إسلام ويب

تفسير سورة النحل (8)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يذكّر الله عز وجل في مطلع هذا السياق القرآني بعظيم فضل الهجرة إلى الله من بلاد الكفر إلى بلاد الإيمان، وما يترتب عليها من عظيم الثواب العاجل في الدنيا والآجل في الآخرة، جزاءً لصبر أولئك المهاجرين وتوكلهم على الله، ثم أشار الله إلى عناد الكافرين ومطالبهم الساذجة التي يتعذرون بها للاستمرار على شركهم، فهم يطلبون الغرائب ويعترضون بالأهواء لرد دعوة الرسل، وها هم الآن يريدون أن يرسل الله إليهم ملكاً رسولاً، فأمرهم الله أن يسألوا أهل العلم من كل ديانة هل حصل وأن أرسل الله ملائكة إلى الناس، وهيهات أن يكون ذلك؛ لأن سنة الله في الرسل أن يكونوا من جنس الرجال مع تأييدهم بالكتب والمعجزات كما أيّد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن الكريم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم رجاءنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك. آمين.

    وها نحن مع سورة النحل، ومع هذه الآيات المباركات الكريمات:

    وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:41-44].‏

    معنى الهجرة وحكمها بعد الزمن الأول

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا [النحل:41] الهجرة: هي الانتقال من بلد إلى بلد، أو الانتقال من بلد الظلم والشرك والطغيان إلى بلد الأمن والإيمان، والهجرة باقية ببقاء هذه الملة، فأيما مؤمن يمنع من عبادة الله ويحال بينه وبينها إلا وجب عليه أن يهاجر إلى بلد آخر يتمكن فيه من عبادة الله؛ إذ علة الوجود عبادة الله، علة وجودك يا عبد الله أن تعبد الله، فإذا حيل بينك وبين هذه المهمة التي من أجلها خلقت فاطلب مكاناً آخر تعبد الله فيه.

    والآية نزلت في المهاجرين من مكة إلى المدينة، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، الهجرة يكفي في بيان فضلها قول ربنا عز وجل: وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:100].

    ومما ينبغي أن نعلم أن الهجرة -وهي الانتقال من مكان إلى آخر من أجل أن نعبد الله عز وجل- عامة في كل الأزمان وكل الأحوال، فأيما مؤمن يجد نفسه في قرية من قرى الإقليم الذي هو فيه غير متمكن من أن يعبد الله في هذه القرية وجب عليه أن ينتقل إلى قرية أخرى، من مدينة إلى مدينة، من إقليم إلى إقليم، من جبل إلى آخر، سر الهجرة هي أن نعبد الله تعالى؛ إذ هذه علة وجودنا، لم أوجدنا الله؟ أوجدنا من أجل أن نذكره ونشكره بالعبادات التي تعبدنا بها، فإذا تعطلت هذه العبادة تعطلت الحياة كلها، ومن هنا وجبت الهجرة.

    في مكة كان يضطهد بلال ، وصهيب ، وعمار ، فما استطاعوا أن يعبدوا الله؛ لأنهم كانوا يمنعونهم من الصلاة، فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة إلى بلاد الحبشة، بلاد النصارى المسيحيين، ولكن فيهم ملك عبد صالح رحب بهم وأهَّل ووسع لهم المسكن، فعبدوا الله في تلك الديار حتى كانت الهجرة إلى المدينة.

    عظيم أجر المهاجرين في سبيل الله تعالى

    يخبر تعالى فيقول: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ [النحل:41] لا لأجل دنيا، لا لأجل مال، لا لأجل منصب، لا لأجل شرف، لا لأجل مركب، بل في سبيل الله، أي: من أجل أن يعبدوا الله وينشروا دعوته بين عباده.

    فِي اللَّهِ [النحل:41] أي: في أن يعبد الله ويدعى إلى عبادته بين الناس.

    وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا [النحل:41] ظلموهم، لو رأيتم والد عمار وهم يعذبونه، وسمية وهم يعذبونها، وعمارًا ، حتى قال الرسول: ( أعطهم يا عمار )؛ لأنهم كانوا يقولون: إما أن تسب الرسول وإما نواصل عذابنا لك. هؤلاء أذن الله لهم في الهجرة وأمرهم بها وهاجروا في سبيل الله، فأخبر تعالى بهذا الخبر العزيز الغالي فقال: لَنُبَوِّئَنَّهُمْ [النحل:41] لننزلنهم منزلاً حسناً يسعدون فيه ويكملون ويعبدون الله تعالى، من بوأه الدار: إذا أنزله فيها.

    دلالة الآية الكريمة على تسمية المدينة النبوية بالحسنة

    وهنا لطيفة ما سمعناها ولا قرأناها، وهي مما فتح الله: وهي أن المدينة تسمى الحسنة، يطلق عليها طيبة والمسكينة، لكن الحسنة ما أطلقت عليها، والآية صريحة في ذلك: لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً [النحل:41] ألا وهي المدينة النبوية، وهذا تقرير ابن جرير في تفسيره. إذاً: من أسماء المدينة الحسنة.

    لَنُبَوِّئَنَّهُمْ [النحل:41] لننزلنهم، ماذا؟ حسنة، إذاً: هي المدينة، ولا سيما لما نزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتعلت أنوارها وازدادت كمالاتها، فإلى اليوم والمدينة حسنة، ولهذا أضفناها في الهدايات، المدينة هي الحسنة، قرر هذا ابن جرير وقرر أنها المدينة النبوية.

    عظيم أجر الآخرة للمهاجرين في سبيل الله

    قال تعالى: لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [النحل:41] أيما مهاجر يهاجر في الله، في سبيل الله، من أجل أن يعبد الله فقط إلا ويبوئه الله مكاناً حسناً، وأما أجر الآخرة فلا تسأل، أجر عظيم يناله المهاجرون، والله تعالى نسأل أن يسجل أسماءنا مع أسمائهم، وكل من هجر معصية لله ولرسوله فهو مهاجر، وقد قلت لكم: تنتقل من غرفة إلى أخرى في سبيل الله، تنتقل من عمل إلى عمل في سبيل الله، أليست هذه هجرة؟ بلى.

    وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [النحل:41] ومعنى هذا: لا تتردد يا عبد الله، لا تخف سوى الله، هاجر إذا ما تمكنت من أن تعبد ربك، وعدك الله بأن يعوضك شيئاً حسناً جزاء هجرتك في الدنيا، أما أجر الآخرة فلا تسأل، هو أكبر بكثير لو كانوا يعلمون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون)

    ثم قال تعالى: الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [النحل:42] هؤلاء هم المهاجرون الصادقون، صبروا على البلاء، وفوضوا أمرهم إلى الله، وتوكلوا عليه، وتركوا أموالهم ونساءهم وأطفالهم وما كان عندهم، فالهجرة ليست هينة؛ لأنك تخرج من بلد فيه مالك وأولادك وأهلك فتذهب إلى مكان لا تعرف فيه أحداً، كما يهاجر بعض إخواننا من أوروبا الآن، يضايقون في ديارهم فيهاجرون، فلهذا الذين صبروا على البلاء وتوكلوا على ربهم هؤلاء هم خيار الناس.

    ورد عن السلف أنهم قالوا: خيار المؤمنين الذين إذا أصابهم أمر صبروا، وإذا عجزوا توكلوا، أخذاً من هذه الكلمة الإلهية: الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [النحل:42] الصبر هو التحمل، وذلك بأن تصبر على الأمر الذي لا يطاق وتتحمله ويتسع له صدرك، ولا تسخط على الله ولا تجزع، وتتوكل على الله وتفوض أمرك إليه وتفعل ما طلب منك وأمرك به من هجرة وغيرها.

    خيار المؤمنين الذين إذا أصابهم أمر صبروا، ما جزعوا، وإذا عجزوا توكلوا على الله وفوضوا الأمر إليه، أخذاً من قوله تعالى في وصفهم: الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ [النحل:42] لا على سواه يَتَوَكَّلُونَ [النحل:42].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)

    كان المشركون في مكة يضحكون ويقولون: كيف يرسل الله رسولاً من الناس؟ لم لا يرسل ملكًا؟ وألحوا في هذا وطالبوا به يتحدون رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقولون: كيف يرسل الله بشراً ولا يرسل الملائكة إلى الأرض؟ وهذه الفذلكة قالها المشركون مع شعيب عليه السلام: وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ [الشعراء:186] كيف يرسل الله البشر؟ لم لا يرسل ملكًا من الملائكة؟ ويطالبون بهذا من أجل الهروب من أن يعبدوا الله وحده، وقد ألفوا عبادة الأصنام والأحجار، من أجل ألا يستقيموا على منهج الحق فيحلوا ما أحل الله ويحرموا ما حرم الله؛ يفزعون إلى المكر والخداع والكذب والتشنيع، كيف يبعث الله بشرًا؟ لم لا يبعث ملكًا؟

    فقال تعالى رداً عليهم: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] اتصلوا بعلماء اليهود، بعلماء النصارى واسألوهم: هل أرسل الله يوماً من الأيام ملكًا يدعو الناس إلى الله؟ أم أرسل رسلاً كموسى وهارون وعيسى وسائر الأنبياء؟ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43].

    وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ [النحل:43] يا رسولنا، من هو هذا؟ هذا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا [النحل:43] لا ملائكة أبداً ولا نساء، ولكن رجال عظام، رجال من نوح عليه السلام، إلى إبراهيم، إلى موسى، إلى عيسى وما بين ذلك.

    امتناع رسالة المرأة وولايتها

    هل تكون المرأة رسولاً؟

    الجواب: لا تكون؛ إذ كيف تقابل الفحول إذا كانت المرأة رسولاً؟ كيف تقابل الرجال -وهي امرأة- لتدعوهم؟ لا يصح هذا أبداً، والحبيب صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة )، وسر ذلك: أن المرأة لا يمكن أن تصبح قاضية، تجلس على الكرسي والخصوم أمامها رجالاً ونساء، فليس لها ذلك أبداً، كيف تواجه الرجال؟

    إذاً: فالذين جعلوا نساءهم قاضيات أخطئوا، زلت أقدامهم وهبطوا، ولا شك أنهم مقلدون للكفار الماجنين الهابطين، وإلا فلن تكون امرأة قاضية أبداً، إذ كيف تواجه الفحول وهي أنثى؟ وما أرسل الله امرأة رسولاً أبداً بحال من الأحوال للعلة التي عرفتم، وهي: كيف تواجه الرجال؟

    وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ [النحل:43] من المرسلين وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً، أرسلهم من الرجال وما أرسلهم من الملائكة.

    إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ [النحل:43] في قراءة سبعية: (يوحى)

    وقراءة (نوحي) أيضاً سبعية كذلك.

    فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] اسألوا علماء اليهود، علماء النصارى: هل أرسل الله ملائكة للناس في أي زمان أو مكان؟ لا والله لا يجيبهم أحد، فعلماء اليهود والنصارى على علم، ما أوحى الله أبداً إلى ملك يعلم الناس في الأرض.

    وجوب سؤال أهل العلم عما يجهله المرء من أمر دينه

    قال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] وهذه الآية -يا معشر المستمعين- لا تبقي جاهلاً ولا جاهلة في ديار المسلمين، مسحت الجهل مسحاً، لا تبقي له أثراً لو عملوا بها، كيف؟ على الذي لا يعلم أن يسأل حتى يعلم، وعلى الذي يسأل أن يجيبه ليعلم، ومن ثَمَّ لا يبقى الجهل أبداً.

    فأيما مؤمن أو مؤمنة ما يعرف كيف يتوضأ إلا ويجب أن يسأل العالم: كيف يتوضأ؟ لا يعرف كيف يطيع أو يحسن إلى والديه يجب أن يسأل العالم ليعلمه كيف يحسن إلى والديه، كل شئون الحياة يجب أن نكون فيها بصراء فقهاء علماء؛ لأن أمتنا أمة العلم بهذه الآية: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] ما منا أحد إلا ويسأل حتى يتعلم، كانوا يرحلون من الأندلس إلى المدينة، يرحلون من وراء السند ونهر السند إلى المدينة يتعلمون.

    فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] أيما مؤمن لا يعرف كيف يتوضأ أو يغتسل أو كيف يصلي أو كيف يحج أو يعتمر أو كيف يزكي ماله أو كيف يبر بوالديه أو يحسن إلى جيرانه أو كيف يجاهد في سبيل الله؛ إلا ويسأل وجوباً حتى يتعلم، والذي يُسأل ولا يجيب ولا يُعلِّم فيا ويله -والعياذ بالله- من ذلك الوعيد الشديد: ( من كتم علماً ألجمه الله بلجام من النار )، من كتم علماً وجحده وأبى أن يبينه للسائلين ألجمه الله بلجام من النار، أدخله جهنم وعذبه بعذاب خاص.

    فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، فمن كان يعلم لا يسأل، ومن لم يعلم يجب أن يسأل، اسأل كيف تأكل، كيف تشرب، كيف تلبس ثيابك، كيف تمشي في الطرقات، إذ كل الحياة لها هدايات وبيانات في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ...)

    قال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ [النحل:43-44] أي: أرسلنا أولئك الرسل الذين تسألونهم بالبينات والحجج والكتب. والزبر: جمع زبور وهو الكتاب، مزبور بمعنى: مكتوب. والبينات: الحجج والمعجزات التي أعطاها الله للأنبياء والرسل، والزبر: الكتب: التوارة، الإنجيل، الزبور، القرآن الكريم، أي: أرسلهم بالبينات والزبر. وأنت يا رسولنا: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ [النحل:44] هذه الآية إذا سمعها عاقل يعرف أن محمداً رسول الله، فهي تقرر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا قيمة لمن ينفيها أو يجحدها بحال من الأحوال، والله يقول: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ [النحل:44] أي: القرآن، لمهمة: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44].

    مكانة السنة النبوية وأهميتها

    وهنا تعرفون أن السنة النبوية ضرورية لا غنى عنها أبداً، ومن تمسك بالقرآن ورفض السنة فوالله لقد ضل وجهل وهلك، السنة أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، وهي محفوظة مدونة عند أهل العلم؛ لأنها هي التي تبين لنا معاني القرآن وتشرح لنا مراد الله من كلامه قولاً وعملاً واعتقاداً.

    فهذه الآية كالأولى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] قاعدة عامة، وهذه: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ [النحل:44] يا رسولنا الذِّكْرَ [النحل:44] أي: القرآن، لماذا؟ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44]، فالرسول بين للناس كيف يصلون كما بين له جبريل، فإنه نزل من السماء وصلى به يومًا وليلة في مكة عند البيت، وعلمه كيف يركع وكيف يسجد.

    جمل وقواعد مأخوذة من الآيتين

    فهنا جمل لا ننساها:

    أولاً: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ [النحل:43] لا حجة أبداً أن تعيش جاهلاً مخطئاً وتقول: أنا ما علمت، اسأل. وإذا ما وجدت في قريتك عالماً رحلت إلى عالم تسأله، وتعمل بما تعلم، وتعلم أيضاً، وتنشر دعوة الله.

    ثانياً: السنة النبوية ضرورية لمعرفة الإسلام وشرائعه وآدابه وعقائده وأخلاقه، لا غنى عنها. وقد وجد بعض الجماعات ممن يقول: يكفينا الكتاب، حسبنا القرآن الكريم! وهم والله مخطئون ضالون، والله لولا السنة ما فهموا كلام الله.

    وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ [النحل:44] ما الذكر؟ القرآن هو الذكر، بمجرد أن تقول: باسم الله تكون قد ذكرت الله، وتلاوة القرآن كلها ذكر لله، لا تخرج عن ذكر الله أبداً، فلهذا سماه الله ذكراً، يذكرك بوجود الله وربوبيته وألوهيته وإحسانه وجوده وكرمه ورحمته، وكل الكمالات يذكرك القرآن بها.

    وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ [النحل:44] لماذا؟ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ [النحل:44] أبيضهم وأسودهم، مؤمنهم وكافرهم مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44] ونحن نُزِّل علينا شيء؟ القرآن الكريم كله منزل إلينا يا معشر المؤمنين والمؤمنات.

    لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:44] فيتعظون ويرجعون إلى الحق ويواصلون سيرهم في الصراط المستقيم حتى يقرعوا باب الجنة ويدخلوها آمنين.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    إليكم شرح الآيات من الكتاب مرة ثانية فتأملوها:

    معنى الآيات

    قال المؤلف غفر الله لنا وله: [ معنى الآيات:

    إنه بعد اشتداد الأذى على المؤمنين لعناد المشركين وطغيانهم ] وهذا في مكة كما علمتم [ أذن الله تعالى على لسان رسوله للمؤمنين بالهجرة من مكة إلى الحبشة ثم إلى المدينة، فهاجر رجال ونساء، فذكر تعالى ثناءً عليهم وتشجيعاً على الهجرة من دار الكفر ] ثناء على أولئك السابقين وتشجيعاً على الهجرة من دار الكفر [ فقال عز وجل: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ [النحل:41] أي: في ذات الله ومن أجل عبادة الله ونصرة دين الله. مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا [النحل:41] أي: من قِبَل المشركين. لَنُبَوِّئَنَّهُمْ [النحل:41] أي: لننزلهم بإسكانهم فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً [النحل:41] وهي المدينة النبوية، ولنرزقنهم فيها رزقاً حسناً، هذا بالنسبة لمن نزلت فيهم الآية، وإلا فكل من هاجر في الله ينجز له الرب تبارك وتعالى هذا الوعد، كما قال تعالى: وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً [النساء:100] أي: في العيش والرزق. وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ [النحل:41] أي: المعد لمن هاجر في سبيل الله أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [النحل:41] هذا ترغيب في الهجرة وتشجيع للمتباطئين ] الذين وجبت عليهم الهجرة وهم متباطئون عنها.

    [ وقوله تعالى: الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [النحل:42] بيان لحالهم وثناء عليهم بخير، لأنهم صبروا أولاً على الأذى في مكة، ثم لما أذن لهم بالهجرة هاجروا متوكلين على الله تعالى مفوضين أمورهم إليه، واثقين في وعده. هذا ما دلت عليه الآيتان.

    وأما الآية الثالثة والرابعة من هذا السياق فهما تقرير لحقيقة علمية بعد إبطال شبهة المشركين القائلين: كيف يرسل الله محمداً رسولاً وهو بشر مثلنا؟! لم لا يرسل ملكاً من الملائكة؟ وهو ما أخبر تعالى به في قوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ [النحل:43] أي: من الرسل إِلَّا رِجَالًا [النحل:43] لا ملائكة. نُوحِي إِلَيْهِمْ [النحل:43] بأمرنا.

    وقوله تعالى: فَاسْأَلُوا [النحل:43] أيها المشركون المنكرون أن يكون الرسول بشراً، اسألوا أهل الذكر وهو الكتاب الأول، أي: اسألوا علماء أهل الكتاب اليهود والنصارى: هل كان الله تعالى يرسل الرسل من غير البشر؟ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، فإنهم يخبرونكم، وما موسى ولا عيسى إلا بشر.

    وقوله تعالى: بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ [النحل:44] أي: أرسلنا أولئك الرسل من البشر بالبينات، أي: الحجج والدلائل الدالة على وجوب عبادتنا وترك عبادة من سوانا، والزبر أي: الكتب.

    ثم يقول تعالى لرسوله: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44] وفي هذا تقرير لنبوته.

    وقوله: وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:44] أي: فيعرفون صدق ما جئتهم به فيؤمنوا، ويتوبوا إلى ربهم فينجوا ويسعدوا].

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات: من هداية الآيات:

    أولاً: فضل الهجرة ووجوبها عند اضطهاد المؤمن وعدم تمكنه من عبادة الله تعالى ] كما بينا لكم. فالهجرة واجبة على كل مؤمن ومؤمنة يقدر عليها إذا هو اضطهد أو عذب ولم يتمكن من عبادة الله تعالى.

    [ ثانياً: تسمية المدينة حسنة ] المدينة من أسمائها: الحسنة؛ لهذه الآية الكريمة.

    [ ثالثاً: وجوب سؤال أهل العلم على كل من لا يعلم أمور دينه من عقيدة وعبادة وأحكام ]، أخذنا هذا من قوله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]

    فإن لم يجد أهل العلم في بلاده رحل إلى بلاد أخرى.

    [ رابعاً: السنة النبوية لا غنى عنها؛ لأنها المبينة لمجمل القرآن، والموضحة لمعانيه ] كما علمتم. لا غنى للمسلمين عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل لا بد من دراسة السنة وتعلمها.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.