إسلام ويب

تفسير سورة آل عمران (38)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أنعم الله عز وجل على أمة الإسلام بأن عصمها بالكتاب والسنة، فمتى ما تمسكت هذه الأمة بكتاب ربها وسنة نبيها حازت الفلاح في الدنيا، والفوز بالجنات في الآخرة، ومتى ما أطاعت أعداء الله الحريصين على إفسادها، فتنكبت طريق الهدايتين، وأعرضت عن سبيل النبراسين أصابتها سنة الله التي لا تتخلف فتاهت في سبل الضلال، وحارت في دياجير العماية والظلام.

    1.   

    التمسك بالقرآن الكريم هو سبب سمو أمة الإسلام وعلوها

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل.

    وقد عرفتم معشر المستمعين والمستمعات أن القرآن الكريم روح، وأنه لا حياة بدون روح، والقرآن الكريم نور، ولا هداية بدون نور، والماشي في الظلام لا يصل إلى غرضه ولا ينتهي إلى أمله، ولهذا كان الكتاب الكريم والحكمة المحمدية -أي: السنة النبوية-؛ كانا سلم رقي هذه الأمة، وكانا معراج رسولها إلى غاية كمالها.

    كيد أعداء الأمة وتآمرهم على القرآن والسنة

    لعلكم تذكرون أن عدو هذه الأمة المسلمة تكون من اليهود والمجوس والنصارى، فلما انهزموا في المعارك؛ معارك السيف والسنان، عرفوا سبب سمو هذه الأمة وعلوها؛ وعرفوا سبب رقيها وسيادتها بعد طهرها وصفائها. فقالوا: إنه القرآن والسنة، فاحتالوا ونجحوا، فحولوا القرآن إلى المقابر والأموات، ومن إندونيسيا شرقاً إلى موريتانيا غرباً ومن عدة قرون لا يقرأ القرآن إلا على الموتى، وطلبة القرآن يحفظونه لهذا الغرض؛ ليقرءوه على الموتى.

    أما السنة فقد أبعدوها، وإن كانوا يقرءونها فللبركة.

    وقد قلت لكم: إنه كان في هذه الروضة النبوية الشريفة يجتمع أهل الغفلة ويقرءون صحيح البخاري بركة، لا لتعلم الحكمة، ولا لمعرفة الحلال والحرام، ولا الواجب والمندوب، ولكن للبركة، فقطعونا عن سلسلة وحبل وصولنا إلى السماء، وما زالت أمة الإسلام في غفلتها إلى اليوم.

    استجابة الله لدعوة إبراهيم وإسماعيل في تعليم أمة الإسلام

    القرآن الكريم هو كتاب الهداية، والسنة النبوية بيان لذلك الكتاب، وشرح هدايته وتفصيلها. وأذكركم بما قاله إبراهيم الخليل وولده إسماعيل وهما يبنيان هذه الكعبة، وإذا بهما يتقاولان الكلمات الآتية: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة:129]، وهذه دعوة إبراهيم وولده إسماعيل، وقوله: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ ، أي: في ذرية إسماعيل قبل أن يوجدوا، ابعث فيهم ماذا؟ رَسُولًا مِنْهُمْ ومهمته ما هي؟ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .

    وتمضي القرون وتتوالى السنون، ويصبح لإسماعيل مئات الآلاف بل ملايين الذرية، واحتاجوا إلى رسول يعلمهم الكتاب والحكمة، فاستجاب الله لإبراهيم وإسماعيل، وبعث في ذريتهما محمداً صلى الله عليه وسلم، وكان يجلس لأولاد إسماعيل يعلمهم الكتاب والحكمة ويهذبهم ويزكي أرواحهم.

    وامتن الله علينا بهذه النعمة في آيتين؛ في آل عمران وفي الجمعة، إذ قال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2]، ومن سورة آل عمران: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [آل عمران:164].

    وسمت أمة الإسلام وعلت وارتفعت، وبلغت مستوى لم تحلم به الدنيا، ولم تعرف البشرية أمة أرقى ولا أسمى ولا أطهر ولا أصفى، ولا أعز ولا أكرم، ولا أعلم ولا أعرف من تلك الأمة، استجابة الله لدعوة إبراهيم وإسماعيل.

    1.   

    من مظاهر كيد الثالوث الأسود بالمسلمين

    تحويل قراءة القرآن إلى الموتى دون الأحياء

    عرف العدو المكون من المجوس الذين سقط عرش كسراهم، وأطفئت نار عبادتهم وتأليههم؛ ومن اليهود الذين خابوا وخسروا؛ وذهب أملهم في إعادة مملكتهم؛ ومن النصارى الذين خافوا أن يغمر هذا النور ديارهم؛ فتذهب تلك السيادة والكرامة لقسسهم ورهبانهم، فتضامنوا على إطفاء هذا النور.

    لكن كيف وصلوا إلى إطفائه؟ بالسحر؟ لا، بالسيف والرمح؟ لا، فما يستطيعون.

    قالوا: نميتهم، لكن كيف؟

    قالوا: إن روحهم التي سموا بها وارتفعوا بها وسادوا هي القرآن والحكمة المحمدية المبينة المفصلة الشارحة لكلام الله، فحولوا القرآن إلى المقابر وإلى ليالي العزاء، فإذا مات ميتنا نجمع مجموعة من طلبة القرآن يقرءون على ميتنا من أجل إنقاذه من النار، وتشترى الختمة الواحدة بألف دينار.

    وانعدم من يقول لأخيه: يا أخي! أسمعني شيئاً من كلام ربي. فلا يوجد هذا أبداً، ولا تمر بجالس في المسجد ويقول: يا أخي! إن كنت مساوياً له في السن، أو يا أبتِ! إن كنت أكبر منه، أو يا ولدي! إن كنت أصغر.. أسمعني شيئاً من كلام ربي.

    أسألكم بالله: هل حصل هذا فينا؟ ومن صرفنا عن القرآن؟

    هل بلغكم ما سمعتم، وقد رددت عليكم هذا القول لتحفظوه؛ قالوا: تفسير القرآن صوابه خطأ، وخطؤه كفر.

    أي: من يستطيع أن يقول: قال الله إذاً؟

    فإذا فسر آية وأصاب معناها أخطأ وارتكب خطيئة، ومن يقوى على ارتكاب الخطايا، وإن أخطأ في تفسيرها كفر، ومن يقوى على أن يكفر؟

    فألجمونا وكمموا أفواهنا، وما بقي من يقول: قال الله.

    إذاً: ماذا نصنع بالقرآن؟ ماذا نصنع؟

    نعم أراد الله حفظه وبقاءه، فقالوا: نقرؤه ونحفظه لنقرؤه على الموتى فقط، وأما الأحياء فلا ينتفعون به.

    وهنا لطيفة عرفناها من أهل العلم: كان حاكم فرنسي في بلد إسلامي في شمال إفريقيا أيام استعمرتنا فرنسا، فاستبدل بحاكم آخر، وفرنسا كغيرها تستبدل الحاكم في الإقليم كل عام أو عامين، فجيء بهذا الحاكم يتجول في المدينة فعثر على الكتاتيب في المسجد يقرءون القرآن فتعجب، وجدهم جالسين على الحصر أو على التراب وفي أيديهم ألواح من خشب، وأقلام من قصب، ومظاهر الفقر والحاجة عليهم، فقال: ما هذا؟ قالوا: يتعلمون القرآن.

    قال: يتعلمون القرآن! هل أذنت لهم الحكومة؟ وماذا يريدون من هذا التعلم؟! أعجزت الحكومة عن فتح المدارس لتعليمهم وترقيتهم؟ ما عجزت، فإلى المدارس وأغلقوا هذه الكتاتيب فإنها لا تنفعهم. فلمس هذا الحاكم وخاف أن هذا القرآن يعيد الحياة لأمته فخاف.

    وألهم الله أحد المؤمنين فقال: يا سيادة الرئيس! أبكيت النساء والرجال وآلمت الأمة بقرارك هذا، فهؤلاء يقرءون القرآن من أجل الموتى، فإذا مات ميت يقرءون عليه القرآن، لا لأجل وظيفة ولا عمل ولا سياسة ولا.. فقال: لأجل هذا فقط ؟ قال: إي نعم، قال: إذاً: افتحوا الكتاتيب، فما دام القرآن يقرأ على الموتى فقط فخلوهم وحالهم.

    فهل عرفنا الطريق وعدنا إلى القرآن؟

    الجواب: ما زلنا والله يشهد.

    فهذا القرآن الكريم هو الروح التي بها الحياة، وقد فعل بنا العدو ما فعل وهبطنا.

    تشويه ولاية الله في العباد

    الكلمة الثانية التي نرددها وهي: من هم أولياء الله يرحمكم الله؟ سيدي عبد القادر ؟ سيدي العيدروس ؟ مولاي إدريس ؟ سيدي عبد الرحمن .. سموا أولياءكم.

    هؤلاء هم الأولياء؟ إي والله، فقط من مات وبني على قبره قبة ووضع على القبر تابوت من خشب، ووضعت عليه الأزر الحريرية، وأوقدت الشموع ليلة الإثنين والجمعة فهذا ولي الله، وهذا الذي يحلف به، وهذا الذي يستغاث به، وهذا الذي تساق له الأبقار والعجول، وهؤلاء هم الأولياء! فوضعوهم موضع الله عز وجل، فيحلفون بهم كما يحلفون بالله، والله ليجلونهم أعظم من الله، ويخافونهم أعظم مما يخافون الله.

    لكن: لم فعل الثالوث بهذه الولاية بهذه الطريقة؟ وما السر؟

    السر عرفت قول الله عز وجل في صحيح البخاري من طريق أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم قال: ( يقول الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب )، وفي رواية: ( من آذى لي ولياً فقد آذنته ) أي: أعلمته، ( بالحرب ) بيني وبينه، ومن يستطيع أن يؤذي ولي الله فيقول فيه كلمة سوء بشتمة أو عدم مبالاة.

    إذاً: ماذا فعل العدو؟

    سلبنا ولايتنا أيها الأحياء، ووضعها على الموتى، لم؟ من أجل أن يزني بعضنا بنساء بعضنا .. من أجل أن يسرق أحدنا مال أخيه المؤمن .. من أجل أن يكذب على أخيه المؤمن .. من أجل أن يضربه بعصاه أو ببندقيته.

    لعلي واهم! أسألكم بالله: ألا يوجد في ديار المسلمين زنا .. سرقة .. كذب .. خداع .. غش .. إزهاق الأرواح .. قتل المؤمنين .. إخافتهم؟!

    ولو كنا نعتقد أن هؤلاء أولياء الله، فإننا لا نستطيع أن ننظر إليهم فقط بنظر شزر، أو أن نكذب على ولي الله أو نسخر منه، أو نفجر بنسائه.

    ونحن كما تعرفون نستطيع أن نحلف بالله ولا نقدر على أن نحلف بسيدي فلان تعظيماً وإجلالاً له، حتى إن القضاة في بلاد العالم الإسلامي أصبحوا يُحلِّفون الخصوم بالأولياء ولا يحلفونهم بالله؛ لعلمهم أن هذا الإنسان يحلف بالله سبعين مرة ولا يبالي، ولا يقدر على أن يحلف بسيدي فلان.

    إذاً: أفقدونا ولاية الله، ونقلوها من الأحياء ووضعوها على الموتى، ومشينا وراءهم، وأكثر من سبعمائة سنة إلى ألف سنة ونحن هكذا؛ وإذا خرجت للسوق تجد هذا يشتم هذا، وهذا يسب هذا، وهذا يعير هذا.. ولا يقوى أن يقول في ولي كلمة، فترتعد فرائصه أبداً ولا يستطيع؛ لأن الولي ميت، وهذا الإنسان حي.

    وقد قلت لكم: إلى الآن باستثناء الذين سمعوا هذا الهدى؛ لو تسألوا رجلاً عن ولي في قريته فإنه لا يهتدي أبداً إلا إلى ميت، ولا يفهم أن في القرية ذات الخمسة آلاف نسمة بينهم ولي أبداً، ولا ولي إلا الميت المدفون.

    لكن هل في الإمكان أن نغير وضعنا أو لا نستطيع؟

    هيا نعود إلى الكتاب والسنة، ونعود إلى معرفة ولاية الله ونحققها في أنفسنا.

    1.   

    كيفية اكتساب ولاية الله

    ولاية الله تكتسب بشيئين فقط: الإيمان وتقوى الرحمن، فكل مؤمن تقي هو لله ولي، وأحلف لكم بالله: كل مؤمن تقي هو لله ولي، فيحرم أن تنظر إليه بنظرة شزر، ويحرم عليك أن تمسه بأصبعك إهانة له أو إذلالاً، ويحرم عليك أن تنال من عرضه بكلمة، أو من ماله بفلس واحد، فهو ولي الله، فكيف تؤذي ولي الله! أما تخاف الله؟ ( إن الله ليثأر لأوليائه كما يثأر الأسد الحرب ) يقول الرسول صلى الله عليه وسلم. فهيا نعود.

    معشر الأولياء! هل مرتبتكم واحدة أو متفاوتون؟

    التفاوت حاصل، ونحن رتب على طريقة الجيوش، فأول ما يدخل الشاب للعسكرية يقال فيه: عسكري، وعام عامين يرتقي إلى جندي أول، ثم ملازم، ثم ملازم أول، ثم رقيب، ثم نقيب، ثم عريف، ثم كذا، ثم جنرالا.

    وأولياء الله كذلك ليسوا بمرتبة واحدة بل يتفاوتون، لكن ما من مؤمن يتقي الله إلا وهو ولي الله، فيحرم عليك أن تناله بسوء، وإن أبيت إلا أن يعلن الله الحرب عليك فاستعد ولن تفلح ولن تنجح أبداً وأنت تؤذي أولياءه.

    إذاًً: أولياء الله حصلت لهم هذه المنزلة العالية بشيئين: الإيمان والتقوى.

    معنى الإيمان

    ما الإيمان يا شيخ؟ هل الإيمان دعوى أن نقول: أنا مؤمن؟ لا.

    الإيمان اعتقاد جازم قاطع راسخ في القلب بوجود الله لا إله إلا هو ولا رب سواه، واعتقاد جازم قاطع بأن محمداً رسول الله، واعتقاد جازم قاطع بأن كل ما أخبر الله تعالى به أو أخبر به رسوله هو واقع كما أخبر، ويستحيل أن ينتقض هذا هو الإيمان، وهذه هي الطاقة الدافعة، وهذه هي القوى التي تحملك على تقوى الله، فإن ضعفت ضعف تقواك يا عبد الله.

    آيات قرآنية تبين صفات أولياء الله

    ومن باب تقريب المعاني للمستمعين نعرض عليهم شاشة قرآنية، وهم متعودون على شاشة التلفاز والسينما؛ شاشة قرآنية تشاهدون عليها أولياء الله، فمن رأى نفسه بينهم فليحمد الله وليقل: أنا مؤمن، ومن ظهر في زاوية واختفى في أخرى فليعلم أنه ضعيف الولاية، وليعمل على تحقيق ولايته يا ولي الله، ومن لم يجد نفسه بينهم والله ما هو بمؤمن.

    مستعدون تشاهدون أو لا؟

    اسمعوا من سورة الأنفال يقول الرحمن جل جلاله وعظم سلطانه في الرد على الذين يدعون الإيمان وهم كاذبون، قال جل وعز وتأمل هذه الصيغة: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ أي: بحق وصدق، لا بالادعاء والنطق: الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال:2]، فإذا كان في يدك خاتم من ذهب استعملته للجهل وعدم العلم، ونظر إليك مؤمن فقال: أي فلان! أما تتق الله كيف تتختم بخاتم الذهب؟! فانظر إذا اهتزت عواطفك واقشعر جلدك وخشيت الله ونزعت الخاتم من يدك فأنت والله لمؤمن، وإن أنت لا قدر الله ضحكت أو سخرت واستهزأت فوالله لا إيمان: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال:2]، أما أن يذكر الله فيضحك ويسخر ولا يبالي، ويواصل جريمته المتلبس بها، فوالله ما هو بمؤمن.

    ثم قال: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال:2] فإذا قرئت عليه الآيات ارتفع منسوب إيمانه، فإذا كانت العقرب تشير إلى مائة وخمسين فإنه يرتفع إلى المائتين والزيادة.

    وعلى سبيل المثال: إذا قام قائم يعظنا ويذكرنا، ويطلب منا عملاً ما، وقرأ آيات الله عز وجل، فمن هش ورغب وأحب أن يعمل وأخرج من جيبه مطلوباً، دل ذلك على أن إيمانه ارتفع وزاد، وأن إيمانه موجود، والدلالة على وجوده ارتفاع منسوبه. وإن قرأت علينا الآيات أمراً ونهياً لنفعل كذا أو نترك كذا، ولم تحصل أي إجابة، ولا رغبة فينا أن نفعل ولا أن نترك..! فوالله من كانوا هؤلاء فليسوا بمؤمنين؛ لأن الذي أخبر بهذا الخبر هو واضع الإيمان في القلوب: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال:2] فإذا ما ازداد الإيمان فليس بموجود، لابد وأن ينمو ويرتفع.

    ثم قال: وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2] أي: يفوضون أمرهم إلى الله، ويقفون إلى جنب الله ولا يبالون بالحياة وما فيها من مهام أو آلام.

    تريدون صورة واضحة.

    تقول لأحدهم: يا سيد! أنت والحمد لله في خير وعافية، فلماذا تسمح لزوجتك تشتغل مع الرجال؟ أمن أجل الخبز والماء؟ فالله قد تكفل به، ودع امرأتك في بيتك تربي أولادك وتصون عرضك، وتزيد في كرامتك، وتسعدك بابتسامتها وتقديم حاجتك إليها، وهو خير لك من أن تتركها تشتغل مع البوليس أو مع الشياطين في فندق .. أو متجر .. أو كذا ..

    لكنه يقول: الحياة تطلبت هذا.

    فأين التوكل على الله؟ وأين تفويض الأمر إلى الله؟

    واضح هذه الصورة أو لا؟

    وقد قلنا لهم في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم: لا تزيدوا في تعليم بناتكم على الابتداء فقط، فتتعلم خمس سنوات وتصبح تعرف الله وما يحب وما يكره، وكيف تقدم له المحبوب وتبعد عنه المكروه، وتحقق ولاية الله لها، وما هناك حاجة إلى مدرسة ثانوية وجامعية.

    قالوا: المستقبل.

    وهناك فتاة دخلت المتوسطة أو الثانوية فغار أبوها وقال: أخرجوها، وأمها مطلقة من سنين، وأبت أن تسلم له بنته فهو بالطائف وهي بالمدينة، فاستدعاني كقريب لها وجلسنا في البيت ومن وراء الستار، فقلت لها: يا بنيتي! تعلمتي والحمد لله كيف تعبدين ربك وتتقربين إليه، فما هناك حاجة إلى هذا التعليم، فطريقه موصلة إلى الدمار والخراب.

    فقالت وراء الستار: مستقبلي يا بابا .. مستقبلي يا يابا.

    ومن علمها هذه الكلمة؟

    فقلت لها: اسمعي. هذه أمك تسمع، والله من زمن أمك هذه إلى وقت فاطمة الزهراء ما توظفت امرأة مع الرجال ألف وثلاثمائة سنة وزيادة، وأنتِ فقط: مستقبلي يا بابا! إن مستقبلك في بيتك مع زوجك وأولادك، وليس مع التحاكي مع الرجال وطلب الوظيفة.

    والشاهد عندنا: أين التوكل على الله؟

    فاترك بنتك في بيتك وقد تعلمت وعرفت خمس سنوات وحفظت من القرآن ما شاء الله ومن السنة ما شاء الله، وعرفت كيف تعبد الله، واتركها في البيت تساعد أمها على تربية أخواتها وإخوانها.

    لكن الشياطين أرسلهم الثالوث الأسود، وإن شئتم حلفت لكم بالله: إن ذلك الثالوث هو الذي حسن تعليم بنات المؤمنين والزج بهم في مدارس الكليات والجامعات ليفقدن الصلة بالله عز وجل.

    أين التوكل على الله واحجب ابنتك، وفوض أمرك وأمرها إلى ربك.

    والآن الذين توظفت نساؤهم استعاضوا عن النساء بالخادمات، لينظر إلى ما لا يحل النظر إليهن، ويجالسه وقد يأكل معه، فانمسخوا، ولم يبق إيمان ولا نور، فعرف هذا العدو وما عرفناه؛ لأننا هجرنا كتاب الله، وسيشكونا رسول الله إلى ربه: يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30].

    إذاً أيها المستمعون بينكم متوكلون على الله لا على المحراث، ولا على القلم، ولا على الوظيفة .. على الله فلا نعصيه ونجاهر بالمعصية؛ إذ الأمر له وبيده.

    ثم قال: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ [الأنفال:3] تعرفون معنى يقيمون الصلاة بحق؟!

    فإذا قال المؤذن: حي على الصلاة، في منارة القرية أو المدينة، أخذ أهل القرية يلبسون ثيابهم، ويغلقون أبوابهم، وإذا بمظاهرة لم تعرف الدنيا مثلها، فأهل المدينة كلهم مقبلون على الله، ولم يبق دكان مفتوح ولا مقهى، ولا واقف بالباب ولا أحد.. فالكل إلى الله في خمس مظاهرات في الأربع والعشرين ساعة، ولم يتخلف إلا مريض أو ممرض.

    فهذا هو إقام الصلاة، وهذا هو الذي ينتج الطاقة ويولد النور في النفس؛ ليعرف صاحبها الطريق إلى ربه.

    ولكن هل هذا موجود في ديار المسلمين؟

    الجواب: المؤذن يؤذن وهو يغني، والمؤذن يؤذن وهو يحلق في وجه فحل ولا يبالي.

    الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ [الأنفال:3] وإقامتها أن تقف على قدميها فلا تميل يميناً ولا شمالاً، وتؤدى في أوقاتها المحددة، وبالصفات والهيئات التي نزل جبريل فعلمها رسول الله والمؤمنين. وهذا مظهر من مظاهر الإيمان الحق.

    أما أن هذا يصلي وذلك لا يصلي، وهذا يصلي وهذا يغني .. فما أقيمت الصلاة.

    وأخيراً: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [الأنفال:3] فدائماً وأبداً مما رزقناهم ينفقون، فليس الإنفاق مرة في العام أو في الشهر، بل الإنفاق متواصل.

    فإن قيل: كيف ننفق يا شيخ ونحن كذابون، ودجالون، وسحرة، ومتلصصة وبعضنا يكذب فيقول: إنه جائع وهو شبعان، أو يقول: أنا مدين وهو يشتري الحشيش ويأكلها. كيف نصنع؟

    أقول: هذا يتلاءم معه ذلكم المنهج الرباني في أن أهل القرية يجتمعون في مسجد قريتهم بنسائهم ورجالهم كل ليلة وطول العام، وعلى مدى الحياة فيتعلمون الكتاب والحكمة، ومن ثم يكونون كلهم علماء صادقون صالحون بررة، فتنتفي كل مظهر من مظاهر الخيانة والكذب والباطل لتعلمهم الكتاب والحكمة.

    ويجعل صندوق في المحراب من حديد، ويقول المربي: معاشر المستمعين! من زاد ريال عن قوته اليوم يدفعه إلى هذا الصندوق، وهو بين خيارين: إما أن ينمى ويأخذ الفوائد المباركة أو يتركه فقط فماله محفوظ وعند الحاجة يتسلمه، وهذا الصندوق إذا مضى عليه ستة أشهر إذا به يفيض، فإن كان أهل القرية من أهل الزراعة أنشئوا مزرعة ربانية، مزرعة في المسجد، وإن كانوا في بلاد صناعية أنشئوا مصنعاً ولو لإنتاج الملاعق أو الإبر، وسوف يبارك الله في ذلك الصندوق ويدر ويجلب المال.

    ومن ثم فإن أهل تلك القرية هيهات هيهات أن تجد بينهم عارياً أو جائعاً أو مريضاً بدون علاج ولا دواء، فأمرهم واحد وكأنهم بيت واحد.

    هنا النفقة أنت تطلبها، وأنت تبحث أين تضعها، للتكاثر والتضامن الإيماني المؤمن أخو المؤمن، المسلم أخو المسلم.

    والآن تستطيع أن تنفق هذا؟ لا تستطيع، ولا تعرف المحل اللائق، فما عندنا صدق ولا وفاء ولا.. ولا.

    وأخيراً اسمع هذا الختم الإلهي: أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:4].

    كيف حال أبنائنا إن شاء الله؟ وجدتم أنفسكم هنا، أو ظهرتم في مكان واختبيتم في آخر.

    إليكم شاشة أخرى، ولا تقولوا: الشيخ يشجعنا على السينما والتلفاز والفيديو!

    هذا فقط من باب أنكم عرفتم هذا، وإلا بيتك يا عبد الله لا توجد فيه شاشة تلفاز ولا فيديو.

    فإن قيل: لم يا شيخ؟

    أقول لك: أسألك وأجبني: هل وجود التلفاز في بيتك تعرض فيه صور العواهر والكافرين والمجرمين، ينتج لك يومياً عشرة ريالات؟

    والله ما كان.

    هل ينمي كل يوم صحتك وصحة أولادك؟

    الجواب: لا.

    هل يرضي عنك الله عز وجل؟

    الجواب: لا.

    هل يزيد في معارفك وعلومك الإلهية؟

    والله لا.

    إذاً النتيجة أن ترحل الملائكة من بيتك وتنزل منازل الشياطين فقط، وإذا نزلت الشياطين ورحلت الملائكة والله لينتشرن الخبث بين أهلك وأولادك، أحببت أم كرهت.

    لعلي واهم؟ والواقع واضح، فهبطنا والرسول يقول: ( لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة ).

    وإن قلت: أنا سياسي ومسئول عن الدولة! فاجعل تلفازاً في غرفة المكتب، واحضر ساعات تتلقى فيها لك ذلك قد تؤجر، لكن بيوت المؤمنين والمؤمنات ماذا يستفيدون من تلك المناظر والملاهي والأباطيل.

    أما قلت لكم: إن الأطفال تعلموا اللواط من طريقها؟ وتعلموا الفجور بواسطتها وهم صبيان.

    وزادتنا محنة الصحن الهوائي المسمى بالدش، وتكالب عليه إخواننا كأنهم لا يؤمنون بالله؛ إذ كم صحنا وبكينا؟ وصدر إفتاء من رجل ما تكتحل عين الوجود بمثله هذه الأيام، إنه مفتي المملكة الشيخ عبد العزيز بن باز بحرمة هذا الفيديو. لكن البعض كأنه يتحدى وبعض السطوح فيها أربعة وخمسة صحون، وهذا يدل على إيمان مؤمنون! هذا خرافة.

    لكن تذكروا: أين ربكم؟ أين الله؟ بالمرصاد إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14].

    وها هو رسول الله على المنبر يقول: ( إن الله ليملي للظالم ) الإملاء الزيادة في المال والمتعة والحياة ( ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته )، وقرأ: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102].

    والمسلمون الآن ألف مليون في الشرق والغرب تحرروا، وفسقوا، فجروا، وفعلوا كل شيء، فهل أنتم آمنون؟ والله ما هي إلا إملاء لله وإمهالاً، ومن يعش سيذكر هذه الكلمة.

    أنعيش منحرفين عن طريق الله ونسلم، وتقولوا: سلامتنا وشهادتنا..؟ هيهات هيهات.

    ومن قال: دلل على ما تقول؟

    أقول: استذلنا الغرب وسادونا أو لا؟ حكمونا أو لا؟ وفعلوا بنا الأعاجيب أو لا؟

    كيف هذا ونحن مؤمنون؟

    الجواب: فسقنا عن أمر الله، وخرجنا عن طريق الله، وسنة الله من أكل السم هلك، ولا تتخلف السنن، فإذا خرجنا عن منهج الله نتحطم لا محالة، طال الزمان أو قصر.

    وأكثر المسلمين ظنوا أنهم لا يخافون الله، ماذا يفعل؟ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14] يرصدنا، وفسر هذا رسول الله ( إن الله ليملي للظالم ) والظالم هو الذي ظلم نفسه فدلاها في مهاوي الشر والخبث والعفونة والفساد.

    إذاً: الآن عرفتم الطريق إن شاء الله؟ فهيا نحقق ولاية الله.

    1.   

    تابع تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب ...)

    العصمة في الكتاب والسنة

    الآية الكريمة ختمها تعالى بقوله: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [آل عمران:101] الآية التي نحن بصددها نصها الكريم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [آل عمران:100-101].

    فإن قيل: يا شيخ! ما تتلى علينا الآيات ولا نسمعها، وما بيننا رسول الله!

    يا ويلنا إذاً! متى تتلى علينا آيات الله ويكون الرسول فينا؟ إذا اجتمعنا في بيوت ربنا اجتماعنا هذا، نقرأ كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ [آل عمران:101] أي: من أين يأتيكم الكفر وأنتم في هذه المناعة وهذه الحصانة العظيمة ويتلى عليكم القرآن، وأنتم أحياء لتتعلموا الطريق إلى الله، وفيكم الرسول يبين ويشرح ويفصل.

    فالعصمة كل العصمة للأسرة والقرية والعالم الإسلامي في قال الله وقال رسوله، إما أن نخصص وقتاً في الأربعة وعشرين ساعة لنتعلم الكتاب والحكمة، لنزكو ونطهر .. لنسمو ونعلو .. لتنتهي مظاهر الخبث والظلم والشر والفساد، وتتجلى مظاهر العلم والمعرفة والصدق والطهر والصفاء، إما وإما، ولا تفهم أنك حر تعمل ما تشاء، إنما أنت تحت النظارة.

    الاعتصام بالله طريق الهداية إلى الصراط المستقيم

    ثم قال: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [آل عمران:101] هذا خبر، والمخبر هو الله.

    ماذا يقول؟ يقول: وَمَنْ يَعْتَصِمْ أي: من رجل أو امرأة .. من عربي أو عجمي، في الأولين في الآخرين.. فـ(من) من ألفاظ العموم وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ ونعتصم بالله أي: بحبل الله وهو دينه، ومن يعتصم أي: يأخذ بيديه بشدة وبقوة، فلا ينحرف يميناً ولا شمالاً في عقيدته .. في عبادته .. في سلوكه .. وهذا الذي يعتصم بحبل الله فَقَدْ هُدِيَ من هداه؟ الله، إلى أين؟ إلى طريق الجنة إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ أي: الطريق الموصل إلى دار السلام.

    عرفتم الآن لما حذرنا من موالاة الكافرين واتخاذهم قادة وهداة، فحذرنا من ذلك وأرشدنا إلى العصمة وهي أن نجتمع على كتاب الله وسنة رسوله طول الحياة، وأخيراً قال واسمعوا أيضاً هذا الخبر: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ [آل عمران:101] أي: يستمسك بدينه .. بحبله الممتد من السماء إلى الأرض، فهذا العبد قد هدي إلى الصراط المستقيم الموصل إلى رضا الله وإلى الجنة دار السلام.

    ونعتصم بالله بأن: أولاً: يجب أن نعرف العقيدة التي شرعها الله وأحبها لنا، ثانياً: يجب أن نعرف العبادات التي شرعها وكيف نؤديها، وبعد ذلك يمكننا أن نستعصم ونعتصم، أما جاهل لا يعرف عن الله شيء، فكيف يستعصم؟

    وصلى الله على نبينا محمد.