إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (55)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إبراهيم عليه السلام هو أبو الأنبياء الذي خرج بأهله مهاجراً في سبيل الله، حتى استقر بهم بواد غير ذي زرع وتركهم فيه بأمر الله عز وجل، فلما كبر ابنه إسماعيل وصار غلاماً جاءه الأمر من ربه بذبحه، فأذعن الأب وامتثل الابن فأثابهما الله عز وجل بأن فدى الابن وأكرم الأب فكان خليل الرحمن، ثم أمرهما الله ببناء بيته الحرام، والنداء في الناس ليحجوا إليه، فجعل الله عز وجل هذا البيت مثابة للناس وأمناً، وجعل هذه الأرض المباركة مبعثاً للنبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت -كعهدنا بها- سورة البقرة، فمع الآيات المباركات التي ما زلنا نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها؛ إنه قريب مجيب سميع الدعاء.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة:127-129] إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.

    معنى اسم إبراهيم وكنيته

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ [البقرة:127]، عرفنا من هو إبراهيم، إنه الأب الرحيم، وهو مركب من كلمة: أب، ورحيم، إبراهيم باللغة السريانية: أب رحيم، (أب راهيم)، وقد عرفتم أنه خليل الرحمن، وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لو كنت متخذاً غير ربي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً )، فالخلة نهاية الحب، فإذا تخلل الحب القلب وتعمق فيه كان المحبوب خليلاً.

    إبراهيم عليه السلام عرفتم أنه يكنى بأبي الأنبياء؛ لأن الأنبياء من بعده إلى خاتمهم نبينا صلى الله عليه وسلم من ذريته، فهو -إذاً- أبو الأنبياء.

    وله كنية أخرى أيضاً فاز بها، وهي أنه: أبو الضيفان، والضيفان والضيوف بمعنى واحد، وقد عرفنا لم كني بهذه من قصة جاءت مبينة في كتاب الله، إذ نزل عليه جبريل وميكائيل وإسرافيل ضيوفاً، وهو لا يدري؛ إذ كانوا في صورة رجال حسان، فماذا فعل؟ ما كان منه إلا أن مال إلى عجل فذبحه وشواه، وقدمه مصلياً، وقال: أَلا تَأْكُلُونَ [الصافات:91]، فمن ثم كني بأبي الضيفان.

    ذكر خبر إلقاء إبراهيم عليه السلام في النار

    إبراهيم عليه السلام عرفتم أنه من ديار العراق من أرض بابل، وأنه قام بدعوة الله وحده، كانت الديار كلها تفيض بالشرك والكفر، يعبدون الكواكب، ووضعوا لها تماثيل وصوراً في الأرض، فقام بدعوة التوحيد، وكان من جراء ما دعا إليه وواجه به الظلم والظالمين أن حكم عليه بالإعدام، اتخذت الحكومة الكافرة البابلية حكماً بإعدام إبراهيم، ليس بالسيف ولا بالعصا، وإنما بإحراقه في النار، فقد أججوا النار وأوقدوها مدة من الزمان، حتى إن الطير لا يمر فوقها إلا احترق؛ لشدة اللهب المتصاعد منها، وتم لهم ما أرادوا، وجعلوه في معلاق كالمنجنيق؛ لأنهم لا يستطيعون أن يقربوا من النار حتى يدفعوه، فوضعوه في هذه الآلة ورموا به من مسافة بعيدة، واعترضه جبريل عليه السلام قائلاً: هل لك يا إبراهيم حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، حسبي الله ونعم الوكيل. وقبل أن يصل إلى بؤرة الجحيم صدر أمر الله جل جلاله وعظم سلطانه بالكلمة الآتية المسجلة في كتاب الله: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69]، فوالله! ما أتت النار إلى على كتافه في رجليه ويديه.

    وقالت العلماء: لولا قول الله: وَسَلامًا [الأنبياء:69] لكان البرد يقتله، والبرد كالحر، كلاهما إذا تجاوز مستواه قتل.

    خروجه عليه السلام بهاجر وإسماعيل إلى مكة

    وخرج من الفتنة، وودع الديار والأذى فهاجر في سبيل الله، فكانت هذه أول هجرة في الأرض لله عز وجل، وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ [الصافات:99]، وخرج معه زوجه الطاهرة سارة بنت عمه المؤمنة الصالحة، وابن أخيه لوط بن هاران، ودخلوا أرض الشام.

    وبإيجاز: لما أنجبت هاجر إسماعيل -ومعناه: سمع الله، أو: اسمع يا الله- أخذت الغيرة سارة وما أطاقت، وهي عاقر عقيم لا تلد، والجارية القبطية المصرية أنجبت ولداً، فبتدبير الله وقضائه أمر إبراهيم أن يرحل بهاجر إلى وادي مكة؛ ليضع هاجر وطفلها هناك، وما هي الواسطة التي ركباها؟ نترك هذا لله، وحسبنا أن نقول: الله أعلم، والله يفعل ما يشاء، وهو على كل شيء قدير، فالذي رفع خاتم الأنبياء محمداً صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في لحظات، ومن المسجد الأقصى إلى دار السلام في لحظات أو دقائق معدودات لا يسأل كيف يفعل، إن الله على كل شيء قدير.

    إذاً: فتركها وإسماعيل وليس معهما سوى قليل من الخبز وإداوة فيها ماء أو شن فيه ماء قليل قليل، وقفل راجعاً، فنظرت إليه وهي وطفلها في واد خال ما به إنس ولا جن، قالت: إلى من تتركنا يا إبراهيم؟ آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذاً فاذهب فإنه لن يضيعنا!

    وكم وقفنا هذا الموقف، ولكن ما استفدنا، ما عندنا ذاك التوكل الذي هو سلم النجاة وجسر الخلاص من هذه الفتن في هذه الحياة، من فقد التوكل على الله هام وتاه في الحياة، أصبح يخاف كل شيء، ويرهب كل شيء، لكن كيف نحصل على هذا التوكل؟ لا بد أن تمتلئ قلوبنا بذكر الله ومراقبة الله، ومعرفة أسماء وصفات الله، منها أنه على كل شيء قدير، منها أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، منها أنه لا يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن إلا بإذنه، هذه المراقبة تجعل العبد يفوض أمره إليه ويتوكل عليه.

    ونحن لسنا مطالبين بأن نترك العمل، نعمل من أجل توفير الغذاء والكساء، من أجل أن نذكر الله ونشكره، لكن إذا تعارض هذا المطلوب مع معصية الله جب أن نتركه ولنطلب رضا الله عز وجل، فكم من مؤمن لا يسهل عليه أن يتوكل على الله فيغشى المعصية ويرتكب الكبيرة ويغضب الله ويسخطه، بحجة أنها الظروف أو الحال أو كذا أو كذا، وكل هذا ضعف في عقيدة التوكل، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران:122]، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23].

    إبراهيم قالت له هاجر : إلى من تتركنا؟ آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذاً فاذهب فإنه لن يضيعنا. وأخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه: ( من ترك شيئاً لله -أي: من أجل الله- عوضه الله خيراً منه )، ما من عبد مؤمن يترك شيئاً لوجه الله إلا عوضه الله تعالى خيراً منه، فـهاجر حسبنا أن نذكر من شأنها أن جبريل هو الذي ضرب الأرض بعقبه ففاضت زمزم.

    وأما قبيلة جرهم فما إن رأت الماء في المنطقة حتى جاءت، وطلبت النزول في جوارها، وهذه أيضاً نذكر بها الغافلين، قبيلة جرهم جاءت من اليمن فلما رأوا الماء في المنطقة نزلوا واستأذنوا هاجر الغريبة، الوحيدة، الأنثى، التي ليس معها إلا الله ثم ذاك الطفل الصغير، استأذنوها: هل تسمحين لنا أن ننزل بجوارك من أجل هذا الماء؟ قالت عليها السلام: على شرط: ألا حق لكم في الماء، قالوا: نعم! أمة برجالها ونسائها وعتادها وعدتها يستأذنون من امرأة، وتقول: على شرط: ألا حق لكم في الماء، الماء مائي والبئر بئري، قالوا: نعم. فلو كان أولئك كهذا النوع فوالله ليلوُنَّ رأسها.

    أما بلغناكم عن سجون العرب والمسلمين ماذا يفعلون؟ إذاً: فسبحان الله! كلما نتأخر في الزمان تغلظ أكبادنا، ويشتد -والعياذ بالله- طغياننا، فالأولون كانوا أحسن حالاً، أما سمعتم محاكمة إبراهيم؟ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الأنبياء:60-63]، ودار حوار كامل، ولو كانوا من جماعة البلاشفة لقالوا: اركلوه في الأرض.

    إذاً: هذا الذي وجدنا أنفسنا فيه، والحمد لله أننا مؤمنون مسلمون، فهذه النعمة لا تعادلها أخرى، وإنما الجهل هو الذي هبط بنا ففقدنا نور الإيمان وبراهينه ودلائله في الحياة.

    الوحي إلى إبراهيم بذبح إسماعيل

    ولما كبر إسماعيل وأصبح غلاماً يدخل بيت أمه ويخرج أوحى الله تعالى إلى والده إبراهيم بأن يذبحه، بأن يتقرب به إلى الله، وما كان من إبراهيم إلا أن عرض الأمر على طفله الصغير: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات:102]، وبالفعل أخذه إلى منى حيث تراق الدماء، وأضجعه على الأرض، ومديته في يده، ووضعها على عنقه وقال: باسم الله، فأصبحت كعود الخشب لا تقطع، وبالأمس أما تحولت النار إلى برد وسلام؟ إذاً: وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات:107].

    بناء إبراهيم وإسماعيل البيت الحرام

    وكبر إسماعيل، وجاء إبراهيم بأمر الله ليبني البيت، وهذه من الكلمات التي ابتلاه الله بها، وها نحن معه في هذه الساعة وهو يبني البيت، واسمعوا قول الله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ [البقرة:127]، أي: الأسس التي بني عليها البيت.

    وهذه البيت بناه الله عز وجل بواسطة من شاء، والذي عليه أكثر أهل العلم والبصيرة أن الملائكة هم الذين بنوا هذا البيت، فآدم استوحش، وحق له أن يستوحش، بعد أن كان في أنس في الملكوت الأعلى نزل إلى هذا العالم المظلم، ليس فيه أحد، ما هناك إلا هو وزوجه حواء، فهذه الوحشة كيف تزول؟ فبنى الله تعالى له بيتاً، فإذا استوحش أو احتاج إلى شيء أو رغب في مطلوب فليأت بيت ربه وليسأل مولاه ليعطيه ما أراد وطلب، وأنجب آدم وحواء البنين والبنات، وأصبح البيت من تلك الأيام يحج ويقصد لطلب الحاجات، هذا بيت الرب جل جلاله، وكلما انهدم بسبب عواصف أو بسبب أمطار أو أودية يجدد في تلك الأحقاب من السنين، فإبراهيم عليه السلام نزل بمكان البيت، كان البيت عبارة عن تل من تراب، السيول عن يمينه وشماله قد هدمته، فأمره الله تعالى أن يجدد بناءه، واقرءوا هذه الآية: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ [البقرة:127]، القواعد التي بني عليها أولاً من كذا ألف سنة، وَإِسْمَاعِيلُ [البقرة:127]، أيضاً يساعده ويعاونه، اثنان فقط: إبراهيم وإسماعيل، وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ [البقرة:127]، وهما يقولان: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:127]، يا ربنا! تقبل منها هذا الجهد، هذه الطاقة التي نبذلها في بناء بيتك، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ [البقرة:127] لأقوالنا وأدعيتنا، الْعَلِيمُ [البقرة:127] بحالنا، بضعفنا وقوتنا وقدرتنا، هكذا قالا توسلا إلى الله عز وجل بأسمائه وصفاته.

    والمسلمون من عهود وعصور ما يعرفون التوسل بأسماء الله وصفاته أبداً، لا يتوسلون إلا بحق فلان وجاه فلان، علماؤهم كجهالهم في أغلب ديارهم، لا يحفظون من أنواع الوسيلة إلا: اللهم إنا نسألك بحق فلان أو بجاه فلان، وهي وسيلة باطلة باطلة باطلة لا تنفع صاحبها قط، بل تورطه في الإعراض عن الله والإقبال على غيره عز وجل.

    إبراهيم وإسماعيل يبنيان البيت وهما في حاجة إلى عون وإلى مدد وإلى مساعدة، فتوسلا إلى الله بماذا؟ هل بحق نوح وأولاده؟ لقد قالا: أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:127]، توسلا إلى الله باسمه وبصفته.

    فلهذا بعد هذه الأنوار التي لاحت في أفق العالم الإسلامي لوجود عوامل، منها: انتشار الكتاب، وانتشار العلماء، وإلا فما كان آباؤنا وأمهاتنا يعرفون وسيلة إلا: بحق فلان وجاه فلان، يدعون الليل والنهار ولا يستجاب لهم.

    وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ [البقرة:127] يقولان: رَبَّنَا [البقرة:127]، أي: يا ربنا، تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:127]، فلكونه يسمع ويعلم يستجيب ويتقبل.

    مراحل وأحداث بناء البيت الحرام

    وهنا لنذكر أن البيت العتيق بناه الملائكة لآدم، وتوالى البناء بحسب القرون والعصور، وإبراهيم جدده، ثم بنته قريش بعد هذه الفترة الطويلة، ثم جاء الإسلام والبيت كما هو منذ بناء قريش له.

    وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم يوماً لـعائشة الحبيبة الزكية رضي الله عنها: ( لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لهدمت البيت وجعلته على قواعد إبراهيم )، أي: لجعلت له بابين وأضفت إليه ستة أذرع من الحِجر؛ لأن قريشاً لما بنت البيت بنته بشرط: ألا تبنيه بمال حرام، سبحان الله! يعرفون الحرام والحلال في الجاهلية، فلقلة ما جمعت من مال اقتصرت على الموجود، واختزلت البيت فتركت ستة أذرع مضافة إلى حجر إسماعيل.

    وكان صلى الله عليه وسلم سيجعل له بابين: باباً شرقياً وباباً غربياً، يدخل الزائر مع الباب الشرقي ويخرج مع الغربي، لكن كون المؤمنين حديثاً إيمانهم وإسلامهم فقد يثورون ويغضبون، فرحمة بهم وشفقة عليهم ترك ذلك، وهذا من سياسية الرشد والوعي والبصيرة، اترك الحال كما هي.

    وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وتولى الأمر أبو بكر فـعمر فـعثمان فـعلي ، وحصل أن الخلافة انتقلت إلى معاوية رضي الله عنه، وتوفي وتولى ولده يزيد، وجاء بعده مروان بن الحكم، ثم جاء عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وأرضاه وحكم، ما رضي أن يتولى الخلافة من ليس هو بأهل لها، وقام معه رجال في الحجاز وحكم، وحقق ما تمناه رسول الله أو أراده لولا المانع الذي منع، وبالفعل هدم البيت، وبناه وأضاف إليه ستة أذرع من الشمال التي كانت في الحجر وجعل له بابين شرقياً وغربياً، واستمر كذلك مدة من الزمن.

    وشاء الله أن يستمر الزحف على مكة، واستشهد عبد الله بن الزبير ووقعت البلاد في حكم الأمويين رحمهم الله أجمعين، ثم لما حكموا هدموا البناء من جديد وردوه كما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: ما ينبغي أن يتركه الرسول هكذا ونحن نجدده ونغير، فرد البيت على النحو الذي هو عليه الآن.

    ولما ولي هارون الرشيد استشار مالكاً إمام هذا المسجد: أرأيت لو نجدد البناء، لنحقق رغبة نبينا صلى الله عليه وسلم التي حققها ابن الزبير ثم ما دامت؟ فقال مالك : أخشى أن يصبح البيت يتلاعب به الحكام والملوك، فاتركه كما كان. فاستجاب الخليفة، ومن ثم استمر البيت كما هو، على حاله الذي تركه الرسول صلى الله عليه وسلم عليه، وبابه مرفوع؛ لأن العرب أذكياء، فكانوا لا يسمحون لمن أراد أن يدخل الكعبة إلا بإذن الحاجب، وحجابة البيت لها أسرة تتناقلها وتتوارثها، فإذا أراد أحد أن يدخل وضع له سلم حتى يدخل البيت، ولو جعلوه في الأرض لكان كل من أراد دخل، لكن ما دام أنه لا بد من سلم وعمل فلا يتمكن من ذلك إلا منع، وبقي البيت إلى الآن بابه مرفوع، هذا هو السر.

    ومن الخير أن نتركه كما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عن ابن الزبير ، حقق رغبة الرسول صلى الله عليه وسلم لما بدا له أنه ما بقي من ينازع، ولكن بقي من ينازع، فهذه نبذة عن بناء البيت.

    يقول تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:127]، وانظروا إلى التواضع كيف يتجلى في كون إبراهيم وإسماعيل يبنيان بيتاً في الصحراء في ديار خالية، ومع هذا يسألان الله تعالى القبول؛ ليثيبهما على العمل، ولا يضيع عملهما بدون ثواب ولا جزاء، إعلاناً عن رغبتهما في فضل الله، وتوسلاً إلى الله ليقبل عملهما ويثيبهما عليه: أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:127].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ...)

    ثم قالا: رَبَّنَا [البقرة:128]، أي: يا ربنا! وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ [البقرة:128]، فهل هما غير مسلمين؟ الجواب: كيف وهما نبيان ورسولان؟ ولكن معنى هذا: اللهم أدم إسلامنا، وثبت قلوبنا عليه، واربطه معنا واشددنا عليه حتى نلقاك مسلمين؛ لأن الإنسان ما يملك، قد يكون اليوم مسلماً وغداً البرنيطة على رأسه كافراً.

    فيا جماعة! إياكم ولبس البرانيط، انتبهوا! لا تتشبهوا باليهود والنصارى، لقد كان آباؤكم وأجدادكم مستعمرين مستذلين لبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وما كان واحد يضع برنيطة على رأسه، والآن في المدينة يسوق السيارة خادم والبرنيطة على رأسه، وزوار جاءوا للزيارة وكأنهم اليهود في أشكالهم، أهذا يحبه الله؟ أما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تشبه بقوم فهو منهم)؟ أما يجب أن تكون لنا الصورة الخاصة بنا؟ إذا وقف أحدنا في العالم في زيه فيقال: من هذا؟ فيقال: مسلم، فبزيه يدعو إلى الله عز وجل، أما أن نصبح كاليهود والنصارى، تركنا رسالتنا، تركنا إمامتنا، أهملنا قيادتنا، ما أصبحنا دعاة ولا هداة ولا قادة، أصبحنا أذلاء نجري وراء الغرب ونمثل حياته، أهذا هو الإسلام؟ والله ما هو بالإسلام.

    فإبراهيم عليه السلام يسأل الله أن يثبته وابنه على الإسلام: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ [البقرة:128]، حتى الموت، نسلم ماذا؟ قلوبنا ووجوهنا لك، والمسلم من هو؟

    المسلم عبد أسلم، بمعنى: أعطى قلبه ووجهه لله، الإسلام مصدر أسلم، يقال: أسلم فلان لفلان ناقته، أي: أعطاه، فلو تسأل أحدًا: ماذا أسلمت لله؟ فقال: لا شيء، إذاً: فلا إسلام بدون عطاء، القلب ينبغي ألا يتقلب طول الحياة إلا في رضا الله، لا هم لك إلا الله، والاتجاه دائماً نحو الله، وتتمثل هذه في الطاعة الصادقة والإخلاص فيها لله، صلاته، صيامه، بناؤه، هدمه، سفره، زواجه طلاقه، كل حياته في دائرة طلب رضا الله، هذا هو المسلم الحق.

    مشابهة المسلمين لإبراهيم وإسماعيل في سؤال الثبات على الإسلام

    وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [البقرة:128]، أقول في سؤال الله تعالى أن يجعلهما مسلمين -بمعنى: أن يثبتهما على الإسلام ويديمهما عليه حتى الموت-، أقول: وعندنا نحن: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، في كل ركعة نصليها نتوسل إلى الله عز وجل بأسمائه وصفاته، نحمده ونثني عليه، ونمجده: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:2-4]، أليس هذا هو الحمد والثناء والتمجيد؟ ثم نقول متملقين له: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، لا نعبد إلا أنت، ولا نستعين بغيرك، لم هذا التملق؟ لأننا لنا حاجة سامية قل من يظفر به ويحوزها، حمدنا الله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، أثنينا عليه: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3]، مجدناه: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4]، من علمنا هذا؟ الله، يقول لنا: يا من يريدون أن يدعوني ويسألوني قضاء حوائجهم! هذا هو الطريق، احمدوه، اثنوا عليه خيراً، مجدوه، ثم اسألوه حاجتكم.

    وهذا بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم غاية البيان، فقد قام رجل فرفع يديه يدعو: رب! أعطني، والرسول صلى الله عليه وسلم يسمع، ولكمال أدبه وسمو أخلاقه ما واجهه، فقال لأصحابه: ( لقد عجل هذا -بمعنى: استعجل- إذا أراد أحدكم أن يسأل الله شيئاً فليحمد الله وليثن عليه وليصل على نبيه ثم ليسأل حاجته )، هل عرف السامعون هذا؟ هذه هي الوسيلة، ما هي بحق فلان وجاه فلان والأباطيل، ومن قال: ما عرفنا هذا يا شيخ! قلنا: إي والله، ما جلسنا هذا المجالس ولا تعلمنا.

    يقول صلى الله عليه وسلم: ( إذا أراد أحدكم أن يسأل الله شيئاً فليحمده وليثن عليه وليمجده وليطلب حاجته )، أما (ارب أعطني) مباشرة فهل أنت تأمره؟ هل موقفك موقف السلطان الآمر، كأنك تقول: (رب اغفر لي وارحمني) بالقوة؟! لا بد أن تظهر في مظهر المسكنة والحاجة والفقر إليه.

    وقد قلت كثيراً: العوام يحسنون هذا، العامي إذا أراد أن يسألك شيئاً يقول: يا سيد، أنت كذا، أنت معروف عند الناس أنك من أهل الخير، أنت شريف، ما شاء الله، ثم يقول: أعطني، وهذا عرفناه منهم وعايشناهم، ما يأتيك من أول مرة فيقول: أعطني أبداً، لا بد أن يذكر كمالك وخيرك ونسبك وشرفك ثم يسألك، فالله عز وجل أحق بهذا التملق والتزلف، ثم هو علمنا هذا، فمن أنزل الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]؟ من فرضها في كل ركعة، أليس الله؟ ومع هذا لا نعرف، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:2-5].

    فهل لاحظتم التملق؟ لا نعبد إلا أنت ولا نستعين بغيرك، لم نقول له هذا؟ لأنا نريد أن نطلب شيئاً غالياً: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، وكيف نسأل الهداية ونحن نصلي؟ معنى هذا: أتم هدايتنا وثبت أقدامنا عليها حتى نلقاك مؤمنين صالحين مستقيمين.

    صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7]، ألا وهو الإسلام الذي سأله إبراهيم وإسماعيل: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [البقرة:128]، فالصراط المستقيم الذي نطلب الله في كل ركعة هو الإسلام، أن نحيا مسلمين، ونموت مسلمين، وقد أمرنا إذ قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، فمن أسلم ومات على غير الإسلام ما كسب شيئاً ولا استفاد آخر، فلا بد من مواصلة إسلام القلب والوجه لله حتى الموت.

    معنى قوله تعالى: (ومن ذريتنا أمة مسلمة لك)

    إذاً: وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [البقرة:128]، سبحان الله! ما اكتفى بدعوته له ولابنه، قال: واجعل من ذريتنا أمة مسلمة، قالت العلماء: ما دعا بهذه الدعوة سوى إبراهيم؛ لأنه طلب أن يوجد من أولاده أمة ذات البلايين، وقد كانت، إنكم أيها المسلمون دعوة إبراهيم، وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [البقرة:128]، وقد استجاب الله.

    وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وقد سئل عن أمره أو حاله أو شأنه فقال: ( أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة أخي عيسى )، وهذه الأمة المحمدية الإسلامية من عهد نبيها إلى يوم القيامة دعوة إبراهيم، سبحان الله!

    وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [البقرة:128]، مسلمة له في ماذا؟ مسلمة قلوبها ووجوهها، وكيف يسلم المرء قلبه ووجهه؟

    قلنا: ذلك أن نقول له: لم تبني هذا البيت؟ فيقول: من أجل أن أستر عورتي، وأن أقي نفسي وأهلي من الحر والبرد لنذكر الله ونشكره، مررنا به يوماً يهدم: لم تهدم؟ قال: خشيت أن يسقط علينا فيؤذينا ونحن نعبد الله، أو يؤذي مؤمناً يعبد الله عز وجل، لم طلقت؟ لم تزوجت؟ لم سافرت؟ لم قمت؟ لم قعدت؟ فيقول: نحن ندور في فلك عبادة الله، يا فلان! لم قصرت ثوبك، الشبان ثيابهم طويلة تسحب في الأرض يتباهون وأنت قصرته إلى نصف ساقك لم؟ قال: لله، أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أهمية الاستسلام في لزوم السنة في المظهر

    جاءني اليوم رجل من الصالحين، شيخ كبير مثلي، قال لي: يا شيخ! أنت تذكر الناس فذكرهم بأمرين عظيمين. قلت: ما هما؟ قال: ثياب طويلة تسحب في الأرض، ووجوه حليقة ما فيها شعر، قلت له أبشر.

    وأنا لست بمفت، الإفتاء له لجنة خاصة وأنا لا أفتي، أنا أبلغ دعوة الله فقط، فأقول: أيها الفحول! استعينوا بالله، توكلوا على الله، خافوه، أسلموا له قلوبكم ووجوهكم، وأعف وجهك من حلقه حتى لا تصبح كالمرأة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال )، فكما لا يسوغ ولا يعقل أن المرأة تلصق لحية جميلة على وجهها، فكذلك الرجل، فتاة في العشرين من عمرها تجعل لحية جميلة عطرة أو حمراء أو حمراء أو سوداء، هل تقبلون؟

    إذاً: وهن لم يقبلنكم؟ حتى هن غير راضيات، كيف تكون مثل امرأتك؟! ومع هذا فنحن أتباع النبي فقط، لولا أنه قال: ( خالفوا المشركين: احفوا الشوارب واعفوا اللحى )، لما كنا نتكلم، ثم المؤمن يقوى -على الأقل- على أن يترك نصف اللحية، على الأقل يكون شاربه أسود، هذا فحل، ما هو امرأة، ويترقى حتى يصبح رجلاً.

    أما الثوب فلم تطيله؟ قل لي بربك: لم ثوبك يمس الأرض والطين والتراب، أهذا في صالحك؟ تريد أن تتكبر على الناس؟ أعوذ بالله! أمؤمن يتكبر؟ الجواب: لا، لم؟ تقليد أعمى فقط، حلق اللحية، وطول الثياب وغير الثياب ما هو إلا تقليد فقط، فلان فعل فسنفعل، ما هو عن علم ولا عن بصيرة، فإذا جاهد العبد نفسه، وأراد أن يخلص حياته لربه فما يبالي، أنا أتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا نتبع العالم الفلاني، ولا الشيخ الفلاني، هذا هو المسلك.

    أهمية الاستسلام لقضاء الله تعالى وقدره

    وأعود إلى معنى الإسلام فأقول: جاءني رجل أمه مات ولدها وما زالت في الحزن، فقال: كيف نفعل معها؟ قلت له: إذا كانت تسمع بينت لها، فأقول: يا معاشر المؤمنين والمؤمنات! هل نحن لله أم لا؟ وهل نرجع إليه أم لا؟ سنرجع أحببنا أم كرهنا؟ وهل على عندكم على هذا قرآن يشهد بهذا؟

    الجواب: نعم، قال الله تعالى: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:156]، ما أصابت أحدنا مصيبة وقال فيها: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:156] إلا صلت عليه الملائكة، أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [البقرة:157]، فنحن كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( العين تدمع، والقلب يحزن، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون، ولكن لا نقول إلا ما يرضي الرب تعالى ).

    إذاً: لم تبقى المؤمنة في حزن دائم؟ أليست تعرف أن ولدها هو عند الله وهو لله؟ أيودعك الله وديعة ثم يأتي يوم فيقول: رد علينا وديعتنا فتقول: لا؟

    فلهذا المؤمن والمؤمنة لا يزيد ألمهما ولا حزنهما على أكثر من ثلاثة أيام، إلا أن المرأة تعتد أربعة أشهر وعشرة أيام لعلل وأحكام أخرى، أما الحزن في القلب فينبغي أن يزول في ثلاثة أيام، وتعود إلى لباسها، وإلى عبادتها، وإلى حالها؛ والعلة هي عدم البصيرة، لو عرفت أنها أصيبت بمصيبة وأن هذا المصيبة عظيمة وأن الله يعوضها أعظم منها للجأت إلى كلمة: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:156]، فيكفيها ذلك، فما دامت تعرف أنها لله هي وولدها إذاً: دعاه الله فليجب، هي أمانة موضوعة عندك، ثم أنت وإياه راجعان إلى الله، فلنعمل على رضا الله بحبه وذكره وعبادته وطاعته.

    وعلى كل حال: لابد من الذكرى فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55]، لو كانت هذه المؤمنة عند من يذكرها بالله عز وجل وما عنده وما لديه فلن يستمر حزنها.

    فهذه أم سليم عندما مات طفلها، غسلته وكفنته وغطته، ثم جاء والده يسأل؟ فقالت: إنه في عافية، في راحة؛ حتى لا تزعج والده أو تحزنه، فأين لنا أن نكون كـأم سليم ، المهم: ألا نسخط الله علينا في حكمه وقضائه فينا، نسترجع الله عز وجل ونصبر ونواصل ذكره وتقواه.

    ونعود إلى السياق الكريم: وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [البقرة:128]، هذا الدعاء حصل، ونحن منها، والحمد لله، أعظم أمة على وجه الأرض، والله! ما وجدت أمة أعظم من هذه الأمة، ويوم القيامة يبعث النبي ومعه الفرد والفردان والعشرة والمائة، وأعظم أمة هي أمة موسى وأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن ليست أمة موسى شيئاً بالنسبة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ويكفي أنه مضى على بعثته ألف وأربعمائة وزيادة، إذاً: استجاب الله لدعوة إبراهيم وإسماعيل فكانت هذه الأمة.

    معنى قوله تعالى: (وأرنا مناسكنا)

    ثم قال الخليل عليه السلام: وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا [البقرة:128]، لما فرغ إبراهيم وإسماعيل من البيت قال إبراهيم عليه السلام: يا ربّ! لقد فرغنا من بناء البيت فكيف نعبد الله فيه؟ فأنزل الله جبريل عليه السلام، وعلمه مناسك الحج من الطواف إلى السعي، إلى الذبح في منى، إلى الوقوف بعرفة، إلى النزول بمزدلفة، وحدد له حتى حدود الحرم، استجابة لقول إبراهيم: وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا [البقرة:128]، فأراه الله تعالى المناسك.

    ولم سميت العبادة منسكاً؟ الأصل في المنسك الغسل، يقال: نسك ثوبه: إذا غسله ونظفه، فكل عبادة تسمى نسكاً لأنها تغسل القلب وتزكي النفس وتطهرها، فالمناسك جمع منسك، كل عبادة نعبد الله بها فهي نسك، وسمي الذبح أيضاً نسكاً: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ [الحج:67]، لأن الذبح لله من أعظم القربات التي تزكي النفس، ذبح شاة أو بعيراً أو بقرة لله، هذه العبادة تعمل العجب في تزكية النفس، حتى أطلق عليها: النسك، فكل ذبح لله هو نسك، وكل مشاعر الحج وتلك العبادات من رمي الجمار إلى الوقوف بعرفة هي نسك، أي: عبادة تزكي أنفسنا وتطهرها.

    وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا [البقرة:128]، وها نحن -والحمد لله- نحج ونعتمر على نحو ما بين الله عز وجل لإبراهيم عليه السلام، والحمد لله.

    معنى قوله تعالى: (وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم)

    وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:128]، سأل الله أن يتوب عليه، أن يديم التوبة.

    واعلموا أننا لو عبدنا الله لم نفتر لحظة ما أدينا حق الله بعبادته، فغفلة فقط نغفلها نحتاج إلى أن يتوب الله علينا، فلا تفهم أبداً أنك أديت ما عليك، وأنك ما أنت في حاجة إلى توبة، اسأل التوبة في كل ساعة؛ لأن الرجوع إلى الحق أن تذوب في ذات الله، ولو ذبت ذوبان الثلج ما عظمت الله حق عظمته، ولا رهبته حق رهبته، فلهذا دائماً نسأل الله تعالى أن يتوب علينا أو يديم توبتنا ورجوعنا إليه عز وجل.

    وقوله: إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:128] وسيلة كالأولى، إذا سأل العبد ربه شيئاً يتوسل إليه بأسمائه وصفاته: رب اغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم، رب يسر لي كذا إنك أنت القوي المتين، رب افعل بي كذا لأنك كذا وكذا، هذا هو التوسل بأسماء الله وصفاته، أو أن تقول من أول مرة: يا رحمن يا رحيم، يا علي يا كبير، يا كريم! وتسأل حاجتك، سواء قدمت أسماء الله أو أخرتها، هذا التوسل الذي جاء به القرآن الكريم وبينه النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين، أما التوسل بغير هذه فهو من أباطيل الشياطين، وخاصة: بحق فلان وجاه فلان، وما زال هذا التوسل شائعاً في عوام المسلمين، ولا معنى له أبداً، فحين تقول: أسألك بحق فلان؛ فمن هذا الذي له حق على الله؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ...)

    ثم قال: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة:129]، واستجاب الله، وبعث من أولاد إسماعيل عليه السلام محمداً صلى الله عليه وسلم.

    رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [البقرة:129] من أنفسهم، ولهذا ما كان النبي الكريم من الصقالب البيض، ولا من السود ولا من غيرهم، بل من ذرية إسماعيل، واسمه: محمد بن عبد الله في سلسلة ذهبية إلى عدنان ، ونهى عن الزيادة في النسب فوق عدنان.

    وقد حفظ الله رسولنا وهو في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، ما حصلت في أرحامه زنية ولا اختلط ماء الفحل بماء آخر، ما فاز بهذا الشرف أحد، من عبد الله إلى عدنان ، فحفظ الله نسبه في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، دعوة إبراهيم.

    وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [البقرة:129]، مهمة هذا الرسول ما هي؟ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [البقرة:129]، والسنة هي: الحكمة، وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة:129]، هذه وسيلة ثالثة أم لا؟ وهل استجاب الله؟ نعم، هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه الكتاب والحكمة ويزكيهم؟ إي والله العظيم، وقد بينا أن تلك التربية في حجور الصالحين، في حجر النبي وأصحابه والتابعين ما عرفت الدنيا مثلها أبداً، ولا نظير لها.

    وقررنا غير ما مرة أنه إن أردنا صادقين أن نعود إلى أن نكمل ونسود ونعز ونطهر فلنرجع إلى الكتاب والسنة، نجلس هذا الجلوس كل ليلة طول العمر، في قرانا وفي جبالنا وسهولنا؛ فالأمم غيرنا إذا فرغت من العمل وغابت الشمس انتشروا في الأباطيل والترهات والخرافات أو في المناكير والخبث، وهذه الأمة إذا غسلت يدها من العمل عادت إلى بيوت الله، تتعلم الكتاب والحكمة، وتزكي نفسها بما تسمع وما تعمل، فلا تزال كذلك حتى تصبح نوراً، وهذا النور لا بد أن ينير الله به الحياة كما كانت.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.