إسلام ويب

تفسير سورة النحل (24)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سنة الله جارية على أن من بذل لهذا الدين، وتحمل لأجله المشاق، وصبر على آلام البعد والفراق كحال هؤلاء المهاجرين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله لا يضيع سعيه بل يكرمه في الدنيا والآخرة، وأما من تنكب الصراط، واستعان على معاصي الله بنعمه فكذب الأنبياء وحارب المصلحين كحال كفار قريش، فإن الله بالمرصاد، وسيسلبه تلك النعم، وينزل عليه أشد النقم، جزاءً له على سوء عمله، فيعاجله بالعقوبة في الدنيا، ثم يسومه سوء العذاب في الآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم رجاءنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك. آمين.

    وها نحن مع سورة النحل، ومع هذه الآيات المباركات الكريمات:

    قال تعالى: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ [النحل:110-113].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل:110].

    لقد سبق أن علمتم بأن الله عز وجل رخص للمؤمنين في حال الإكراه بالتعذيب والقتل أن يقولوا كلمة الكفر بألسنتهم ولا تنشرح لذلك صدورهم وتطيب خواطرهم، وهو قول ربنا عز وجل: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل:106].

    هنا أذكركم بما تعلمون: أن المؤمنين في مكة اضطهدوا وعذبوا ونكل بهم، وقتل من قتل، وعلى رأس من قتل: سمية وياسر وممن عذب: عمار وخباب ، فلما اشتد البلاء أذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة إلى الحبشة، إذ كان بها ملك صالح هو أصحمة الحبشي فهاجروا إليه، فآواهم ونصرهم، فجزاه الله خير الجزاء؛ لأنه أسلم، ولكنه لم يتمكن من الهجرة إلى المدينة ليشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولكن لما مات وصل الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طريق الوحي، فوالله لقد خرج من هذا المسجد مع رجاله إلى ساحة هنا وصلى عليه صلاة الغائب، وصلى عليه صلاة الجنازة صلاة الغائب وحوله المؤمنون.

    وبعض المؤمنين لما فرضت الهجرة عليهم بأن يتركوا مكة؛ لأن الكفر والضلال فيها ويلتحقوا بالمدينة الطاهرة ليعبدوا الله عز وجل وينصروا رسوله ودينه هاجر من هاجر منهم، وجماعة عجزت عن الهجرة وما استطاعت، فعذبوها، فكفروا.. قالوا كلمة الكفر، ثم بعد ذلك، هاجروا وانضموا إلى جيش الله في المدينة، وجاهدوا وصابروا وصبروا، فنزل فيهم هذا اللفظ الذي تسمعون: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ [النحل:110] بعفوه ومغفرته ورحمته ونصرته لمن؟ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا [النحل:110].

    مشروعية الهجرة فراراً بالدين

    هنا أكرر القول وبلغوا: أن المؤمن إذا وجد نفسه في بلد -في السهل أو الجبل- لا يستطيع أن يعبد الله فيه فإنه قد وجبت عليه الهجرة وجوب الصلاة والصيام، حتى يتمكن من أن يعبد الله العبادة التي ما خلق إلا لأجلها.

    إذاً: أيما مؤمن يجد نفسه في مكان ما لا يستطيع أن يعبد الله فيه وجبت عليه الهجرة إلى بلد آخر.. إلى أرض أخرى؛ ليعبد الله عز وجل، إذ من أجل هذه العبادة خلق، والله يقول: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].

    أما من وجد نفسه قادراً على أن يعبد الله في أي مكان في أوروبا أو اليابان أو الصين أو الأمريكان، فإنه يعبد الله عز وجل ولا يطالب بالهجرة، لأن الهجرة: هي الانتقال من مكان لا يعبد فيه الله إلى مكان يعبد فيه الله، هذه الهجرة واجبة وباقية ببقاء هذه الحياة إلى أن تطلع الشمس من مغربها.

    سر مشروعية الهجرة

    ما السر في الهجرة؟

    أن يعبد الله، فمادمت في قرية أو في حوش أو في سوق أو في مكان لا تتمكن من أن تعبد الله فحرام عليك أن تبقى في هذا المكان ولو تركت أهلك ومالك، كما فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ تركوا أموالهم وأهليهم بمكة وهاجروا إلى المدينة؛ لأن أهل مكة منعوهم من أن يعبدوا الله.

    ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا [النحل:110]، فتنوهم ليصرفوهم عن لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل:110]، هنيئاً لهم غفر لهم ورحمهم!

    لطيفة في قوله: (إن ربك)

    لطيفة في قوله: إِنَّ رَبَّكَ [النحل:110] ما قال: إن الله غفور رحيم؛ لأن الهجرة تكون لله ولرسوله، بل قال: إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل:110]، والكاف في ربك عائد على المصطفى صلى الله عليه وسلم.

    يا عباد الله! يا نساء المؤمنين! يا رجال الإسلام! ما خلقنا إلا لنعبد الله، فهيا نعبد ربنا بما شرع لنا، فمن حيل بينه وبين العبادة فليهاجر، ولينزل بأي مكان يعبد فيه الرحمن عز وجل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ...)

    ثم قال تعالى: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [النحل:111].

    القرطبي -نسبة إلى قرطبة من علماء السلف- رحمه الله له تفسير عجيب عظيم، ورد في تفسيره ما يلي:

    قال: [ قال عمر رضي الله عنه ]، عمر هو ابن الخطاب [ قال عمر : يا كعب الأحبار ] وكعب أحد علماء الإسلام، يهودي وأسلم وصار من أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    [ يا كعب الأحبار خوفنا ] أي: حدثنا ونبئنا بما عندك من العلم.

    عمر على جلالته رضي الله عنه وأرضاه يواجه هذا العالم وهذا الحبر كعب الأحبار ويقول: يا كعب الأحبار خوفنا .. حدثنا.. نبئنا.. [فيقول كعب ]رضي الله عنهما معاً [والذي نفسي بيده ] هذه يمين رسولنا صلى الله عليه وسلم، هذه يمين الطاهرين والطاهرات، (والذي نفسي بيده)، كأنما قال: والله، أو وربي أو والذي خلقني. (والذي نفسي بيده)، إن شاء أرسلها وإن شاء قبضها، فالذي يحلف بهذه اليمين لا يستطيع أن يكذب أبداً أو يقول الباطل، وهو موقن أن نفسه بيد الله عز وجل، احفظوا هذه اليمين واحلفوا بها: والذي نفسي بيده، هذه يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم، يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف بها كعب الأحبار .

    [ والذي نفسي بيده لو وافقت يوم القيامة يا عمر بمثل عمل سبعين نبياً ] أي: لو جئت يوم القيامة ومعك من العمل الصالح عمل سبعين نبياً [ لأتت عليك تارات -أوقات- لا تهمك إلا نفسك ].

    ماذا قال عمر؟

    قال: يا كعب الأحبار ! خوفنا.. هيجنا.. حدثنا.. نبئنا، فقال له كعب رضي الله عنه: والذي نفسي بيده -وهو الله- لو وافيت يوم القيامة يا عمر ووجدت نفسك وافيته بمثل عمل سبعين نبياً من الأنبياء لأتت عليك تارات.. ساعات أوقات لا تهمك إلا نفسك، فقط، لا الأب ولا الأم ولا الأخ ولا القريب ولا البعيد.

    قال: [ وإن لجهنم زفرة ] الزفرة: الصوت المزعج [ وإن لجهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي منتخب إلا وقع جاثياً على ركبتيه ] إن لجهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي منتخب إلا وقع جاثياً على ركبتيه من ذلك الصوت [ حتى إن إبراهيم الخليل ليدلي بالخلة ويقول: رب إني خليلك، إني إبراهيم فاحفظ نفسي، نفسي نفسي ].

    عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يحادث كعب الأحبار ؛ لأنه عالم من علماء بني إسرائيل أسلم وحسن إسلامه وكان من كبار العلماء، يقول له: يا كعب الأحبار خوفنا.. هيجنا.. حدثنا.. نبئنا، فيقول له كعب : والذي نفسي بيده لو وافيت يوم القيامة يا عمر بمثل عمل سبعين نبياً لأتت عليك تارات لا تهمك إلا نفسك، ولهذا ما من نبي ولا رسول في هذه الفترات يذكر أمته أو أبناءه أو إخوانه أبداً، إلا ما كان من محمد صلى الله عليه وسلم فإنه يذكر أمته فقط.

    وإن لجهنم لزفرة: صوت، لا يبقى ملك مقرب ولا نبي منتخب إلا وقع جاثياً على ركبتيه عندما يسمع ذاك الصوت.. صوت جهنم، زفرة فقط منها، حتى إن إبراهيم الخليل ليدلي بالخلة فيقول: يا رب أنا خليلك إبراهيم لا أملك اليوم إلا نفسي، أنا خليلك إبراهيم لا أملك اليوم إلا نفسي [ فقال عمر رضي الله عنه لـكعب : أين تجد في كتاب الله هذا؟ فقال كعب : في قول الله تعالى: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [النحل:111]].

    استنبطها من كتاب الله.

    أين تجد ذلك يا كعب ؟ قال: في كتاب الله، في سورة النحل، إذ يقول تعالى: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا [النحل:111] لا عن غيرها. ولم يستثن إلا محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه يجادل عن نفسه وعن أمته، ما عدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس هناك من يخاصم ويجادل أو يطالب بشيء إلا بنجاة نفسه فقط، كل واحد يقول: نفسي.. نفسي نفسي، وهذا معنى قوله تعالى: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ [النحل:111] من خير أو شر، ما كان خيراً قد يضاعف لها ويزاد فيه، وما كان من شر تجزى به على ما هو، لا يضاعف الله السيئات، ولكن يضاعف الحسنات.

    هذه الأنفس نحن منها، ووالله ما منا أحد إلا وهو في هذه الأنفس وسيبعث يجادل عن نفسه كيف ينجو من عذاب الله وسخطه، وإذا سمع صوت جهنم وزفيرها يخر على ركبتيه جاثياً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان ...)

    ثم قال تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا [النحل:112] واسعاً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112].

    تأملوا هذه الآية العظيمة، هذا مثل ضربه الله؛ لتفهموا عن الله وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً [النحل:112]، والمراد من القرية: الحاضرة.. العاصمة، ليس القرية الاصطلاحية عند الجغرافيين.

    وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً [النحل:112]، لا قلق ولا خوف ولا فزع ولا.. أبداً، يأتيها رزقها رغداً من كل مكان؛ من الشرق والغرب.

    فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ [النحل:112]، ما شكرت نعم الله عليها، فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112] من الباطل والشر والخبث والكفر والفساد.

    هذه الآية تتناول أولاً: مكة، وأحلف بالله إن مكة لمقصودة بهذا، إذ مكة المكرمة كما أخبر تعالى في قوله: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:1-4] لما غزاها أبرهة الحبشي ورجاله بالفيل، وحين قاربوا الوصول إلى منى ما بين مزدلفة ومنى، في الوادي هذا يسمى وادي محسر -وهو موجود- أرسل الله تعالى على ذلك الجيش حجارة من سجيل من جهنم، الحجرة كالحمصة، طير قبل أن تعرف الدنيا الطائرات النفاثة، طير تحمل هذه الحجارة، فما تسقط الحجارة على أحد منهم حتى يتحلل ويذوب، واقرءوا: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [الفيل:1-5].

    لم فعل هذا؟ لِإِيلافِ قُرَيْشٍ [قريش:1]، حتى تبقى قريش آلفة التجارة في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام، ويعيشون في رغد؛ لأنهم حماة الحرم؛ ولأنهم جيرة الكعبة، فحفظهم الله ووقاهم كل مكروه لأجل هذه الميزة.

    واقرءوا: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ [المائدة:97]، معايش تقوم عليها، ما يستطيع عربي من أي قبيلة أن يمس قرشياً في مكة بسوء أبداً، بل يجلهم ويحترمهم؛ لأنهم حماة الحرم وسكان الحرم.

    إذاً: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المائدة:97] سبحانه وتعالى.

    إذاً: كانت آمنة مطمئنة. أي: مكة، يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا [النحل:112] أي: واسعاً من كل مكان؛ من اليمن والشام وغيرهما، فكفرت بأنعم الله، إذ حاربت رسول الله ووقفت في وجه دعوته، ورضوا بالشرك والكفر والإلحاد، وزعموا أنهم على حق، وأن رسولنا مبطل، وأنه ساحر وشاعر كما تقدم. إذاً: كفروا بنعم الله.

    فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل:112]، لباس الجوع كأنه يلبسه فيحيط به كالثوب، والخوف كذلك.

    وقد تم هذا والرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة مع رجاله المهاجرين والأنصار، حين قال: ( اللهم اشدد على مضر ).

    دعا الحبيب صلى الله عليه وسلم على أهلها فقال: ( اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليها سنين كسني يوسف )، اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف، وهي سبع سنين عجاف لا مطر فيها ولا نبات ولا ولا ولا، كالتي حدثت مع يوسف عليه السلام.

    أصاب مكة وما حولها من مضر سبع سنين، والله حتى أكلوا الميتة والجيفة، وأكلوا العهن.. أكلوا الدهن طبخوه، أكلوا العظام سبع سنوات، وجاء وفدهم إلى رسول الله يدعوه أن يدعو الرسول لهم، ودعا وفرج الله ما بهم وما آمنوا.

    فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل:112] أصبحت جماعات المسلمين تمنعهم من السفر يميناً وشمالاً وتطارد تجاراتهم وقد يغزونهم حتى في عقر دارهم، فكان الخوف في تلك السنين السبع لا نظير له، وبعدها فتح الله مكة على رسوله في السنة الثامنة وانتهى ذلك البؤس والخوف.

    وهنا لاحظوا قوله تعالى: بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112] أي: بسبب صنعهم الباطل والشر والفساد.

    ومن العجيب في هذه الآية وإن كان المعنى خاص إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب: من العجيب لما حصلت تلك الفتنة في المدينة وحوصر عثمان رضي الله عنه في بيته وقتل، أن عائشة أم المؤمنين وحفصة فسروا الآية وقالوا: هذه الآية نزلت في المدينة من أجل أهل المدينة، إذ أصابهم حصار وخوف وفزع من جيوش الباطل التي جاءت من الغرب والشرق.

    ومن هنا أقول: أن ما أصاب أمة الإسلام في القرون الماضية في أكثر من ألف ومائة سنة وهي تعاني من البلاء إلا والآية هذه منطبقة عليهم، فأيما أهل إقليم.. أيما أهل بلد يفسقون ويخرجون عن طاعة الله ورسوله ويشيع فيهم الباطل والمنكر والشر والفساد والشرك والكفر وأذية العلماء إلا ويبتليهم الله ويذيقهم لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.

    هذا مثل ضربه الله ليعظ به عباده في الشرق والغرب: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ [النحل:112]، ما شكرت ربها، فأضاع أهلها الصلاة ومنعوا الزكاة، ارتكبوا الكبائر من الذنوب والآثام، عطلوا حدود الله فصب الله عليهم البلاء صباً، وسلط عليهم الشرق والغرب في كل مكان، قولوا: آمنا بالله.

    ومن هنا نخص هذه البلد ونسأل الله أن لا تكون كمن سبق، لقد أمنها الله وألبسها لباس الأمن والطعام والسعادة، فهي تحت النظارة، إما أن تشكر نعمة الله فيوافيها ويزيدها ويوفيها، وإما أن تكفر النعمة فيسلبها منها.

    فلهذا على أهل ديارنا هذه أن يتقوا الله، أن لا يخرجوا عن طاعة الله ورسوله وإمام المسلمين، وأن لا يسرفوا في الطعام والشراب واللباس والسكن والنكاح، وأن يعرفوا أنهم مرتقبون تحت نظارة الرحمن، فلا خيانة ولا كذب، لا ربا ولا زنا، لا باطل ولا منكر، لا شرك ولا فسق ولا فجور، حتى تستمر هذه النعمة.

    وقد عرف بنو عمنا اليهود هذا، وقالوا: إلى متى وهذه النعمة دائمة، لابد من أن نزيلها، وهاهم.. الآن كنا جالسين وشاب واضع البرنيطة على رأسه!

    أبناء المدينة يضعون البرانيط على رءوسهم، شاهدوهم في الشوارع، أسألكم بالله كم تكلمنا عن هذا الموضوع؟ كم بكينا وقلنا؟ أين آباؤهم؟ أين إخوانهم؟ أين أمهاتهم؟ أين جيرانهم؟

    أولادهم بالبرانيط على رءوسهم يتبجحون كاليهود والنصارى لعنة الله عليهم، والله إن هذا لمن عمل اليهود، أقسم بالله.

    وهذه الصور الخليعة التي في بيوتنا.. هذه الصحون الهوائية -الدشوش- وما تعرض، وقد منعتها الحكومة فعصوها، وأدخلوها بيوتهم يتبجحون بها، ويجلسون بنسائهم وأطفالهم أمامها ليشاهدوا الباطل والمنكر في بيوتهم؛ ليسلب ذاك البيت نور الله ويحق به عذاب الله.

    البنوك الربوية من فتحها؟ هل فتحتها الحكومة؟ والله ما فتحتها، فتحناها نحن المواطنون والعياذ بالله!

    ونحن ننادي: اتركوها! حولوها إلى مصارف إيمانية، يا أيها المؤمنون! لو لم تقفوا أمام البنوك فوالله إنها ستغلق خلال أربعين يوماً، ولكننا مندفعون بالسحر العجب وكأننا لسنا بالمسلمين.

    والله إن لم نلتزم بما أمرنا الله بالالتزام به.. بعبادة الله جرياً وراء طاعة الله ورسوله وإمامنا خادم الحرمين الشريفين، والله لتسلبنّ هذه النعمة، ويومها يبكون ولا ينفع البكاء، ويومها يضحك اليهود ويزغردون ويقولون: حققنا هدفنا ونحن نمد أعناقنا والعياذ بالله.

    لم الإسراف والبذخ والباطل والشر والمنكر؟ أهذا هو الشكر لهذه النعمة؟

    الشكر يكون بالقلب وباللسان وبالأركان كالركوع والسجود وقيام الليل والصيام، ما هو بالتبجح.

    وبلادنا الأخرى مسلوبة والله، فلا أمن ولا رغد عيش؛ من إندونيسيا إلى موريتانيا، لا أمن ولا سعادة، وإنما ضلال وفتن ومحن والعياذ بالله تعالى.

    وكيف تزول هذه الغمة؟

    والله لن تزول إلا بالتوبة الصادقة والعودة الصحيحة إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكم وكم وكم كتبنا في هذا وبينا وشكونا، وقلنا: والله إنكم يا معشر المسلمين عرباً وعجماً لتحت النظارة: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14]، فإما توبة وإما أن ينزل الله بهم بلاء ما عرفه آباؤهم وأجدادهم!

    أقسم بالله، فلا بد من توبة نصوح نعود فيها إلى الله عز وجل فنقيم الصلاة ونؤتي الزكاة ونحرم ما حرم الله، لا ربا لا زنا لا خلاعة لا دعارة، لا فسوق لا فجور، لا كذب لا خيانة لا باطل لا شر، ونعبد الله ونعمل هكذا الليل والنهار لإسعادنا في الدنيا والأخرى.

    ما المانع؟ سئل أحدهم: أين ربك؟ قال: بالمرصاد. تعرفون المرصاد أو لا؟ حيث يرصد.

    والآن الاستعمار قد هيمن على شبابنا فضغط الشاب البرنيطة على رأسه يمشي فيها: اذهب أذهبك الله! افرحوا يا يهود نجحت دعوتكم فأبناء المدينة بالبرانيط يتبجحون بها ويضحكون في الشوارع، أبناء سبع سنين وعشر سنين وخمسة عشر سنة، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا نجاة إلا بالله، لا سلامة إلا بالله، والله عز وجل لا ينجي ولا يسلم إلا من قرع بابه وأقبل عليه وتاب بين يديه.

    هذا معنى قوله تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ [النحل:112] ما شكرتها.

    كفران النعم: عدم شكرها، وشكرها يكون بطاعة الله ورسوله والتزام شرع الله والقيام به، فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112] فما ظلمهم الله فإن الله لا يظلم عباده.

    ثم قال تعالى: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ [النحل:113].

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    معاشر المؤمنين! أسمعكم شرح الآيات من الكتاب: قال المؤلف غفر لنا وله: [ معنى الآيات: بعدما ذكر الله تعالى رخصة التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه بشرط عدم انشراح الصدر بالكفر؛ ذكر مخبراً عن بعض المؤمنين الذين تخلفوا عن الهجرة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أرادوا الهجرة منعتهم قريش وعذبتهم حتى قالوا كلمة الكفر، ثم تمكنوا من الهجرة فهاجروا وجاهدوا وصبروا، فأخبر الله تعالى عنهم بأنه لهم مغفرة ورحمته -أي: مغفرة الله ورحمته- فلا يخافون ولا يحزنون، فقال تعالى: (( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ ))[النحل:110] أيها الرسول: (( لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ))[النحل:110] أي: عذبوا، (( ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ))[النحل:110] أي: غفور لهم رحيم بهم. وقوله تعالى: (( يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا ))[النحل:111] أي: اذكر وَاعظاً به المؤمنين (( يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا ))[النحل:111] أي: تخاصم طالبة النجاة لنفسها: (( وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ ))[النحل:111] أي: من خيراً أو شر، (( وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ))[النحل:111]؛ لأن الله عدل لا يجور في الحكم ولا يظلم. وقوله تعالى: (( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً ))[النحل:112]، أي: مكة (( كَانَتْ آمِنَةً ))[النحل:112] من غارات الأعداء (( مُطْمَئِنَّةً ))[النحل:112] لا ينتابها فزع ولا خوف؛ لما جعل الله تعالى في قلوب العرب من تعظيم الحرم وسكانه، (( يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا ))[النحل:112] أي: واسعاً (( مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ))[النحل:112] حيث يأتيها من الشام واليمن في رحلتيها في الصيف والشتاء، (( فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ ))[النحل:112]، وهي تكذيبها برسول الله صلى الله عليه وسلم وإنكارها للتوحيد، وإصرارها على الشرك وحرب الإسلام: (( فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ ))[النحل:112]، فدعا عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم قائلاً: ( اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف السبع الشداد )، فأصابهم القحط سبع سنوات، فجاعوا حتى أكلوا الجيف والعهن، وأذاقها لباس الخوف، إذ أصبحت سرايا الإسلام تعترض طريق تجارتها، بل تغزوها في عقر دارها. وقوله تعالى: (( بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ))[النحل:112]، أي: جازاهم الله بالجوع والخوف بسبب صنيعهم الفاسد، وهو اضطهاد المؤمنين بعد كفرهم وشركهم وإصرارهم على ذلك. وقوله تعالى: (( وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ ))[النحل:113] هو محمد صلى الله عليه وسلم (( فَكَذَّبُوهُ ))[النحل:113] أي: جحدوا رسالته وأنكروا نبوته وحاربوا دعوته ] والعالم الإسلامي ينطبق عليهم هذا اللفظ فالشريعة مهملة مرمي بها عرض الحائط لا يطبق منها شيء [ (( فَكَذَّبُوهُ ))[النحل:113] إذ جحدوا رسالته وأنكروا نبوته وحاربوا دعوته، (( فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ ))[النحل:113] عذاب الجوع والخوف والحال أنهم (( ظَالِمُونَ ))[النحل:113] أي: مشركون وظالمون لأنفسهم حيث عرضوها بكفرهم إلى عذاب الجوع والخوف.

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات: من هداية الآيات:

    أولاً: فضل الهجرة والجهاد والصبر، وما تكفر هذه العبادات من الذنوب وما تمحو من الخطايا والآثام ]. أخذنا هذا من قول الله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل:110].

    [ ثانياً: وجوب التذكير باليوم الآخر ]. من ذكر عمر ؟ كعب الأحبار ، وهو الذي طلب منه التذكير فذكره [وما يتم فيه من ثواب وعقاب للتجافي عن الدنيا والإقبال على الآخرة ].

    التذكير من أجل التجافي والتباعد عن الدنيا والإقبال على الآخرة، وعمر طلب التذكير من كعب الأحبار .

    [ ثالثاً: استحسان ضرب الأمثال من أهل العلم ]. أهل العلم يستحسن لهم أن يضربوا المثل للأمة حتى تفيق وتعرف.

    [ رابعاً: كفر النعم يسبب زوالها والانتقام من أهلها ] كما حصل في عالمنا الإسلامي.

    [ خامساً: تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم في ما جاء به -ولو بالإعراض عنه وعدم العمل به- يجر البلاء والعذاب في الدنيا والآخرة ].

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.