إسلام ويب

تفسير سورة إبراهيم (5)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن أمرّ الساعات هي تلك التي تأمل بعدها الجنى، فلا تظفر إلا بالعنا؛ لأن سنة الله قائمة على أن من ضحك بالباطل فليبك بالحق، إنه بلا شك أوان الحصاد المر، والنكال والضر. إنها بلا مراء خيبة الأمل، ووسام الفشل لمن تجرأ على الله فضل وأضل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد)

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس إن شاء الله كتاب الله، راجين أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة إبراهيم الخليل عليه السلام، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة الآيات مجودة مرتلة، ثم نتدارسها، والله نسأل أن يفتح علينا، وأن يعلمنا وينفعنا بما يعلمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ * مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [إبراهيم:15-20].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَاسْتَفْتَحُوا [إبراهيم:15] أي: طلبوا الفتح والنصر، من هؤلاء؟ هم الرسل عليهم الصلاة والسلام، إذ كان السياق في حديث الله عنهم وبيان حالهم مع أممهم.

    وقد تقدم ذكر هود وصالح ونوح قبل ذلك وإبراهيم، وهنا يقول تعالى: وَاسْتَفْتَحُوا [إبراهيم:15] أي: طلبوا الفتح من الله، الذي هو النصر لهم، وَاسْتَفْتَحُوا [إبراهيم:15] ففتح الله عليهم، واستنصروا الله فنصرهم، إي والله.

    وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [إبراهيم:15] الجبار: الذي يتكبر ويطغى ويجبر الناس على مراده وعلى هواه وشهوته وذلك لجبروته، والعنيد: ذاك الذي يعاند ولا يقبل الحق ولا المعروف، دائماً في معاندة وكبرياء، خاب والله، خاب الجبابرة وهلكوا بالعذاب في الدنيا بالخسف أو الرعد والصواعق، أما في الآخرة فستسمعون.

    وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [إبراهيم:15]، قاموا بدعوة الكفر والشرك وحاربوا رسول الله وأولياء الله المؤمنين، ولكن هل انتصروا؟ الجواب: لا، وانظر إلى عاقبتهم وكيف آل أمرهم إلى الدمار والخراب والخسران، وهذه سنة الله، ما من نبي ولا رسول يدعو إلى ربه ويثبت، ثم يستفتح الله ويطلب منه النصر والفتح إلا استجاب الله تعالى له، وأهلك الجبابرة وتلك الأمة الكافرة، وهذا إخبار الله بما وقع.

    وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [إبراهيم:15] وإلى الآن والله ليخيبن كل جبار عنيد مهما طغى واستعلى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد)

    وقال تعالى: مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ [إبراهيم:16] هذا الذي هلك أهلكه الله لعناده وجبروته وطغيانه وكفره، مِنْ وَرَائِهِ [إبراهيم:16] أي: من أمامه جَهَنَّمُ [إبراهيم:16]، ما هو هلاك الدنيا فقط بالتدمير والتخريب ولكن وراءه عذاب آخر: جَهَنَّمُ [إبراهيم:16]، ولاحظ مِنْ وَرَائِهِ [إبراهيم:16] بمعنى من بعده، فيأتي إليها بعد موته، وجهنم -يا معشر الأبناء والإخوان- اسم علم على دركة من دركات النار وطبقة من طبقاتها، وهي شر طبقات النار، جَهَنَّمُ [إبراهيم:16].

    مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ [إبراهيم:16] عندما يعطش ويلهث كالكلب ويطلب الماء تسقيه الزبانية، من أين؟ من ماء الصديد، والصديد معروف عندنا، والحقيقة أن هذا الماء هو ما يسيل من فروج الزناة، وهو عرق أهل النار ودموعهم وقيوحهم ودماؤهم فإنها تصبح أنهاراً يسقون منها، ما هنالك ماء إلا هذا.

    وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ [إبراهيم:16]، وهذا الماء يطلبونه لشدة العطش والظمأ، فيقدم لهم فيستجرع الجرعة فلا يستطيع أن يستسيغه إلى بطنه أبداً، وتسقط فروة رأسه من ذلك الماء الحار في ذلك الإناء: كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ [الكهف:29].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت...)

    قال تعالى: وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ [إبراهيم:16-17]، والتجرع هو: طلب الماء جرعة بعد جرعة في فمه، وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ [إبراهيم:17] ولا يكاد ولا يقرب أبداً بحال أن يستسيغه ويدخله إلى بطنه وجوفه، وذلك لشدة مرارته وحرارته وخبثه.

    يا معشر الأبناء! قولوا: الحمد لله أننا مؤمنون مسلمون نرجو الله والدار الآخرة، فبلايين الكفار في كل مكان من هذه الأرض هم أهل هذا العذاب، وهم متهيئون له مستعدون، من ينجيهم؟ من ينقذهم؟ والله لا أحد إلا الله، وهذا حكم الله فيهم.

    يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ [إبراهيم:17]، يأتيه الموت من فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله بأنواع العذاب التي تصب عليه، أي عذاب كان يميته، ولكن لا يموت؛ لأنه لو مات استراح من العذاب.

    وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ [إبراهيم:17] من فوق ومن تحت وعن يمينه وشماله؛ إذ كل عذاب يصب عليه يميته لو كان يموت ولكن لا يموت، لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا [طه:74]، هذا الشقي صاحب النفس الخبيثة والروح العفنة المنتنة التي ما طابت ولا طهرت بالإيمان وصالح الأعمال ولكن خبثت بالشرك والذنوب والآثام، هذه أخبار الله جل جلاله وعظم سلطانه، وهي أحكامه وقضاؤه فلنتدبر.

    وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم:17] هذا عذاب الآخرة، عذاب الدنيا خفيف رقيق ما هو بغليظ ولا شديد، وإن كان خسفاً ودماراً، أو مسخاً وتدميراً، لكن عذاب الآخرة هو العذاب الدائم الشديد: وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم:17].

    من هذا يرحمكم الله؟ هذا كل كافر ومشرك مات على كفره وشركه، وإن كان ابناً لنبي أو أباً لرسول؛ لأن هذا هو حكم الله.

    الحكم الإلهي بفوز النفس الزكية وخسارة النفس الخبيثة

    أكرر هذا الحكم، يا معاشر المستمعين والمستمعات! أقسم الجبار أعظم إقسام فقال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، سمعتم سورة الشمس وضحاها؟ نصفها أقسام الله وأيمانه، والمقسم عليه والمحلوف عليه: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10] من أبيض أو أصفر أو أسود، غنياً أو فقيراً، في الأولين أو الآخرين، فمن زكى نفسه باستعمال مواد التزكية والتطهير وجنبها مواد التلويث والتخبيث فقد أفلح وفاز ونجا من عذاب النار ودخل الجنة ليخلد في النعيم المقيم، ومن دساها وأخبثها ولوثها وعفنها وأنتنها بما يصب عليها من أوضار الكفر والشرك والذنوب والآثام، ثم ما تاب ولا غسل ولا طاب وتطهر ومات كذلك فحكم الله فيه الخيبة والخسران، حتى ولو كان ابن النبي أو أباه.

    مرة ثانية تأملوا هذا الحكم: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:10] هل فيكم من لا يعرف الفلاح ما هو؟ إنه ضد الخيبة والخسران، زَكَّاهَا [الشمس:9] من هي هذه التي يزكيها؟ نفسه، روحه التي بين جنبيه، وتزكيتها تطييبها وتطهيرها، ويتجلى ذلك -والله- في الدنيا، فإن صاحب هذه النفس الطاهرة الزكية يموت ولا يفسق ولا يجرم لطهارة روحة وزكاة نفسه.

    مرة ثانية اسمعوا هذا الخبر الإلهي وحكم الله: وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم:15-17].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف...)

    ثم قال تعالى وقوله الحق: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ [إبراهيم:18] صفتهم التي تعرفونها أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ [إبراهيم:18].

    مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا [إبراهيم:18] حالهم وشأنهم وصفتهم: أَعْمَالُهُمْ [إبراهيم:18] التي هي صلة الأرحام، بر الوالدين، إطعام الجائع، فك الأسير، إذا كانت أعمالهم صالحة، على سبيل المثال: النصارى اليوم عندهم مستشفيات للعلاج مجاناً وأدوية يوزعونها، هذه الأعمال والله كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً [النور:39]، وقد كان المشركون في مكة كانوا يصلون الرحم، كانوا يطعمون الجائع، كانوا وكانوا، هل أعمالهم هذه نفعتهم؟ والله لم تنفعهم؛ لأنهم ماتوا وأنفسهم خبيثة منتنة كأنفس الشياطين، فهيهات هيهات أن يدخلوا دار السلام مع الأبرار والصالحين!

    وهذه أحكام الله تحملها أخباره الصادقة فيقول: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا [إبراهيم:18] وأشركوا به، ما معنى الكفر بالله؟ عدم الإيمان بلقائه والوقوف بين يديه، عدم الإيمان برسله وكتبه، عدم الإيمان بأنه خالق كل شيء ورب كل شيء، عدم الإيمان بتوحيده، فعبدوا معه غيره، وأشركوا في عبادته غيره من هذه المخلوقات.

    مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ [إبراهيم:18] الرماد الذي ينتج بعد الإحراق بالنار من حطب أو غير ذلك، اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ [إبراهيم:18] العاصفة فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ [إبراهيم:18] لا يستفيدون من شيء مما عملوه من أعمال البر والخير في الدنيا.

    الإيمان شرط لقبول العمل

    وهذه تحتاج إلى موقف يا معشر الأبناء والإخوان، لا تفهم أن العمل الصالح إذا كانت النفس الخبيثة أنه ينفعهم، ما ينفعهم، فالمشرك بالله والكافر به مهما بذل، مهما أنفق في وجوه البر والإحسان والله لا يستفيد من ذلك ولا ينتفع به.

    إذاً: يجب أن يؤمن أولاً، فإذا آمن وصدق إيمانه وأقبل على الصالحات فحينئذ كل عمل من صالح الأعمال يزكي نفسه ويرفع درجته في الدرجات العلا في جنة عدن.

    مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ [إبراهيم:18] تعرفون العواصف التي مع الرياح، فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ [إبراهيم:18] ما ينتفعون بشيء من أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا وهم مشركون كافرون.

    خسران العمل ضلال بعيد

    ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ [إبراهيم:18] ما هو الضلال البعيد؟ هو: أن يعمل المرء من الصالحات ويتعب ويشقى ولا يثاب عليها ولا ينتفع بها، هذا هو الذي ضل ضلالاً بعيداً، وكل كافر وكل مشرك قد ضل ضلالاً بعيداً لا يرجع مع هذا الضلال للحق والنور والهداية الإلهية إلا إذا تاب توبة الصدق والنصح وعاد إلى الله ولو يوماً واحداً في عمره، فيرجى له السعادة والكمال؛ لأن نفسه تطهر بتلك التوبة، أما أن يموت على شركه وكفره فإنه لا ينتفع بشيء من أعماله التي يعملها في الدنيا.

    ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ [إبراهيم:18] أي ضلال أبعد من هذا: يعمل الصالحات ولا يثاب عليها؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق ...)

    ثم قال تعالى وقوله الحق: أَلَمْ تَرَ [إبراهيم:19] يا رسولنا وكل مؤمن، أَلَمْ تَرَ [إبراهيم:19] أي: ألم تعلم وينتهي إلى علمك أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ [إبراهيم:19]، هذا إذا قلت: لم يعذبهم؟ لم أوجد دار الشقاء؟ لم أولئك الأبرار يسكنهم الجنة؟ لم يرفع درجاتهم؟ لم يسعدهم؟

    فالجواب أيها السائل: ألم تعلم أن الله خلق السماوات والأرض بالحق؟ خلقها من أجل أن يخلق فيها أنفساً تعبده بذكره وشكره، فإن هي أطاعت ربها فذكرته وشكرته أنزلها في الملكوت الأعلى، وإن هي عصته وفسقت عن أمره أنزلها في الدركات السفلى، ما خلق هذه العوالم عبثاً، ما خلقها إلا من أجلنا، والله! ما خلق الشمس ولا القمر ولا الكواكب ولا السماوات ولا الجبال إلا من أجلنا، واذكروا قول الله عز وجل في الحديث القدسي: ( يا ابن آدم! لقد خلقت كل شيء من أجلك وخلقتك من أجلي )، ما ننسى هذا الخبر المحمدي، يقول الله: ( يا ابن آدم! لقد خلقت كل شيء من أجلك ) ،كل شيء من أنواع الفواكه والأطعمة واللحوم والهواء وكل الكائنات من أجلك أنت، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ [إبراهيم:19]، لا باللهو واللعب والباطل ثم يترك الناس يمرحون ويعبثون ولا يعذبهم ولا يسعدهم.

    إذاً: ( وخلقتك من أجلي )، يا عبد الله! لم خلقك الله؟! لمن خلقك ؟ هل لأبيك، لأمك، لوطنك؟ خلقنا له، ماذا يفعل بنا، ماذا يصنع بنا؟ ليسمع ذكرنا، ويرى شكرنا، فالذين أعرضوا عن ذكر الله فلا يذكرونه وأعرضوا عن شكره بطاعته فلا يطيعونه هؤلاء أعداء الله، هؤلاء ذنبهم كذنب من نسف السماوات والأرض ودمرهما.

    علة استحقاق الكافر العذاب الأبدي

    قد يقول قائل: ما ذنب أبي جهل حيث فسق وكفر وما شكر ثمانين سنة أو مائة سنة، فكيف يعذب ملايين السنين؟!

    الجواب: أن جريمته أنه كمن نسف الكون كله؛ لأن الله خلق الأكوان كلها من أجله، وخلقه من أجله سبحانه، فأبى أن يذكر ويشكر، إذاً: فاستوجب العذاب الأبدي.

    أقول: لو أن سائلاً يسأل يقول: أين عدل الله في شخص عصاه مائة سنة أو خمسمائة سنة أو ألف سنة ويعذبه الدهر كله بلا نهاية؟!

    نقول: يا عبد الله! ما هي معصية مائة سنة أو ألف سنة فقط، هذا ذنبه أنه كمن نسف الكون كله ودمره؛ إذ خلق الله الكون كله من أجله، فإذا أعرض عن ذكر الله وشكره فحكمه حكم من دمر الكائنات كلها، فهذا كم يعذب؟ ما يكفيه مليارات السنين، عسى أن يكون المستمعون أدركوا هذه الحقيقة.

    أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ [إبراهيم:19] لا بالباطل واللهو واللعب، خلقهما من أجلك يا ابن آدم لتكمل وتسعد، من أجل أن تنزل الملكوت الأعلى (الجنة) دار السلام، فإذا بالشياطين تعبث بقلبك وتسخر منك وتحولك إلى شر الخلق، تكفر بخالقك وتتنكر له وتتمرد على طاعته وتخرج إلى معصيته وتتبجح وتقول: أنا وأنا.

    قدرة الله المطلقة على إنشاء الخلق

    ثم قال: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ [إبراهيم:19] إي والله، بكلمةٍ فقط: كونوا تراباً، والله ما يبقي أحد إلا صار تراباً، إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ [إبراهيم:19] يا قوم نوح ويا قوم هود ويا قوم صالح ويا قوم محمد، إن يشأ يذهبكم إذهاباً كاملاً، وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [إبراهيم:19] غيركم، فلم تتبجحون -إذاً- على الله وتتطاولون فلا تعبدونه ولا تذعنون له، ولا تسلمون له قلوبكم ووجوهكم؟ فما أنتم ومن أنتم؟ والله قادر على أن يذهبكم في ساعة واحدة، ويأتي بخلق أفضل منكم وأكمل.

    وإن قلت: كيف؟ قلنا: الذي بنا هذه الدار يستطيع أن يهدمها أم لا؟ الهدم أسهل، فإذا بناها وهدمها أيعجز عن إعادتها؟

    إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ [إبراهيم:19] أيها الجبابرة المعاندون وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [إبراهيم:19] أفضل منكم وأحسن وأقرب للعبادة.

    وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [إبراهيم:20] أي: ممتنع أو صعب لا يطاق أبداً، ما هو بعزيز على الله أن يذهب أمة من الأمم ويأتي بغيرها وقد فعل، كم من أمة أبادها وأخرى أوجدها، من زمن نوح إلى عيسى بن مريم إلى محمد صلى الله عليه وسلم كم أمة أذهبها وأتى بأخرى؟ ونحن من الأمم الأخرى.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    معاشر المستمعين! أعيد تلاوة الآيات فتدبروها؛ لأنكم تتدارسونها.

    وَاسْتَفْتَحُوا [إبراهيم:15] أي: الرسل، أي: طلبوا الفتح من الله والنصر. وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ [إبراهيم:15] وخسر كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [إبراهيم:15]، فنصر الله نوحاً ودمر أمة كاملة، نصر الله هوداً ودمر الأمة كلها إلا المؤمنين، نصر الله صالحاً ودمر قومه إلا المؤمنين، وهكذا.

    وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ [إبراهيم:15-17] يا ليته مات فاستراح، وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ * مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ * أَلَمْ تَرَ [إبراهيم:17-19] ألم تعلم يا عبد الله، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ [إبراهيم:19] علمنا هذا أم لا؟ إذاً: لم خلقهما؟ من أجل أن يذكر في هذا الكون ويشكر، ( يا ابن آدم! لقد خلقت كل شيء من أجلك وخلقتك من أجلي )، يا عبد الله لم خلقت؟! قال: خلقت لأعبد الله، فلم لا تصلي؟ يا أمة الله!لم خلقت؟ خلقت لأعبد الله، فلم لا تعبدينه إذاً؟ فإن قلت: ما نعرف كيف نعبده، فاسألي أهل المعرفة ليعلموك كيف تعبدينه، هذه مهمتك، هذه علة وجودك وسبب بقائك في الكون، أن تعبدي الله عز وجل، تعلمي كيف تعبدينه، وعبادة الله بعد الإيمان به ولقائه ورسوله هي طاعته فيما أمر أن يقال أو يعتقد أو يفعل، وطاعته فيما نهى وحرم.

    أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [إبراهيم:19] وقد فعل مع أمم كثيرة، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [إبراهيم:20] بممتنع ولا صعب أبداً؛ إنه على كل شيء قدير، وقد فعل فأباد أمماً وأتى بأخرى.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    نسمعكم شرح الآيات من الكتاب.

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات:

    هذا آخر حديث ما ذكر به موسى قومه من أنباء الأمم السابقة على بني إسرائيل، قال تعالى في الإخبار عنهم: وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [إبراهيم:15]، أي: واستفتح الرسل، أي: طلبوا من الله تعالى أن يفتح عليهم بنصرٍ على أعدائه وأعدائهم، واستجاب الله لهم. وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ أي: خسر وهلك كل ظالم طاغ معاند للحق وأهله.

    وقوله تعالى: مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ أي: أمامه جهنم تنتظره سيدخلها بعد هلاكه، ويعطش ويطلب الماء فتسقيه الزبانية مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ [إبراهيم:16]، أي: صديد أهل النار، وهو ما يخرج من قيح ودم وعرق، يَتَجَرَّعُهُ [إبراهيم:17] أي: يبتلعه جرعة بعد أخرى لمرارته، وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ [إبراهيم:17] أي: يدخله جوفه الملتهب عطشاً لقبحه ونتنه ومرارته وحرارته.

    وقوله تعالى: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ [إبراهيم:17] أي: ويأتي هذا الجبار العنيد، والذي هو في جهنم يقتله الظمأ فيسقى بالماء الصديد، يأتيه الموت لوجود أسبابه وتوافرها من كل مكان؛ إذ العذاب محيط به من فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله، وما هو بميت، لأن الله تعالى لم يشأ ذلك، قال تعالى: لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا [طه:74]، وقال: لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا [فاطر:36]، ومن وراء ذلك العذاب الذي هو فيه عَذَابٌ [إبراهيم:17] أي: لون آخر من العذاب غَلِيظٌ [إبراهيم:17] أي: شديد لا يطاق.

    وقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ أي: شديد هبوب الريح فيه، لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا أي: من أعمال في الدنيا عَلَى شَيْءٍ من الثواب والجزاء الحسن عليها، هذا مثل أعمالهم الصالحة كأنواع الخير والبر، والطالحة كالشرك والكفر وعبادة غير الله تعالى مما كانوا يرجون نفعه، الكل يذهب ذهاب رماد حملته الريح وذهبت به مشتدة في يوم عاصف شديد هبوب الريح فيه.

    وقوله تعالى: ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ أي: ذلك الذي دل عليه المثل هو الضلال البعيد لمن وقع فيه؛ إذ ذهب كل عمله سدى بغير طائل ولا أجر فلم ينتفع بشيء منه وأصبح من الخاسرين.

    وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ [إبراهيم:19]، أي: ألم تعلم أيها الرسول أن الله خلق السموات والأرض بالحق، أي: من أجل الإنسان ليذكر الله تعالى ويشكره، فإذا تنكر لربه فكفر به وأشرك غيره في عبادته عذبه بالعذاب الأليم الذي تقدم وصفه في هذا السياق؛ لأن الله تعالى لم يخلق السموات والأرض عبثاً وباطلاً بل خلقهما وخلق ما فيهما من أجل أن يذكر فيهما ويشكر، فمن ترك الذكر والشكر عذبه أشد العذاب وأدومه وأقساه.

    وقوله تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أيها الناس المتمردون على طاعته المشركون به وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ غيركم يعبدونه ويوحدونه، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [إبراهيم:20] أي: بممتنع ولا متعذر؛ لأن الله على كل شيء قدير ].

    هداية الآيات

    والآن مع هداية الآيات، وهل للآيات من هداية؟

    أعيد وأقول: قل لي: ما هذه الآية: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185]؟ من أين أتت؟ من قالها؟

    إنه الله جل جلاله. وهل يستطيع أحد أن يقول: قالها إبراهيم أو عيسى أو عبد الله أو محمد؟ إذاً: الله موجود، وهل يوجد كلام بدون متكلم؟

    فهذا الكلام الإلهي دال قطعاً على وجود الله وعظمته وجلاله وعلمه وربوبيته وألوهيته للخلق كلهم، ومن نزل عليه هل يكون غير رسول؟ مستحيل! إذاً: على من نزل هذا الكلام؟ على محمد صلى الله عليه وسلم، إذاً: فوالله إن محمداً لرسول الله، كل آية تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واسمعوا هداية الآيات.

    قال: [ من هداية الآيات:

    أولاً: إنجاز وعد الله لرسله ]، أنجز لهم ما وعدهم أم لا؟ بم وعدهم؟ بالنصر: وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [إبراهيم:15].

    [ إنجاز وعد الله لرسله في قوله: فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ [إبراهيم:13-14] الآية ] وتقدمت الآية الكريمة.

    [ ثانياً: خيبة وخسران عامة أهل الشرك والكفر والظلم ]، عرفنا هذا من قوله تعالى: وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [إبراهيم:15].

    [ ثالثاً: عظم عذاب يوم القيامة وشدته ]؛ لقوله تعالى: وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم:17].

    [ رابعاً: بطلان أعمال المشركين والكافرين وخيبتهم فيها إذ لا ينتفعون بشيء منها ]؛ لقوله تعالى: أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ [إبراهيم:18].

    [ خامساً: عذاب أهل الكفر والشرك والظلم لازم ] لماذا؟ [ لأنهم لم يذكروا ] ربهم [ ولم يشكروا، والذكر والشكر علة الوجود كله، فلما عبثوا بالحياة استحقوا عذاباً أبدياً ].

    ما علة هذا الوجود؟ أن يذكر الله ويشكر، لم بنى هذا المسجد الملك؟ من أجل أن يصلى فيه أم لا؟ لم خلق الله هذه الأكوان؟ من أجلنا، ونحن خلقنا لماذا؟ لنذكره ونشكره، فويل للكافرين، فويل للناسين والعياذ بالله.

    قال: [ خامساً: عذاب أهل الكفر والشرك والظلم لازم لأنهم لم يذكروا ولم يشكروا والذكر والشكر علة الوجود كله، فلما عبثوا بالحياة استحقوا عذاباً أبدياً ].

    نسأل الله أن يقينا هذا العذاب وأن يحفظنا ويحفظ كل مؤمن ومؤمنة من عذابه وسخطه.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.