إسلام ويب

هكذا علمتني الحياة [2]للشيخ : علي عبد الخالق القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العقيدة مدرسة تخرج منها أجيال، ترعرعوا في رياضها، وتربوا في محاضنها.

    وهناك أناس عاشوا تحت رايتها لكنهم لم يقتبسوا من نورها، ولم ينهلوا من معينها. وفي المقابل هناك رجال أفذاذ علموا بحقيقتها، فتنافسوا في الاستفادة من عظاتها.

    فهاك نبذ من فوائدها، ووقفات مع بعض دروسها.

    1.   

    منزلة الكلمة الطيبة

    الحمد لله الواحد الأحد، تعالى عن الشريك والصاحبة والولد، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.

    وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صُمّاً، وقلوباً غُلفاً.

    اللهم اجزِه عنا أفضل ما جزيت نبياً عن أمته، وأَعْلِ على جميع الدرجات درجته، واحشرنا تحت لوائه وزمرته، وأوردنا حوضه في الآخرة.

    اللهم لا تجعل لقلوبنا -الآن- حوضاً تَرِدُه إلا كتابك وسُنة نبيك صلى الله عليه وسلم أفضل صلاة وأتم سلام وأكمله وأعلاه.

    اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.

    اللهم وبغض إلى قلوبنا البدعة والمبتدعين، وأرنا الحق حقاً، والباطل باطلاً، ووفقنا لاتباع الحق والعمل به، والدعوة إليه والصبر على الأذى فيه، ابتغاء وجهك وطلباً لمرضاتك: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ آل عمران:193-194].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    سلام الله عليكم ورحمته وبركاته:

    وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم! أن يجمعنا وإياكم على الإيمان والذكر والقرآن، وأن يجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله ثم يجمعنا أخرى سرمدية أبدية في دار:

    قصورها ذهب والمسك طينتها      والزعفران حشيش نابت فيها

    أحبتي في الله: لقاؤنا الليلة يتجدد مع الجزء الثاني من محاضرة: هكذا علمتني الحياة.

    لكم غُنْم هذه المحاضرة، وعليَّ غُرْمها، لكم صفْوُها، وعلي كدرُها، هذه بضاعتي -وإن كنت قليل البضاعة- تُعرض عليكم، وهذه بنات أفكاري تُزفُّ إليكم؛ فإن صادفت قبولاً فإمساك بمعروف، وإن لم يكن فتسريح بإحسان، والله المستعان. ما كان من صواب فمن الله الواحد المنَّان، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، والله بريء منه ورسوله -والله المستعان- وأنا العبد الفقير القليل الضعيف المهوان.

    نُبَذٌ مما سنح لي من المعارف تحت ظل العقيدة، أسأل الله أن يجعلها لي ولكم ذخراً في يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار، وأسأله أن يجعلها من صالحات الأعمال وخالصات الآثار، وباقيات الحسنات إلى آخر الأعمار.

    رباه رباه!

    يظنُّ النَّاسُ بي خيراً وإنِّي     لشرُّ النَّاسِ إنْ لم تعفُ عني

    ومالي حيلةٌ إلا رجائي     وعفوك إن عفوتَ وحُسْن ظَنِي

    اللهم اجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي مالا يعلمون.

    وهكذا علمتني الحياة .

    علمتني الحياة في ظل العقيدة: أنه لا خير ولا أفضل ولا أجمل ولا أحسن من كلمة طيبة: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا [إبراهيم:24-25].

    أُخيَّ إنَّ البرَ شيءٌ هينُ      وجهٌ طليقٌ وكلامٌ لينُ

    أمثلة توضح أهمية الكلمة الطيبة

    هاهو أعرابي -كما يُروى- يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين أصحابه فيمسكه بتلابيبه، ويهزُّه ويقول: {أعطني من مال الله الذي أعطاك، لا من مال أبيك ولا من مال أمك، فيقوم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدون أن يؤدبوا من يعتدي على شخص محمد صلى الله عليه وسلم، فيقول: على رِسلكم، المال مال الله}. أو كما قال صلى الله عليه وسلم، ثم يأخذ هذا الأعرابي ويداعبه، ويلاطفه، ويذهب به إلى بيته صلى الله عليه وسلم، فيقول: {خذ ما شئت ودع ما شئت} لكن ماذا يأخذ من بيت محمد صلى الله عليه وسلم، بيت لا توقد فيه النار شهرين ولا ثلاثة أشهر، بيت لم يشبع أهله من خبز الشعير، ولم يشبعوا من دَقَل التمر ورديء التمر، بيت يأتي السائل يسأل فلا يوجد -يوماً من الأيام- فيه سوى عنبة، وفي يوم من الأيام لا يوجد في بيته صلى الله عليه وسلم سوى تمرة واحدة، لكنه خير بيت وجد على وجه الأرض، بأبي وأمي صاحب ذاك البيت صلى الله عليه وسلم، ما ملك الأعرابي إلا أن قال: {أحسنت وجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً. قال: إن أصحابي قد وجدوا عليك -أو كما قال صلى الله عليه وسلم- فاخرج إليهم، وقل لهم ما قلت لي الآن، فخرج، وجاء إليهم، فقال صلى الله عليه وسلم: هل أحسنت إليك يا أعرابي؟ قال: نعم وجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشد أنك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال صلى الله عليه وسلم: إنما مثلي ومثلكم ومثل هذا الأعرابي كرجل كانت له دابة فنفرت منه، فذهب يُطاردها، فجاء الناس كلهم وراءه يطاردون؛ فما ازدادت الدابة إلا نفاراً وشراداً، فقال: دعوني أنا ودابتي، أنا أعلم بدابتي، فأخذ من خشاش الأرض ولوَّح به لهذه الدابة؛ فما كان منها إلا أن انساقت إليه، وجاءت إليه، فأمسك بها.

    أما إني لو تركتكم على هذا الأعرابي لضربتموه، فأوجعتموه؛ فذهب من عندكم على كفره، فمات، فدخل النار}.

    أرأيتم الكلمة الطيبة يا أيها الأحبة؟

    فلا إله إلا الله! لا أفضل من دفع السيئة بالحسنة، إنها آسرة القلوب والأرواح، إنها مُسْتلة الأضغان والأحقاد والسخائم من القلوب: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35].

    المؤمن الحق -يا أيها الأحبة- كالشجرة المثمرة، كلما رُجمت بالحجارة أسقطت ثمراً طيباً؛ فيا له من قمة! ويا لها من مُثل!

    هاهو يهودي معه كلب -واليهود لطالما استفزوا المسلمين يريدون أن يوقعوهم في شَرَكِهم- يمر على إبراهيم بن أدهم عليه رحمة الله ذلكم المؤمن، فيقول له: ألحيتك -يا إبراهيم- أطهر من ذنب هذا الكلب، أم ذنب الكلب أطهر من لحيتك؟

    فما كان منه إلا أن قال -بهدوء المؤمن الواثق بموعود الله عز وجل-: إن كانت في الجنة فهي أطهر من ذنب كلبك، وإن كانت في النار لذنب كلبك أطهر منها. فما ملك هذا اليهودي إلا إن قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، والله ما هذه إلا أخلاق الأنبياء: وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:34-35].

    أقول هذا لعموم الناس، أما نحن -الدعاة وطلبة العلم والمفترض في الحاضرين أن يكونوا طلبة علم- ليس لنا أن ننزل عن مستوى دعوتنا إلى التراشق برديء الكلام، ليس لنا أن ننزل إلى سفاسف الأمور، ولو حاول غيرنا جرَّنا إلى هذه الأمور، ليكن تحركنا ذاتياً، فلا يحركنا غيرنا؛ لئلا نُجرَّ إلى معارك وهمية خاسرة -ولا شك- ثم علينا ألا نغضب لأنفسنا، بل علينا أن نسمو بأنفسنا، عن كل بذيء، وعن كل ساقط.

    لَو كلُ كلبٍ عَوى أَلقَمته حجراً     لأَصبحَ الصخرُ مثقالاً بِدِينار

    ومنْ عاتبَ الجُهَال أتعب نفسه      ومنْ لام مَنْ لا يعرف اللوم أفسدَا

    توضيح لحقيقة الكلمة الطيبة

    وليس معنى ذلك أن نستسلم فلا ندافع، لكن المدافعة أحياناً -يا أيها الأحبة- تكون بالسكوت، والمدافعة أحياناً تكون بالاختفاء، والمدافعة أحياناً تكون بالإعراض عن الجاهلين.

    في يوم أحد -وما أدراكم ما يوم أحد- يوم أصاب المسلمين ما أصابهم، نادى أبو سفيان -وكان لا زال مشركاً- رضي الله عنه وأرضاه: هل فيكم محمد؟ فلم يرد صلى الله عليه وسلم، ولم يأمر أحداً بالرد.

    هل فيكم أبو بكر ؟ هل فيكم عمر ؟ فلم يُجبه أحد. مع أن الجواب قد كان أغيظَ له، لكن الموقف كان يستلزم السكوت من باب قول القائل:

    إذا نطقَ السَّفيه فلا تُجْبهُ      فَخَير من إجابته السكوتُ

    فإنْ كلمْتَه فرَّجت عنهُ     وإنْ خَلَّيته كمداً يموتُ

    ومن باب قول الآخر :

    والصَّمتُ عنْ جاهلٍ أو أحمق شرفٌ     وفيه أيضاً لصونِ العِرضِ إصلاحُ

    أما تَرى الأُسْد تُخْشى وهي صامتةٌ      والكَلْبُ يُخْزى لعَمر الله نبَّاحُ

    هاهو الإمام أحمد عليه رحمة الله في مجلسه وبين تلاميذه، ويأتي سفيه من السفهاء فيسبُّه ويشتمه ويقرعه بالسب والشتم، فيقول طلابه وتلاميذه: يا أبا عبد الله ! رُدّ على هذا السفيه. قال: لا والله! فأين القرآن إذاً؟ (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَماً الفرقان:63]

    إذا سبني نَذلٌ تزايدتُ رفعةً     وما العيبُ إلا أن أكونَ مُساببه

    ولو لم تكن نَفْسِي عليَّ عزيزةً     لمكنْتُها من كلِ نذل تُحاربه

    استخدام الكلمة الطيبة في الدعوة إلى الله

    هاهو مصعب بن عمير-سفير الدعوة الأول إلى المدينة النبوية- يأتيه أسيد بن حضير بحربته -وهو ما زال مشركاً- فيقول لـمصعب: ما الذي جاء بك إلينا؟ تسفه أحلامنا، وتشتم آلهتنا، وتُضيع ضعفاءنا، اعتزلنا إن كنت في حاجة إلى نفسك، وإلا فاعتبر نفسك مقتولاً. فما كان من مصعب -بهدوء المؤمن الواثق بموعود الله وبنصر الله لهذه الدعوة- إلا أن قال له -في كلمات هادئة-: أو تجلس فتسمع؛ فإن رضيت أمرنا قبلته، وإن كرهته كففنا عنك ما تكره؟ قال: لقد أنصفت -وكان عاقلا لبيباً- فكلمه مصعب رضي الله عنه عن الإسلام، وقرأ عليه القرآن؛ فتهلَّل وجهه، وبرقت أسارير وجهه، واستهل وجهه، وقال: كيف تصنعون إذا أردتم الدخول في هذا الدين؟ -جاء ليقتله، والآن يريد أن ينهل مما نهل منه مصعب !- قال: اغتسل وتطهر، واشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أسلم الرجل وفي نفس الوقت أصبح داعية. يقول: إن وراءي رجلاً إن اتبعكم لم يتخلف عنه أحد من قومه -هو سعد بن معاذ - وذهب إلى هذا الرجل، واستفزه بكلمات معينة، فجاء هذا يركض إلى مصعب ، ويقول: إما أن تكف عنا وإما أن نقتلك، قال: أو تجلس فتسمع؛ فإن رضيت أمرنا قبلته، وإن لم ترضَه كففنا عنك ما تكره؟ فجلس، فقام يخبره عن الإسلام ويبين له هذا الدين، فما كان منه إلا أن استهل وجهه، وبرقت أسارير وجهه، وقال: كيف يفعل من يريد الدخول في هذا الدين؟ قال: اغتسل وتطهر، واشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل، ثم خرج من توِّه داعية إلى قومه، فذهب إلى بني عبد الأشهل، وقال: يا بني عبد الأشهل -وهم قومه-! كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا، وأفضلنا رأياً، وخيرنا، وأيمننا. قال: فإن كلامكم عليَّ حرام رجالكم والنساء حتى تؤمنوا بالله الذي لا إله إلا هو وتُصدقوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، يقول: فلم يبق رجل ولا امرأة في تلك الليلة إلا مسلم أو مسلمة.

    فلا إله إلا الله! الكلمة الطيبة.. الكلمة الطيبة! الإحسان.. الإحسان، والله يحب المحسنين.

    أَحسنْ إلى النَّاسٍ تَستعبدْ قلوبَهمُ     لطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ

    1.   

    ضرورة الاجتماع والألفة بين المؤمنين

    علمتني الحياة في ظل العقيدة: أن الاجتماع والألفة بين المؤمنين قوة، وأن التفرق والتشتت ضعف؛ فإن الإنسان قليل بنفسه، كثير بإخوانه.

    وما المرءُ إلا بإخوانه كما تقبضُ الكفُ بالمِعْصمِ

    ولا خيرَ في الكفِّ مقطوعةً ولا خيرَ في السَّاعد الأَجذمِ

    يقول عمر رضي الله عنه وأرضاه: [[ ما أُعطي عبد بعد الإسلام خيراً من أخ صالح يذكره بالله؛ فإذا رأى أحدكم من أخيه ودّاً فليتمسك به]].

    تمسَّك به مَسْكَ البخيلِ بماله وعضَّ عليه بالنواجذِ تَغْنم

    ويقول الحسن عليه رحمة الله: [[إخواننا أحب إلينا من أهلنا وأولادنا؛ لأن أهلنا يذكروننا بالدنيا، وإخواننا يذكروننا بالآخرة، ويُعينوننا على الشدائد في العاجلة]].

    إنْ يختلفْ نسبٌ يؤلفْ بيننا دينٌ أقمناه مقامَ الوالدِ

    أو يختلفْ ماءُ الوِصَالِ فماؤنا عذبٌ تحدَّر منْ غمامٍ واحدِ

    يقول عمر رضى الله عنه: [[والله! لولا أن أجالس إخوة لي ينتقون أطايب القول كما يُلتقط أطايب الثمر، لأحببت أن ألْحق بالله الآن]].

    وهاهي جماعة من النمل تصادف بعيراً، فيقول بعضها: تفرقن عنه لا يحطمكنَّ بخفه، فقالت حكيمة منهن: اجتمعن عليه تقتلنه.

    تأبى الرماحُ إذا اجتمعن تكسراً وإذا انفردت تكسرت آحادا

    بنيان واحد.. جسد واحد.. أمة واحدة:

    لو كبَّرت في جموع الصينِ مِئذنةٌ سمعت في الغربِ تهليلَ المصلينَ

    وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا [آل عمرن:103].

    1.   

    أهمية اغتنام الفرص في الطاعات

    علمتني الحياة في ظل العقيدة: ألا تضيع فرصة في طاعة، فإن لكل متحرك سكوناً، ولكل إقبال إدباراً، ورحم الله أبا بكر ورضي الله عنه وأرضاه يوم يقول صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح مسلم : (من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر : أنا. من تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر : أنا. من عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر : أنا. من تصدق اليوم على مسكين؟ قال أبو بكر : أنا. قال صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعن في امرئٍ إلا دخل الجنة).

    من لي بمثلِ مشيك المعتدلِ      تمشى الهُوينا وتجي في الأولِ

    صور من مبادرة أبي بكر في الطاعات

    خرج أبو بكر من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن عمره في الإسلام بضعة أيام، وعاد وهو يقود الكتيبة الأولى من كتائب هذه الأمة، فعاد وقد أدخل في دين الله ستة من العشرة المبشرين بالجنة، يأتي يوم القيامة، وهم في صحيفة حسناته، وبعضنا يعيش عشرين عاماً وثلاثين عاماً وستين عاماً ومائة عام، وما هدى الله على يديْه رجلاً واحداً! إلى الله نشكو ضعفنا وتقصيرنا.

    ليس هذا فحسب؛ بل يمر يوماً من الأيام على بلال رضى الله عنه وأرضاه وهو يُعذب في رمضاء مكة ، وبه من الجَهد ما به، وهو يقول: أَحَدٌ أحدٌ. فيقول: ينجيك الله الواحد الأحد.

    ويرى أنها فرصة لا تتعوَّض لإنقاذ هؤلاء الضعفاء؛ لئلا يُفتنوا في دينهم فيصفي تجاراته، ويصفي أمواله، ويأتي إلى أمية بن خلف، ويقول: أتبيعني بلالاً ؟ قال: أبيعكه فلا خير فيه، فيعطيه خمس أواقٍ ذهباً، فيأخذ هذه الخمس، ويقول: والله لو أبيت إلا أوقية واحدة لبعتك بلالاً . قال: ووالله لو أبيت -يا أمية - إلا مائة أوقية لأخذته منك؛ لأن لـأبي بكر موازين ومقاييس ليست لهذا ولا لغيره من البشر، فرضي الله عنه وأرضاه. يقول أبوه: إن كنت ولابد منفقاً أموالك فأنفقها على رجالٍ أشداء ينفعونك في وقت الشدائد، فيقول: أبتاه! إنما أريد ما أريد. ماذا يريد أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه؟

    إنه يريد ما عند الله ويريد وجه الله والدار الآخرة، يقول أناس: ما أعتق بلالاً إلا ليدٍ كانت له عند بلال ؛ يعني: لمعروف أسداه بلال إليه، فأراد أن يكافئَه بذلك، فيتولى الله سبحانه وتعالى الرد من فوق سبع سماوات: وَمَا لأحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى الليل:19-21] رضي الله عنه وأرضاه، لقد كان سباقاً إلى كل فرصة يغتنمها.

    وهاهو خيثمة بن الحارث كان له ابن يسمى سعد بن خيثمة بن الحارث ، ولما أراد المسلمون النفور إلى بدر ، وأرادوا الجهاد في سبيل الله؛ فما كان من هذا الرجل إلا أن قال لابنه: يا بني! تعلم أنه ليس مع النساء من يحميهن، وأريد أن تبقى معهن. ورأى هذا الشاب أن هذه فرصة لا تتعوض للجهاد في سبيل الله، قال: والله يا أبتاه! لا أجلس مع هؤلاء النساء. للنساء رب يحميهن، والله! ما في الدنيا شيء تطمع به نفسي دونك، والله! لو كان غير الجنة -يا أبتاه- لآثرتك به، ولكنها الجنة، والله لا أوثر بها أحداً.

    ثم ذهب الشاب، وترك الشيخ الكبير مع هؤلاء النساء، ذهب يطلب ما عند الله، فاستشهد في سبيل الله -بإذن الله نحسبه شهيداً، ولا نزكي على الله أحداً- يقول أبوه بعد ذلك: والله! لقد كان سعدأعقل مني، أواه أواه! لقد فاز بها دوني، والله! لقد رأيته البارحة في المنام: يسرح في أنهار الجنة وثمارها، ويقول: أبتاه! الْحقْ بنا فإنَّا قد وجدنا ما وعد ربنا حقَّا.

    موقف أبي خيثمة في غزوة تبوك

    وهاهو أبو خيثمة يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وكانت له زوجتان، جاءهما يوماً فوجد كل واحدة منهما قد رشَّت عريشها بالماء، وبردت له الماء، ووضعت له الطعام؛ فلما رأى ذلك بكى وقال: أواه أواه! يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحر والريح، وأبو خيثمة في الظل والماء البارد؟! والله! ما هذا بالنصف. ورأى أنها فرصة لو فاتته لعُدَّ من المنافقين، قال: والله! لا أذوق شيئاً حتى ألْحق برسول الله صلى الله عليه وسلم. فهيَّأ زاده، وهيأ راحلته، وانطلق وحيداً في صحاري يبيد فيها البيد، ويضيع فيها الذكي والبليد.

    ولَحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فأدركه قرب تبوك ، ورآه الناس فقالوا: راكب مقبل يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: {كن أبا خيثمة! كن أبا خيثمة! قال الصحابة: هو أبو خيثمة فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم} ففاز بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، ويا له من فوز!

    مسارعة الحسن البصري في الدعوة إلى الله

    وهاهو الحسن عليه رحمة الله: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُّفْتَرَى [يوسف:111] كانوا سباقين إلى الخير، لا يضيعون فرصة لطاعة الله عز وجل.

    والٍ من الولاة في عهده بنى له بناء في واسط وزخرفه، وأكثر فيه من الزخرفة، ثم دعا الناس للفرجة عليه والدعاء له.

    فما كان من الحسن يوم اجتمع الناس كلهم إلا أن رآها فرصة لا تُعوَّض أن يعظ الناس، ويذكرهم بالله، ويزهدهم في الدنيا، ويرغبهم فيما عند الله جل وعلا، فما كان منه إلا أن انطلق، ثم وقف بجانبهم هناك، فحمد الله وأثنى عليه، فاتجهت إليه القلوب والأبصار، ثم كان مما قال: لقد نظرتم إلى ما ابتنى أخبث الأخبثين فوجدنا أن فرعون بنى أعلى مما بنى، وشيَّد أعلى مما شيَّد، أليس هو القائل: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي) فأجرى الله الأنهار من فوق رأسه؟

    ليته يعلم أن أهل السماء مقتوه، وأن أهل الأرض قد غرُّوه.. واندفع يتدفق في موعظته حتى أشفق عليه بعض السامعين من هذا الوالي، فقالوا: حسبك يا أبا سعيد ! حسبك. قال: لا والله! لقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم ليبيننَّه للناس ولا يكتمونه: {من كتم علماً ألجمه الله بلجام من نار}.

    ويسمع ذلك الوالي، ويأتي لجُلاسه يتميز من الغيظ، ويدخل عليهم، ويقول: تباً لكم، وسحقاً، وهلاكاً لكم وبعداً، يقوم عبد من عبيد أهل البصرة فيقول فينا ما شاء أن يقول، ثم لا يجد من يرده أو ينكر عليه، والله لأسقينَّكم من دمه يا معشر الجبناء! ثم أمر بالسيف والجلاد والنطع، وما كان منه إلا أن استدعى الحسن عليه رحمة الله. فجاء الحسن، ويوم رأى السيف ورأى الجلاد، تمتم بكلمات لم يعرف الحجاب والحُراس ماذا يقول؟

    ويوم دخل، وقد خاف الله؛ خوَّف الله منه كل شيء، دخل على هذا الوالي فما كان منه إلا أن قال: أهلاً بك أيها الإمام! وقام يرحب به، ويقول: هاهنا هاهنا يا أبا سعيد ! حتى أجلسه على مجلسه، وعلى كرسيه، وجلس بجانبه، يسأله بعض الأسئلة ويقول له بعد ذلك: أنت أعلم العلماء يا أبا سعيد! انصرف راشداً. وهذا بعد أن طيَّب لحيته، فخرج من عنده فلَحِق به أحد الحجاب، وقال له: والله! لقد دعاك لغير ما فعل بك، فماذا كنت تقول؟ قال: دعني ونفسي. قال: أسألك بالله! ماذا كنت تقول وأنت داخل؟ قال: كنت أقول: يا وليّ نعمتي، وملاذي عند كربتي، اجعل نقمته عليَّ برداً وسلاماً، كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم.

    اتصل بالله عز وجل ولم يضيع هذه الفرصة، وعلم الله صدقه، فأنجاه وأنقذه وحفظه: فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف:64].

    فالحياة -يا أيها الأحبة- فرص من اغتنمها فاز، ومن ضيَّعها خسر: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ الحديد:20].

    إذا هَبت رياحُك فاغْتنمها فإن لكل خافقةٍ سكون

    ولا تغفل عن الإحسانِ فيها فلا تدري السكون متى يكونُ

    وإن درَّت نياقُك فاحتلبها فلا تدري الفَصيل لمن يكونُ

    أترجو أن تكون وأنت شيخٌ كما قد كنت أيام الشبابِ

    لقد خدعتك نفسك ليس ثوب دريس كالجديد من الثياب

    1.   

    الاشتغال بإصلاح عيوب النفس

    علمتني الحياة في ظل العقيدة: ألا أعيب أحداً ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وأن أشتغل بإصلاح عيوبي، وإنها لكبيرة جِد كبيرة، أما يستحي من يعيب الناس وهو معيب؟!

    ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلُّها     كفى المرء نبلاً أن تُعَدَّ معايبه

    من ذا الذي ما ساء قط      ومن له الحسنى فقط

    تريد مبرأً لا عيب فيه      وهل نارٌ تَفوح بلا دُخَان

    هاهو عمر بن عبد العزيز عليه رحمة الله ورضوانه، يختار جلاسه اختياراً، ويشترط عليهم شروطاً، فكان من شروطه: ألا تغتابوا، ولا تعيبوا أحداً في مجلسي حتى تنصرفوا.

    السَّهل أسهلُ مسلكاً     فدع الطريق الأوعَرا

    واحفظ لسانك تسترح     فلقد كفى ما قد جرى

    هاهو ابن سيرين عليه رحمة الله كان إذا ذُكر في مجلسه رجل بسيئة بادر فذكره بأحسن ما يعلم من أمره، فيذب عن عرضه. فيذب الله عز وجل عن عرضه، سمع يوماً أحد جلاسه يسبّ الحجاج بعد وفاته، فأقبل مغضباً، وقال: صهٍ يا بن أخي! فقد مضى الحجاج إلى ربه، وإنك حين تقدم على الله ستجد أن أحقر ذنب ارتكبته في الدنيا أشد على نفسك من أعظم ذنب اجترحه الحجاج ، ولكل منكما -يومئذ- شأن يغنيه، واعلم يا بن أخي! أن الله عز وجل سوف يقتص من الحجاج لمن ظلمهم، كما سيقتص للحجاج ممن ظلموه، فلا تشغلن نفسك بعد اليوم بعيب أحد، ولا تتبع عثرات أحد:

    ومن يتبع جاهداً كل عثرةٍ     يجدْها ولا يسلم له الدهر صاحبُ

    يا عائب الناس وهو معيب! اتق الله، أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وخواص المسلمين هم العلماء، والوقيعة فيهم عظيمة جد عظيمة، لحومهم مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، ومن أطلق لسانه في العلماء بالسب بلاه الله قبل موته بموت القلب:

    وكم من عائبٍ قولا صحيحاً     وآفته من الفَهم السقيمِ

    ومن يك ذا فمٍ مرٍ مريضٍ     يجدْ مُراً به الماءَ الزلالا

    فإن عبت قوماً بالذي فيك مثْلُه     فكيف يعيبُ الناسُ من هو أعورُ؟

    وإن عبت قوماً بالذي ليس فيهمُ     فذلك عند اللهِ والناس أكبرُ

    من طلب أخاً بلا عيب صار بلا أخ، ألا فانظر لإخوانك بعين الرضا.

    فعين الرضا عن كلِّ عيبٍ كليلة     ولكن عين السخطِ تُبْدي المساويا

    وكيف ترى في عين صاحبك القذى     ويخفى قذى عينيك وهو عظيمُ

    بعض الإخوة ظلمة.. بعض الإخوة غير منصفين، يرون القذاة في أعين غيرهم، ولا يرون الجذع في أعينهم، فحالهم كقول القائل:

    إن يسمعوا سُبّةً طاروا بها فرحاً     مني وما يسمعوا من صالحٍ دفنوا

    صمٌ إذا سمعوا خيراً ذُكِرت به     وإنْ ذُكرت بسوءٍ عندهم أَذِنوا

    إن يعلموا الخيرَ أخفوه وإن يَعلموا     شراً أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا

    طوبى لمن شغلته عيوبه عن عيوب غيره، وكان حاله:

    لنفسي أبكي لستُ أبكي لغيرها     لنفسي عن نفسي من الناسِ شاغلُ

    (والكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأمانيّ).

    1.   

    أهمية اختيار الأصحاب

    علمتني الحياة في ظل العقيدة: أن الصاحب ساحب، وأن القرين بالقرين، وأن الناس أشكال كأشكال الطير؛ الحمام مع الحمام، والغراب مع الغراب، والدجاج مع الدجاج، والنسور مع النسور، والصقور مع الصقور، وكل مع شكله. والطيور على أشكالها تقع.

    والخليل على دين خليله. فَفِرّ من خليل السوء فرارك من الأسد؛ فهو أجرب مُعدٍ، يقودك إلى جهنم، إن أجبته قذفك فيها، وسيكون لك عدواً بين يديْ الواحد الأحد: (الأخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ الزخرف:67].

    هاهو عقبة بن أبي معيط كان يجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ولا يؤذيه وكان كافراً، وليس كبقية قريش إذا جلسوا معه صلى الله عليه وسلم يؤذونه، وكان لـابن أبي معيط صديق كافر غائب بـالشام ، وقد ظنت قريش أن عقبة قد أسلم لما يعامل النبي صلى الله عليه وسلم من معاملة حسنة، فلما قدم خليله من الشام ، قالت قريش: هاهو خليلك ابن أبي معيط قد أسلم. فغضب خليله وقرينه غضباً شديداً، وأبى أن يكلم عقبة، وأبى أن يسلم عليه، حتى يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، فاستجاب عقبة له وآذى النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه خنقه بتلابيبه ذات مرة، وحتى إنه بصق في وجهه الشريف مرة أخرى، فاستأثر بكل حقارة ولؤم على وجه الأرض في تلك الساعة، وكان عاقبته أن مات يوم بدر كافراً، فأنزل الله فيه وفي أمثاله قرآناً يتلى إلى يوم القيامة: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً الفرقان:27-29].

    فإياك وصديق السوء؛ فإنه يعدي كما يعدي الصحيحَ الأجربُ.

    إذا كنت في قومٍ فصاحب خيارَهم     ولا تصحب الأرْدَى فتردى مع الردِي

    عن المرءِ لا تسأل وسَلْ عن قرينِه     فكلُّ قرينٍ بالمُقَارن يقتدي

    من جالس الجُرب يوماً في أماكِنها     لو كان ذا صحةٍ لا يأمن الجربا

    أنت في الناس تقاسُ      بالذي اخترتَ خليلاً

    فاصحبْ الأَخْيار تعلُ      وتنلْ ذكراً جميلاً

    1.   

    ضرورة موافقة الأعمال الأقوال

    1.   

    إرضاء الناس غاية لا تدرك

    علمتني الحياة في ظل العقيدة: أن إرضاء الناس غاية لا تدرك؛ فإرضاء البشر ليس في الإمكان أبداً؛ لأن علمهم قاصر، ولأن عقولهم محدودة، يعتَوِرُهم الهوى، ويعتَوِرُهم النقص، ويتفاوتون في الفهم والإدراك، فلا يمكن إرضاؤهم.

    فمَن تُرضي إذاً؟ أرض الله جل وعلا وكفى.

    هاهو رجل يبني له بيتاً، فيضع الباب جهة الشرق، فيمر عليه قوم، فقالوا: هلا وضعته جهة الغرب لكان أنسب. فيمر آخرون ويقولون: هلا وضعته جهة الشمال لكان أجمل. ويمر آخرون، فيقولون: هلا وضعته جهة الجنوب لكان أنسب. وكلٌ له نظر، ولن ترضيهم جميعاً، فأرض الله وكفى.

    هاهو رجل وابنه ومعهما حمار، ركب الأب وترك الابن ومشيا، فمروا على قوم، فقالوا: يا له من أب ليس فيه شفقة ولا رحمة، يركب ويترك هذا الابن المسكين يمشى وراءه! فما كان منه إلا أن نزل، وأركب هذا الطفل، ومشى، فمر على قوم آخرين، فقالوا: يا له من ابن عاق يترك أباه يمشي وراء الدابة وهو يركب الدابة!، فركب الاثنان على الدابة، ومروا على قوم آخرين، فقالوا: يا لهم من فجرة حمَّلوها فوق طاقتها! فنزل الاثنان ومشيَا وراء الدابة، فمروا على قوم، فقالوا: حمقى مغفلون يُسخر الله لهم هذه الدابة، ثم يتركونها تمشي ويمشون وراءها!

    وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ [المؤمنون:71].

    من ترضي أخي في الله؟ أرض الله وكفى، من أرضى الله بسخط الناس، رضي الله عليه وأرضى عنه الناس. ومن أرضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس.

    لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

    أما إرضاء رب الناس فهو الممكن بل هو الواجب؛ لأن سبيل الله واحد؛ ولأن دينه واحد: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ الأنعام:153].

    يذكر الشيخ عمر الأشقر في كتابه: مواقف حدثاً يناسب هذه النقطة: يذكر أن طفلة صغيرة تعود لأمها من المدرسة ذات يوم، وعليها سحابة حزن وكآبة وهمٍّ وغمٍّ، فتسألها أمها عن سبب ذلك؟ فتقول -وهي من بيت محافظ-: إن مُدرستي هددتني إن جئت مرة أخرى بمثل هذه الملابس الطويلة، فتقول الأم: ولكنها الملابس التي يريدها الله جل وعلا، فتقول الطفلة: لكن المُدرسة لا تريدها. قالت الأم: المُدرسة لا تريد والله يريد، فمن تُطيعين إذاً، الذي خلقك وصوَّرك وأنعم عليك، أم مخلوق لا يملك ضراً ولا نفعاً؟ فقالت الطفلة بفطرتها السليمة: لا. بل أطيع الله، وليكن ما يكون.

    وفي اليوم الثاني تلبس تلك الملابس، وتذهب بها إلى المدرسة، ولما رأتها المعلمة انفجرت غاضبة، تؤنب تلك الفتاة التي تتحدى إرادتها، ولا تستجيب لطلبها، ولا تخاف من تهديدها ووعيدها، وأكثرت عليها من الكلام، ولما زادت المعلمة في التأنيب والتبكيت، ثقل الأمر على الطفلة البريئة المسكينة، فانفجرت في بكاء عظيم شديد مرير أَلِيم، أذهل المعلمة ثم كفْكفتْ دموعها، وقالت كلمة حق تخرج من فمها كالقذيفة، فتقول: والله! لا أدري من أطيع؟ أنت أم هو؟ قالت المعلمة: ومن هو؟ قالت: الله رب العالمين، الذي خلقني وخلقك وصوَّرني وصوَّرك، أو أطيعك، فألبس ما تريدين، وأغضبه هو. أم أطيعه وأعصيك أنت؟، لا. لا. سأطيعه، وليكن ما يكون.

    إذا لم يكن إلا الأسنةُ مركباً فما حيلةُ المضَّطر إلا ركوبُها

    ذهلت المعلمة، وشُدِهت وسكنت، وهل هي تتكلم مع طفلة أم مع راشدة؟ ووقعت منها الكلمات موقعاً عظيماً بليغاً، وسكتت عنها المعلمة.

    وفي اليوم التالي تستدعي المعلمة أمَّ البنت، وتقول لها: لقد وعظتني ابنتك أعظم موعظة سمعتها في حياتي، لقد تبت إلى الله، وأُبت إلى الله، فقد جعلت نفسي نداً لله حتى عرفتني ابنتك من أنا. فجزاكِ الله من أم مربية خيراً.

    وهنا أقول: يا أيها الأحبة! ما أحوجَنا إلى أن نرضي الله جل وعلا، وأن نعرف أن الحق إنما يصل إلى القلوب إذا خرج من القلوب التي تؤمن به، وتعمل بمقتضاه، أما الكلمات الباردة فلن تؤثر في السامعين أبداً؛ ألا فأرضِ الله جل وعلا وكفى.

    فلست بناجٍ من مقالةِ طاعنٍ     ولو كنتَ في غارٍ على جبلٍ وعرِ

    ومن ذا الذي ينجو من الناسِ سالماً     ولو غاب عنهم بين خافقتي نسر

    (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ الأنعام:116].. وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ يوسف:103].

    1.   

    ضرورة اتباع الحق

    علمتني الحياة في ظل العقيدة: أن أحب الحق وفلاناً ما اجتمعا، فإذا افترقا كان الحق أحب من فلان ومن نفسي ومالي وأهلي وولدي والناس أجمعين:

    لأنَّني مولعٌ بالحقِ لستُ إلى سواه     أنحو ولا في نصره أَهِنُ

    دعهم يعضوا على صمِّ الحصى كمداً      مَنْ مات منهم له كفنُ

    هاهو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه يستجيب لدعوة الهدى والحق، فيكون ثالث ثلاثة أسلموا، لكن إسلامه لم يمر هيناً سهلاً، وإنما تعرض الفتى لتجربة من أقسى التجارب، أنزل الله في شأنها قرآناً يُتلى.

    لما سمعت أمه بخبر إسلامه ثارت ثائرتها، يقول: وكنت فتى باراً محباً لها، فأقبلت تقول: يا سعد ! ما هذا الدين الذي اعتنقته فصرفك عن دين آبائك وأجدادك؟ لتتركن هذا الدين أو لأمتنعن عن الطعام والشراب حتى أموت، فيتفطر قلبك حزناً عليَّ، ويأكلك الندم على فعلتك التي فعلت، ويعيرك الناس بها أبد الدهر، قال: قلت: يا أماه! لا تفعلي فأنا لا أدع ديني لشيء. لكنها نفذت وعيدها وامتنعت عن الطعام والشراب أياماً، كان يأتيها ويسألها أن تتبلغ بقليل من طعام أو شراب فترفض ذلك، فما كان منه ذلك اليوم إلا أن جاءها وقال: يا أماه! إني لعلى شديد حبي لك أشد حباً لله ورسوله، والله! لو كانت لك ألف نفس فخرجت منك نفساً بعد نفس ما ارتددت عن ديني، فكلي أو دعي.

    فلما وضعها أمام هذا الأمر ما كان منها إلا أن أكلت على كره منها، فأنزل الله عز وجل فيه وفيها: وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً لقمان:15].

    وهاهو الإمام مالك ، يأتيه رجل يستفتيه، وهو في حلقة العلم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيدخل هذا الرجل إليه، ويقول: يا إمام! قد قلت لزوجتي: أنت طالق إن لم تكوني أحلى من قمر، ففكر الإمام قليلاً، ثم قال: ليس هناك أحلى من القمر، فهذه طلقة، ولا تعد لذلك.

    وكان تلميذه الشافعي يجلس إلى سارية من السواري، ولم يدرِ ما الذي حدث بينهما، وكان حريصاً على طلب العلم، فلحق بهذا الأعرابي، وقال له: ما السؤال؟ وما الإجابة؟ -يريد أن يستفيد فائدة- قال: قلت للإمام كذا وكذا، فقال: القمر أحلى من زوجتك، فزوجتك قد طلقت طلقة.

    فقال الإمام الشافعي له: بل زوجتك أحلى من قمر. قال: أوقد رأيتها؟! وكانوا ذوو غَيْرة؛ فاغتاظ منه، قال: لا. ألم تسمع قول الله جل وعلا: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِيَ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين:1-4] فخَلْقُ الإنسان أحسن خلق، وأقوم خلق، وأعدل خلق.

    قال: إذاً نرجع إلى الإمام مالك .قال: نرجع إليه. فرجعوا إلى الإمام مالك . فأخبروه بالخبر، فقال: الحق أحق أن يُتبع، أخطأ مالك وأصاب الشافعي.

    فما أحوجنا إلى معرفة الرجال بالحق، لا العكس.

    والحقُّ يعلو والأَباطل تسفل     والحق عن أحكامه لا يُسألُ

    وإذا استحالت حالة وتبدلت     فالله عز وجل لا يتبدلُ

    1.   

    أهمية الرجال الذين يحملون الحق بقوة

    علمتني الحياة في ظل العقيدة: ألا نفرح في صفوفنا بالهازلين، المضيعين لأوقاتهم المفرطين في المزاح، المنغمسين في المُلْهيات، نريد رجالاً أشداء لا ينثنون للريح، يشقون الطريق بعزم وجد، لا تلهيهم كرة، ولا يضيعهم تلفاز ولا هراء، وقتهم أعظم وأثمن من أن يضيع في مثل هذه الترهات.

    نريد من يأخذ الحياة بجد؛ فالحياة الحقيقية للشجعان الأقوياء العاملين، لا مكان فيها للكُسالى والتنابلة والبطالين والمتخاذلين، نريد من يشق طريقه معتمداً على الله بعيداً عن التفكير الهامشي السافل.. التفكير في الشهوات.. التفكير في الملهيات، والركض وراءها، والتفكير المادي المنحط.

    نريد شباباً يتربى على معالي الأمور، ويترفع عن سفاسف الأمور ليكونوا ممن قيل فيهم:

    شبابٌ ذَلَّلوا سُبلَ المعالي     وما عرفوا سوى الإسلام دينا

    إذا شهدوا الوغى كانوا كماةً     يدكون المعاقلَ والحصونا

    وإن جن المساءُ فلا تراهم     من الإشفاقِ إلا ساجدينا

    شباب لم تُحطمه الليالي      ولم يُسلم إلى الخصم العرينا

    وما عرفوا الأغاني مائعاتٍ      ولكن العلى صيغت لحونا

    ولم يتشدقوا بقشورِ علمٍ      ولم يتقلبوا في الملحدينا

    ولم يتبجحوا في كل أمرٍ      خطيرٍ كي يُقال مثقفونا

    كذلك أخرج الإسلام قومي      شباباً مخلصاً حُراً أمينا

    وعلمه الكرامةَ كيف تُبْنَى      فيأبى أن يذل وأن يهونا

    أين نجد هؤلاء الشباب؟

    أنجد هؤلاء في المسارح؟ أعلى المدرجات؟ أعلى الأرصفة؟ لا. إنما نجدهم في حلقات العلم والتعلم، في بيوت الله، في الأمر والنهي، فلتأخذ الحياة بجد، ولتُعد الأنفس ليوم الشدائد، فما ندري ما المرحلة القادمة:

    يا راقدَ الليلِ مسروراً بأوله      إن الحوادثَ قد يطرقن أسحارا

    كيف يرجو من به كسلُ      نيلَ ما قدْ ناله الرَّجلُ؟

    من يريد العزَّ يطلبهُ      في دروبٍ ما بها سهلُ

    1.   

    حقيقة النفس البشرية

    علمتني الحياة في ظل العقيدة: أن النفس البشرية كالطفل تماماً. إن أدبتها وهذَّبتها صلحت واستقامت، وإن أهملتها وتركتها خابت وخسرت، بل هي كالبعير إن علفتها وغذيتها بالمفيد سكنت وثبتت واطمأنت وخدمت، وإن تركتها صدَّت وندَّت وشردَت.

    النَّفس بطبيعتها تميل إلى الشهوات واللذات والهوى، وتأمر بالسوء والفحشاء، إذا لم يقيدها وازع ديني عظيم؛ تنقاد إلى السقوط والهلاك:

    والنَّفْسُ كالطفل إن تُهمله شبَّ على     حبِ الرَّضَاعِ وإن تفطمه ينفطمِ

    فخالف النفسَ والشيطانَ واعصهما     وإن هما محضاكَ النصحَ فاتهمِ

    وإصلاح نفسك بمَّ يكون يا أيها الحبيب؟

    بالمجاهدة: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا )[العنكبوت:69]

    يقول ثابت البناني عليه رحمة الله: تعذبت بالصلاة عشرين سنة -يجاهد نفسه عشرين سنة ليصلي لله في بيوت الله- قال: ثم تنعمت بها عشرين سنة أخرى، والله إني أدخل في الصلاة فأحمل هَمَّ خروجي منها.

    وأعظم المجاهدة مجاهدة النيات: (فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).. (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا )[الكهف:110].

    يقول أحد السلف: ما من فعلة صغرت أو كبرت إلا ويُنشَر لها ديوانان: لِم؟ وكيف؟

    لم فعلت؟ ما علة الفعل؟ وما باعث هذا الفعل؟ هل لحظ دنيوي؟ لجلب نفع؟ لدفع ضر؟ أم لتحقيق العبودية لله وابتغاء الوسيلة إليه سبحانه وبحمده؟ هل فعلت هذا الفعل لمولاك أم لحظِّك وهواك؟

    وكيف فعلت هذا الفعل؟ هل العمل مما شرعه الله ورسوله؟ أم ليس عليه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم القائل: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) فأعظم ما يربي النفس مجاهدة النية. يقول سفيان : ما عالجت شيئاً أشد عليّ من نيتي. يا نفس! أخلصي تتخلصي، إخلاص ساعةٍ نجاة الأبد، ولكن الإخلاص عزيز.

    طوبى لمن صحت له خطوة يُراد بها وجه الله تعالى.

    هاهو ابن الجوزي عليه رحمة الله الذي لطالما جاهد نيته تحلُ به سكرات الموت، فيشتد بكاؤه ونحيبه، فيقول جُلاسه: يا إمام! أحسن الظن بالله، ألست من فعلت، ومن فعلت؟ قال: والله ما أخشى إلا قول الله: (وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا )[الزمر:47-48] أخشى أن أكون فرطت وخلطت ونافقت، فيبدو لي الآن ما لم أكن أحتسب، وتبدو لي سيئات ما كسبت، وهو الذي يقول عن نفسه كما في صيد الخاطر : لقد تاب على يدي في مجالس الذكر أكثر من مائتيْ ألف، وأسلم على يديْ أكثر من مائتيْ نفس، وكم سالت عين متجبر بوعظي لم تكن تسيل!

    ويحق لمن تلمَّح هذا الإنعام أن يرجو التمام، ولكم اشتد خوفي بنظري إلى تقصيري وزللي، لقد جلست يوماً واعظاً فرأيت حولي أكثر من عشرة آلاف، ما منهم من أحد إلا رقَّ قلبه، أو دمعت عينُه، قال: فقلت في نفسي: كيف بك يا بن الجوزي! إن نجا هؤلاء وهلكت؟ كيف بك يا بن الجوزي ! إن نجا هؤلاء وهلكت؟ ثم صاح: إلهي ومولاي وسيدي إن عذبتني غداً فلا تخبرهم بعذابي، لئلا يُقال عذب الله من دعا إليه، عذب الله من دل عليه، إلهي -وأنت أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين- لا تخيب من علق أمله ورجاءه بك، وخضع لسلطانك، دعا عبادك إلى دينك ولم يكن أهلاً لولوج باب رحمتك، لكنه طامع في سعة جودك ورحمتك، أنت أهل الجود والكرم.

    فأخلصوا تتخلصوا. طوبى لمن صحت له خطوة يراد بها وجه الله تعالى.

    1.   

    مكانة المرأة المسلمة وبعض مواقفها

    علمتني الحياة في ظل العقيدة: أن كثيراً من النساء مَحَاضن خالدة لتربية الأجيال، ولبعضهن مواقف مشرفة، تصلح نبراساً وأُنموذجاً لفتياتنا وأمهاتنا وأخواتنا، في وقت أصبحت مصممة الأزياء والممثلة والراقصة والفنانة العاهرة الفاجرة هي القدوة، وهي الأسوة، إلا عند من رحمهن الله سبحانه فإليكم بعض النماذج:

    هاهي صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها يتوفى عنها زوجها، ويترك لها ابناً هو الزبير رضي الله عنه وأرضاه، فنشأته نشأة الخشونة، وربَّته على الفروسية والحرب، وجعلت لعبه في بري السهام وإصلاح القسي، ودأبت على قذفه في كل مخوفة، وتقحمه في كل خطر، فإذا أحجم ضربته ضرباً مبرحاً، حتى إنها عوتبت من بعض أعمامه، حيث قال لها: إنك تضربينه ضرب مبغضة لا ضرب أم. فقالت مرتجزة:

    من قالَ قد أبغضتُه فقد كذبْ      وإنما أضربُه لكي يلبْ

    ويهزم الجيشَ ويأتي بالسلبْ

    آمنت بالله جل وعلا، وصدقت برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهاجرت مع من هاجر، وهي تخطو إلى الستين من عمرها، وفي أحد جاهدت مع ابن أخيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاهدت مع أخيها حمزة رضي الله عنه، ومع ابنها الزبير رضي الله عنه: ذُرِّيَّة بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ [آل عمران:34] فلما انكشف المسلمون في أحد -كما تعلمون- هبَّت هذه المرأة كاللبؤة، وانتزعت رمحاً من أحد المنهزمين، وانقضَّت تشق الصفوف وتزأر في المسلمين كالأسد، وتقول: ويحكم أتفرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! ويراها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول لابنها الزبير : (ردها فإن أخاها حمزة قد مَثَّل به المشركون، فقال لها ابنها: إليك يا أماه! إليك يا أماه! قالت: تنحَّ عني لا أم لك، أتفِرُّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: إن رسول الله يأمرك أن ترجعي.

    فقالت -وقد كانوا وقَّافين عند أمر الله وأمر رسوله-: الأمر أمر الله، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. فتوقفت، وقالت: ولم يردني رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إنه قد بلغني أنه قد مُثِّل بأخي وذلك في ذات الله، وذلك في سبيل الله، والحمد لله، فقال صلى الله عليه وسلم لابنها: خَلِّ سبيلها، خلِّ سبيلها) فخاضت المعركة حتى انتهت، ولما وضعت الحرب أوزارها، وقفت على حمزة أخيها وقفة العظماء، قد بُقر بطنه، وأُخرجت كبده، وجُدع أنفه، وُقطعت أُذناه، وشُوِّه وجهه، فاستغفرت له، وجعلت تقول: إن ذلك في ذات الله، إن ذلك لفي ذات الله ،وقد رضيت بقضاء الله، دموعها تذرف وقلبها يلتهب:

    وليس الذي يجري من العين ماؤها     ولكنها روحٌ تسيلُ فتقطرُ

    تقول: لأصبرن وأحتسبن إن شاء الله. لأصبرن وأحتسبن إن شاء الله. هذا موقف من مواقف صفية.

    وموقف آخر لا يقل عن هذا الموقف، في يوم الخندق تركها النبي صلى الله عليه وسلم مع نساء المسلمين في حصن حسان، وهو من أمنع الحصون هناك، وجاء اليهود، فأرسلوا واحداً؛ ليرى هل أبقى الرسول صلى الله عليه وسلم حُماة للنساء والذراري في هذا الحصن أم لم يُبقِ أحداً؟ فرأت ذلك اليهودي يتسلل إلى الحصن، فما كان منها إلا أن نزلت عليه بعمود، فضربته أولى وثانية وثالثة، وقتلته، ثم احتزت رأسه، ثم طلعت به إلى أعلى الحصن، ثم رمت برأسه؛ فإذا هو يتدحرج بين أيدي اليهود، فقال قائل اليهود: قد علمنا أن محمداً لن يترك النساء من غير حُماة.

    فرحم الله صفية رحمة واسعة، قد كانت مثلا فذّاً للأم المربية المسلمة، ربَّت وحيدها وصبرت على أخيها، وكانت أول امرأة قتلت مشركاً في الإسلام، فرحمها الله رحمة واسعة، وأخرج من أصلاب هذه الأمة نساء كتلك المرأة، بل رجالاً كـصفية .

    وهاهي ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها وأرضاها تلكم المرأة التي حظيت بموقف لم تحظَ به امرأة قبلها ولا بعدها، وهي خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق الهجرة بالغار.

    ثم انظر لتلك المرأة في أواخر سني عمرها في أحلك المواقف، وقد بلغت السابعة والتسعين، ابنها يُحاصر في الحرم، ويصبح في موقف حرج، فيذهب مباشرة إلى أمه يستشيرها في الموقف. ماذا يفعل؟ فقالت تلكم المؤمنة الصابرة: أنت أعلم بنفسك. إن كنت تعلم أنك على حق، وتدعو إلى الحق فاصبر عليه حتى تموت في سبيله، وإن كنت تريد الدنيا فلبئس العبد أنت، أهلكت نفسك ومن معك!

    قال: يا أماه! والله ما أردت الدنيا، وما جُرت في حكم، وما ظلمت، وما غدرت، والله يعلم سريرتي وما في قلبي. فقالت: الحمد لله، وإني لأرجو الله أن يكون عزائي فيك حسناً، إن سبقتني إلى الله جل وعلا.

    تعانقا عناق الوداع، ثم قالت: يا بني اقترب حتى أشم رائحتك، وأضم جسدك، فقد يكون هذا آخر العهد بك، فأكبَّ على يديها، ورجليها، ووجهها، يلثمها ويقبلها، دموع تشتبك في دموع، وهي تتلمس ابنها وهي عمياء لا ترى، ثم ترفع يدها، وهي تقول: ما هذا الذي تلبسه؟ قال: درعي. قالت: يا بني! ما هذا لباس من يريد الشهادة في سبيل الله؟ انزعه عنك؛ فهو أقوى لوثبتك، وأخف لحركتك، والبس بدلاً منه سراويل مضاعفة، حتى إذا صُرعت لم تنكشف عورتك، فنزع درعه وشدَّ سراويله، ومضى إلى الحرم لمواصلة القتال، وهو يقول: لا تفتري عن الدعاء يا أماه! فرفعت كفها قائلة:

    اللهم ارحم طول قيامه، وشدة نحيبه في سواد الليل والناس نيام.

    اللهم ارحم جوعه وظمأه في هواجر مكة والمدينة ، وهو صائم.

    اللهم إني قد أسلمته لك، ورضيت بما قضيت فيه فأثبني فيه ثواب الصابرين.

    ويذهب ابنها، وبعد ساعة من الزمن انقضت في قتال مرير غير متكافئ، تلقى ابنها عبد الله ضربة الموت، ليلقى الله عز وجل.

    ليس هذا فحسب؛ بل يُصلب جثمانه كالطود الشامخ في الحجون .

    علوٌ في الحياةِ وفي المماتِ لحقٍ أنت إحدى المَكرُمات

    كأنَّك واقفٌ فيهم خطيباً وهم وقفوا قياماً للصلاةِ

    وتسمع الأم الصابرة ذات السبع والتسعين سنة، العمياء البصيرة، وتذهب إلى ولدها المصلوب تتلمس الطريق حتى تصل، فتأتي فإذا هو كالطود الشامخ، تقترب منه وتدعو له، وإذ بقاتله يأتي إليها في هوان وذلة، ويقول: يا أماه! إن الخليفة أوصاني بك خيراً، فتصيح به: لست لك بأم، أنا أم هذا المصلوب، وعند الله تجتمع الخصوم.

    ويتقدم ابن عمر رضي الله عنه معزياً لها، ومواسياً لها، فيقول: اتقي الله واصبري، فتقول -له بلسان المؤمنة الواثقة بموعود الله-: يا بن عمر! وماذا يمنعني أن أصبر، وقد أُهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغيٍّ من بغايا بني إسرائيل؟

    أرأيتم ما أعظم الأم! وما أعظم الابن! وما أعظم الأب!

    سلام على ذات النطاقين ، وسلام على ابن الزبير ، وسلام على الزبير، والسلام على أبي بكر ، وسلام على صحابة رسول الله، وسلام على أمهات المؤمنين.

    النساء محاضن الرجال، بصلاحهن يصلح الجيل، وبفسادهن يفسد الجيل، ولو استطردنا في الأمثلة لوجدنا أمثلة كثيرة يعجز الرجال أن يقفوا تلك المواقف، ناهيك عن النساء.

    فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم تتزوج علياً رضي الله عنه، تجر بالرحى حتى تؤثر الرحى في يدها، وتستقي بالقربة حتى أثَّرت في نحرها، وتقُمُّ البيت، وتوقد النار، وتربي أبناءها؛ فيكون من أبنائها الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة:

    هي بنت من هي أم من؟ هي زوج من؟      من ذا يساوي في الأنامِ عُلاها

    أما أبوها فهو أكرم مرسلٍ      جبريلُ بالتَّوحيد قد رَباها

    وعليٌ زوجٌ لا تسل عنهُ سوى      سيفِ غدا بيمينه تيَّاهاً

    فلو كان النساءُ كمن ذكرنا      لفضلت النساءِ على الرجالِ

    وما التأنيث لاسم الشمس عيب      وما التذكيرُ فخرُ للهلالِ

    آن للنساء أن يقتدين بالطهر والعفة والفضيلة؛ بـصفية وأسماء وعائشة وفاطمة .

    فالأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتها      أعددت شعباً طيبَ الأَعْراق

    1.   

    حال الدهر والأيام

    علمتني الحياة في ظل العقيدة: أن الدهر دول، والأيام قُلَّب لا تدوم على حال: وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ آل عمران:140] الدنيا غرَّارة خداعة، إذا حلَت أوْحلت، وإذا كسَت أوْكست، وإذا جلت أوْجلت.

    وكم من ملكٍ رُفعت له علاماتٌ؛ فلما عَلا مات.

    هي الأقدارُ لا تُبقي عزيزاً      وساعات السرورِ بها قليله

    إذا نشر الضِّياءُ عليك نجمٌ      وأشرق فارتقبْ يوماً أفوله

    فيومٌ علينا ويومٌ لنا      ويومٌ نُساءُ ويوم نُسَّر

    الأمر جدُ وهو غيرُ مِزَاحِ      فاعملْ لنفسك صالحاً يا صاحِ

    كيف البقاء مع اختلاف طبائعٍ     وكرور ليلٍ دائمٍ وصباحِ

    تجري بنا الدُنيا على خطرٍ     كما تجري عليه سفينةُ المَلاحِ

    تجري بنا في لُجِ بحرٍ مالهُ     من ساحلٍ أبداً ولا ضحضاح

    فاقضوا مَآربكم عجَالي     إنَّما أعمارُكم سفر من الأسفارِ

    وتراكضوا خيل الشبابِ وبادرُوا     أن تُستردَ فإنهنَّ عوارِ

    الدهرُ يومان ذا أمن وذا خطرٌ     والعيشُ عيشان ذا صفو وذا كدر

    أما ترى البحر يعلو فوقه جيفُ     وتستقرُ بأقصى قاعه الدُرَرُ؟

    وفي السَّماء نجومٌ لا عِداد لها     وليسَ يكسفُ إلا الشَّمسُ والقمرُ

    1.   

    حقيقة ميت الأحياء

    علمتني الحياة في ظل العقيدة: أن ميت الأحياء، من لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ )[المائدة:78-79] ويقول صلى الله عليه وسلم: (لتأمرُنَّ بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذنَّ على يد السفيه، ولتأطرنَّه على الحق أطراً؛ أو ليضربنَّ الله قلوب بعضكم ببعض، ثم يلعنكم كما لعنهم) ..(لتأمرُنَّ بالمعروف، ولتنهون عن المنكر؛ أو ليُسلطنَّ الله عليكم شراركم، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم).. (لتأمرُنَّ بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطنَّ الله عليكم من لا يرحم صغيركم، ولا يوقر كبيركم).

    كم من ميت هو حي بأعماله؛ بأمره ونهيه، بعلمه وعمله! وكم حي ميت يرى المنكر فلا يهزه!

    يا رب حيٍ رخامُ القبرِ مسكنُه      وربَّ ميت على أقدامِه انْتصبا

    1.   

    علاقة العصا بالتربية والإصلاح

    علمتني الحياة: أن العصا أداة للتقويم والتربية والإصلاح، إذا صاحبتها يد حانية، ولسان هادئ، وقلب رحيم. العصا أداة نافعة متى ما وجدت من يستخدمها بحكمة ولُطف، متى ما وضعت في موضعها أفادت، كالدواء تماماً. إننا نريد العصا عندما نستنفذ كل سبيل للعلاج، وآخر الدواء الكيُّ، ومن الكير يخرج الذهب:

    وقسا ليزدجروا ومن يك حازماً      فليقسُ أحياناً على من يرحم

    وهي كذلك أداة للتوكؤ والهش على الغنم، وفيها مآرب أخرى، وإن للخير سبلاً، وكم من مريد للخير لا يدركه!: (وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته).

    1.   

    لكل بداية في الدنيا نهاية

    علمتني الحياة في ظل العقيدة: أن لكل بداية في الدنيا نهاية، ولكل شمل مجتمع فرقة، ولكل نعيم انقطاع.

    إذا تم شيء بدا نقصه      ترقبْ زوالاً إذا قيل تمَّ

    بينما المولود يولد ويُفرح به، ويؤذن في أذنه؛ إذ به بعد وقت ليس بالطويل، يُحمل ليُصلى عليه، ما كأنه ضحك مع من ضحك، ولا كأنه فرح مع من فرح، ولا كأنه استبشر مع من استبشر، فكأن حياته ما بين أذان وصلاة، ولا إله إلا الله، ما أقصرها من حياة!.

    أذان المرءِ حين الطفلُ يأتي      وتأخيرُ الصلاةِ إلى المماتِ

    دليلُ أن مَحْياه يسيرٌ     كما بين الأذانِ إلى الصلاةِ

    بينما الإنسان في أهله في ليلة آمناً مطمئناً فرحاً يخبر عن غيره، إذ به في ليلة أخرى وحيداً فريداً، لا مال، ولا ولد، ولا أنيس، ولا صاحب سوى العمل، وإذ به خبر يخبر به.

    بينا يُرى الإنسانُ فيها مُخبراً     فإذا به خبرٌ من الأخبارِ

    بينما الطبيب يعالج من مرض إذا به يصاب بنفس المرض، فلا طبُّه ينفعه، ولا دواؤه يرفعه، وإذ به يلقى ما لقيه غيره على يديْه، وحال الناس:

    ما لِلطبيب يموتُ بالداءِ الذي      قد كان يُبْرِئ مثله فيما مَضى

    مات المُداوِي والمداوَى والذِي     جلب الدواءَ وباعه ومَنْ اشترى

    ما أنت -والله- إلا كقطعة ثلج، تذوب ثم تذوب حتى تتلاشى، وكأن لم تكن.

    سيصير المرءُ يوماً      جسداً ما فيه رُوح

    نُحْ على نفسك يا مِسـ     كينُ إن كنتَ تَنوح

    لست بالباقي وإنْ      عُمرت ما عُمر نوح

    فانتبه من رقدةِ الغفلةِ فالعمرُ قصيرُ

    واطرحْ سوف وحتى فهما داء دخيل

    واتَّقِ الَله وقَصر أملا     ليس في الدنيا خلوُد للملا

    الموت لنا بالمرصدِ إن      لم يُفاجئ اليومَ فاجأَ في غدِ

    الموتُ بابٌ، وكل الناسِ سيدخلون من هذا الباب، وما من باب إلا وبعده دار.

    لا دار للمرءِ بعدَ الموتِ يسكنُها     إلا التي كان قبلَ الموتِ يبنيها

    فإن بناها بخيرٍ طاب مسكنُه     وإنْ بناها بشرٍ خابَ بانيها

    كُتبَ الموتُ على الخلقِ فكم      فلَّ من جيشٍ وأفنى من دُول

    أين نمرود وكنعان ومن      ملكَ الأَرضَ وولَّى وعَزَل؟

    أين من سادُوا وشادُوا وبنَوا؟      هلكَ الكلُّ ولمْ تُغْنِ الحِيْل

    أين أربابُ الحجا أهلُ التُّقى؟      أين أهلُ العلمِ والقَوم الأول؟

    سيُعِيد الله كلاً مِنهم      وسيجزِي فاعلاً ما قد فعل

    نهاية الإنسان في هذه الدنيا

    هل شاهدت محتضراً في شدة سكراته ونزعاته؟ هل تأملت صورته بعد مماته؟ هل تذكرت أنك صائر إلى ما صار إليه، وذائق ما ذاقه من آلام الموت وكرباته، فاستعددت لتلك اللحظات العصيبة؛ فزدت في عملك، وزدت في إجهاد نفسك واجتهادك؟

    هاهو الحسن عليه رحمة الله يدخل على مريض يعوده، فيجده في سكرات الموت، فينظر إلى كربه وإلى شدة ما نزل به، فيرجع إلى أهله حزيناً كئيباً بغير اللون الذي خرج به من عندهم، فقالوا له: يا إمام! الطعام يرحمك الله! فقال: يا أهلاه! عليكم بطعامكم وشرابكم؛ فوالذي نفسي بيده! لقد لقيت مصرعاً ما أزال أعمل له حتى ألقاه.

    فمثِّلْ لنفسك -يا عبد الله- وقد حلَّت بك السكرات، ونزلت بك الغمرات، وابنتك تبكي كالأسيرة، وتتضرع وتقول: من لِيُتْمِي بعدك؟ وابنك ينظر إليك وينظر ما يتعجل من اليتم بعدك، ويقول: من لحاجتي أبتاه؟ وأنت تسمع فلا ترد الجواب.

    هل رأيت جنازة محمولة على الأكتاف لتُوارى في التراب؟ ثم تساءلت عن حالها؛ ما حالها؟

    في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد قال: قال صلى الله عليه وسلم: {إذا وضعت الجنازة، واحتملها الرجال على أعناقهم؛ إن كانت صالحة قالت: قدِّموني قدِّموني، وإن كانت غير ذلك قالت: يا ويلها! أين تذهبون بها؟ يا ويلها! أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه لصعق} تصرخ صرخات تقض المضاجع.

    هل مثلت لنفسك أنك المحمول، ما حالنا لو احتملنا جنازة ثم صرخت تلك الصرخات: يا ويلها! أين تذهبون بها؟ والله لصُعقنا ولما حملنا جنازة أبداً، وهذا ما خشيه علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قال -كما في صحيح مسلم-: {لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يُسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع} فخيِّل لنفسك يا بن آدم إذا أُخذت من فراشك إلى لوح مغتسلك، فغسلك الغاسل وأُلبست الأكفان، وأوحش منك الأهل والجيران، وبكى عليك الأصحاب والإخوان، فما ينفع البكاء، وما ينفع العويل، وما ينفع إلا ما قدمته من صالح الأعمال.

    هاهو يزيد الرقاشي عليه رحمة الله يحضر عابداً قد حضرته الوفاة، وحوله أهله يبكون، فقال لوالده: أيها الشيخ ما الذي يبكيك؟ قال: أبكي فقدك، وما أرى من جهدك.

    فبكت أمه، قال: أيتها الوالدة الشفيقة الرفيقة ما الذي يبكيكِ؟ قالت: أبكي فراقك، وما أتعجل من الوحشة بعدك.

    فبكى صبيانه وأهله وزوجه، قال: يا معشر اليتامى! ما الذي يبكيكم؟ قالوا: نبكي ما نتعجله من اليتم بعدك. فما كان منه إلا أن صرخ، وقال: كلكم يبكي لدنياي، أما فيكم من يبكي لآخرتي؟ أما فيكم من يبكي لملاقاة التراب وجهى؟ أما فيكم من يبكي لسؤال منكر ونكير إياي؟أما فيكم من يبكي لوقوفي بين يديْ الله ربي؟ ثم صرخ صرخة عظيمة، شهد بعدها أن لا إله إلا الله ليلحق بالله عز وجل.

    يا أيها المسلم: هل نظرت إلى القبور؟ ما نظر عبد لها إلا انكسر قلبه، وكان أبرأ ما يكون من القسوة والغرور، ما حافظ عبد على زيارة المقابر مع التفكر والتدبر إلا رقَّ قلبه، وذرفت عينه؛ إذ يرى فيها الآباء والأمهات والأصحاب والأحباب والإخوان والأخوات، يرى منازلهم، ويتذكر أنه -قريباً- سيكون بينهم، وأنهم جيران لبعضهم، قد انقطع التزاور بينهم مع الجيرة: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ سبأ:54].

    قد يتدانى القبران، وبينهما ما بين السماء والأرض؛ نعيماً وجحيماً.

    ما تذكر عبد هذه المنازل إلا رقَّ قلبه من خشية الله، ولا وقف على شفير قبر فرآه محفوراً، فهيَّأ نفسه أن لو كان صاحبه إلا رق قلبه، ولا وقف على شفير قبر، فرأى صاحبه يُدلى فيه، فسأل نفسه: على ماذا أُغلق؛ على نعيم أم على جحيم؛ على مطيع أم على عاصٍ إلا رقَّ قلبه.

    فلا إله إلا الله! هو العالم بأحوالهم، هو الحكم العدل الذي يفصل بينهم.

    ألا فتذكر هاذم اللذات، وتذكر القبر والعظام النخرات، ليهتز قلبك خشية من الله؛ فتنيب إليه إنابة الصادق الخاشع الذليل.

    هاهو ابن عوف رضي الله عنه يقول: خرجت مع عمر رضي الله عنه فلما وقفنا على مقبرة البقيع اختلس يده من يدي، وكنت قابضاً على يده، ثم وضع نفسه على قبر، فبكى بكاءً طويلاً، فقلت: ما بك يا أمير المؤمنين؟! قال: يا ليت أم عمر لم تلِد عمر ، يا ليتني كنت شجرة، أنسيت يا بن عوف هذه الحفرة؟ قال: فأبكاني والله!

    فالله المستعان على تلك اللحود الضيقات، والله المستعان على تلك اللحظات الحرجات.

    هاهو صلى الله عليه وسلم، كما في المسند من حديث البراء : أنه رأى أُناساً مجتمعين، فسأل عن سبب اجتماعهم؟ فقيل: على قبر يحفرونه، ففزع -صلى الله عليه وسلم- وذهب مسرعاً، حتى انتهى إلى القبر، ثم جثا على ركبتيْه، وبكى طويلا، ثم أقبل على الناس، وهو يقول: {يا إخواني! لمثل هذا فأعدوا. يا إخواني! لمثل هذا فأعدوا}. فهلا أعددنا أنفسنا لتلك اللحود الضيقات، إنه القائل صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي ذر : {إني أرى ما لا ترون، وأسمع مالا تسمعون؛ أطَّت السماء وحُقَّ لها أن تَئِطَّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملَكٌ واضع جبهته ساجد أو راكع، والله! لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، ولما تلذذتم بالنساء على الفُرش، ولخرجتم إلى الصعُدات، تجأرون إلى الله} وفي رواية المنذري : {ولحثَوْتم على رءوسكم التراب} والله! لو علمنا حق العلم لقام أحدنا حتى ينكسر صُلبه، ولصاح حتى ينقطع صوته.

    الأمر خطير جد خطير:

    يا نفسُ قد أزفَ الرَّحيل      وأظَّلك الخَطْبُ الجليلُ

    فتأهبي يا نفسُ لا يلعبْ      بك الأملُ الطويلُ

    لتنزلنَّ بموضعٍ ينسى     الخليلُ به الخليل

    وليركبنَّ عليك من      الثرى حملٌ ثقيل

    قُرن الفناءُ بنا فما يبقى      العزيزُ ولا الذليل

    خالف هواكَ إذا دعاكَ لريبةٍ      فلربَّ خيرٍ في مخالفةِ الهَوى

    حتى متى لا تَرْعَوِي يا صاحبي      حتى متى لا تَرْعَوِي حتى متى؟

    1.   

    دروس علمتنيها الحياة في ظل العقيدة

    وأسرد لكم بعض دروس علمتنيها الحياة في ظل العقيدة سرداً بلا توسع فيها:

    علمتني الحياة: أن من خدم المحابر خدمته المنابر.

    وكم من سراج أطفأته الريح، وكم من عِبادة أفسدها العُجب.

    وأن: فوَضْع النَّدى في      موضع السيف بالعلى

    مضر كوضع السيف      في موضع الندى

    وأن من أراد أميراً كـأبي بكر ؛ فليكن كـخالد وسعد ، وأن سوف جندي من جنود إبليس.

    وأن معظم النار من مستصغر الشرر.

    وأن الحق لابد أن تحرسه قوة.

    وأنه بالشكر تدوم النعم.

    وأن من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل.

    وأن النارَ بالعودين تُذكى     وأنَّ الحربَ مبدؤُها كلامُ

    وأن ثمن العزة قد يكون قطرة دم.

    وأن الجواد قد يكبو، وأن الصارم قد ينبو، وأن النار قد تخبو.

    وأن الإنسان محل النسيان، و: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيْئَاتِ ذَلِكَ ذِكَرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114].

    1.   

    أعظم سلاح في أيدي المؤمنين

    وأخيراً علمتني الحياة في ظل العقيدة: أن أعظم سلاح بأيدي المؤمنين هو الدعاء.

    سهامُ الليل لا تخطئ ولكن     لها أمدٌ وللأمدُ انقضاءُ

    لا تسألن بُنَي آدم حاجةً     وسل الذي أبوابُه لا تُحجَبُ

    الله يغضب إن تركت سؤالَه      وبُنَي آدم حين يُسأل يغضبُ

    سلاح عظيم، غفل عنه المؤمنون، لن يهلك معه أحد بإذن الله، إنه الدعاء والالتجاء إلى رب الأرض والسماء:

    وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60].. وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة:186].

    يقول ابن كثير عليه رحمة الله: كان بقي بن مخلد -أحد الصالحين الأخيار- عابداً قانتاً خاشعاً، أتته امرأة صالحة، فقالت: يا بقي! إن ابني أسره الأعداء في أرض الأندلس ، وليس لي من معين بعد الله إلا ابني هذا، فسل الله أن يردّ عليّ ابني، وأن يطلقه من أسره.

    فقام وتوضأ، ورفع يديْه إلى الحييِّ الكريم الذي يستحيي أن يرد يدي العبد صفراً خائبتيْن سبحانه وبحمده، فدعا الله عز وجل أن يفكَّ أسر ابنها، وأن يجمع شملها بابنها، وأن يفك قيده، وبعد أيام وإذا بابنها يأتي من أرض الأندلس ، فتسأله أمه: ما الذي حدث؟ قال: في يوم كذا في ساعة كذا- وهي ساعة دعاء بقي- سقط قيدي من رجلي، أعادوه فسقط، ألحموه فسقط، فذُعروا ودُهشوا وخافوا، وقالوا: أطلقوه. قالت: فعلمت أن ذلك بدعاء صالح من عبد صالح: أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62].. (الدعاء هو العبادة).

    هاهو صلة بن أشيم كان في غزوة فمات فرسه، فتلفت يميناً وشمالاً، ثم قال: اللهم لا تجعل لمخلوق عليَّ منَّة، فإني أستحيي من سؤال غيرك، وعلم الله صدقه في سرائه وضرائه، فأحيا الله عز وجل له فرسه، فركبه حتى إذا وصل أهله، قال لغلامه: فك السرج فإن الفرس عارية، فنزع السرج، فهبط الفرس ميتاً.

    ولا عجب؛ فمن توكل على الله، ومن التجأ إلى الله أجاب دعاءه وحفظه، ولو كادته السماوات والأرض، لجعل الله له من ذلك فرجاً ومخرجاً.

    فمرة أخرى إذا ادلَهمَّت الخطوب، وضاقت عليك الأرض، وقلَّ الناصر، وزمجر الفساد، ودُعم الباطل، وكُبت الحق، وعيَّر البخيلُ الكريمَ، وعيَّر العييُّ الفصيح، وعيَّر الظلام الشمس:

    وطاولت الأرض السماء سفاهة      وفاخرت الشهبَ الحصا والجنادل

    وتمنَطق كل جبان، وتخلى الأمناء، ورُفع السفهاء، وتظاهر بالوفا كل خوّان، ونطق الرويبضة، وغدا القرد ليثاً، وأفلتت الغنم، فارفع يديْك إلى من يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ[غافر:60].

    يا من أجبت دعاءَ نوحٍ فانتصر     وحملته في فُلْكِكَ المشحونِ

    يا من أحال النارَ حول خليلِه     روحاً وريحاناً بقولك كوني

    يا من أمرت الحوت يلفظ يونسَ     وسترته بشجيرة اليقطين

    يا رب إنا مِثْله في كربةٍ     فارحم عباداً كلهم ذو النونِ

    اللهم إنا نسألك في هذه الساعة المباركة، باسمك الأعظم الذي إذا سُئلت به أعطيت، وإذا استرحمت به رحمت، وإذا استفرجت به فرَّجت؛ أن تجيرنا من النار، وأن ترزقنا ألسنة ذاكرة، وقلوباً خاشعة، وأعيناً مدرارة، وإيماناً نجد حلاوته إلى أن نلقاك.

    رباه! إن حالنا لا يخفى عليك، وذلنا ظاهر بين يديك، والمسلمون عبيدك، وبنو عبيدك، وحملة كتابك وأتباع رسولك، يرجون رحمتك، ويخشون عذابك.

    اللهم الْطف بنا. اللهم ارحمنا. ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.

    يا مغيثاً لمن لاذ بحماه! يا قريباً لمن دعاه! يا معيذاً من استعاذ به! أجِرْنا من النار، ومن دار الخزي والبوار.

    اللهم إن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفرطين ولا مفتونين.

    نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يتوفانا مسلمين، وأن يُلحقنا بالصالحين، وأن يجعلنا من عباده المتقين الفائزين.

    اللهم واجعل ما قلناه خالصاً لوجهك الكريم، بمنِّك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

    تم الكلامُ وربُنا محمود     وله المكارمُ والعلى والجودُ

    وعلى النبي محمدٍ صلواته      ما ناحَ قُمريٌّ وأَوْرَق عودُ

    1.   

    الأسئلة

    ونقف مع بعض الأسئلة قليلاً ولعلنا لا نُطيل في ذلك، وهي أسئلة من المحاضرة الماضية، ولذلك نعتذر عن الإجابة على هذه الأسئلة -أسئلة هذه المحاضرة أعني-.

    الأسباب المعينة على قيام الليل

    السؤال: فضيلة الشيخ! إني أحبك في الله. يقول العلماء: إن قيام الليل من أعظم وسائل التثبيت، وكم جاهدت نفسي لقيام الليل، ولكن لم أستطع المداومة على ذلك؛ فما هي الأسباب المعينة على ذلك وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: أقول يا أيها الأحبة: قيام الليل لذة، وحلاوة، وسعادة، ونعمة، وحبور، وسرور، والله! لا يعلمها إلا من صفَّ قدميْه في ظلمات الليل؛ ليرجو رحمة ربه، ويخشى عذابه، يطلب جنته، ويستجير من ناره، سبحانه وبحمده! أهله المتقون: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلا مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ الذاريات:15-18] أهله من: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:16-17].

    إني أقول لك -يا أيها الحبيب! الذي لا تستطيع قيام الليل، والذي قال لك العلماء: إنه من عوامل التثبيت- أقول: إن هذا صحيح، وإليك بعض الأسباب -أسأل الله أن ينفع السامع، وأن ينفع المتكلم بهذه الأسباب-:

    أولاً: أن تعلم أن لله عز وجل نفحات متى ما تعرّض لها العبد سَعِد في دنياه وأخراه، وتلك هي السعادة الأخروية التي نطلبها.

    ومن هذه النفحات: التعرض لها في الثلث الأخير من الليل، وذلك لا يكون إلا لمن يقوم الليل، إن الله سبحانه وتعالى يتنزل -نزولاً يليق بجلاله- في ثلث الليل الآخر، فيقول: {هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟} إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: {إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيراً من الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إياه، وذلك كل ليلة} فضلاً من الله ونعمة.

    إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول -كما روى الطبراني بإسناد حسن-: {إن في الجنة غُرفاً يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال -في آخر الحديث-: لمن بات قائماً، والناس نيام} أن تعلم هذا أولاً.

    الثاني أيها الحبيب: إذا أتيت مضجعك؛ فتوضأ وضوءك للصلاة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للبراء .

    الأمر الثالث: أن تقرأ آية الكرسي؛ فلا يقربك شيطان، وما يزال عليك حافظ من الله عز وجل حتى تصبح. اقرأ الآيتيْن الأخيرتيْن من سورة البقرة؛ فمن قرأهما في ليلة كفتاه. سبح ثلاثاً وثلاثين، واحمد ثلاثاً وثلاثين، وكبر أربعاً وثلاثين، اذكر الله عز وجل حتى يغلبك النوم؛ فإنك إذا جئت إلى فراشك ابتدرك شيطان وملك، فيقول الشيطان: اختم بِشَرٍّ، ويقول الملك: اختم بخير فإذا بقيت تذكر الله حتى تنام بقي الملك يحرسك، وطُرد الشيطان من فراشك.

    كما أني أوصيك بأن تضع يدك اليمنى تحت خدِّك الأيمن على جنبك الأيمن، ثم تقول وتدعو بالدعاء: {باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن توفيت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين} .

    {اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك؛ رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت}.

    واذكر من الأذكار ما تعرفه وكتب الأذكار موجودة لديك.

    أيضاً احرص في النهار على أن تنام نوم القيلولة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: {قيلوا فإن الشياطين لا تقيل} كما في السلسلة الصحيحة .

    أيضاً: لا تُتعب نفسك في النهار كثيراً؛ لأن من تعب في النهار لا يستطيع أن يقوم في الليل.

    والأمر ما قبل الأخير: يجب عليك -يا أيها الحبيب- أن تقلل من الطعام في الليل؛ لأن من كثر أكله، كثر نومه، ويروى أن يحيى بن زكريا قال للشيطان: هل قدرت مني في حياتي على شيء؟ قال: مرة واحدة قُدم لك طعام فقمت أُشهِّيه لك، وأُشَهِّيه لك، فشبعت، ثم لم تقم تلك الليلة. قال: لا جرم لا شبعت بعدها أبداً، فقال الشيطان: لا جرم لا نصحت آدمياً بعدك.

    ثم الزم الاستغفار، وأكثر من الاستغفار؛ فمن أكثر من الاستغفار يسَّر الله عز وجل أموره، وكان له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً.

    أكثر من ذكر الله عز وجل.

    أقلل من فضول الكلام، ولا تكثر من فضول النظر، ومتِّع عينيْك بالنظر في كتاب الله عز وجل، ثم عليك بالدعاء أن يوفقك لخيريْ الدنيا والآخرة.

    أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن تتجافى جنوبهم عن المضاجع، يدعون ربهم خوفاً وطمعاً.

    ضرورة التدبر في ملكوت الله

    السؤال: إن في الحياة لعبراً ودروساً وتجارب، فما رأي فضيلة الشيخ فيمن يخوض غمار هذه الحياة، ويخرج منها كما دخلها، لم تؤثر فيه ولم يُؤَثِر -أو بهذا المعنى-؟

    الجواب: نقول: يا أيها الحبيب: إن الله عز وجل يدعونا إلى التدبر في ملكوته: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيل وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ آل عمران:190].. قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ [يونس:101] الله عز وجل يدعونا إلى التدبر، وأن الإنسان الذي يعيش هذه الحياة ليأكل ويشرب ويتمتع ولا يفكر فيم خُلق، وما الحكمة من خلقه، ولماذا انتدبه الله عز وجل، إن هذا بهيمة في مسلاخ بشر بنص قول الله عز وجل: أَمْ تَحْسبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا [الفرقان:44].

    وفي الآية الأخرى: لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلًّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179].

    نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يتدبر في ملكوته، وممن يتدبر قرآنه، فيقوده إلى الله سبحانه وتعالى.

    آخر أخبار الشيخ عائض القرني

    السؤال: يا شيخ! ما هي آخر أخبار الشيخ عائض القرني ، وجزاك الله خيراً؟

    الجواب: الشيخ عائض -ولله الحمد- في نعمة ومَنّ من الله سبحانه وتعالى، قد أدى جُلَّ ما عليه، وأعذر إلى الله عز وجل، ونسأل الله أن يثبته، وأن يسدده، وأن يؤيده. ومما يزيده سروراً وغبطة وخيراً ونعمة؛ أن يقوم كل واحد منا بدوره في تبليغ الدعوة إلى الله عز وجل، إن كنت تريد سروره؛ فقم بالدور، وليكن لسان الحال منك والمقال:

    إذا سيدٌ منا مضى قام سيدٌ     قئول بما قال الكرامُ فعولُ

    ثم اعلم -يا أيها الحبيب- أن الابتلاء لازم من لوازم الدعوة الصحيحة: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ العنكبوت:2] .. (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ البقرة:214].

    فالابتلاء لازم من لوازم الدعوة الصحيحة. يقول ابن القيم عليه رحمة الله: دعي الناس إلى الهدى فأقبلوا، ووضع البلاء؛ فثبت الصادقون، وفرَّ الكاذبون: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ الرعد:17].

    فيزيده سروراً -كما قلت- أن تعلموا هذا العلم، وأن تعلموا أن الابتلاء لازم من لوازم الدعوة، فتوطنوا أنفسكم على ذلك، وتربوا أنفسكم؛ لأن الدلائل والبراهين تُشير إلى أن المرحلة القادمة مرحلة ابتلاء وامتحان، نسأل الله عز وجل إن أراد بعباده فتنة أن يقبضنا إليه غير مفرطين ولا مفتونين، ونسأله أن يحفظ علماءنا، وأن يحفظ طلبة العلم، وأن يحفظنا سبحانه وبحمده، هو ولي ذلك والقادر عليه.

    أبيات شعرية للشيخ علي القرني

    السؤال: فضيلة الشيخ! متعنا الله بعلمك، نود أن تسمعنا إحدى قصائدك، وهل لكم ديوان؟

    الجواب: أولاً: يا أيها الأحبة: إني لست بشاعر، وإنما أحاول نظم الشعر، والذي يحاول نظم الشعر اتركوه واستغنوا بالشعراء الفحول الذين خدموا الدعوة، والذين قدَّموا لها ما قدموا، ولكن ما دمت أنك طلبت؛ فسأذكر لك ثلاثة أبيات أختم بها هذا المجلس:

    الله أسأل أن يباركَ جمعكم     ويمدكم بالفضلِ والخيرِ الأعمْ

    والحمدُ للهِ على آلائه ما شـع      ضوءٌ فوقَ ساحاتِ الحرمْ

    ثم الصلاةُ على النبيِ المصطفـى     ما رفَّ طيرُ في الخمائلِ والحُجُمْ

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد.