إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 61للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأدب الإسلامي الذي يؤدب الله به عباده الاستئذان قبل الدخول، فقد شرع للأطفال دون سن التمييز والخدم والموالي ألا يدخلوا على أهل البيت إلا بعد الاستئذان في هذه الأوقات الثلاثة: قبل الفجر، ووقت القيلولة، وبعد صلاة العشاء؛ لأنها أوقات راحة، أما في غير هذه الأوقات فللأصناف السابقة الدخول والخروج متى شاءوا.

    1.   

    ملخص لما جاء في النداء السابق

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان. اللهم اجلنا منهم، واحشرنا في زمرتهم، وارض عنا كما رضيت عنهم. آمين.

    أكملنا دراسة النداء السابق، وهو الثامن والخمسون، وإليكم هذه الكلمات النافعة التي هي كالخلاصة للدرس:

    إن الله أوجب علينا وعلى عباده المؤمنين أننا إذا أردنا أخانا أو أمنا أو أختنا أن نقف إلى جانب الباب، ولا نعترضه، ونقول: السلام عليكم، أأدخل؟ ثلاث مرات، فإن أذن لنا بالدخول دخلنا، وإن قيل لنا: ارجعوا رجعنا. فهذا هذا هو طابع حياتنا؛ لأننا بشر وكُمَّل، بل وسادات البشر، ولسنا حيوانات ولا بأشباه الحيوانات، فالحيوان يدفع الباب برأسه ويدخل، وأما نحن فنقف إلى جانب الباب ونستأذن بصوت عادل متزن، ليس فيه إزعاج ولا إغلاظ، ونقول: السلام عليكم، أأدخل؟ فإن قال: ادخل دخلنا، وإن قال: انتظر انتظرنا، وإن قال: ارجع رجعنا، وإن لم نجد من يأذن لنا رجعنا، ولا نسأل لم؟ هذا فيما إذا ما كنا نريد أن ندخل على أهل بيت، فإن كنا نريد متجراً أو مصنعاً أو سوقاً فليس علينا إلا أن نقول: السلام عليكم وندخل؛ إذ رخص الله تعالى لنا إذا دخلنا المحلات العامة أن لا نستأذن أبداً، فقال: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ [النور:29]، أي: ليس فيها نساء ولا سريات ولا جوار، فندخل بدون استئذان، وإنما نسلم على أهل الدكان أو المقهى أو السوق، قائلين: السلام عليكم، فقط.

    قال: [ أولاً: اذكر أن سبب هذا النداء هو أن امرأة من الأنصار ] والأنصار - يرحمكم الله- هم سكان المدينة من الأوس والخزرج، وقد سماهم الله بالأنصار لأنهم نصروا دينه ونبيه وأولياءه، وما إن أخذ المهاجرون يصلون إليهم إلا وقاموا في نصرتهم، ونصروا رسول الله والمؤمنين. فهذه المرأة من الأنصار [ قالت: ( يا رسول الله! إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد، لا والد ولا ولد، فيأتي الأب فيدخل علي، فإنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي على تلك الحال فكيف أصنع؟ فأنزل الله هذه الآية ) ] أي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ [النور:27-28]. هذا هو سبب هذا النداء، ونحن والله موقنون به، فهذه الآيات كالأدوية والعقاقير، فإذا حصل مرض ينزل الشفاء؛ ولهذا لم ينزل القرآن جملة واحدة، بل نزل في خلال ثلاث وعشرين سنة، بحسب متطلبات الأمة النامية الصاعدة إلى السماء، وما إن انتهى نزوله حتى أصبحت هذه الأمة في علياء السماء في كمالاتها.

    فهذا المرأة من الأنصار اشتكت إلى رسول الله، وقالت: يا رسول الله! أكون على حال لا أرغب أن يدخل علي فيها أحد، فيدخل أبي ويدخل أخي وغيرهما، فأنزل الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا [النور:27] [ وقال أبو بكر : ( يا رسول الله! أرأيت الخانات؟ ) ] والخانة جمع خان، والباكستانيون يقولون: الخان للفندق [ ( والمساكن في شرق الشام ) ] أو في طريق الشام [ ( ليس فيها مساكن؟ فأنزل الله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ ... [النور:29] ) ] فاستجاب الله لـأبي بكر ، فـأبو بكر سأل فنزلت آية الاستئذان، فقد قال: يا رسول الله! يوجد في طريق الشام خانات ومحلات لنا فيها حاجة نشتري، فكيف نصنع؟ وهل نستأذن؟ فأنزل الله تعالى قوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ [النور:29].

    [ ثانياً: إذا استأذن أحد فقال له صحاب البيت: من أنت؟ فلا يقل: أنا ] وكلنا نتورط في هذا، فأنا هذا لا يعرف أهو أبيض أو أحمر. وهو ليس شائعاً، فأنا هذه لا تقبل [ وإنما يذكر اسمه أو كنيته ] فإن كان اسمه إبراهيم قال: إبراهيم، وإن كان يكنى بأبي إسماعيل يقول: أبو إسماعيل، أما أنا فلا تنفع، وإذا اشتهر بلقب يذكر لقبه. وإليكم الهدي النبوي: [ إذ استؤذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ] أي: استأذن مؤمن الرسول في الدخول عليه [ فقال ] أي: الرسول [ للمستأذن ] الذي استأذن: ( من هذا؟ فقال: أنا. فقال ) ] أي: النبي صلى الله عليه وسلم: [ ( أنا، أنا ) ] وكررها [ ( كأنه كره ذلك ) ] ولم تعجبه. ومن ثم من استأذن وقيل: من؟ فليقل: إبراهيم .. عثمان .. سليمان باسمه، أو بلقبه إن كان له لقب كأبي فلان. فلنترك من الآن كلمة أنا هذه، وهي شائعة في البدو والحضر، واذكر اسمك أو كنيتك أو لقبك إن كان لك لقب معروفاً.

    [ ثالثاً: من آداب الاستئذان أن يقف المستأذن بجانب الباب ] أي: باب الدار وباب المنزل [ فلا يعترضه، وأن يرفع صوته بقدر الحاجة ] ولا يهول على الناس، وإنما على قدر الحاجة في القرب والبعد؛ لأن الصوت العالي مزعج ويخوف [ وأن يقرع الباب قرعاً خفيفاً ] وليس بالعصا حتى يزعج أهل البيت، بل بيده يقرع الباب قرعاً خفيفاً بالقدر الذي يسمع أهل البيت. والآن هناك الجرس، ومع هذا فعلينا أن نقرع الباب، فلا يكفي الجرس.

    والجرس أيضاً لا يدقه ويواليه حتى يزعج أهل البيت، بل يدق الجرس دقاً خفيفاً ويسكت، وبعد فترة دقيقة .. دقيقتين يزيد مرة ثانية، وأما الواحدة تلو الواحدة وكأن هناك بلاء نازلاً أو خوفاً عارماً فلا ينبغي، فهذا يتنافى مع الآداب، ونحن أهل الآداب، وإن لم نكن نحن أهل الآداب فلا يوجد له أهل، فليس أهله أهل الكفر والشر والفساد، بل أهل القرآن والإيمان هم أهل الآداب.

    قال: [ وأن يقول: السلام عليكم، أأدخل؟ ثلاث مرات، فإن أذن له وإلا رجع ].

    [ رابعاً: اعلم أن في كل طاعة لله ورسوله خير وبركة ] والله [ وإن كانت كلمة طيبة ] وهنا توجد الكلمة الطيبة في الاستئذان، وفي الآداب، وفي السلام، وفي التعريف بالاسم أو اللقب، وليس بأنا. وكل كلمة طيبة لله ورسوله فيها أجر وعبادة، ومعنى هذا: أننا مثابون على كل أقوالنا وأعمالنا، وحتى في الاستئذان نؤجر، فالذي يحسن الاستئذان مأجور؛ لأنه أطاع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يؤذ عباد الله وأولياءه. والذي لا يستأذن أو يستأذن بغير أدب قد عصى الله ورسوله وآذى المؤمنين. وأذية المؤمنين ليست سهلة، والدليل: ( من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ). فالله لا يرضى أن تؤذي وليه أبداً، كما أنك لا ترضى أن يؤذى وليك. ولكن لم يعلمنا أحد، ولم نعرف هذا، وعشنا قروناً بعيدين عن قال الله وقال رسوله، ووا أسفاه! فنحن لم نترب في حجور الصالحين.

    1.   

    مشروعية استئذان الخدم والأطفال على أهل البيت ثلاثة أوقات

    هذا هو النداء [ التاسع والخمسون ] وهو [ في مشروعية استئذان الخدم والأطفال على أهل البيت ثلاثة أوقات، ووجوب استئذان الطفل إذا بلغ الحلم ] فهذا النداء التاسع والخمسون تضمن قضيتين ومسئوليتين وحكمين، وهما:

    الأول: مشروعية استئذان الخدم والأطفال على أهل البيت في ثلاثة أوقات، أي: يجب.

    الثاني: وجوب استئذان الطفل إذا بلغ سن التكليف، فيجب أن يستأذن. وإذا كان بالأمس لم يبلغ ودخل علينا قائلاً: بالسلام عليكم فقط ثم احتلم في القيلولة فقد أصبح فحلاً، فإذا أراد أن يدخل يستأذن.

    وهذا النداء الكريم طويل كنداء أمس، ولكن كله هداية ونور، فهيا نتغنى به ساعة.

    قال: [ الآيتان (58 ، 59) من سورة النور

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النور:58-59] .

    لا يسلم التشريع إلا لله الخبير بعباده

    لأن الله عليم حكيم يُسَلَّم له التشريع، فهو ليس جاهلاً ولا أحمقاً، بل هو عليم حكيم. فكل تشريع من العليم الحكيم اقبله؛ لأنه لا يضع الشيء إلا في موضعه، وهو عليم بأحوال العباد وببواطنهم وبظواهرهم وبنتائج أعمالهم وبنتائج كسبهم؛ وكل هذا لأنه عليم. فإذاً: إذا شرع يقبل منه التشريع، ولو شرع هذا الاستئذان غير الله لم يقبل؛ لجهل صاحبه بمستقبلنا وبماضينا وبأحوالنا وببواطننا، فلا يقبل أن يشرع.

    ولهذا كل تشريع لم يكن من الله ولا رسوله فهو باطل وخطأ، وفيه شر وبلاء وفساد، ولا يقبله ذو عقل أبداً؛ لأن المشرع ليس عليماً ببواطن الأمور وظواهرها، وبما مضى وبما يأتي وبما هو حاضر، وليس حكيماً يضع الشيء في موضعه.

    والبرهان والدليل على هذا: العالم الذي أمامكم من الصين واليابان وأمريكا وأوروبا التي ازدهرت وارتقت، فتشريعهم لم يسعدهم ولا طيبهم، ولا طهرهم ولا كملهم، ولا آخى بينهم، ولا أوجد بينهم مودة وصفاء وحباً، ولا لوم ولا عتاب؛ لأن الذي يشرع لهم جاهل ببواطن الأمور وظواهرها، وهو أحمق لا يدري. وأنا لا أغالطكم في هذا. فهم يأكلون بشمائلهم! ولا يعرفون كيف يستنجون من القاذورات! ومع هذا ركب الناس وراءهم، وأخذوا تشريعاتهم، وحكموا بها المسلمين في أكبر بلاد العالم الإسلامي. ونحن لا نلومهم؛ لأنهم ما عرفوا، فهم والله ما جلسوا هذه المجالس ولا عرفوها، ولا تعلموا، بل درسوا في كليات السياسة والقانون في أوروبا وأمريكا، وتخرجوا منها. فاعرفوا هذا واعلموه.

    رفعة الأمة لا تتحقق إلا بالكتاب والسنة

    هذه الآداب لو سألت ( 95% ) من العالم الإسلامي لوجدتهم والله ما قرءوها، ولا فهموا منها شيئاً؛ ولذلك من المستحيل أن نصبح أدباءً أطهاراً أتقياء؛ فمن لا يأكل لا يشبع، ومن لا يشرب لا ينتهي ظمؤه أبداً وعطشه، و( إنما العلم بالتعلم ). وهذه الكلمة لم يقلها أفلاطون ، بل قالها سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، فهو الذي قال: ( إنما العلم بالتعلم ). و( من يرد الله خيراً يفقهه في الدين ). و( طلب العلم فريضة على كل مسلم ). ونحن مشغولون بالغنم والإبل والزرع والحصاد، ومشغولون بالدكاكين والتجارة وغير ذلك، ومن قبل ثمانمائة سنة ونحن لاصقون بالأرض، ولن يرفعنا إلا الله. وسلم الرفع والآلة الرافعة لا توجد ولا تباع في مصانع أوروبا، بل هذه الرافعة التي ترفع البشرية إلى سماء الكمال توجد عندنا وجحدناها.

    واسمعوها: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف:175-176]. وهذا قرآن، وهو في سورة الأعراف، ولكنه لم يبلغ المسلمين ولا عرفوه، والإنسان ينسلخ من الآيات كما ينسلخ الثعبان من ثوبه، وهم قد تركوا القرآن على الرفوف وفي المساجد فقط، ولا يوجد انسلاخ أعظم من هذا.

    قال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ [الأعراف:175] يا رسولنا المبلغ عنا! اتل عليهم خبر عظيم، وهو نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا [الأعراف:175]. وإذا أردت أن تعرف كيفية الانسلاخ من الآيات فاخرج من هذه المملكة، وادخل محاكم العالم الإسلامي، فإنك لن تجد التفسير والسنة فيها، ولا قال الله وقال رسوله، بل هم قد انسلخوا منها انسلاخاً كلياً، ولا يقرءون القرآن ولا السنة لا في البيوت ولا في المساجد ولا في المدارس، فضلاً عن المحاكم، ولا يوجد انسلاخ أعظم من هذا. فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ [الأعراف:175]. وقد كان الشيطان خائفاً من حصانة القرآن، ولا يستطيع أن يؤذيه، فلما انسلخ من الآيات أصبح الشيطان يلعب به، ويجري وراءه. فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ [الأعراف:175] . الوسخين الهابطين، وكلمة الغواية - إذا أردت أن تعرفها- قاذورات وأوساخ مع بعضها البعض. وَلَوْ شِئْنَا [الأعراف:176] والقائل هذا الله، لَرَفَعْنَاهُ بِهَا [الأعراف:176]. وليس بالقوانين الأوروبية، ولا بالاشتراكية، ولا بالديمقراطية، ولا بالسقراطية، بل بهذه الآيات.

    إذاً: هذه هي الآلة الرافعة التي ترفع الأمم والشعوب من الهبوط إلى السماء، وهذه الرافعة هي آيات الله الحاملة للهدى والشرائع الربانية، والتي لا تتخلف أبداً في إسعاد أهلها وإكمالهم في الدنيا والآخرة، ومنها هذه الآية في الآداب. فلا ننسى هذه الرافعة. فمن أراد أن يرفع إقليماً أو أهل قرية أو شعباً أو أسرة واحدة إلى السماء فلن يرفعه بالسحر، بل يرفعه بالآيات النورانية، فيكمل عقيدته ويصفيها، ويهذب أخلاقه وآدابه، فيرتفع، فلا يصبح كسائر البشر يعيش في الخبث والشر والفساد.

    ووالله لا توجد رافعة غير القرآن، ورافعات الآلات موجودة في الموانئ، يرفعن السيارات ويضعنهن في البواخر، وهذه موجودة عندنا حتى في المسجد النبوي، فهذه الأدوات نرفعها بالرافعات الكهربائية.

    وأما رافعة البشر من الأرض إلى سماء الكمال فليس إلا هذا الكتاب وهذا الرسول. ومن قال: لا فليرفع لنا شعباً أو أسرة إلى سماء الكمال، ثم يقول: رفعناهم بكذا وكذا، ويدلنا على هذا.

    سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ...)

    قال: [ الشرح ] هيا نشرح هذا النداء [ اعلم أيها القارئ الكريم! أن هذا النداء وإن كان لنزوله سبب ككثير من الآيات والنداءات إلا أن الحكم عام ] شامل [ يشمل كل مؤمن ومؤمنة ما بقي الإسلام ] على الأرض [ والمسلمون ] فيها [ وذلك إلى آخر أيام هذه الحياة الدنيا.

    واسمع أقص عليك سبب نزول هذا النداء، وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث غلاماً من الأنصار يقال له: مدلج إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدعوه له ] فالنبي صلى الله عليه وسلم بشر احتاج إلى عمر كوزير وصديق وحبيب، ينهض بالتكاليف، فبعث له غلاماً، والغلام: الخادم، يقال له: مدلج ، من أدلج في الظلام إذا دخل، فأمه سمته مدلجاً [ فوجده نائماً في وقت الظهيرة ] والظهيرة الآن ما نعرفها؛ لأن نظامنا أصبح غربياً. ونظامنا أيام كنا أحياء: كنا إذا صلينا الصبح انطلقنا في ميادين العمل، والمساحي في أيدينا والمعاول وغير ذلك، فنشتغل من الساعة الخامسة، فنشتغل الساعة الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة، ست ساعات، فإذا انتهت الساعة العاشرة جاء وقت الاستراحة وجاءت الظهيرة، وتكون في الساعة الحادية عشرة والثانية عشرة والواحدة، ثلاث ساعات، وفي الساعة الثانية تكون صلاة الظهر، فنحن أهل صحراء أمرنا بتأخير الظهر، ( أبردوا بصلاتكم ) في الحر. فهذه ثلاث ساعات في الظهيرة يستريح فيها المؤمن، والآن لا يوجد ظهيرة؛ لأننا نبتدئ العمل الساعة الثامنة.

    قال: [ فدق الباب ودخل ] ولم يستأذن [ فاستيقظ عمر فانكشف منه شيء، أي: من عورته ] أو من فخذه. وقد قلنا أمس: أن العورة ليس معناها الفرجين دائماً، بل كل ما يستحى من كشفه فهو عورة حتى الرأس.

    قال: [ فقال عمر عندها: وددت ] وأحببت [ أن الله تعالى نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا ألا يدخلوا علينا في هذه الساعة ] أي: الظهيرة [ إلا بإذن ] منا، لا بدون استئذان [ ثم انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ] لأنه مطلوب [ فوجد هذه الآية ] قد [ نزلت، فخر ساجداً شكراً لله تعالى ] وهذه تسمى سجدة الشكر، وكان الحبيب صلى الله عليه وسلم إذا بشر بانتصار سرية من سراياه يخر ساجداً على الفور، وقد رأينا كثيراً من الصالحين ما إن يبشر بأمر عظيم حتى يخر ساجداً. وإن شاء الله نطبق هذا، ولا تقولوا: لا توجد أخبار سارة، فنحن لا نسمع إلا الويلات، فالأخبار السارة في الصلاح والتقوى والإيمان، وليست في البقلاوة والرز، فإذا بلغك أن فلاناً شفي من مرضه فاسجد، وإذا بلغك أن فلاناً وهبه الله غلاماً فاسجد، وإذا بلغك أن فلاناً عاد من سفره آمناً والحمد لله فاسجد، وإذا بشرت أن امرأتك ولدت فاسجد، وهكذا، والنعم كثيرة، ومن تتبعها وجدها أكثر من الكثير، ولكن الغفلة مانعة، والشيطان مسيطر.

    مواطن وافق فيها القرآن رأي عمر بن الخطاب رضي الله عنه

    قال: [ وليست هذه أول موافقة عمر لربه تعالى فيما ينزل من أحكام، إذ منها نزول آية الحجاب ] فقد دخل على الرسول صلى الله عليه وسلم في بيته فوجد فلاناً يدخل فقال: يا رسول الله! أرأيت لو منعت الرجال من الدخول على بيتك؟ فنزلت آية الحجاب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ [الأحزاب:53]. وليست هذه فقط، بل [ والصلاة خلف المقام ] مقام إبراهيم، فـعمر هو الذي تمنى هذا، وقال: أرأيت يا رسول الله! لو نصلي خلف المقام؟ فنزلت: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125] [ إلى غير هذا ].

    الأوقات الثلاثة التي أمر فيها العبيد والأطفال بالاستئذان

    قال: [ فقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [النور:58]، أي: يا من آمنتم بالله ولقائه وكتابه ورسوله لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ [النور:58]. ومعنى هذا الأمر: أن عليكم أيها المؤمنون! أن تعلموا أطفالكم وخدمكم الاستئذان عليكم في ثلاثة أوقات، وأمروهم بذلك ] فلا تعلموهم فقط، بل وأمروهم [ والأوقات الثلاثة هي التي في قوله تعالى: ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ [النور:58] ] يعني: الليل [ وهي ساعات النوم من الليل، وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ [النور:58]. وهي ساعات القيلولة، وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ [النور:58]. وهي بداية النوم من الليل ] فنهى عن الليل أوله وآخره، ومن الناس من يقول: أول الليل ما زال فلان لم ينم، وآخر يقول: ممكن فلان يكون يتهجد، ويدخل عليه، فلهذا نص على هذين الوقتين من الليل، وهما أول الليل وآخره والقيلولة [ وقوله تعالى: ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ [النور:58] أي: هي مظنة انكشاف العورة فيها ] فسماها عورات لأن في الغالب تنكشف العورة فيها [ فأطلق عليها اسم العورة، والعورة هي ما يستحى من كشفه ].

    إباحة دخول العبيد والأطفال بدون استئذان في غير الأوقات الثلاثة المنهي عنها

    قال:[ وقوله تعالى: لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ [النور:58] أي: ليس عليكم أيها الآباء والسادة! ولا عليهم يريد الأبناء الصغار والخدم جناح ، أي: إثم وحرج وتضييق.

    وقوله تعالى: طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ [النور:58] أي: يدخلون ويخرجون عليكم للحاجة إليكم وللخدمة لكم، فبعضكم يدخل على بعض، حيث لا غنى لكم عن بعضكم بعضاً؛ فلذا رفع الله تعالى عليكم الحرج ] وهو التضييق والإثم [ في الدخول بدون استئذان في غير الأوقات الثلاثة التي لا بد من الاستئذان فيها.

    وقوله تعالى في ختام الآية الأولى من هذا النداء: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ [النور:58] أي: كهذا التبيين الذي يبين لكم فيه حكم الاستئذان يبين الله لكم الآيات المتضمنة للشرائع والأحكام والآداب؛ إذ هو تعالى عليم بخلقه وما يحتاجون إليه في إكمالهم وإسعادهم، حكيم فيما يشرع لهم ويفرض عليهم. وهذا ما دل عليه قوله ] تعالى [ في ختام الآية: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النور:58] وحقاً هو عليم حكيم سبحانه لا إله إلا هو، ولا رب سواه.

    حكم الاستئذان على من بلغ الحلم

    قال: [ أما الآية الثانية في هذا النداء، وهي قوله تعالى: وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ [النور:59]، أي: سن الاحتلام، هي في ] الأولاد [ الذكور تجاوز الخامسة عشر من العمر ] فإذا تجاوز الولد الخامسة عشرة بدأ الاحتلام [ أو إنبات الشعر، شعر العانة ] فإذا نبت الشعر في عانته حول فرجه بلغ سن التكليف [ أو الاحتلام، بأن يفرز الغلام المني في نومه لرؤية يراها ] فإذا أفرز المني فقد بلغ، وأصبح مكلفاً [ وأما البنت فبالحيض ] فإذا خرج منها دم الحيض ولو قطرة فقد بلغت سن التكليف [ وإنبات شعر العانة، أو بلوغ الخامسة عشرة من عمرها، والغالب أن البنت تبلغ سن الاحتلام في الثانية عشرة ] في الغالب [ فما فوق، كما أن الذكر قد يتأخر بلوغه إلى الثامنة عشرة من عمره ] لضعف بدنه، فيبلغ إلا عند الثامنة عشرة، لا فوق هذا [ فإذا بلغ الأطفال سن الاحتلام وجب عليهم أن يستأذنوا عند الدخول إلى بيت غير بيتهم، بأن يقول أحدهم إذا أراد الدخول على بيت أحد: السلام عليكم، أأدخل؟ ثلاث مرات ] بمعنى: إذ كان ولدي الحبيب يدخل على بيت جاره ثم فجأة وجد نفسه قد بلغ وقد كان يدخل بدون استئذان فالآن يجب أن يستأذن، وهكذا.

    قال: [ كما جاء ذلك في نداء الاستئذان ] الذي حفظناه وعلمناه [ قبل هذا النداء من هذه السورة ( النور ) ] المباركة [ لذا قال تعالى: كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور:59] ] في نداء الاستئذان [ وهم الرجال مثل آبائهم وإخوانهم وأعمامهم ] وأخوالهم [ وقوله تعالى في ختام هذه الآية: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ [النور:59]، أي: لهذا التبيين الذي بينه في آداب الدخول يبين لكم آياته الحاملة للشرائع والأحكام من أجل طهارتكم وأمنكم وسعادتكم. وَاللَّهُ عَلِيمٌ [النور:59]، أي: بخلقه وما يصلح لهم. حَكِيمٌ [النور:59] في شرعه. وهذه حال توجب طاعته تعالى فيما يشرع ] ويقنن [ فعلاً أو تركاً ].

    الأحكام التي اشتمل عليها هذا النداء

    قال: [ وأخيراً: اذكر أيها القارئ الكريم! ما دل عليه هذا النداء الكريم، وهو ما يلي:

    أولا: وجوب تعليم الآباء أبناءهم وخدمهم الاستئذان في الأوقات الثلاثة المعبر عنها بالعورات؛ لأنها من مظنة انكشاف العورات ] وهذه الأوقات الثلاثة هي: قبل صلاة الفجر، ومن بعد صلاة العشاء، والظهيرة.

    [ ثانياً: وجوب استئذان الأولاد إذا بلغوا الحلم عند الدخول إلى غير بيوتهم ] فإذا كان ابنك يدخل بيت أخيك ويشاهد بناته - بنات عمه- فإذا بلغ فحرام أن يدخل إلا بالإذن؛ حتى يحتجب النساء ويدخل [ لأنهم كلفوا بالبلوغ ] وأصبحوا مكلفين.

    [ ثالثاً: اذكر علامات البلوغ واحفظها ] وهي في الولد إنبات شعر العانة، أو الاحتلام، أو بلوغ الخامسة عشرة في الغالب. وفي الأنثى: الحيض، فإذا حاضت الجارية فقد بلغت، أو نبت شعر عانتها فقد بلغت، أو بلغت الخامسة عشرة فقد بلغت بلا تردد، إلا أن الولد قد يبلغ في الثامنة عشرة لضعفه، ولا يحتلم ولا ينبت له شعر، ولكن إذا بلغ الثامنة عشرة وهو أمرد فلا قيمة لمرده؛ لأنه قد بلغ. فاذكر هذه العلامات [ وعلمها ] من أنت أمير عليهم في بيوتك وفي غيرها [ إذ كثير من النساء والرجال لا يعرفون ذلك ] وكم من امرأة تشتكي وتقول: أنا لم أصم، ولم يكن عندي علم، أو تكون قد حاضت ولا تصلي سنة .. سنتين .. ثلاث .. أربع، وما تدري؛ لأن آباءهن لم يعلموهن، ولم يجتمعن لدرس كهذا يتعلمن فيه.

    [ وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ].