إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (63)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان النبي صلى الله عليه وسلم أول مقدمه المدينة يتوجه في صلاته إلى بيت المقدس، وكانت نفسه تهفو إلى التحول تجاه البيت الحرام، ثم أذن الله عز وجل له بذلك مبيناً له أن أهل الكفر والنفاق والجدال بالباطل سيستغلون هذه الحادثة، وسيثيرون حولها الشبهات، وسيشغبون بها عليه وعلى المؤمنين، ورغم علمهم وقناعتهم بأن هذه القبلة هي الحق، ولكنهم لا يقبلونها لأنهم لا يقبلون الحق، فهذا هو حالهم وهذه هي سجيتهم.

    1.   

    تابع تفسير قوله تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها ...)

    تطلع النبي صلى الله عليه وسلم إلى تحويل القبلة لمخالفة اليهود

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر الله شيئاً ولا يضر إلا نفسه.

    أما بعد:

    معشر الأبناء والإخوان! ما زالت السورة -كعهدنا بها- سورة البقرة، وها نحن مع الآيات المباركات التي ما زلنا نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ * وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة:144-151].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قد عرفنا من درسنا الماضي أن السفهاء من المنافقين واليهود، وهم حقاً سفهاء لا رشد لهم، فالذي يقدم على الكفر ويقدم على النفاق ويتحلى بأسوأ الأخلاق كيف لا يكون سفيهاً؟

    عرفنا ذلك وعرفنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مكة ثلاث سنوات يصلي، وقد صلى به جبريل عليه السلام، وكان يقف في صلاته ما بين الركنين اليماني والحجر الأسود، ويصبح الشام أمامه والكعبة أمامه، فلما هاجر إلى المدينة الطيبة المباركة استقبل بيت المقدس، واستقبلها المؤمنون والمؤمنات نحواً من ستة أو سبعة عشر شهراً، ثم كان صلى الله عليه وسلم يتطلع متى ينزل الوحي عليه ويحول الله قبلته إلى الكعبة، لم؟ أراد أن يخالف اليهود، لما ظهر مكرهم وخداعهم ونفاقهم أحب أن يخالفهم، وقد عرفتم كيف نهانا عن صيام يوم السبت؛ إنه من أجل مخالفة اليهود، وكنا نصوم يوم عاشوراء فزادنا اليوم التاسع حتى نخالف اليهود، فقال: ( لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع )، والآن يصوم المسلمون يوم تاسع المحرم وعاشره مخالفة لليهود.

    وأصبح يعمل ما استطاع على مخالفة أهل الكتاب ليستقل المؤمنون استقلالاً كاملاً، فمن رغب من أهل الكتاب في الإسلام فباب الله مفتوح، فليدخل إلى رحمة الله.

    ولما حقق الله أمله وأمره بأن يستقبل الكعبة إلى بيت المقدس صرح المنافقون والمشركون واليهود -والكل سفيه- وقالوا الكثير، فأنزل الله تبارك وتعالى قوله: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة:142]، فقطع ألسنتهم وأسكت أصواتهم إذ هذا أمر الله، فالمشرق والمغرب كلاهما لله وهو يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وثبت المؤمنون عند هذه الفتنة.

    ثم قال تعالى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ [البقرة:144]، إذ كان صلى الله عليه وسلم يتطلع إلى يوم يؤمر فيه باستقبال الكعبة إذ هي القبلة التي استقبلها إبراهيم والأنبياء والرسل من بعده، فنزلت هذه الآية: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ [البقرة:144] متطلعاً منتظراً الوحي، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:144].

    ويروى: أنه كان يصلي في مسجد بني سلمة، فنزل الوحي وهو في الصلاة يصلي بأهل ذلك الحي، فاستداروا، كانوا متجهين نحو الشام فاستداروا إلى الكعبة، استدار النساء والرجال بصورة لا يستطيعها الناس اليوم، ولهذا سمي هذا المسجد بمسجد القبلتين، وما زال يعرف بهذا إلى اليوم.

    تحديد قبلة الكائن في المسجد الحرام وخارجه

    إذاً: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:144]، فمن هنا أصبحت القبلة التي يصلي إليها المؤمنون والمؤمنات هي شطر المسجد الحرام، وقد روى ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من كان في المسجد الحرام فقبلته البيت )، فالذي يصلي داخل المسجد الحرام بمكة قبلته الكعبة بعينها، فلو صلى إلى غيرها ما صحت صلاته، وأهل الحرم قبلتهم المسجد الحرام، حيثما كانوا في أنحاء الحرم فقبلتهم المسجد، ومن كان من وراء الحرم من أهل المشرق والمغرب فقبلتهم شطر المسجد الحرام، وهذا هو قوله: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:144]، والشطر يطلق على نصف الشيء وعلى الجزء منه، فقبلة المؤمنين والمؤمنات في المسجد الحرام الكعبة، وفي مكة والحرم قبلتهم المسجد، وفي خارج الحرم شرقاً أو غرباً شمالاً أو جنوباً قبلتهم شطر المسجد الحرام، أي: الجهة التي فيها المسجد الحرام.

    وقوله تعالى: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا [البقرة:144] لأنه كان يتطلع ويرغب ويحب أن يحوله ربه تعالى إلى الكعبة، فها هو ذا تعالى يبشره: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة:144] حيث ما كنتم أيها المؤمنون فولوا وجوهكم شطر المسجد الحرام، ولولا هذه الجملة من كلام الله لقال الناس: هذا خاص بأهل المدينة، هم الذين يستقبلون الكعبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتطلع إلى ذلك، والله عز وجل أفرحه وأثلج صدره ووجهه إلى المسجد الحرام، فهذا لأهل المدينة، ولكن قوله: وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ [البقرة:144] أيها المؤمنون فولوا وجوهكم شطر المسجد الحرام.

    وذكرنا ما ينبغي أن يعرف: وهو أن على المؤمن أو المؤمنة أن يجتهد حتى يصلي إلى القبلة، فإن اجتهد وما وفق وصلى فصلاته صحيحة ولو صلاها بعيدة عن جهة الكعبة، وإذا صلى فلا يعيد، أما الذي لا يجتهد ويقوم يصلي وما يسأل الناس ولا ينظر إلى الكوكب وإلى السماء ويصلى كما يرى؛ فإن صلى إلى غير القبلة فصلاته باطلة، وعليه أن يعيدها، أما من اجتهد فلا حرج إن أخطأ في القبلة: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115].

    الجمع بين أقوال العلماء في موضع نظر المصلي

    وقوله: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة:144] أي: جهته، هنا الإمام مالك رحمه الله تعالى خالف الأئمة الثلاثة، في هذه القضية خالف أبا حنيفة والشافعي وأحمد رحمهم الله أجمعين؛ إذ الثلاثة يقولون: المصلي ينظر مكان سجوده، والإمام مالك يقول: قال تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:144]، إذاً: لا بد أن تولي وجهك شطر المسجد الحرام، بمعنى: أن تنظر أمامك ووجهك مستقيم إلى الكعبة.

    والذي يجمع بين أقوال هؤلاء الأعلام رضوان الله عليهم أنك عندما تحرم بالصلاة فتقول: الله أكبر تكون مستقيماً ووجهك إلى القبلة، وحين تحرم وتدخل في القراءة لا تطأطئ رأسك، ولكن في اعتدال وأنت تنظر إلى مكان سجودك، وهذا هو الجمع بين آراء الأئمة رحمهم الله.

    أعيد هذه القضية: مالك يرى فهماً من قوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:144] أن من أحرم بالصلاة يكون وجهه إلى القبلة، أما أن يطأطئ رأسه فهذا مكروه، ففي هذه الحالة قد لا يستطيع أن ينظر مكان سجوده ورأسه مستقيم معتدل.

    فالقول الجامع أنك عند الإحرام تكون مستقيماً ووجهك إلى القبلة، ثم حين تأخذ في القراءة حينئذ تنظر وأنت معتدل إلى مكان سجودك، أخذاً من قوله تعالى: وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة:144].

    معنى قوله تعالى: (وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون)

    ثم قال تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة:144] أخبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن أهل الكتاب اليهود والنصارى يعلمون أن القبلة هي الحق، كيف يعلمون ذلك؟ لوجوده في التوراة والإنجيل، فعندهم أن نبي آخر الزمان المنعوت بكذا وكذا قبلته الكعبة، وهم يعلمون هذا، ولكن اليهود مصرون على قبلتهم والنصارى كذلك، وأبوا أن يستقبلوا بيت الله، مع أن الكعبة هي أول قبلة عرفتها البشرية، ويكفي أن علمنا أن هذا البيت بنته الملائكة لآدم عليه السلام وحواء، لما نزلا من السماء من الملكوت الأعلى استوحشا في تلك الأرض في هذا العالم الذي ليس فيه إنسان سواهما، فمن باب رأفة الله ورحمته بعبديه آدم وحواء بنى لهما البيت، فإذا طلبا شيئاً استقبلاه، فإذا احتاجا إلى شيء جاءا إليه وطافا به وسألا ربهما.

    فالكعبة هي قبلة البشرية من عهد آدم، واستقبال اليهود بيت المقدس والنصارى المشرق وطلوع الشمس استقبال لا شرع فيه ولا حق لهم فيه.

    وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [البقرة:144] وهم اليهود والنصارى قطعاً، لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة:144] أي: تحول القبلة واستقبالك بيت الله الكعبة هو الحق.

    وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة:144] ومعنى هذا: أنه سيعذبهم على كتمانهم الحق وجحودهم له، مع علمهم واعترافهم بأن هذا هو الحق، ومع ذلك آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ...)

    ثم قال تعالى: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ [البقرة:145]، الله هو الذي غرز الغرائز وطبع الطبائع وعرف القلوب، أخبره بخبر الصدق، فقال له: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ [البقرة:145] على أن يستقبلوا معك بيت الله ما فعلوا، وكذلك كانوا، فما استقبل يهودي ولا نصراني الكعبة أبداً إلى اليوم وإلى يوم القيامة، مع علمهم أنها الحق، وهذا الكلام مؤكد: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ [البقرة:145] واستمر الوضع إلى اليوم، اليهودي لا يستقبل الكعبة والنصراني لا يستقبل بيت المقدس، واليهودي لا يستقبل الكعبة ولا يستقبل مطلع الشمس، إذ القبلة ثلاث: الكعبة وبيت المقدس ومطلع الشمس، فقبلة النصارى إلى الآن المشرق طلوع الشمس؛ لأن الشيطان يدخل تحت الشمس ويجعلها على رأسه حتى يعبد، واليهود قبلتهم بيت المقدس، وهذا الخبر العظيم ما تغير ولا تبدل: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ [البقرة:145]، هل اليهود استقبلوا الآن مطلع الشمس مع النصارى في كنسائهم؟ لا. هل النصارى استقبلوا بيت المقدس؟ الجواب: لا. والمؤمنون من باب المحال أن يستقبلوا غير بيت الله، غير الكعبة التي فرض الله استقبالها عليهم.

    معنى قوله تعالى: (ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذاً لمن الظالمين)

    ثم قال تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ [البقرة:145] أي: أهواء أهل الكتاب مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة:145]، وهذا -معشر المستمعين- عام، فاتباع الأهواء يسقط العبد وينزله من علياء السماء إلى الأرض، يبعده عن ساحة الهدى وطريق الخير، فالهوى -والعياذ بالله تعالى- وميل النفس إلى ما تشتهيه، إلى ما يزينه الشيطان لها ويرغبها فيه؛ هذا جزاؤه الخسار والدمار، وهذا الله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: ولئن اتبعت يا رسولنا أهواء أهل الكتاب مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة:145].

    وهنا: هل المسلمون وقفوا موقف نبيهم صلى الله عليه وسلم؟ لقد اتبعنا أهل الكتاب في مجالات كثيرة، نذكر منها: أننا حلقنا وجوهنا اتباعاً لهم، نذكر منها: أننا كشف وجوه نسائنا اتباعاً لهم، منها: أننا فتحنا أبواب الربا وأقمنا له البنوك اتباعاً لهم

    منها: أن المسلمين -باستثناء هذه القطعة من الأرض- أعرضوا عن الكتاب والسنة وحكموا شرائع أهل الكتاب، بل ولا شرائع أهل الكتاب، وإنما أهواء اليهود والنصارى، ومن هنا فإننا لمن الظالمين، إن لم يعف الله ويصفح ويتكرم فسيجزينا بظلمنا، وقد جازى آباءنا وأسلافنا وسلط عليهم أعداءه وأعداءهم، لم؟ جزاء الانحراف عن هدي الله عز وجل وصراطه المستقيم.

    فهذا تهديد عظيم يوجه إلى رسول الله، فيقول له وقوله الحق: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة:145] والظالم جزاؤه معروف.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ...)

    ثم قال تعالى وقوله الحق: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة:146] يعرفون رسول الله، الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ [البقرة:146] يقرءون التوراة والإنجيل ويعلمون ما فيهما، يعلمون أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله كما يعرفون أبناءهم، لا ريب في هذا ولا شك، ورضي الله عن عبد الله بن سلام الحبر من أحبار اليهود، هو أول من أسلم من اليهود في المدينة، فقد قال رضي الله تعالى عنه: والله! إني لأعرف رسول الله أكثر مما أعرف أبنائي. قيل: لم؟ قال: لأن أبنائي من الجائز أن تكون أمهم خانتني، أما رسول الله فلا أشك في رسالته ونبوته. ومع هذه المعرفة لم أعرضوا عن الإسلام وأدبروا عنه؟

    قد تجيب بجواب سهل: لأن الله كتب شقاوتهم، ما أراد الله سعادتهم، ما هم بأهل لذلك، فلهذا عرفوا الحق وأغمضوا عيونهم واستدبروه.

    أما كون الأدلة ناقصة والبراهين ما هي بمتوافرة والحجج عند رسول الله ما هي موجودة فهذا -والله- ما كان، ويكفي شهادة الله أنهم يعرفونه رسولاً من الله كما يعرفون أولادهم، وإلى الآن القسس والرهبان والأحبار يعرفون، ولكنهم يجحدون عن أممهم، ويخفون عن جهالهم، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويعبرون بتعبير يختلف عما في التوراة إلى الآن، وسر ذلك اتباع الأهواء وإيثار الدنيا على الآخرة حتى يبقوا في مناصبهم وسيادتهم على معتنقي دينهم، وهكذا يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ [البقرة:146] ولفظ الكتاب اسم جنس يدخل فيه التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن، يَعْرِفُونَهُ [البقرة:146] الضمير عائد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة:146] أولادهم من بنين وبنات.

    وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:146]، وإن فريقاً كبيراً كثيراً وهم القسس والرهبان والأحبار، أما عوام اليهود وعوام النصارى والذين ما درسوا الكتاب فمن الجائز أنهم مقلدون فقط، لا يعرفون

    أما أهل الكتاب الذين يدرسونه ويعلمونه لأولادهم ونسائهم وإخوانهم ويقرءون التوراة والإنجيل فيعرفون معرفة يقينية، ولكنهم يكتمون الحق؛ لأنهم إذا أفصحوا عنه وأعلنوه دخلوا في الإسلام، وإذا دخلوا في الإسلام انقطعت تلك الرياسة وانتهى ذلك السلطان الذي كان يعيشون عليه، فهم -والله- مؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، وسيلقون جزاءهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الحق من ربك فلا تكونن من الممترين)

    ثم قال تعالى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [البقرة:147] الحق من الله هو الذي بينه وهداك إليه وأنزل به كتابه وعلمك الهدى، فالحق من الله عز وجل، إذاً: فَلا تَكُونَنَّ [البقرة:147] يا رسولنا مِنَ الْمُمْتَرِينَ [البقرة:147]، ومن هم الممترون؟ هم الشاكون الذين مرة يقولون: هذا حق، ومرة يقولون: باطل. مرة يقولون: هذا هو الصواب، ومرة يقولون: لا، هذا خطأ! هذا هو الامتراء: اضطراب، فالشك يدافع اليقين واليقين يدافع الشك، ويبقى في هذه الفتنة النفسية القلبية، فالله عز وجل ينهى رسوله محذراً له أن يكون من الممترين: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [البقرة:147].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعاً ...)

    ثم قال تعالى في هذا الباب وقوله الحق: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا [البقرة:148] ولكلٍ منكم أنتم أيها المؤمنون ويا أيها اليهود ويا أيها النصارى؛ لكل منكم قبلة هو مستقبلها، وصدق الله العظيم، فهل عدل اليهود عن قبلتهم؟ ما زالوا يوجهون وجوههم إليها. هل عدل النصارى؟ الجواب: لا. وهل المسلمون يعدلون وجوههم عن القبلة التي أكرمهم الله بها وشرعها لهم؟ الجواب: لا. إذاً: فهذا هو الواقع سواء كان حلواً أو مراً، يخبر تعالى بواقع البشرية، والصراع بين المؤمنين والمسلمين وبين أهل الكتاب دائم، فلهذا يقول تعالى: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا [البقرة:148].

    إذاً: فماذا علينا؟ قال: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة:148]، اثبتوا أيها المؤمنون على قبلتكم والزموها؛ فإن الآخرين على قبلتهم ملازمين لها ثابتين عليها، إذاً: فالطريق هو أن تستبقوا الخيرات، أي: أكثروا من فعل الصالحات، والخيرات: جمع خير، وهو ما شرع الله تعالى لنا من أنواع العبادات، من الجهاد إلى الصدقات، فكل ما شرع الله لنا أن نعتقده أو نقوله وننطق به أو نعمل به هو من باب الخير لا من باب الشر، فالله عز وجل يستحثنا، يدفعنا دفعاً إلى أن نتسابق في الخيرات.

    معنى قوله تعالى: (أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعاً إن الله على كل شيء قدير)

    أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا [البقرة:148] هذه الحياة ستنتهي، ومن مات في الشرق كمن مات في الغرب، ومن مات اليوم كمن مات أمس أو كمن يموت غداً، المرجع إلى الله عز وجل، إلى الله مرجعكم جميعاً، أبيضنا كأسودنا، كافرنا كمؤمننا، الصالحون كالفاسدين، الكل مرجعهم إلى الله، وإذا رجعنا إليه فالجزاء العادل، أهل الإيمان وصالح الأعمال جزاؤهم أن ينزلهم منازل الأبرار، ويخلدون في النعيم المقيم لا يفارقونه ولا يفارقهم أبداً، إذ لا نهاية لتلك الحياة، إنها حياة الخلد والبقاء، والذين يأتونه بالشرك والكفر والقلوب المظلمة والنفوس الخبيثة ممن أصروا على الباطل وقاموا عليه وعاشوا عليه حتى ماتوا جزاؤهم معلوم بالضرورة، عالم الشقاء، النار ذات الدركات السبع، ذات الأبواب السبعة، يخلدون فيها إلى ما لا نهاية، اللهم إلا من كان من أهل التوحيد كما علمتم، فأهل التوحيد يخرجون من النار بعدما يلبثون فيها أحقاباً، يخرجون منها بذلك التوحيد الذي عرفوا به الله وما عرفوا غير الله، وأعطوا لله قلوبهم ووجوههم وما أعطوها للمخلوقات ولا للكائنات، وإن فسقوا وفجروا عن الطاعة يوماً فاستوجبوا العذاب ودخلوا النار فإنهم يخرجون كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، يخرجون وقد امتحشوا واحترقت وجوههم، فيغسلون في نهر عند باب الجنة، فينبتون كما تنبت الخامة من الزرع، هؤلاء هم أهل التوحيد، أما أهل الشرك فالجنة محرمة عليهم لا يدخلونها.

    أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:148]، لا يوجد شيء يصعب على الله أو يعجز الله دونه، وكيف وهو الذي يقول للشيء: كن فيكون؟ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل:40]، إذا اتجهت إرادة الله إلى شيء وأراده فلا يستعصي أبداً، بل يكون كما أراد الله.

    إذاً: فهذه البشرية ومثلها عالم الجن الكل يجمعون في صعيد واحد، الكل يحشرون إلى موقف واحد، إلى ساحة واحدة، ويجازيهم الله وهو أرحم الراحمين وأعدل العادلين.

    وقد عرفنا حكمه عز وجل الذي أقسم عليه بأعظم إقسام، وهو قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، فالإنسي كالجني، والجني مكلف كالإنسي بتزكية نفسه وتطهيرها، فمن استجاب لله وزكى نفسه أنزله منازل الأبرار، ومن أبى إلا أن يخبث نفسه ويدرنها بأوزار الذنوب والآثام فمصيره معروف.

    1.   

    أدوات التزكية التي يتدارك بها العبد قصر العمر وانصرام الدنيا

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه الحياة ستنقضي، وهي تنصرم يوماً بعد يوم، وقبلها نموت ونرى نتائج أعمالنا وثمار سلوكنا في القبر، بل ساعة الموت، لا نؤجل حتى ندفن، والله! لنعرفن ذلك ساعة الاحتضار، يوم ينقطع الكلام عنا ونصبح محجوزين عن إخواننا ولا نرد ولا نتكلم معهم

    فثَمَّ يعرف عبد الله وأمة الله هل هو من أهل الجنة أو من أهل النار، ولنقرأ لذلك قول ربنا: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:30-32].

    معاشر المستمعين والمستمعات! الفرصة ضيقة، ولا تظن أن العمر طويل مهما كان، ولا يدري أحدنا إذا أمسى أن يصبح وإذا أصبح أن يمسي، فمن أراد النجاة فليقبل على نفسه فليزكها، فليطهرها، فلينظفها، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.

    العقيدة الصحيحة القائمة على الكتاب والسنة

    وأدوات التزكية وعواملها وضعها الله بين أيدينا، حملها كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فابدأ بعقيدتك صفها، أصلحها، أبعد عنها كل شائبة من الشك والريب، ولتكن عقيدتك عقيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، إذ نظر يوماً فقال: ( افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة )، وصدق رسول الله، وافترقت هذه الأمة -وما زالت مفترقة- إلى ثلاث وسبعين فرقة ( كلها في النار إلا واحدة ففي الجنة )، اثنتان وسبعون فرقة من هذه الأمة المحمدية في النار إلا واحدة في الجنة، وألهم الله أحد الصحابة وهو جالس فقال: ( من هي الفرقة الناجية يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: هم الذين يكونون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي )، الفرقة الناجية أفرادها من رجال ونساء وأحرار وعبيد هم الذين يكونون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي.

    وهنا -معاشر المستمعين- لا بد أن تكون عقائدنا هي عقائد رسول الله وأصحابه، لا نعتقد شيئاً ما اعتقده رسول الله ولا اعتقده أصحابه وهم من عرفتم، لم تكتحل عين الوجود بصحبة وأصحاب مثل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكفي قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143].

    إذاً: العقيدة مصدرها قال الله وقال رسوله، إياك أن تفهم أن عقيدة المسلمين مستنبطة أو مستخرجة من كتاب، إنما هي ما جاء في كتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، عنوانها ورمزها الأول والأخير: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى لا إله إلا الله: لا معبود حق نعترف به ونعبده إلا الله عز وجل، ولا يدخل العبد في رحمة الله إلا بالإعلان عن هذه الحقيقة: لا إله إلا الله، أي: لا يستحق أن يعبد إلا الله.

    ثانياً: وأن يشهد عن علم أن محمداً رسول الله.

    وهنا -معاشر المستمعين- يجب علينا أن نعرف عقيدتنا من كتاب ربنا وهدي نبينا، يجب أن نعرف أدوات التزكية للنفس والتطهير وكيف نستعملها، وهنا نجد أنفسنا مفتقرين إلى العلم افتقاراً كاملاً، ولا يستطيع أحد من هذه الأمة أن يعرف محاب الله ومساخطه، وكيف يقدم لله المحبوب وكيف يبتعد المكروه ما لم يدرس الكتاب والسنة؟

    ونعود إلى تلك الكلمة وهي الفرقة الناجية، فقد قالوا: من هي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ( هم الذين يكونون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي )، هل كان لأصحاب رسول الله مذاهب؟ هل كان لهم طرق؟ هل كان لهم أحزاب؟ هل كان لهم تجمعات؟ كانوا كأسرة واحدة، وهذا شأن المؤمنين، أما قال صلى الله عليه وسلم: ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر )؟ فمن طلب النجاة نجا، وأنصح لك يا عبد الله أو يا أمة الله أن تبدأ بالعقيدة، فلا تفهم أبداً من عقيدتك ما لم تجده في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    العبادات المؤداة على الوجه المشروع

    ثانياً: العبادات إذا لم يؤدها المؤمن على الوجه المطلوب فإنها لا تزكي النفس، فلا بد أن تعرف كيف تتوضأ عندما تتوضأ، وأن تعرف كيف تصلي عندما تقوم تصلي، وكيف تصوم عندما تشرع في صومك، وكيف تعتمر، وكيف تحج، هذه العبادات إذا لم تؤد على الوجه الذي وضع الشارع فإنها ما تنتج هذا النور ولا تولد هذه الحسنات.

    وعندنا أمثلة يا معاشر المستمعين: لو أن شخصاً قام يصلي أمام فقيه، فقدم السجود على الركوع، أو قدم قراءة الفاتحة على تكبيرة الإحرام، ماذا يقول له الفقيه؟ يقول له: صلاتك باطلة. لم يا شيخ باطلة؟ لأنك قدمت وأخرت. لو قام يصلي فصلى المغرب أربع ركعات، فقيل له: لم تزيد هذه الركعة؟ قال: أزيدها لوجه الله، أنا عبد الله فزدت هذه الركعة، ماذا يقول له الفقيه؟ يقول: صلاتك باطلة أعدها، لم يعيدها؟ لم بطلت؟ لأنه زاد ركعة ما شرعها الله، فلم تنتج تلك الصلاة المطلوب وهو الحسنات التي تحسن بها النفس وتطيب وتطهر، فهو كمن نقص؛ لو صلى أحدنا العشاء ثلاث ركعات -بل لو نقص سجدة واحدة- يقول له الفقيه: صلاتك باطلة. ما معنى باطلة؟ ما أنتجت لك المراد المطلوب وهو الحسنات، ما تزكي نفسك.

    تلقي علم الكتاب والسنة في المساجد

    فلهذا -معاشر المستمعين- يجب أن نعود إلى بيوت الله نطلب العلم والهدى، يكفينا ذلك الفرار وذلك البعد الذي دام قروناً والمسلمون هاجرون بيوت الله، لا يجتمعون فيها، ولا يتلون كتاب الله، ولا يتدبرونه، ولا يدرسون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ كل الذي نعانيه في ديارنا الإسلامية هو نتيجة الجهل، ما عرفنا الطريق إلى الله كيف نسلكه، صرفونا بأنواع الحيل وشتى الوسائل فأخلينا بيوت الله وأصبحنا نجري في الحياة ولا بصيرة ولا هدى، فهل الذي لا يعلم الطريق يسلكه؟ وكيف يسلكه؟ لا بد من العلم، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: ( إنما العلم بالتعلم ) ، ويقول: ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )، هذا العلم معاشر الأبناء مصدره قال الله وقال رسوله، لا تطلبه من غير الكتاب والسنة.

    إذاً: ما الطريق؟ كيف نعود إلى بيوت الله؟ نحتاج إلى حزم فقط وصدق فيه وجد صادق، فأهل القرية وأهل الحي إذا فرغوا من عمل الدنيا، الفلاح كالصانع كالتاجر، وغابت الشمس أو مالت إلى الغروب فإلى أين نذهب؟ فتحوا لنا المقاهي والملاهي وحدائق الباطل لنلهو فيها ونلعب فصرفونا عن بيت الله والمسجد، لماذا لا نأخذ أنفسنا بجد ونسلك سبيل رسول الله والمؤمنين الأولين من سلفنا الصالح؟ نجتمع في بيوت ربنا في أنحاء العالم، حيث وجدنا وجدت مساجد الله والبيوت التي نجتمع فيها من المغرب إلى العشاء كاجتماعنا هذا، كل ليلة وطول العام، بل طول العمر، هل يبقى بيننا من لا يعرف الله؟ هل يبقى بيننا من لا يعرف كيف يتملق الله ويتزلف إليه ويتقرب منه؟ ما يبقى أبداً، لأنه حصل العلم والمعرفة، وكم أثنى الله تعالى على العلم والعلماء في كتابه العزيز في آيات كثيرة، ومنه قول الله تعالى: وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43]، ضرب مثلاً للشرك والباطل فقال: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:41]، ثم قال: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43].

    وقد رغب صلى الله عليه وسلم في العلم بما لا مزيد عليه، وحسبنا حديث مسلم ، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله ) بهذا اللفظ العام، ( ما اجتمع قوم ) عرب أو عجم.. في الشرق أو الغرب، ( في بيت من بيوت الله ) لا الكعبة ولا المسجد النبوي، في أي بيت من بيوت الله، اجتمعوا اجتماعنا هذا ( يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم )، يقرأ القارئ الآيات ويأخذون في دراستها كما فعلنا، ( إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة )، ونقول: قف يا عبد الله وانظر إلى هذا المجلس المبارك، لو كان هذا المجلس في حديقة أو في دار سينما أو في مقهى فماذا تسمع؟ ماذا تشاهد من اللغط والكلام والباطل؟ انظر هل ترى حركة؟ والله! لقد نزلت السكينة.

    ( وغشيتهم الرحمة ) إي والله غشيتنا الرحمة، فالآن لنا ساعة أو نصف ساعة، فهل أوذي مؤمن؟ هل أوذي واحد بيننا بما يؤلمه؟ والله ما كان، أليست هذه هي الرحمة؟

    ( وحفتهم الملائكة ) لو كنا نراهم بهذه الأبصار الضعيفة لرأينا ملائكة تطوف بنا احتفاءً واحتفالاً بنا، وأعظم من هذا: ( وذكرهم الله فيمن عنده )، فالذي يذكره ربه في الملكوت الأعلى ما يشقى أبداً، هذه ثمرة ما أطيبها.

    وفوق ذلك -معاشر المستمعين والمستمعات- أن الشياطين تريد أن تبعدنا عن ساحة الرحمة وعن طريق الهدى والخير، فهيا بنا نكيد لها، نحتال عليها، فنجتمع على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فتنتهي الفرقة نهائياً، لا فرقة ولا خلاف، الشيخ المدرس المربي قال: قال الله تعالى: اعتقد كذا، فاعتقدناه، فكيف نستطيع أن نتحول ونتبدل؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، سواء كان خلقاً أو أدباً أو عبادة أو معرفة حق، فنعرفه نساءً ورجالاً، فهذا هو الطريق.

    لو أن العلماء عرفوا هذا الطريق لجمعوا المؤمنين والمؤمنات في بيوت الله في كل المدن والقرى، وما المانع؟ والله! لا مانع إلا الهوى والدنيا والشيطان، فلو يقبل المؤمنون على كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم يدرسون هذا العلم كل ليلة طول العمر؛ فهل يبقى في القرية جاهل؟ هل يبقى في المدينة جاهل؟ وإذا انتفى الجهل انتفى معه كل شر وكل ظلم وفساد؛ لما تعلمون.

    سأل الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه يوماً: ( من أعظم الخلق إيماناً؟ قالت الصحابة: الملائكة. فقال: وكيف لا يؤمن الملائكة وهم يعاينون الأمر؟ قالوا: فالنبيون يا رسول الله. قال: وكيف لا يؤمن النبيون والوحي ينزل عليهم من السماء؟ قالوا: فأصحابك يا رسول الله. قال: وكيف لا يؤمن أصحابي وهم يرون ما يرون؟ ولكن أعجب الناس إيماناً قوم يجيئون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني ويصدقوني ولم يروني، أولئك إخواني ).

    فالعلم نور، وصاحب النور ما يقع أبداً في الفساد والشر، هذا أمر واقع، ونقول دائماً: في أي بلد أعلمنا بالله وبمحابه ومساخطه أتقانا لله عز وجل، وأفسقنا أجهلنا.

    وهذا العلم -معاشر المستمعين- لا يتطلب منا قرطاساً ولا قلماً، هذا يستطيعه كل مؤمن ومؤمنة يعمل طول النهار في مزرعته أو في مصنعه أو متجره، وإذا مالت الشمس إلى الغروب يندفعون إلى بيت ربهم، يجتمعون فيه بنسائهم وأطفالهم ورجالهم، ويجلس لهم مرب مؤمن في يده كتاب الله ويقول لهم: قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، وهم يعلمون كل ليلة علماً جديداً ويعملون به في نفس الوقت، يعلمون ويعملون يوماً بعد يوم وشهراً بعد شهر وعاماً بعد عام، أسألكم بالله: أيبقى فيهم جهل؟ أيبقى بينهم جاهل؟ أصبحوا علماء، فهل العالم الذي عرف يفسق؟ هل يجاهر بالفسق؟ هل يقبل على الشر والباطل؟ والله ما كان، فأعلمنا أتقانا لله عز وجل بالتجربة القائمة، في أي بلد في أي إقليم العلماء العاملون بالفعل هم أتقى أهل البلاد، أليس كذلك؟ وحسبنا أن يقول الله لرسوله: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114]، ويكفي في منزلة العلماء أن الله قال: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11].

    1.   

    تنديد بمظاهر الفسق في بيوت المسلمين الناجمة عن الجهل

    وأخيراً: كل الذي نشكوه من وجود فسق، فجور، ظلم، اعتداء، حسد، كبر، كل هذه التي نتألم لها ما هي إلا ثمرات الجهل، ويوم يزول الجهل ينتهي الظلم والشر والفساد، فما المانع؟ وقد جربنا هذه القضية في هذا المسجد، درسنا (كتاب المسجد وبيت المسلم) سنة كاملة وزيادة، ونحن نصرخ ونقول للمؤمنين في الشرق والغرب: إنه لا سبيل إلى اجتماعكم ووحدتكم واتفاقكم إلا أن تعلموا عن الله ورسوله، لا تتوحد أبداً صفوفكم إلا من طريق الكتاب والسنة، خذوا هذا الكتاب واجتمعوا عليه في بيوتكم، تلك البيوت التي تحولت إلى مباءة للشياطين، فهيا نبكي على بيوت المسلمين، فالبيت الذي ترقص فيه راقصة في شاشة فيديو أو تلفاز، ويغني فيه مغن ويرقص فيه راقص ويتكلم فيه كافر، هل ترون أن الملائكة تبقى في البيت؟ والله! ما تبقى، بل لا تدخله، فهجرنا المساجد هجراناً كاملاً وجئنا إلى البيوت فحولناها إلى مباءات للشياطين.

    معاشر المستمعين! البيت الذي ترى فيه الصور الخليعة المدمرة ويسمع فيه أصوات الخليعين من المغنين والمغنيات ما تدخله الملائكة، فإذا خرجت الملائكة امتلأ البيت بالشياطين، هؤلاء الشياطين هم الذين يدفعوننا إلى الفجور، يدفعوننا إلى قول الباطل، يدفعونا إلى الكبر والعناد وما إلى ذلك.

    ولنذكر الحديث في البخاري ومسلم والموطأ عن عائشة رضي الله تعالى عنها: ( أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الباب فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهية، قالت: فقلت: يا رسول الله! أتوب إلى الله وإلى رسوله، ماذا أذنبت؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بال هذه النمرقة؟ قالت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، فيقال لهم أحيوا ما خلقتم. وقال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة ).

    وازدادت المحنة بهذه الآلة الجديدة المسماة بالصحن الهوائي، هذه تجلب لأهل البيت أنواعاً من الفجور والباطل ما لا يقدر قدره، والله! لقد أصبح أولئك الذين نصبوها على سطوحهم أصبحوا يفقدون إيمانهم وحياءهم، والعياذ بالله.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.