إسلام ويب

تفسير سورة النحل (19)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لا تزال المواعظ الإلهية تتوارد على حياض القلوب المؤمنة لأجل أن تتذكر فترتقي إلى عالم السعادة، فها هو الحق تبارك وتعالى يعظ عباده بالتزام العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهاهم عن الفحشاء والمنكر والبغي، ثم يؤكد سبحانه على قضية الوفاء بالعهود التي يبرمها العبد مع الخالق أو المخلوق، فيجعل الله ضميناً عليه حتى تطمئن النفوس إلى هذا الميثاق، فهذه من أجل القضايا التي يجب على العبد أن يلتزمها لأن الله مطلع على حاله وقاله، وسوف يحاسبه على التفريط في هذا الميثاق، ويكون جزاؤه المثل السيء في الدنيا والمهانة في الآخرة، وهذه المواعظ الجليلة من الناس من يلتزمها فيكون أهلاً للهداية، ومنهم من يعرض عنها ليكون من أهل الضلالة، لكن الأمر المحتم هو أن الكل سيسألون عما كانوا يعملون.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة النحل

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم رجاءنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك. آمين.

    وها نحن مع سورة النحل، ومع هذه الآيات المباركات الكريمات:

    إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل:90-93].

    ذكر ما تضمنته آية (إن الله يأمر بالعدل والإحسان ...) من جوامع الخير والشر

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! بالأمس في مثل هذا الدرس عرفنا قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90]، وأن هذه الآية أجمع آية للخير والشر؛ إذ فيها أوامر ونواهٍ، وأوامرها هي صلب هذه الحياة ونواهيها كذلك، فلا سعادة ولا كمال إلا بامتثال أمر الله فيما أخبر به في هذه الآيات فعلاً وتركاً، فالفعل: العدل، وأول من نعدل معه هو الله عز وجل، فلا نجور ولا نحيف عنه فنعبد غيره، بل نعبده وحده.

    والعدل يشمل كل الحياة كما عرفتم: من حكم بين اثنين فليعدل، من أراد أن يتصرف في شيء فليعدل في التصرف، حتى الأكل والشرب ­-كما بينا- يجب فيه العدل والقسط، فلا نستغني عن العدل أبداً إن أردنا لأنفسنا السعادة والكمال.

    وأمّا الإحسان -الذي هو أيضاً عام في كل ما نقوم به ونعمله- فمعناه أنه يجب علينا أن نحسن العمل ولا نسيء فيه، والرسول الكريم يقول لجبريل في الإحسان: ( أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك )، ومعنى هذا: أنك تؤدي العبادة على أكمل وجوهها وأتم صورها؛ لأنك بين يدي الله ينظر إليك، فتستحي أن تخرج عن العبادة بقلبك أو بلسانك أو بيدك وأنت بين يديه، فتؤدى العبادة على أكمل وجوهها، ومن ثم تثمر ثمرتها وهي زكاة النفس وطهارتها.

    وإيتاء ذي القربى: قرابة المرء من أبيه من أمه لهم حقوق عليه فيجب أن يؤدي تلك الحقوق، فإذا قامت الأمة كلها بأداء هذه الحقوق انتظم شملها واتسعت دائرة ملكها وسادت في الدنيا وتهيأت للسعادة في الدار الآخرة، وقد عرفنا أهل القرون الثلاثة كيف كانوا، لم تكتحل عين الوجود بمثلهم، أصحاب رسول الله وأولادهم ووأحفادهم ثلاثة قرون، إذ قال في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ).

    والمنهيات: أولاً: الفحشاء، نهانا عن الفحشاء، والفحشاء كالفحش، إلا أن الفحش مذكر والفحشاء مؤنث، والفحشاء: الخصلة القبيحة التي تشمئز منها النفوس وتلفظها الألسن ولا يرغب المرء في سماعها ولا رؤيتها، ومن أبرزها وأظهرها: الزنا واللواط -والعياذ بالله تعالى- والبخل، فالذي لديه خير ويبخل به عن الناس هذا شر الخلق.

    ثانيًا: النهي عن المنكر، فما هو المنكر؟ هو الذي تنكره العقول الصافية، المنكر: كل ما حرمه الله ورسوله، كل ما نهى الله عنه ورسوله فهو منكر تنكره العقول الصافية والقلوب النيرة الطاهرة، وهذا من أيسر ما نفهم، كل المحرمات منكرة فلا يأتها أحد.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن لباس الشهرة؛ لأن هذا اللباس الذي تخالف فيه أهل القرية وتصبح وحدك بينهم تلبسه تؤذيهم به، وتكون قد خرجت عن مجتمعهم وأصبحت لك صورة خاصة، فما ينبغي هذا.

    فالمنكر منه هذا، فكن كقومك لا تخرج عنهم، وبالصورة العامة كما قلت لكم معاشر المستمعين والمستمعات: كل ما أنكره الله ورسوله فحرماه ونهيا عنه وتوعدا عليه بالعذاب فهو منكر، فما هو بعشرة ولا عشرين.

    ثالثاً: البغي: وهو الظلم، مِن: بغى يبغي على فلان: إذا ظلمه، والظلم حقيقته: وضع الشيء في غير موضعه، بدل أن تسلم على أخيك وتشمته إذا عطس تلعنه، هذا هو الظلم، سلب المال، إفساد العقيدة، ظلم الإنسان فيما يتعلق بحياته كلها ظلم وبغي، ومن بغي عليه وصبر فإن الله ينصره على الباغين.هذه الأوامر والنواهي التي اشتملت عليها الآية الأولى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ...)

    انتهينا إلى الآية الثانية، وهي قوله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا [النحل:91]، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ [النحل:91]، من عاهد إماماً من أئمة المسلمين لا يحل له أن ينقض عهده، من عاهد شخصاً على مهمة من مهمات الحياة لا يحل له أن ينقض عهده، لو عاهدك على أنك تلتقي معه كل يوم في المكان الفلاني وجب الوفاء؛ لأنه إذا انتقضت العهود فسدت الحياة، فلا يصبح أحد يثق في آخر، وورد: ( أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق )، منها الغدر بالعهد، من غدر بعهده ارتكب إثماً عظيماً.

    وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ [النحل:91]، إذا عاهدت شخصاً وقلت له: بالله لأعطينك، أو لأماشينك، أو لأنزلن معك، وحلفت بالله وجعلت الله وكيلاً وجب عليك أن تفي، ولهذا أمة الإسلام المستقيمة لا يوجد فيها نقض للعهد أبداً، من عاهد وفى وما خان أبداً.

    وقوله تعالى: وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا [النحل:91] فهذا العهد وثيقة؛ لأنك عاهدته باسم الله عز وجل، الله هو الوكيل في العهد، فلهذا نراقب الله ولا نخون عهدنا ولا نغدر به.

    وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل:91]، هذه الجملة تحمل التهديد والوعيد، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل:91]، فمن نكث عهده، وارتكب فاحشة فليعلم أن الله يجزيه بذلك العمل؛ لأنه بين يديه ويعلمه، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل:91] من خير وشر، ولكن هنا إذا نحن انحرفنا وارتكبنا الفواحش وظلمنا وخنا العهود -والعياذ بالله- نلقى جزاءنا، هذه سنة الله عز وجل في خلقه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم ...)

    ثم قال تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا [النحل:92]، أي: نكثاً، هذه امرأة عجوز في مكة يقال لها: ريطة بنت عمرو ، كانت تعلو على سطحها أو على شرف منزلها وتغزل على عادة النساء، تغزل الصوف وتجعله لباسًا، تغزل طول النهار وفي آخر النهار إذا أغضبوها وغضبت مزقت ذلك الذي نسجته يوماً كاملاً، هذا هو الحمق أم لا؟ تغزل من الصباح، ولما تجمع لها الغزل وأصبح ينفعها مزقته؛ لأنها غضبت.

    وهذا التأديب الإلهي الرباني عجب، هذه الصورة المثالية من عرفها فإنه يتحاشى أن يغضب وينقض عهده أبداً، أو ينكث ما عاهد عليه فيكون كهذه المرأة: ريطة التميمية .

    وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا [النحل:92]، أتدرون أن لله عهدًا علينا أم لا؟ الآية الأولى اشتملت على العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى أمراً، وعلى الفحشاء والمنكر والبغي نهياً، ونحن التزمنا بهذا، فلا يكون حالنا كحال هذه المرأة نلتزم يومًا وننقضه يومًا آخر.

    وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا [النحل:92]، أي: نكثاً، تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ [النحل:92]، بيان للنقض كيف يكون، هي كانت تنقض غزلها وتنكثه، ونحن كيف ننكث؟ قال: تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ [النحل:92]، إذا حلفت لشخص وقلت: والله لأعطينك، والله لأصاحبنك، والله ما فعلت كذا؛ فلا تتخذ يمينك خديعة ، تحلف بالله وتؤكد يمينك وأنت عازم على النقض والنكث.

    معنى قوله تعالى: (أن تكون أمة هي أربى من أمة)

    تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ [النحل:92]، والدخل: الخديعة والغش، أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى [النحل:92]، بمعنى: قبيلة بني فلان عاهدت قبيلة بني فلان، ولما رأت قبيلة أكثر منها وأعظم منها خانت عهدها وانضمت إلى القبيلة الأخرى، ومثل هذا كان في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فربما يسلم الرجل وما يتحقق من الإسلام، فيجد الرسول مقهوراً وحده فيعود إلى الكفر، وينقض ذلك.

    فهنا يقول تعالى: تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ [النحل:92]، أي: خديعة فقط، تحلف له بالله وأنت عازم على نكث عهدك ونقض ما أبرمته معه.

    أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى [النحل:92]، أكثر رجالاً ومالاً، تنقضون العهد مع الأولى؛ لأنها قصيرة أو ضعيفة وتقبلون على الثانية، وبهذا ينقض العهد، حلفوا لهم بالله أنهم معهم دائماً، ثم لما رأوا أمة أقوى منهم عدلوا عنهم وانضموا إلى الأمة القوية.

    أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ [النحل:92]، أكثر رجالاً ومالاً، إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ [النحل:92]، أي: يختبركم ربكم بهذه التعاليم، فالأوامر والنواهي يشرعها الله لماذا؟ للاختبار، ليعلم من يطيع فيثبت، ومن ينقض فيتحلل ويذوب.

    معنى قوله تعالى: (إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون)

    إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ [النحل:92]، أي: بهذه التي سمعتموها، يبتليكم بالعهود تحلفون عليها، فإن وفيتم وفى الله تعالى لكم، وإن نقضتم نقض الله ما أعطاكم.

    ثم قال تعالى: وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [النحل:92]، وليبينن الله لنا يوم القيامة ما كنا فيه نختلف، فنعرف يومها الحق مع من، والباطل مع من، من هم الذين كانوا على الحق الذي عاهدناهم عليه، ومن هم الذين على الباطل الذين نقضنا عهدنا معهم لأجله، هو هذا في الدنيا ابتلاء واختبار وامتحان، ليعلم الذي يفي لله تعالى بعهوده؛ فيقيم دين الله ويعيش عليه، ولا يغش ولا يخدع ولا يكذب، ومن هو بخلاف ذلك، ويوم القيامة نشاهد هذا عياناً، فنشاهد أهل النقض والنكث والخيانة، ونشاهد أهل الوفاء والعدل والصدق.

    وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [النحل:92]، فيجزي المؤمنين الصالحين بالجنة، ويجزي الكافرين والمشركين بالنار، هذا هو التبيين، يبين لنا الجزاء فنعرف أننا كنا صادقين أو كنا كاذبين، كنا صالحين أو فاسدين، هذا يتجلى حقيقة يوم القيامة: وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [النحل:92].

    الآن المسلمون مختلفون مع الدنيا كلها، المسلمون على الإسلام -دين الله- عقيدة وعبادة وآدابًا وأخلاقًا، والكفار بيضًا وصفرًا في الشرق والغرب على خلاف ما نحن عليه، هل نعرف متى يتحقق لنا هذا؟ يوم القيامة، نشاهد خلافنا معهم، أي: النتائج الطيبة التي تحصل للمؤمن الصادق، والنتائج الرديئة الخسيسة التي تكون للرجل الفاسد: وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [النحل:92].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء...)

    قال تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [النحل:93]، لو شاء الله لجعلنا مسلمين صالحين صادقين، كما جعل الملائكة -الذين لا نساوي واحدًا إلى المليون منهم- كلهم يعبدونه ولا يعرفون الكذب ولا الشرك ولا الباطل أبداً.

    عالم الملائكة نسبتنا إليهم كلا شيء، كيف لا وكل واحد منا معه عشرة من الملائكة، ومع هذا فالله يقول عنهم: لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6].

    فلو شاء لجعل الأمة كلها مسلمة، يبعث الرسول فيؤمنون به ويمشون وراءه ويعبدون الله عز وجل، لكن ما شاء ذلك، لماذا؟ لأنه تعالى أوجد عالمين: عالم السعادة وهو الجنة دار الأبرار، وعالم الشقاء وهو النار دار الفجار، ووعد الجنة والنار أن يملأهما، فلما أوجد العالمين ­-عالم الشقاء وعالم السعادة- أوجد عالم الجن وعالم الإنس وابتلاهم؛ أعطاهم العقول والفهوم وأرسل إليهم الرسل تعرض عليهم دعوة الله، فمن استجاب وقبل دعوة الله ودخل في الإسلام كان من أهل الجنة، ومن استكبر وأعرض وأصر على الباطل والظلم والشرك والكفر جعله من أهل النار، فمن هنا اقتضت حكمة الله عز وجل أن لا يجعلنا أمة واحدة، لا بد من التخالف: هذا مؤمن وهذا كافر، هذا مشرك وهذا موحد، هذا بار وهذا فاجر، هذا صادق وهذا كاذب؛ للابتلاء.فلو شاء الله أن نكون أمة واحدة لكنا، أليس الله بقادر على ذلك؟

    وأقرب مثال: الملائكة، فهم بليارات الأعداد في الأرض والسماء ما يعصي أحدهم ربه أبدا: لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]، فلو شاء الله لجعل البشرية والجن كلهم مؤمنين صالحين ربانيين، ما هناك باطل ولا منكر ولا شر أبداً ولا فساد، لكن قضت حكمة الله بأن ينزل الجنة أهلها، والنار أهلها، فلا بد حينئذٍ من الامتحان والابتلاء، يعطيك عقلك وبصيرتك وبصرك، وتعرض عليك دعوة الله وترفض إيثاراً للدنيا والشهوات والأطماع، والآخر يقبل على ما دعا الله إليه وإن جاع وإن مرض ولا يبالي؛ لأنه يريد الدار الآخرة.

    مستحق الهداية ومستحق الإضلال

    وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [النحل:93]، دائماً نقول: من هو الذي يشاء الله هدايته منا؟ الذي يقرع باب الله وينادي: يا رباه! اغفر لي وارحمني، تب علي واهدني، ويصر على هذا، فهذا يهديه الله عز وجل.

    والذي يعرض عن باب الله ولا يقف أمامه ولا يسأل الله الهداية ولا يطلب منه مغفرة ولا رحمة، هذا أعرض أم لا؟ هذا يضله الله، فالهداية لها سبب والضلالة لها سبب، ونحن قادرون على فعل السببين.

    فقوله تعالى: وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ [النحل:93]، هذا دليل على أنه ما جعلنا أمة واحدة، بل جعلنا أمماً مختلفة متفرقة، وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ [النحل:93]، من هم الذين يشاء الله هدايتهم؟

    الذين يطلبون ذلك ويرغبون فيه، ويلحون على الله بالدعاء والسؤال، ويهاجرون من بلد إلى بلد، طالبين هداية الله، هؤلاء يهديهم الله؛ لأنهم طالبون للهداية راغبون فيها.

    والذي لا يقول: يا رب اهدني، اللهم اغفر لي اللهم وارحمني؛ كيف يهديه؟ كيف يغفر له ويرحمه وهو معرض؟!

    هذه الجملة معاشر المستمعين والمستمعات تأملوها! يقول تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [النحل:93]، على الإيمان والإسلام والصلاح، وقد جعل الملائكة كذلك، ولكن ما شاء تعالى ذلك، ولذا قال تعالى: وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [النحل:93]، لا تقل: إذاً: أنا لا أصلي ولا أصوم؛ لأن الله ما أراد لي الهداية. إن قلت هذا فقد كذبت وقلت الباطل، فالله أمرك ونهاك فكيف تقول: ما أمرني ولا نهاني؟! هذا كتابه وهذا رسوله، والأمر بالإيمان كالأمر بالإسلام والإحسان.

    إذاً: يضل من يعرض عنه ولا يلتفت إليه، ولا يسأله ولا يطرح بين يديه، هذا يستحق الإضلال فيضله الله عز وجل، كما أضل بلايين البشر، أين الأمريكان واليابان والروس والصين؟ أمم أين هم؟ أفي الإسلام هم؟ بل في ضلال، فمن أضلهم؟ الله تعالى؛ لأنهم أبوا ورفضوا أن يعبدوه أو يستقيموا على دينه، والمسلمون في أي مكان أقبلوا على الله ورضوا بهدايته وطلبوا الهداية فهداهم، والكل يستقر في دار، إما دار النعيم وإما دار الجحيم.

    معنى قوله تعالى: (ولتسألن عما كنتم تعملون)

    ثم قال تعالى: وَلَتُسْأَلُنَّ [النحل:93]، وعزة الله وجلاله ليسألن عما كانوا يعملون، وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل:93]، هذا السؤال عرفنا من القرآن الكريم أنه في عرصات القيامة في ساحة فصل القضاء والبشرية كلها واقفة حفاة عراة غرل ما فيهم مختتن، وهذا اليوم طويل أخبر تعالى أن طوله خمسون ألف سنة، واقرءوا من سورة المعارج إذ قال تعالى: فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا [المعارج:4-5].

    وأعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن فقراء المؤمنين هم أول من يدخل الجنة، وأن الأغنياء يتأخرون إلى ما بعد العصر، أما فقراء المسلمين الربانيين الصادقين أمثال أبي هريرة والحاضرين فهؤلاء يدخلون قبل الزوال، قبل نصف النهار؛ لأن الحسابات قليلة جداً، أما أرباب الأموال والملايين فيحتاجون إلى وقت طويل.

    والسؤال يسأله الله وملائكته، أما العبد المؤمن فيقف بين يدي الله ويسأله ربه تعالى وهو بين يديه سبحانه، ويقول له: قد سترته -أي: الذنب- عليك في الدنيا وأنا الآن أغفره لك. هذا لأهل التوحيد الموحدين من المؤمنين والمؤمنات؛ الذين قارفوا ذنباً من الذنوب وماتوا بدون توبة، هؤلاء قد يغفر الله لهم في عرصات القيامة.

    وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل:93] من الخير والشر، ولكن السؤال عن الشر أعظِم به!؛ لأنهم يستوجبون به دخول النار.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    مرة ثانية أسمعكم قراءة الآيات فتأملوها: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى [النحل:90]، هذه ثلاثة أوامر، فهل أديتم هذه الأوامر الثلاثة أم فيها نقص؟ هل الموحدون عدلوا بربهم؟ لا، بل عبدوا الله وحده، والذين يشركون بعبادته ظلموا وجاروا، وما أعطوا الله حقه كاملاً.

    ثم الإحسان، من هم أهل الإحسان؟ ما هم الذين يداوون المريض ويحملون العاجز فقط، ذاك إحسان عادي، بل هم الذين يحسنون عبادة ربهم ويجودونها؛ لتكون مزكية لنفوسهم مطهرة لها، وهذا يحتاج إلى العلم أولاً ثم التطبيق، والتطبيق يحتاج إلى المراقبة، تعبد الله كأنك تراه، فإن عجزت فكأنه يراك، تعلم هذا في قلبك.

    وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل:90]، من منا ما عرف الفحشاء؟ حتى الفحش في القول منهي عنه، لكن الفحشاء الأصل فيها الزنا واللواط -والعياذ بالله- والبخل، بنص القرآن.

    والمنكر عرفناه: كل ما أمر الله بتركه ففعله منكر، وكل ما أمر الله بفعله فتركه منكر، أي: ما ينكره الشرع ولا يقره ولا يقبله، والمؤمنون مع الشرع لا يقبلون إلا الحق والمشروع، وينكرون الباطل والمبتدع.

    والبغي: الظلم، فلا نظلم أولاً ربنا بأن نشرك في عبادته غيره؛ إذ الشرك -والعياذ بالله- أفظع أنواع الظلم، ثم لا نظلم أنفسنا بأن نصب عليها أطنان الذنوب والآثام، نمزقها ونحولها إلى نتن وعفن، هذا ما ينبغي أبداً، لا بد أن نزكي أنفسنا ونطهرها بهذه العبادات الشرعية، ما نبغي على أحد بسلب ماله ولا بانتهاك عرضه، ولا بكلمة نابية نقولها في وجهه يتألم لها ويحزن.

    يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90] فتتعظون، وقد وعظنا حقاً بهذا، وأمرنا ونهانا، والوعظ ما هو؟ الأمر والنهي، الأمر بما هو خير والنهي عما هو شر، ذلكم هو الوعظ.

    وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ [النحل:91]، من منا لا يفهم هذه؟ إذا عاهدت أولاً إمام المسلمين وبايعته فلا يحل الخروج عن طاعته ونقضها أبداً.

    ثانياً: تعاهد أخاك على عمل ما، على فعل كذا فما يجوز أن تخونه أبداً، ومن المعاهدات معاهداتنا لأزواجنا، أما عاهدت زوجك وأخذتها على أن تمسكها بمعروف أو تسرحها بإحسان؟ فلا يحل أن تنقض عهدك معها أبداً بالطلاق أو بغيره إلا كما شرع الله، والمعاهدة مع التجار فيما بينهم كذلك، وهكذا نفي بعهودنا ولا نقطعها ولا نخونها أبداً.

    وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا [النحل:91]، الأيمان بماذا تؤكد؟ بالله العظيم، هذه هي التأكيدات.

    معاشر المستمعين! لا نحلف بالله تعالى إلا من أجل تحقيق هدف، إذا كان أخونا لا يصدق الكلام وما تطمئن نفسه إليه فإنا نحلف له ليصدق: والله كان كذا، والله بالله وتالله، فهذه معفو عنها ولا يؤاخذ بها العبد، لكن الأيمان التي تتأكد: أقسم لكم بالله الذي لا إله غيره لكان كذا وكذا، أو لنعطينكم كذا وكذا، فاطمأنت النفوس إليك وبعد ذلك تخونهم وتنقض عهدك!

    وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا [النحل:91] هو الضامن، فحين تحلف بالله معنى ذلك: أني وكلتك إلى الله، هو الذي أمرني أن أقبل كلامك باليمين الذي حلفت ثقة في الله عز وجل، فالله وكلناه في هذا.

    إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل:91]، خيراً أو شراً صغيراً أو كبيراً، كل أعمالنا بين يدي الله معلومة له. واعلموا أنه قد علمها قبل خلقنا وعملنا لها، قد علمها قبل أن نعملها وقبل أن نوجد نحن، أنسيتم كتاب المقادير الإمام المبين، في اللوح المحفوظ؟ كل الأعمال مدونة.

    إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل:91]، هذه تجعل المؤمن ترتعد فرائصه ويوجل قلبه ويخاف إذا عصى الله عز وجل؛ لأن فيها التهديد.

    وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ [النحل:92]، هذه الحادثة عرفتموها، هذه المرأة هي ريطة بنت عمرو من مكة، كانت تغزل طول النهار وفي المساء تنقض غزلها، والذي يسلم لله قلبه ووجهه عشرين سنة ثم يرتد نقض عهده أم لا؟ يستقيم على منهج الحق سنوات، وبعد ذلك ينقلب ويهبط إلى الزنا والربا والجرائم، هل هذا نقض عهده أم لا؟ وقوله تعالى: إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [النحل:92]، يبلونا: يختبرنا، اختبرنا الآن في هذه الآيات أولاً: بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وثانياً: بالنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، وثالثاً: بالوفاء بالعهود، فقال تعالى: إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [النحل:92]، ومن ثم يتم الجزاء.

    وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [النحل:93]، نعم هو على ذلك قدير، لو شاء الله أن يجعلنا أمة واحدة لقدر على ذلك، ولكن ما شاء، فما هي العلة؟ ما الحكمة؟ لأن الله أوجد عالمين: عالم شقاء وعالم سعادة، أين عالم السعادة؟ فوق، وهل هناك من ارتاده ودخله وجاء بالخبر؟ نعم والله، رفع الله محمداً صلى الله عليه وسلم إليه، والله لقد وطئ أرضه بقدميه الشريفتين، ورأى الحور والقصور والعيون والنعيم.

    وعالم الشقاء أسفل، أغمض عينيك وانظر إلى أسفل فستنتهي إلى عالم الشقاء.

    فمن هنا ما جعلنا أمة واحدة على الإسلام، أو أمة واحدة على الكفر، حاشاه تعالى أن يجعلنا أمة واحدة على الكفر؛ لأنه لا يريده، يريد الإيمان به وعبادته، لكن ما دامت القضية قضية جنة ونار فالتكاليف هنا للامتحان، فالذين استجابوا لأمر الله واستقاموا على منهجه حتى ماتوا أسكنهم الفردوس الأعلى من الجنة دار الأبرار، والذين أعرضوا وتكبروا وتجاهلوا وأصروا على الباطل والفاحش والمنكر مأواهم المصير الأسود: جهنم والعياذ بالله.

    وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [النحل:93]، بينت لكم من هم الذين يشاء الله هدايتهم منا، فمن هم؟

    الجواب: الذين يطلبون الهداية من الله ويبكون بين يديه ويطرحون ساجدين راكعين سائلين طول حياتهم، هؤلاء هم الذين يشاء هدايتهم.

    والذين يشاء ضلالهم فيضلهم هم المعرضون المستكبرون الكافرون الذين عرفوا الإسلام وكفروا به، هل هؤلاء يهديهم؟ لا يهديهم.

    وَلَتُسْأَلُنَّ [النحل:93]، هذه اللام لام القسم: والله وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل:93] من خير وشر، والجزاء إما النعيم المقيم وإما العذاب الأليم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    معاشر المستمعين والمستمعات! هذه الآيات التي تدارسناها لها سبع هدايات، فهيا نتفكر فيما سمعنا. قال: [ أولاً: بيان أجمع آية للخير والشر في القرآن وهي آية (( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ... ))[النحل:90]]، الآية ]. يسمعونها يوم الجمعة من الأئمة في الشرق والغرب، هذه الآية أجمع آية للخير والشر، فيها ثلاثة أوامر تستقيم بها، وثلاثة نواه تتركها، فيبقى لك استقامتك وطهرك. ثانياً: وجوب العدل والإحسان وإعطاء ذوي القربى حقوقهم الواجبة من البر والصلة ]. من أين أخذنا هذا؟ الجواب: من قوله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ))[النحل:90]. [ ثالثاً: تحريم الزنا واللواط وكل قبيح اشتد قبحه من الفواحش الظاهرة والباطنة ]. من أين أخذنا هذا؟ الجواب: من قوله تعالى: (( وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ))[النحل:90]. [ تحريم الزنا واللواط وكل قبيح اشتد قبحه] كالبخل كما قدمنا [من الفواحش الظاهرة والباطنة] المخفية. لو أن شخصاً الآن يكشف رأسه وجسده ويضع السروال على فرجه ويدخل المسجد فهل هذه المنظر فاحش أم لا؟ الجواب: إنه فاحش وقبيح. ولو أن امرأة خرجت الآن لابسة البنطال ورأسها عار والكلب وراءها تقوده بسلسلة ماذا تقولون فيها؟ أهذا فحش أم لا؟ إنه أقبح فحش. [ ثالثاً: تحريم الزنا واللواط] لعل بعض السامعين ما يعرفون اللواط. اللواط: أن ينزو الذكر على الذكر، وهذا مما حرمه الله وأهلك أمة كاملة بسببه، ألا وهم قوم لوط عليه السلام. وأول ما حدث هذا اللواط في الجزيرة في البحرين بسبب أعجميين، ثم جاء الأمر إلى عمر

    فقال: كيف نفعل بهم؟ فحكم علي

    بأن نرمي بهما من أعلى الجبل إلى الأرض، ثم نرميهما بالحجارة. أي: نفعل بهما كما فعل الله بقوم لوط. والأئمة مختلفون، ومنهم من يقول: حده كحد الزنا يرجم فقط. [ رابعاً: تحريم البغي ]، ما هو البغي؟ [ وهو الظلم بجميع صوره وأشكاله ]، كل وضع شيء في غير موضعه فهو ظلم، أليس كذلك؟ فالظلم بجميع أنواع محرم بهذه الكلمة الإلهية: (( وَالْبَغْيِ ))[النحل:90]. [ خامساً: وجوب الوفاء بالعهود وحرمة نقضها ]، سواء كان العهد في بيعة الإمام أو كان دون ذلك، من عاهدك على شيء يجب أن تفي له ولا يجوز النقض أبداً. من عاهد كافراً أو مؤمناً على شيء يجب أن يفي له بعهده: (( وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ))[البقرة:177] وهذا في معرض الثناء عليهم، (( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ ))[النحل:91]، وسماه الله عهدًا لأنه يحلف فيه بالله: أعاهدك والله ألا أخونك أو أن لا أقصر في كذا وكذا. [ وجوب الوفاء بالعهود وحرمة نقضها ]والنقض: الحل، وضده الإبرام. [ سادساً: حرمة نقض الأيمان بعد توكيدها ]. التوكيد: هو أن تحلف وتقول: والله، أو: بالله، فنقض هذه اليمين محرم بهذه الآيات، والحبيب صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن من يحلف على شيء ثم يبدو له أن غيره هو الخير فإنه يكفر عن يمينه ويفعل ذلك الخير. و مسطح

    الذي كان ابن خالة أبي بكر

    كان أبو بكر

    يطعمه ويسقيه في بيته، فلما شارك في الإفك طرده وأبعده، وحلف أن لا ينفق عليه، فأنزل الله الآية الكريمة: ((وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ )) [النور:22 ]. وأذن لهم في أن ينقضوا ما حلفوا عليه؛ لأن نقضه خير، فإن حلفت فقلت: والله لا أعطي أحداً تمراً، فلا تف، بل الأحسن أن تنقض يمينك وتكفر كفارة. وكفارة اليمين: إطعام عشرة مساكين أو صيام ثلاثة أيام أو عتق رقبة إن أمكن، على هذا الترتيب: العتق، ثم الإطعام، ثم الصيام. فمن حلف بالله وأكد يمينه يجب عليه أن لا ينقض يمينه ولا ينكث أبداً، إلا إذا حلف بالله وأكد يمينه على أن لا يفعل خيراً، ففي هذه الحالة يجب أن يفعل الخير وينقض يمنيه ويكفر عنها بعتق رقبة إن كانت أو بإطعام عشرة مساكين أو صيام ثلاثة أيام، وهذا الترتيب في سورة المائدة: (( إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ))[المائدة:89]، فمن لم يجد العتق ولا الإطعام صام ثلاثة أيام، وهذا الترتيب هو السليم الصحيح: العتق أولاً، فإن عجز عنه مثل اليوم إذ لا يوجد عبيد ولا أرقاء يطعم عشرة مساكين، فإن عجز عن الإطعام صام ثلاثة أيام. [ سادساً: حرمة نقض الأيمان بعد توكيدها وتوطين النفس عليها لتخرج لغو اليمين ]، فكيف تحلف بالله وبعد ذلك تنقض يمينك؟ لا يحل أبداً ولا يجوز، إلا في حالة واحدة: حلفت ألا تفعل خيراً، فهل تفي باليمين؟ انقض اليمين وكفر كفارة يمين. فنحن -أولاً- مأمورون أن نفي بعهودنا وأن نبر أيماننا، حلفت بالله على بصيرة لا أفعل كذا وكذا، يجب أن تفي ولا تنقض اليمين. إلا مسألة واحدة بينها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهي أن تحلف بالله على ترك خير أو على ترك معروف، فلا تقل: أنا حلفت، بل كفر عن يمينك وافعل، كما في قصة الرجل الذي شارك في الإفك وهو عند أبي بكر الصديق

    ، حلف أبو بكر

    ألا ينفق عليه بعد ذلك؛ لأنه قذف ابنته، فنزلت الآية، فأعلمه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكفر عن يمينه ويطعم من كان يطعمه. [ سابعاً: من بايع أميراً أو عاهد أحداً يجب عليه الوفاء ،ولا يجوز النقض والنكث لمنافع دنيوية أبداً]، من بايع أميراً أو عاهد أحداً من عامة الناس يجب عليه الوفاء ولا يجوز النقض أبداً والنكث لمنافع دنيوية. كما قدمت لكم: قبيلة تعاهد قبيلة لتقف إلى جنبها، ثم تجد قبيلة أكثر مالاً ورجالاً فتنقض عهدها لتوالي قبيلة ثانية وتعاهدها، هذا الذي ذكر تعالى في الآية: (( أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ ))[النحل:92]. [ سابعاً: من بايع أميراً أو عاهد أحداً ] وهذا يكون حتى للمشاة المسافرين، إذا أمّروا أحدهم فلا ينقضوا عهده، إذا سافر ثلاثة وجب أن يؤمروا واحداً منهم ليقودهم، ثم لا يجوز نقض هذا العهد. [ من بايع أميراً أو عاهد أحداً ] من الناس [ يجب عليه الوفاء ولا يجوز النقض والنكث لمنافع دنيوية ] أما المنافع غير الدنيوية فلا بأس، كما كان أبو بكر الصديق

    يطعم مسطحًا

    ويكسوه؛ لأنه ابن خالته، ولما شارك بكلمة باللسان فقط تركه أبو بكر الصديق

    وأبعده عنه، فنزلت الآية: (( وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ))[النور:22]. (( وَلا يَأْتَلِ ))[النور:22]: أي لا يحلف (( أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ))[النور:22] الآية. والله تعالى أسأل أن ينفعنا بما نسمع وندرس.