرناه مع آبائكم أيام استقلالاتكم، أنه إذا تم الاستقلال ماذا نصنع؟! حفلات الرقص، والاختلاط، وشرب الخمر، والكذب، والصياعة، فهذه هي حفلات الاستقلال!!

    وأنتم لا تعرفون لأنكم أحداث، لكن كبار السن يعرفون حفلات رقص الاستقلال، والله يقول: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج:41] أي: أزمِّة الأمور بيد الله.

    فأيما إقليم يستقل عن الاستعمار، وتتكوَّن فيه دولة، هذه الدولة إن لم تقم على هذه القواعد الثلاث والله ما سعد أهلها، ولا طابت حياتهم، ولا كمُلوا، بل يسلبها الله في يوم ما من الأيام، فبلغوا أن هذا الشيخ الكبير في المدينة يعلن طول العام على أن محنة يقترب منها العالم الإسلامي وتقترب منه، وهي والله لأشد مرارة من الاستعمار، إلا أن ينقذنا الله بتوبة صادقة في أربع وعشرين ساعة، أمَا لو نستمر هكذا معرضين عن الله، عن ذكر الله، عن عبادته، نستحل ما حرم، ونستبيح ما منع، ونترك الواجبات، ونتخلى عن المسئوليات، وكأن الله لا وجود له، مع علمنا أن الله بالمرصاد: إِنَّ رَبَّكَ لَبِا لْمِرْصَادِ [الفجر:14]، أتعرفون الرَصَد؟ يجلس فيه الرجل ويطلع على كل ما يجري.

    وعليه؛ فإما أن يتوب المسلمون -في أي بلد- ويرجعون إلى الله، فيكتب لهم المناعة، ويسودهم ويعزهم، وإما أن تستمر الحال هكذا حتى تدق ساعة سنة الله تعالى، فلله سنناً لا تتبدل ولا تتغير لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:123].

    حكم وفوائد إقامة الصلاة

    ما المانع أن نعود ونحن قادرون على العودة؟! يصدر قرار حكومي، جمهوري، ملكي، سلطاني: أنه لا يتخلف عن الصلاة جندي عسكري ولا مدني، فإذا دقت الساعة وأذن المؤذن تقف الحياة كلها، وتُقبل الأمة على ربها-ولهذا خلقت-فإذا قضيت الصلاة انتشر المؤمنون في الأرض ينتجون ويوجدون ويصنعون، فوالله لو أقيمت الصلاة بهذه الطريقة لاختفى الظلم، والفسق، والفجور، والكذب، والخيانة، والشر، والفساد تلقائياً.

    ولنقرأ لذلك قول الله تعالى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ [العنكبوت:45]، وكأن سائل يقول: لمَ؟ ما فائدة إقامة الصلاة؟ فكان الجواب بالعلة: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] الصلاة إذا أقامها العبد أو الأمة من شأنها أو من خواصها أنها تمنعه من أن يأتي الفواحش أو يرتكب المنكرات، وعندنا مثل -نكرره- على ذلك وهو: لو مشينا في أي بلد إسلامي إلى المحافظ، أو مدير الشرطة والأمن، ونقول: يا سيادة الرئيس أعطنا قائمة بالجرائم التي ارتكبت في هذا الأسبوع أو في هذا الشهر، هذا زنى، وهذا سرق، وهذا ضرب أمه، وهذا لعن أباه.. وتُرفع القضية قطعاً للشرطة، فهي مدونة عندهم، فأعطانا القائمة، وأنا أقول لكم: والله لن تجد نسبة أكثر من 5% من أصحاب الجرائم من مقيمي الصلاة، و95% من تارك الصلاة ومن المصلين الذين ما أقاموا الصلاة، وهذا الكلام كررته أربعين سنة وزيادة، فهل وجد من نقضه فذهب إلى مدير الشرطة وقال: أعطنا قائمة بالمجرمين لهذا الأسبوع، ووجد أكثر من 5% من مقيمي الصلاة؟! إن سنة الله لا تتخلف، فالطعام يشبع أو لا؟ الماء يروي العطشان أو لا؟ الحديد يقطع أو لا؟ النار تحرق أو لا؟ الجواب: نعم، وإقام الصلاة سنة من سنن الله لن تتخلف، والمقيم للصلاة لا يأتي الفواحش ولا يرتكب المنكر.

    وإن سألت عن العلة سؤال فلسفة: إقام الصلاة عملية لتوليد الطاقة، عملية لتوليد النور، فهي كمولدات الكهرباء، إذا أُديت أداء صحيحاً في أوقاتها المحددة بشروطها وأركانها فلن تتخلف عن إنتاجها، بل تنتج النور يغمر قلب الإنسان، فيظهر على سمعه، على بصره، على لسانه، على جوارحه، والذي ما صلى من أين يأتيه النور حتى يعرف قبح الجريمة وسوء المنكر؟! والذي صلى وما أقامها حق إقامتها، وما حسَّنها فما ولَّدت وأنتجت؟! الفقيه يقول: صلاته باطلة، فمثلاً: صلى أحدنا المغرب ركعتين فقط، هل يقول له فقيه: صلاتك صحيحة؟! لا، وإنما يقول له: أعد صلاتك، فصلاتك باطلة، ولو أنه قال: أنا سأصلي المغرب أربع ركعات، فأنا في صحة وعافية، وقال: لمَ لا نزيد ركعة؟! فصلى المغرب أربع ركعات تفضلاً منه، فهل تجد فقيهاً يقول له: صلاتك صحيحة؟ لا والله، بل صلاته باطلة، فالفقيه يقول: باطلة، ونحن نقول الليلة ماذا؟!

    يا سامعيّ! ماذا نقول؟ ما أنتجت النور المطلوب منها، فهي عملية فاسدة، ما ولَّدت الحسنات، فيبقى القلب في ظلمة، وتنتشر الظلمة ودخنه على جوارحه، فيسمع الباطل ويرضى به، وينظر إلى الحرام ويتلذذ به، وينطق بالسوء ويجد له لذة وراحة، ويمشي على قدميه إلى الباطل ولا يتعجب؛ لأنه فاقد للنور، واسمعوا حتى أبرهن لكم: حديث البخاري، وهو حديث قدسي، أي: من كلام الله أوحاه إلى رسول الله، خارجاً عن القرآن، أي: ما هو في القرآن، وبالتالي فكلام الله: القرآن والحديث القدسي الذي يأتي به جبريل إلى رسول الله، أو يلقي الله في روع رسول الله فيفهم عنه، فهذا هو الحديث القدسي، وإليكم نصه:

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( يقول الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ) يا ويح من يسرق أموال المؤمنين! من يفجر بنسائهم! من يسفك دماءهم! من يأكل لحومهم! من يحتقرهم ويزدريهم، أو يهينهم ويذلهم! على شرط أن يكونوا أولياء الله، أما إذا كانوا أعداء الله فافعل فلا حماية ولا مناعة، إنما هذه المناعة لأولياء الله تعالى فقط.

    والدليل على ذلك: أن قومك في بلادك لا يذكرون ولياً بسوء أبداً، ولا يستهينون به ولا بضريحه ولا بقبره، مع العلم أنه قد يكون ليس بولي، لكن استقر في أذهان المؤمنين على أن أولياء الله هم الذين ماتوا وضربت عليهم القباب، ووضعت عليهم التوابيت، ووضع عليها الأُزر الحريرية، ووقدت الشموع.. والآن لا ندري هل هناك شموع أو كهرباء؟ كنا نعرف إضاءة الشمع على قبر السيد ليلة الإثنين، ليلة الخميس والجمعة، وكأنه يبيت يقرأ على الشمعة!

    أمة هابطة، ميت تجعل له شمعة في قبره! ماذا يصنع؟ لا إله إلا الله! كالذي يضع له قصعة من الثريد! هل يأكل منها؟!

    ومثله الذي يقرأ عليه حزباً وحزبين من القرآن! هل يقوم يتفكر فيها؟! يتدبرها؟! لا إله إلا الله! وصلنا إلى هذا؟ إي والله.

    من فعل بنا هذا؟ إنه الثالوث الأسود المكون من اليهود والمجوس والنصارى، واسأل إذاعة بريطانيا عن هذا الثالوث الذي عزم على أن يطفئ نور الله؛ لأن هذا النور أضاء الدنيا، وهم يحبون الظلام ليعيشوا فيه، ما يريدون الحق ولا العدل ولا الطهر ولا الصفاء ولا الكمال.

    يقول: ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ) أي: أعلنت الحرب عليه، فأسألكم بالله، هل الذي يحارب الله ينتصر عليه؟! هل ينكسر وينهزم ويتمزق؟ لا.

    وإن آذيت أولياء الله -طال الزمان أو قصر- والله لتتحطمن، فالحرب معلنة إلا أن تتوب، وهذا أمر مشاهد بالعيون.

    وقوله: ( وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ) فتح لكم الباب أيها الطلاب لتدخلوا إلى قصر الولاية فتتخرجوا منها أولياء أفضل من عبد القادر، وسيدي أحمد فقال: ( وما تقرب إلي عبدي بشيء )، أي: يتزلَّف ويتملَّق حتى يحبه سيده، والعوام يعرفون هذا فيما بينهم، فإذا أراد أن يحصل على شيء من عندك يأتي إليك فيصلح لك نعلك مثلاً، أو يتقرب إليك، أو يشكرك، ويقول لك: أنت سيد، أنت كذا، سمعنا عنك كذا وكذا.. حتى يستميلك، ولكنهم لا يعرفون التملق إلى الله.

    ستقول لي: يا شيخ! علماؤكم ما عرفوا هذا حتى يعرفه العوام؟ فأقول: التزلف إلى الله والتملق ولو بذكره.

    قوله: ( وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ) لا أفضل من الفرائض أبداً، فيا من يريد أن يتملق إلى الله ليحبه ويواليه، الفرائض أعظم من النوافل بسبعين مرة، والغافلون يستهينون بالفريضة ويعبثون بها، ويتقربون ليلة كاملة بالنوافل وهي لا تنفع، ولذا فاعلم الفرائض، واعرف كيف تؤديها، واعرف أوقاتها وشروطها.. وتقرب بها إلى الله، فإنك ما تقربت بشيء أفضل منها.

    ( وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ) تأملوا إماء الله وعبيد الله ( وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل ) أي: بعد أداء الفرائض، ( حتى أحبه )، فإذا أحبك الله نم فالمخاوف كلهن أمان، إذا أحبك عصمك فلا يرضى أن تتلوث ولو بكلمة سوء، فإن الله طيب لا يقبل إلا الطيبين، إذا قربك وأدناك وأصبحت وليه حفظك من التلوث، بل لن تتلوث أبدأ.

    إذاً: ( وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ) كم سنة؟ كم شهراً؟ ما يزال يتقرب يوماً بعد يوم، شهراً بعد آخر، عاماً بعد عام ( حتى أحبه ).

    ونضرب المثل بالمعتاد، فقد بينا لكم في السابق أن ولاية الله أهلها يتفاوتون فيها، إذ إن كل الحاضرين أولياء الله، لكن مستواهم غير واحد.

    وقلنا: إن أصحاب رسول الله رضي الله عنهم ليس مستواهم واحداً، فـأبو بكر أفضلهم، ولكن الولاية ولاية، فمن آمن واتقى فهو ولي الله.

    كما ضربنا مثلاً بالرتب في الجيش، فهذا عسكري، وهذا ملازم أول، وهذا عريف، وهذا عقيد، إلى عشرة أو عشرين جنرالاً، عرفتم هذا أو لا؟

    فهل بالإمكان أنك من أول أسبوع تدخل الجيش فتصبح جنرالاً؟ لا، إلا أن يشاء الله، فيهيئك تهيئة خاصة في أمر ما.

    قال: ( وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل ) يوماً بعد يوم ( حتى أحبه )، هنا أحببت أن أقول: من الجائز أن يُدخل عبد الله في طلب رضا الله وحب الله شهرين أو ثلاثة أو أربعة وإذا هو ولي الله، قد أحبه الله، وقد يعمل في هذا الشأن عشرين سنة حتى يظفر، وذلك لقصوره ولعدم أدائه هذه العبادات على وجهها، ولهذا قال: ( وما يزال -يوماً بعد يوم- يتقرب إليّ -أي: بأداء الفرائض والنوافل- حتى أحبه ) .

    وهنا معاشر المستمعين والمستمعات! من منكم يرغب أن يعرف هل أحبه الله أو لا؟

    لو أجد من يخبرني أن الله يحبني لكدت أطير من الفرح؛ لأن من أحبه الله أمّنه، وحاشا لله أن يعذب أولياءه.

    أيها المتسابقون! أيها المتنافسون! هل منكم من عرف أنه أُحب أو لا؟ من يرغب أن يعرف؟ قولوا: كلنا، أو لستم في حاجة إلى هذا؟ نعوذ بالله.

    اسمع كلامه تعالى يبين لنا ويعرفنا الطريق، يقول: ( فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به )، إذا وجدتَ نفسك يا بني أو يا أُخيّ لا تستطيع أن تسمع ما يغضب الله، وترتاح وتسعد لسماع ما يحب الله فاعلم أنك وصلت، وبالتالي فهؤلاء إذا سمعوا كلام الله، كلام رسول الله، كلام الحق، كلام الخير، كلام المعروف يرتاحون ويصغون ويسمعون ويطيب لهم المجلس، وإذا سمعوا كلمة منكرة، كغيبة، أو نميمة، أو أغان، أو أصوات عاهرات.. لا يستطيعون أن يجلسوا، وإنما يأخذون نعالهم ويخرجون، بل والله ليغلقون آذانهم، وكأنهم مدفوعون إلى هذا؛ لأن الله أحبهم، ومن أحبه الله لا يرضى له أن يلوث روحه بسماع الغيبة والباطل والكذب والسب، وهذه الحقيقة-والله-نسلٍّم بها كما علمتم.

    قال: ( وكنت بصره الذي يبصر به ) الولي أن ينظر إلى المؤمن فيرتاح، ينظر إلى أمه، إلى زوجته، إلى أولاده، إلى أقاربه.. فيسعد بالنظر إليهم، ولا يستطيع أن ينظر إلى امرأة لا تحل له؛ لأنه يشعر وكأن اللهب في وجهه، فلا يشعر إلا وقد طأطأ رأسه وأغمض عينيه، لأن الله أحبه، فلا يتركه يتلوث ويتلطخ بالآثام والجرائم وهو حبيب الله، وإنما يحفظه من ذلك، وجرب ذلك في نفسك، فإذا وجدتَ أنك لا تقوى على أن تسمع الباطل، ولا أن تنظر إلى الحرام، فاعلم أنك قُبلت من يوم ما أصبحت هكذا.

    قال: ( وكنت لسانه الذي ينطق به )، فملك الله سمعك فلا يسخره إلا في رضاه، وملك بصرك فلا يسخره إلا في رضاه، وملك لسانك فلا تستطيع أن تنطق إلا بما يحب، فتجلس مع أخيك-ولي الله-عاماً وعامين ما تسمع كلمة سوء أبداً، ما ينطق بها، من عصمه؟ من حفظه؟ إنه الله؛ لأنه تقرب إليه حتى قبله ورضي عنه وأحبه، فهنا يحفظه حتى لا يتلوث، وإن زلت القدم ووقع الشيطان عليه، ووضع عصابة سوداء على عينيه، وارتكب يوماً ذنباً من الذنوب، فإنه يلهم على الفور أن يستغفر الله، ويندم ويتألم ويحزن حتى يزول ذلك الأثر، وتبقى الولاية ثابتة.

    قوله: ( وكنت يده التي يبطش بها ) الأبطال يختطفون الفارس من على صهوة جواده على الأرض ويأخذون القنطار ويرفعونه، والله لا يستطيعون أن يتناولون بأيديهم كأس خمر، ولا يستطيعون أن يمسوه بأيديهم أو يلطمون وجه مؤمن؛ لأن يده ملكها الله، فلا يستخدمها إلا فيما يرضيه ويحبه ( وكنت يده التي يبطش بها )، فإذا ملك يدك سخرها فيما يحب لا فيما يسخط.

    قوله: ( وكنت رجله التي يمشي بها )، قد عرفنا أيام كنا مع العوام يعجز الرجل أن يمشي مائة خطوة إلى المسجد، فيصلي في بيته، لكن إن أُعلن عن حفل غناء ورقص أو عرس ووليمة، فإنه يمشي عشرة كيلو أو عشرين كيلو! فانظر العجب؛ لأن الله ما ملك رجله، وإنما ملكها الشيطان، فيدفعه إلى حيث يغضب الله جل جلاله، ولا يدفعه حيث يرضى الله جل جلاله.

    وأخيراً يقول الله تعالى: ( ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني ) أي: طلب الحفظ ( لأعيذنه، ولئن استنصرني لأنصرنه )، وأعظم من ذاك وذا ( وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي في قبض عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته ) لا إله إلا الله! أبشروا يا أولياء الله، يعلم أن وليه يكره الموت وهو لا يريد أن يؤذي وليه، ولكن لا بد من الموت ( وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته )، هذا سبب التردد. إذاً: هنيئاً لكم يا أولياء الله.

    عرفتم الطريق إلى الولاية، فزكِ نفسك يا عبد الله وطيبها وطهرها بأنواع العبادات، فإذا طابت وطهرت قبلك الله ووالاك، وإذا مت أنزلك بجواره.

    أما الروح الخبيثة العفنة المنتنة بأوضار الذنوب، والآثام، والشرك، والكفر، والربا، والزنا، وقتل النفس، والغيبة، والنميمة، والحسد، والكبر.. فهذه الظلمات صاحبها ما يرقى إلى السماء، ولا ترفع روحه إلى الله.

    والدليل على ما نقول: قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، فهذا حكم الله صادر علينا، فهل هناك من يعقب على الله ويبطل حكمه؟!

    أمَا قال في سورة الرعد: وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد:41]؟

    أيما قاضٍ يصدر قضاء أو حكماً قد يعقَّب عليه، قد يخطئ أو يجهل أو ينسى، أما الله فمن يعقب عليه؟!

    قَدْ أَفْلَحَ [الشمس:9] ما معنى: أفلح؟ التجار يعرفونه في تجارتهم، في مزارعهم، ألا وهو بمعنى: فاز ونجا من المرهوب وظفر بالمرغوب المحبوب.

    واسمع إلى حال أصحاب الأرواح الخبيثة التي سببها الكفر والتكذيب وعدم العمل بما تطهر عليه النفس، جاء في آية من سورة الأعراف ما ننساها: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف:40]. وسم الخياط: الإبرة التي لها ثقب يدخل فيه الخيط، ذاك سم الخياط، فهل البعير أو الجمل الأورق يستطيع أن يدخل في عين الإبرة؟! مستحيل.

    إذاً: فصاحب الروح الخبيثة مستحيل أن يدخل دار السلام، إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ [الأعراف:40] يعني: لأرواحهم، فالروح لما تقبض يعرجون بها إلى السماء فتغلق الأبواب في وجهها وتهبط إلى الأسفل وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ [الأعراف:40]، الذين أجرموا على أنفسهم، فصبوا عليها أطنان الذنوب والآثام فنتنت وتعفنت، وما أصبحت أهلاً للملكوت الأعلى لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ فراش وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ أي: أغطية، فالنار فراشهم وغطاؤهم وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأعراف:41] هذا جزاء الظالمين أرضاً، الذين ظلموا أنفسهم الطيبة الطاهرة وهم صبية وغلاماناً، فلما بلغوا وأصبحوا مكلفين أخذ يصبون عليها أطنان الذنوب والآثام ظلماً لها، فخبثت وأنتنت وتعفنت، فلن يرضاها الله ولا نحن أيضاً.

    والآن لو يجيئنا فحل يلبس ثياب ملطخة بالقيح والدماء، والرائحة المنتنة، فهل نفسح له في المجلس؟ لا، وإنما نقول له: اذهب يا نجس، اخرج، فكذلك دار السلام دار الطهر والصفاء، لا يدخلها -والله- إلا الطيبون الأطهار الأصفياء، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].

    الطريق إلى ولاية الله تعالى

    معاشر المستمعين! هذه ذكرى لا ننساها، فلو قيل لنا: كيف نرجع إلى الله وقد غشينا الظلم والفسق والفجور، وخرجنا عن عبادة الله وطاعته، وتهنا في متاهات الحياة؟ ما الطريق؟ دلونا؟

    تقولون على علم: لن تستطيع يا عبد الله أن تستقيم على منهج الله إلا إذا عرفت الله، وعرفت ما يحب وما يكره، وعرفت كيف تتملق وتتزلف إليه بأداء ذلك المحبوب، والبعد وترك ذلك المبغوض المكروه، فلا طريق إلا العلم، وكلمة إبراهيم وإسماعيل ما ننساها: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [البقرة:129]، فهل استجاب الله أو لا؟ نعم، استجاب في ذرية محمد وإسماعيل، وأصبحت تلك الأمة مضرب المثل في الكمال ثلاثة قرون، ثلاثة أجيال، ثم تسلط عليها الثالوث فهبط بها.

    فهيا نعد، فلا طريق إلا أن نعود إلى بيوت الله بنسائنا وأطفالنا، في جامع القرية أو الحي، وذلك كل ليلة من غروب الشمس إلى أن نفرغ من صلاة العشاء، فنحفظ آية من كتاب الله بعد أن نتغنى بها وتدخل كلها في قلوبنا، ثم يبين لنا المربي العليم الحكيم مراد الله منها، ثم العمل والتطبيق بها، يوماً آية ويوماً حديثاً، وعند ذلك سنة ويتغير وضع البلاد تماماً، ويصبح أهل القرية كلهم أولياء الله، حتى لو أنهم رفعوا أيديهم على أن يُزيل الله الجبال لأزالها.. على أن يدمر عدوهم لدمره، أما قال الله: ( ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه

    أرأيتم أهل إقليم -مدنهم وقراهم- قالوا: الآن نعود إلى الله، وعادوا إلى تعلم الكتاب والحكمة في صدق، وأخذوا يتعلمون ويعملون، سنة أو سنتين فقط، كيف يصبحون؟ لاشك أنهم سيصبحون أولياء الله كالملائكة، وتهجرهم الشياطين من الإنس والجن.

    وإن أردت التفصيل: فوالله ما يبقى فقر، ولا هون، ولا دون، ولا ذلة، ولا مسكنة، ولا ظلم، ولا خبث، ولا شر، ولا فساد أبداً.. يصبحون فاعلين، يبحثون في الأرض ويخرجون كنوزها، ويزرعون فينبت النبت، وتنزل بركات السماء بدون أن يتكلفوا شيئاً، فقط قالوا: نرجع إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحقق دعوة إبراهيم وإسماعيل، فيؤذن للمغرب فتأتي إلى القرية فلا تجد رجلاً ولا امرأة إلا في المسجد، دقت الساعة السادسة في المدينة فلا تجد أبداً إلا من هو يهرع إلى بيت الله، يتعلمون العلم الحقيقي: قال الله، قال رسوله، ويتدرجون في التطبيق والعمل، وبالتالي فمستحيل أن يبقوا فجرة أو فسقة أو مجرمين، سنة الله لا تتبدل.

    هذه هي الدعوة فقوموا بها، والعودة العودة والإنابة والتوبة الصادقة إلى الله.

    لما نجتمع في المسجد كلنا هل يبقى فينا من يقول: سامحوني أنا مالكي؟ هل سيوجد من يقول هذا الكلام؟ يستحي.

    هل سيوجد من يقول: أنا حنفي؟ هل يبقى من يقول: أنا زيدي؟ أنا أباضي؟! لا وجود لهذا، وإنما قال الله قال رسوله، أصبحنا أمة واحدة كما أراد الله، فالبعد عن الكتاب والسنة هو الذي مزقنا فرقاً وأحزاباً وجماعات.

    وهل يبقى بين الربانيين من يقول: هذا وطنه كذا وهذا كذا، وهم أمة واحدة؟!

    لا. يا حجاج بيت الله! يا وافديّ المسجد النبوي! هل علمتم هذا؟ ادعوا بهذا وبلغونا نزوركم، نزور هذه القرية التي إذا دقت الساعة السادسة أقبلوا على بيت الله، وهم مجتمعون بنسائهم وأطفالهم يتعلمون الكتاب والحكمة، ومن أراد أن يدلل نقول له: أهل قريتك أعلمهم بالله أتقاهم لله، أليس كذلك؟ بلى، فهل عرفتم علماء ربانيين زناة؟ لائطين؟ مرابين؟ خونة؟ والله ما كان، بل أعلمنا هم أطهرنا، فلا سبيل إلى الطهر والصفاء إلا هذا العلم فقط، العلم الجاد الصادق، نجلس في بيت ربنا نستمطر رحمته، ونطلب هداه ومعرفته، فاذكروا هذا ولا تنسوه.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.