إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (48)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الجهل سبب كل الرزايا، بما في ذلك رزية الكفر، فهاهم كفار قريش يشترطون لإيمانهم أن يكلمهم الله كفاحاً، أو تأتيهم آية، رغم أنه قد جاءتهم آيات، ولأن داء مشركي قريش والمشركين السابقين واحد، فقلوبهم واحدة، إذ كان طلب قوم موسى منه أن يروا الله جهرة حتى يؤمنوا! ولأن هذا الموقف يحزن النبي صلى الله عليه وسلم فقد بين سبحانه أن مهمة الأنبياء ومثلهم الدعاة هو البيان، وتبشير المؤمنين، وإنذار الكافرين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، ومع الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.

    والآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ * وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ .. [البقرة:118-120] إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.

    معنى قوله تعالى: (وقال الذين لا يعلمون)

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!

    إليكم هذا الخبر الإلهي ومن أصدق من الله قولاً أو حديثاً، يخبر تعالى يقول: وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ [البقرة:118]، حتى يؤمنوا.

    أولاً: تأملوا قوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [البقرة:118].

    ومن هنا نعود نذكر أنفسنا وإخواننا وكل من يقبل التذكير فنقول: إن الخبث، والشر، والظلم، والفساد هذه التي تعاني منها البشرية في العالم مردها إلى الجهل، وعلتها عدم العلم.

    وهذا شاهد قرآني، وخبر من أخبار الله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [البقرة:118]، فلو كانوا يعلمون ما قالوا هذه القولة الرديئة الهابطة، لكن الجهل هو السبب، فمن هنا -وهذه القضية قررناها وتحدثنا فيها ما شاء الله- الشر، والظلم، والفساد، والخبث مبغوض مكروه لكل ذي عقل، وعلة وجود ذلك كله هو الجهل.

    وقد سبق أن قلنا مرات: لو انعقد مؤتمر لعلماء النفس والاجتماع والسياسة والأدب والفلك والعلوم الكونية على اختلافها، وطرحنا عليهم هذا السؤال: ما سبب الظلم الذي انتشر في العالم، والسرقات، والتلصص، والجرائم، والقتل، والاعتداء، والحروب؟ وما سبب الخبث من اللواط إلى الزنا .. إلى أفظع ما يكون، وقد خمت الدنيا بهذا الشر والفساد؟ وما سبب وجود شر عام في كل مجالات الحياة؟

    هل ترون أنهم يستطيعون أن يعللوا لهذا؟

    أما أنا فأقول: والله لا يقدرون على هذا، وما هم له بأهل، وأنتم الآن أصبحتم قادرين على التعليم، وإليكم الدليل والبرهنة، فهل بلغكم أن الأنبياء والرسل يزنون ويفجرون أو يعبثون ويأخذون الباطل ويعملون به؟

    أبداً، والله ما كان.

    هل بلغكم أن العلماء الربانيين في العالم الإسلامي يفجرون، ويسرقون، ويكذبون، ويخونون؟ والله ما كان.

    فهذه برهنة واضحة.

    أزيد إخواننا فأقول: في أي بيت، الذي يكون أعلمنا بالله وأعرفنا بما عنده هو أتقانا فيه، وأجهلنا هو الذي يكون أظلمنا وأشرنا، والله لا نتردد في هذا: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9]، وضرب الله الأمثال فقال: وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43]، وقال لرسوله: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114].

    إذاً: هذه فائدة عظيمة جليلة استفدناها من هذه الآية.

    ثم يجب أن نعلم أنفسنا وإخواننا، فيا من يريدون أن يصلحوا البلاد والعباد! علموا النساء والرجال والأطفال حتى يعرفوا ربهم معرفة يقينية، ويعرفوا ما يحب وما يكره، فيصبحوا أهلاً لأن يستقيموا على منهج الله، وإلا فإن الخبط، والخلط، والاضطراب، والقلق، والفتن لا تنتهي. وإياك أن تفهم أنها تنتهي بالحديد والنار، لا تنتهي إلا بالعلم، ومن أجل هذا أرسل الله الرسل.

    معنى قوله تعالى: (لولا يكلمنا الله)

    قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [البقرة:118] ماذا قالوا؟ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ [البقرة:118]، فإذا كلمنا وسمعنا كلامه آمنا بكتابه، ورسوله، وشرعه.

    وهذا لا يقوله عالم.

    ولو كلم الله الناس وخاطبهم وسمعوا كلامه ما بقي معنى للتكليف ولا للحياة كلها، إذ لو أراد الله أن يخلق البشر كالملائكة فلا يفسقون، ولا يفجرون، ولا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون لفعل، لكن الله أراد أن يمتحن البشرية والجن فيأمرهم بالإيمان بالغيب، ويكلفهم، فمن أطاعه وطلب رضاه وهداه اهتدى، ورضي عنه، وأكرمه وأنزله في جواره، ومن رغب عن ذلك وأعرض وانصرف هيأ له داراً تناسبه، وهي النار؛ عالم الشقاء.

    فكون الله يكلمهم كلاماً حتى يؤمنوا هذا يتنافى مع الحكمة من خلق البشر وإرسال الرسل.

    معنى قوله تعالى: (أو تأتينا آية)

    قوله: أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ [البقرة:118] كالتي كانت لموسى عليه السلام، فالعصا انقلبت ثعباناً تهتز كأنها جان، ويده يدخلها في جيبه ويخرجها بيضاء نقية كأنها فلقة قمر.

    وفي العرض الذي تم مع السحرة الذين ملئوا الوادي بالحيات والثعابين، ثغرت عصا موسى فاها، ودخل فيها كل ذلك الباطل.

    أو يريدون آيات كآيات عيسى في إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص.

    فهذا الكلام طلبه من طلبه من الجهال، فقالوا: لا نؤمن بك يا محمد رسولاً، ولا بما جئت به ديناً وشرعاً حتى تأتينا آية أو يكلمنا الله، وهذا عناد ومكابرة، ولا تصح من ذي عقل فضلاً عن ذي علم.

    معنى قوله تعالى: (كذلك قال الذين من قبلهم)

    قال تعالى: كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ [البقرة:118] أي: فليسوا أول من طالب بهذه المطالب التي لا تقبل ولا تعقل في دار الامتحان والابتلاء والاختبار، بل تقدم لنا أن السبعين رجلاً الذين اختارهم موسى لكلام الله، فلما سمعوا كلام الله قالوا: أرنا وجه الله؟ وبعد أن سمعوا الكلام ما اقتنعوا، فهؤلاء الذين يقولون: لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ والله لو كلمهم ما آمنوا، ولا قبلوا، بل يزدادون عناداً.

    وسبق أن هؤلاء السبعين الممتازين اختارهم موسى إلى جبل الطور، وسمعوا كلام الله: فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء:153]، فالهداية بيد الله، فمن طلبها من الله في صدق هداه الله، ومن استنكف، وتكبر، وأعرض أضله الله.

    وقوله: كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ أي: كما يقولون.

    معنى قوله تعالى: (تشابهت قلوبهم)

    قال تعالى: تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ [البقرة:118]، أي: تشابهت قلوب الأولين والآخرين .. قلوب المعاندين والمكابرين.

    لكن ما سبب تشابه القلوب؟ فالقلوب من حيث هذا العضو الصنوبري متساوية، لكن مختلفة في الفهم والإدراك، والعلم، والمعرفة. فما سر هذا التشابه بين قلوبهم؟

    إنه الشيطان الذي أغوى آدم حتى أخرجه من الجنة، فالشيطان الذي أغوى من أغوى من البشر والجن واحد، فمن هنا القلوب متشابهة، فالباطل الذي يقوله أحد الناس اليوم يقوله من يأتي بعد قرن، والقول الذي يقوله المبطل اليوم قد قيل من قبله بمئات بل بآلاف السنين؛ لأن الدافع أو المحرك أو المزين أو الباعث واحد، فالصنعة -إذاً- واحدة، والبضاعة واحدة؛ ولأن مروّجها واحد هو الشيطان.

    قال: تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ فيمَ تشابهت؟

    تشابهت في الجهل، والكفر، والظلم، والعناد؛ لأن الباعث على هذا الفساد والشر هو إبليس -عليه لعائن الله-، وقد قال وهو بين يدي الله: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص:82-83]، وقال: لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر:39]، فمن هنا تشابهت القلوب، فثقوا وافهموا واعلموا أن ما يقوله الضال اليوم فقد سبق أن قاله الضلال منذ ألف سنة، وعشرة آلاف سنة؛ لأن الدافع واحد، والمحرك واحد، وليس هناك اختلاف.

    معنى قوله تعالى: (قد بينا الآيات لقوم يوقنون)

    قال تعالى: قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [البقرة:118]، الذين أيقنوا بعد أن علموا أنها تنزيل العزيز الحكيم، فآيات القرآن المبينة المفصلة، المظهرة للحق، المميزة له من الباطل، هذه الآيات قد بينت بالأدلة القطعية، والبراهين الساطعة والحجج التي لا ترد ما كذب به هؤلاء المكذبون، وكفر به هؤلاء الكافرون؛ وذلك من وجود الله الحي القيوم، السميع البصير، العليم الخبير، وأنه لا إله إلا هو، وأن سائر الآلهة المدعاة المعبودة باطلة، وأنه رب كل شيء ومليكه، وأنه ذو قدرة لا يعجزها شيء، وعلم أحاط بكل شيء، وحكمة ما خلا منها شيء، أكثر من أن يشاهدوا آية فجأة وتنتهي، كأن يكلمهم ساعة ويسمعون كلامه، ثم يقولون: ما سمعنا، أو يحيي لهم ميت أو أمواتاً ثم يقولون: سحركم، وكيف يحيا الميت!

    وهذا أخبر تعالى عنه من سورة الحجر: وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ [الحجر:14]، وهل هناك أعظم من هذا؟ إنها رحلة إلى الملكوت الأعلى، فتعالوا أنتم وأبناءكم ونساءكم، واصعدوا إلى السماء السابعة، ثم انزلوا، فهل يقولون حقاً: ما رأيناه آمنا به، لا إله إلا الله محمد رسول الله. والله ما قالوا إلا: سحر أعينكم، أنتم مجانين! هل هناك من يصعد إلى السماء؟ لأن الذين يصعدون مجموعة: عشرة .. عشرون .. ثلاثون، فيظلون في الملكوت الأعلى، وفي المساء يقولون: صعدنا. فيقال لهم: أنتم مجانين.

    وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ [الحجر:14] طول النهار يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [الحجر:14-15]، لِم هذا؟ لأن أناساً كتب الله شقاءهم في كتاب المقادير، وهم أهل العذاب الدائم الثابت المقيم، وأمثال هؤلاء لن يهتدوا، ولا يقبلون الهداية بأي نوع، ومهما عرضت عليهم.

    يا من تطالبون بالآيات الكونية! كنزول الشمس أو القمر أو الملائكة أو إحياء الميت، هناك آيات أعظم من هذه، ألا وهي هذا الكلام الإلهي الخالد الباقي، فلو أن الله عز وجل أيد رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم بآيات مادية، وشاهدها أهل مكة وقريش فسوف يأتي الجيل الذي بعد هذا فيقول: خرافة وكذب، ما رأينا نحن هذا.

    فلهذا ما أعطى ما طالبوا به من الآيات الكونية الحادثة؛ لأن هذا لا يجدي ولا ينفع، أولاً: المصرون على الجاهلية والعناد والظلم لا يؤمنون.

    ثانياً: ينقلب من شاهد المعجزة والذي جاء بعد ذلك يقول: نحن ما شاهدنا، من أين لنا أن هذا وقع؟

    فالقرآن -إذاً- هو آية محمد صلى الله عليه وسلم، و( ما من نبي من الأنبياء إلا وأعطاه الله ما آمن عليه مثله البشر، وكان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ؛ فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة )، وتحقق رجاؤه؛ فهذه الأمة المحمدية يوم القيامة أعظم أمة وأكبر أمة عدداً.

    وسر ذلك في هذا القرآن، فلو كانت المعجزات فقط، والله في القرن الأول ينتهي الإسلام، وحارب الإسلام الإنس والجن والأبيض والأسود، وما استطاعوا أن ينهوه أو يطووا صفحته أو يقضوا على أهله؛ لأن القرآن بينهم، ولولا القرآن لانتهى الإسلام.

    لا تعجب!

    تقدم أن عرفنا أن الدين المسيحي الإلهي ما عاش أكثر من سبعين سنة، ثم تحول إلى تثليث، وإلى شرك، وإلى باطل، لكن الإسلام حفظه الله بما حفظ كتابه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، فلهذا الآن ألف وأربعمائة سنة وزيادة والإسلام موجود، ما تغير ولا تبدل أبداً، محفوظ، وكون الناس تبدلوا وتغيروا فهذا شأنهم، أنهم استجابوا للشيطان وأعوانه وخلصائه، لكن من طلب الإسلام فهو موجود كالذهب، لا زيادة ولا نقص، بحفظ الله تعالى.

    إذاً: كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [البقرة:118] إنها آيات القرآن، من يشاهد أنوارها؟ من يشاهد عجائبها؟ من يشاهد آثارها؟ إنهم الموقنون بأنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن الدين الإسلامي هو دين الله ولا يقبل ديناً سواه .. فهؤلاء الموقنون هم الذين يشاهدون هذه الآيات. أما الموسوسون، والشاكون، والمرتابون فلا ينتفعون بهذا، وهو كذلك.

    إذاً: من هم الذين ينتفعون بالقرآن الآن من المسلمين؟

    الجواب: إنهم المؤمنون، الموقنون بما يحمله هذا القرآن من نور وهداية، وهم الذين يدرسونه، ويتعلمونه، ويطلبونه، ويعملون به، أما الذين لا يقين لهم فيقرءونه على الموتى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً ...)

    معنى قوله تعالى: (إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً)

    قال تعالى يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم مسلياً له مخففاً عنه الحمل: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [البقرة:119]، وهذا خبر من أخبار الله يقول لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: إِنَّا أي: رب العزة والجلال أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بالحق لا بالباطل، فالإسلام هو الدين الحق، والقرآن الكريم هو كلام الله الحق، وكل ما جاء به رسول الله من هداية، وتعاليم، وقوانين، وشرائع .. الحق، ولا باطل في جزء منها قط.

    أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ حال كونك مبشراً ونذيراً .

    ما المراد بالمبشر؟

    المبشر: الذي يبشر صاحب الخير بالخير، فيقول له كلمات ينشرح لها صدره، وتتهلل له بشرته بالبشر والطلاقة، فهو يبشر المؤمنين المستقيمين على منهج الله بما وعدهم الله به من إعزاز وإكرام في الدنيا، ونعيم دائم خالد في الآخرة.

    وهذه مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبشر المؤمنين المتقين .. المؤمنين العاملين للصالحات .. المؤمنين المستقيمين على منهج الله، فلا التواء، ولا خروج، ولا انحراف، فهؤلاء يبشرهم بما يثلج صدورهم وبما يطيب خواطرهم، وبما يظهر في وجوههم من البشر والطلاقة، وهذا هو التبشير.

    وهو نذير ومنذر لمن أصر على الشرك، والكفر، والشر، والفساد، والفسق، والفجور .. ينذره ويخوفه عواقب هذه الحياة التي يحياها، وينذره بعذاب الله الذي قد يعجل له في الدنيا، أما عذاب الآخرة فهو ثابت لازم لا يتخلف ولا يتأخر.

    وهذه هي مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليست مهمته أن يهدي الناس، ويدخل الإيمان في قلوبهم، أو يغير طباعهم ويحول سجاياهم وفطرهم؛ فهذا لا يقدر عليه، وليس موكولاً إليه، فهذا لله.

    فهذه الآيات تعزي رسول الله، وتخفف عنه الآلام التي يتلقاها من الطغاة المتكبرين الذين قالوا له الآن: لولا تأتينا بآية، أو يكلمنا الله حتى نؤمن، والذين قالوا له هذا في مكة من أبي جهل إلى عقبة بن أبي معيط إلى العشرات.

    ماذا يصنع رسول الله فهو لا يملك هداية القلوب؟

    يخفف الله تعالى عنه، ويسري عنه آلامه، ويقول له: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [البقرة:119] فما كلفناك بهداية الناس، وأنت لا تقدر على ذلك، ولو كان يقدر لهدى عمه أبا طالب ، فما استطاع مع أنه وقف معه طيلة حياته مواقف لا تنسى، وعند وفاته وهو على سرير الموت يعرض عليه كلمة التوحيد فما قبلها، والله كأنكم تسمعون: ( يا عم! قل: لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله، يا عم! قل: لا إله إلا الله ) فما استطاع؛ لأن الله كتب شقاء أبي طالب وأنه من أهل النار.

    وكان -مع الأسف- يريد أن يقولها، فينظر إلى الزائرين من رجالات قريش الذين جاءوا يعودونه في مرضه فيخجل وقال له أبو جهل : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فكان آخر ما قاله: هو على ملة عبد المطلب . ومع هذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لأستغفرن لك يا أبا طالب ما لم أنه عن ذلك )، وهَمَّ بالاستغفار فنزل قول الله تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة:113] ومن احتج بإبراهيم قال تعالى: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة:114].

    وإبراهيم واعد أباه فقال: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [الممتحنة:4] فمضت الأيام، وازداد في العناد، والكفر، والباطل، وعرف أن الله قد حكم عليه بالخلود في النار، فتبرأ منه، فلا تحتج باستغفار إبراهيم.

    وحتى آمنة أم الرسول صلى الله عليه وسلم، جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان آتياً من مكة إلى المدينة أو ذاهباً من المدينة إلى مكة، فمر بالأبواء التي دفنت فيها أمه، فاستأذن من الله أن يزورها فأذن له، ولما وقف على القبر ظل يبكي ويبكي، فسألوه: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: ( لقد استأذنت ربي في أن أزور قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي ).

    علّة الفلاح والخسران

    والعلة كما عرفنا من قبل في قول الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10] فـأبو طالب أو عبد الله أو آمنة هل قالوا يوماً: ربنا اغفر لنا ذنوبنا؟ هل قالوا يوماً: لا إله إلا الله؟ هل .. هل .. إذاً على أي شيء تزكو نفوسهم وتطيب وتطهر؟!

    فمن هنا من زكى نفسه، وطيبها، وطهرها قُبِل في الملكوت الأعلى، ومن دساها، وخبثها، وأفرغ عليها أطنان الذنوب والآثام لم يشفع له شافع قط ولن يرى دار السلام، وهذا قضاء الله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].

    والرسول نادى ابنته فقال: ( يا فاطمة ! أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لك من الله شيئاً ).

    ومع هذا العالم كله نائم، يطمعون في الجنة دار السلام، فأين عواملها وأسبابها؟

    وظيفة الداعية

    قوله: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [البقرة:119] توضيح لمهمة نبينا صلى الله عليه وسلم، وهي مهمة كل داع .. كل واعظ .. كل مذكر .. كل معلم في القرية والجبل والسهل والوادي والبيت والمسجد، وليست المهمة هداية الخلق، فالهداية بيد الله، ومن أراد هداية أبيه أو أخيه فليسأل الله ذلك، وليبين له ما هو المطلوب، أما أن تحوله أنت فلن تستطيع، ورسول الله ما أسند إليه هذا.

    معنى قوله تعالى: (ولا تسأل عن أصحاب الجحيم)

    قال تعالى: وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ [البقرة:119] وقراءة نافع قراءة أهل المدينة: ولا تَسأل عن أصحاب الجحيم .

    يقول ابن عباس فيما روي عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يا ليت شعري ما فعل أبواي؟ ) فنزلت هذه الآية ولا تَسأل عن أصحاب الجحيم ، أي: فلا تسأل يا رسولنا عن أصحاب الجحيم، اتركهم، واترك أمك وأباك، فما هم أهل دار السلام الآن.

    وقرأ حفص : وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ [البقرة:119] أي: لا يسألك الله يوم القيامة: لم ما آمن أبو جهل وأنت رسول الله وما هديته؟ والله ما كان، ولم دخل أبو طالب النار، وهو عمك، وأنت رسول الله، كيف هذا يا محمد؟ الجواب: لا.. لا؛ لأن الله ما بعثه ليهدي البشر ويقلب قلوبها، وإنما ليبشر من استجاب فآمن وعمل صالحاً، وتخلى عن الشرك والفساد، ومنذر من أعرض عن الإيمان والعمل الصالح، وانغمس في أودية الباطل والخبث والشر والفساد، فهذه رسالتك ومهمتك، أما أن تهدي فلا تملك.

    وحقاً هل هناك من يملك هداية أحد؟

    الجواب: لو كان هناك من يملك أو يقدر مع بذل أقصى الجهد بالحجج والبراهين لكان إبراهيم أولى بهذا مع والده، لكن هل استجاب آزر وأسلم؟ لا.

    إذاً: ادع يا عبد الله عباد الله وبشر المستقيمين، وأنذر المعوجين المنحرفين، فهذه هي مهمتك، أما أن تحزن وتبكي وتقول: آه، ما أسلموا .. ما اهتدوا، أو ترمي بالقلم وتقول: تركناكم، لستم من أهل الجنة، فقد دعوناكم وما استجبتم، فعيشوا على الباطل، والخبث، والشر، والفساد..! لا، هذا لا يصح أن تقوله، بل وأنت مطمئن النفس، طاهر القلب ادع الناس بالابتسامة: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] والحكمة أن تضع الشيء في موضعه، فالشخص الكيس، الأديب، الراقي الذي عنده تقبل للهداية، لم تتعنتر عليه وتسب وتشتم وتنتفخ أمامه، ادعه بالتي هي أحسن.

    وكذلك شخص من أقاربك شديد غليظ، فلا بأس أن تغلظ عليه، لكن الليّن شيء، والغليظ شيء ثان، فضع كل شيء في موضعه، وهذه هي الحكمة.

    والشاهد عندنا في قول ربنا: وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ [البقرة:119] فهذا يتمم الكلام الأول، فما أنت إلا بشير ونذير، وما أنت بمسئول عن أصحاب الجحيم، والله لا يسأله ربه: لم لم يؤمن فلان وأنت رسولنا، والقرآن أنزلناه إليك، وأيدناك بكذا وكذا، كيف يدخلون النار، أين كنت؟

    هذا لا وجود له.

    وشأن رسول الله شأن أمته، فالعالم في القرية .. في البيت .. في السوق يبلغ دعوة الله بالتي هي أحسن، فمن استجاب بشره بحسن العاقبة والمستقبل السعيد، ومن أعرض واستنكف واستكبر أنذره قائلاً: انتبه! مصيرك معروف الخلود في عذاب الله، فانته يا عبد الله، هذه المهمة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ...)

    ثم قال تعالى وقوله الحق: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120] الملة: الدين والنحلة.

    وهل اليهود والنصارى لهم ملة واحدة؟

    الجواب: لا. اليهودية ملة، والنصرانية ملة، والمجوسية ملة، والصابئة ملة .. فهم ملل.

    حكم توارث أصحاب الملل الكفرية فيما بينهم

    هنا مسألة فقهية: ذهب مالك رحمه الله وأحمد في بعض الروايات إلى أن اليهود ملة والنصارى ملة، والصابئة والمجوس ملل، واحتجوا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لا يتوارث أهل ملتين ) أي: لا يرث اليهودي النصراني، ولا النصراني اليهودي، ولا الصابئي المجوسي، ولا المجوسي الصابئي.. بل كل ذي ملة يرثه أهله من ملته، وهذا الحديث صحيح.

    ويبقى قول الجمهور: إن الكفر ملة واحدة، وليس معنى هذا أن اليهودية هي النصرانية أبداً، ولا المجوسية هي البوذية ..! لا، هي ملل ولكن ليس هناك تفاضل فالكفر ملة واحدة، فالكل ضال وإلى النار.

    إذاً الكفر ملة واحدة، فلا فاضل ولا مفضول، أما من حيث القضاء الشرعي والحكم فاليهودي لا يرث النصراني لخلاف بينهما في معتقدهم وملتهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    معنى قوله تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى)

    أي: لن ترضى عنك يا رسولنا، ولن ترضى عنك يا عبدنا، وأمته هي تابعة له، فانتبه .. كل من لبس لباس محمد صلى الله عليه وسلم، وتقمص قميصه، فنهج نهجه، وقام على ما قام عليه رسول الله قبله من العقيدة والتوحيد والطهر والصفاء، وكل من كان هكذا فلن يرضى عنه اليهود ولا النصارى إلى الآن، وممكن يرضى عنك يهودي أو نصراني إذا أنت تخليت عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وأصبحت تشارك في الباطل، والخبث، والشر، والفساد، نعم، أما أن يبقى موقفك موقف لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم ترجو أن يحبك يهودي أو نصراني فهذا لن يكون.

    الشاهد: أن هذا الخبر من الله يستحيل أن ينقضه أحد، فلن ترضى عنك يا رسولنا اليهود والنصارى إلى غاية أن تتبع ملتهم، فإذا اعتنقت اليهودية رضي عنك اليهود ورحبوا بك، وإذا اعتنقت المسيحية أو الصليبية فرح بك النصارى وقبلوك، أما وأنت على نور الله وهدايته وإسلامه فلا رضا.

    والآن الكثيرون يتملقون لليهود والنصارى، حتى في المساهمة في أعيادهم، لكن هل يرضون عنهم؟

    والله لا يرضون، فما دمت تقول: لا إله إلا اله محمد رسول الله ما هناك رضا، وما دمت تقول: الزنا حرام، والربا حرام، وقتل النفس حرام، والخبث ليس يليق بنا، ولا نحن من أهله، فما يرضون عنك أبداً حتى تتقمص قميصهم، فتقول بقولهم، وترقص رقصهم، وتعتقد اعتقادهم، نعم، سواء كنت أبيض أو أسود، ولا معنى لكلمة أوروبي ولا أفريقي فهم إخوان. فيعانقون السود، ويدخلونهم في قلوبهم؛ لأنهم اعتنقوا دينهم، وأصبحوا على ملتهم.

    هل عرفتم هذا الخبر الإلهي أو لا؟

    لا أقول: من أراد منا أن يحبه اليهود والنصارى فليكفر، نقول: فقط استقم على منهج الله، ولا يضرك عداؤهم ولا بغضهم لك، ولا عدم حبهم لك؛ لأن هذه فطرتهم، وما دمت على غير دينهم فإنهم لا يحبونك.

    ومن ردَّ علي يتفضل، يقول: أنا مستقيم على منهج محمد صلى الله عليه وسلم في لباسه .. في أكله .. في طعامه .. في نكاحه .. في تجارته .. في أعماله، وعندي يهود ونصارى يحبوننا، نعم قد يتملقونك بلسانهم، أما أن يكون قلباً وواقعاً فوالله ما كان؛ لأن الله خالق القلوب، وطابع الطبائع، وغارز الغرائز، هو الذي أخبر، وهل تراه لا يصدق؟ أعوذ بالله.

    ومعنى هذا: لا تطلبوا مودة اليهود والنصارى فإنها مستحيلة، ولن تتم، ولن تحصل، إلا إذا أنت انسلخت من دينك الإسلامي وعايشتهم على الشرك والباطل، نعم هم يريدون هذا، ويبذلون الأموال في سبيل القضاء على الإسلام؛ لأنه الدين الحق، وأكثر رجال الكنائس والبيع يعرفون هذه الجملة، وقد يوجد تلاميذ ضللوهم وغرروا بهم، لكن هناك رؤساء يعرفون أنهم على باطل، وأن الدين الإلهي الحق هو الإسلام، معرفة أكثر منا، لكن لا يستطيعون أن يتخلوا عن مناصبهم، وإن تركوها يقتلون، ولو قامت الكنيسة وقالت: لا إله إلا الله محمد رسول الله، تهتز أركان الدنيا، وتشتعل النيران، فلهذا هم مصرون على الباطل، وقَلَّ من ينجيه الله عز وجل، ونعم يوجد كثيرون من رجال العلم عندهم تركوا الكفر ودخلوا في الإسلام، وآمنوا بالله ولقائه ورسوله.

    هكذا يخبر تعالى عباده في شخصية رسوله صلى الله عليه وسلم فيقول أولاً: بلام الزمخشري وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى [البقرة:120] إلى غاية وهي: إلى أن تتبع ملتهم.

    معنى قوله تعالى: (قل إن هدى الله هو الهدى)

    ماذا تفعل يا رسولنا؟

    قال له الله تعالى: قُلْ [البقرة:120] في صراحة ووضوح: إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى [البقرة:120] فإذا عرض عليك مسيحي المسيحية .. أو يهودي اليهودية .. أو بوذي البوذية .. أو مجوسي المجوسية.. فماذا تجيب أنت يا رسولنا؟ قال: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى [البقرة:120].

    لكن ما هو هدى الله؟

    هدى الله هو الإسلام الهادي إلى العزة والكرامة، والأمن والرخاء، والطهر والصفاء في الدنيا، والهادي إلى حب الله ورضوانه، ومواكبة النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين بعد الموت.

    وإياكم أن تفهموا أو يخطر ببالكم أو تصدقوا مفترياً كاذباً أن الإسلام إذا طبق في قرية -لا أقول: في أمة- تطبيقاً كما أراد الله ولم يعز أهل القرية، ولم يصفوا، ولم يطهروا، فوالله لا يتخلف وعد الله.

    أعيد فأقول: إياك -يا عبد الله- أن تفهم أن الإسلام لو طبق في إقليم .. في قرية .. في مدينة التطبيق الذي يريده الله أن أهل القرية يضامون أو يهانون أو يذلون! والله ما كان، والله إلا أعزهم الله وطهرهم وكملهم في الدنيا، وفتح لهم باب دار السلام في الآخرة.

    وهل هناك أقليم أو بلد كان على طهر وصفا وإيمان، فأذلهم الله؟!

    والله لا وجود لهذا، لا في أوروبا الشرقية، ولا الغربية، ولا أفريقيا، ولا في جزيرة العرب، فمستحيل أن يخذل الله أولياءه، أو يسلط عليهم أعداءه، وإنما سلط أعداءه على من فسق عن أمره، وخرج عن طاعته كحال العرب والمسلمين في قرون عديدة إلى هذه الساعة.

    إذاً: من طلب منك أن تدخل في نصرانية أو يهودية أو ملة من الملل فقل لهم: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى [البقرة:120] فقط، هدى الله هو: الإسلام وكتابه .. الإسلام ورسوله، فهذا هو الهدى يا من يريد الهدى والهداية إلى العز، والكرامة، والطهر، والصفا في الدنيا، وإلى جوار الله في الملكوت الأعلى؛ في مواكب النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين في الدار الآخرة، بل بعد الموت فقط، لا ننتظر يوم القيامة، والله إن هؤلاء وهم على أسرة الموت، وقد أيس الأطباء من دوائهم، وعلاجهم، وودعوهم، ثم الملائكة تحتفل بهم، وتتنزل عليهم أفواجها تبشرهم وتريهم كرامة الله لهم، ما نحتاج إلى هذه: يوم القيامة، واقرءوا لذلك قول الله جل جلاله وعظم سلطانه: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30] كلمتان فقط، لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم استقام على منهج رسول الله عقيدة، وقولاً، وعملاً، فاستقام وما انحرف يميناً، ولا شمالاً، ولا اعوج، فأحل ما أحل الله، وحرم ما حرم الله، ونهض بما أوجب الله، وتخلى وابتعد عما نهى وحرم الله، ومشى في طريقه إلى ساعة الموت.. فهذا العبد تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ [فصلت:30] تتنزل فوجاً بعد فوج احتفاء بهذه الروح الطاهرة، لترفع إلى الملكوت الأعلى .. إلى سدرة المنتهى أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30]. فمن كان منا ولياً لله ما إن يودعه مودعه، وييأس من علاجه الأطباء في تلك اللحظات فليستعد بهذه البشريات العظيمة: لا تخافوا، ولا تحزنوا، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدونها في كتاب الله، وعلى لسان رسول الله، وعلى لسان عباد الله من الدعاة المبلغين عن الله نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [فصلت:31] كانوا معهم في الدنيا فصرفوهم عن الباطل والخبث والشر، وحموهم حماية كاملة، فأولياء الله يحميهم الملائكة من أن يقعوا فيما يغضب الله ويسخط الله طول الحياة، وإلا كيف يعيش خمسين .. سبعين سنة لا يزني، ولا يسرق، ولا يكذب، ولا يقتل، ولا يظلم .. لولا حماية الله كيف يتم هذا؟ وإخوانه بالملايين يتخبطون في أودية الخبث، والضلال، والشر، والفساد، وليس ذلك قدرة منه بل حماية: نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [فصلت:31] ادع فقط، اطلب نُزُلًا [فصلت:32] النزل هو الضيافة والقِرى، ولهذا سموا الفندق نزلاً وضيافة، ففيه السكن، والطعام، والشراب والفراش و.. و.. نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:32].

    أيها المستمعون والمستمعات! من منكم يهيأ لهذا؟ قولوا: كلنا إن شاء الله، أو ما تموتون؟ لا بد.

    إذاً نسأل الله أن نكون منهم إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ [فصلت:30] ولو سخط العالم كله، وغضبت الدنيا بما فيها: ربنا الله، لا رب لنا سواه ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30] والاستقامة ليست هينة، ومثل الاستقامة كالذي يمشي على سطح البحر برجليه، فالمستقيم اليوم في بلاد وقرى وعالم خم بالخبث والشر والفساد، ثم استقام ومشى فذلك أصعب ممن يمشي على سطح الماء، ولهذا قالت العلماء: استقامة خير من ألف كرامة، وخاصة لما يخبث الجو كاملاً، ويتعفن، فكيف تسلم؟!

    لكن لولايتك لله يحميك الله بملائكته، ويعصمك، ويتلوث غيرك، وأنت لا تتلوث.

    معنى قوله تعالى: (ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ...)

    قال تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [البقرة:120] هذه حالكم أيها المسلمون تنطبق تمام المطابقة، فقوله: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ كل البلاد التي لا تطبق شرع الله والله قد اتبعت أهواء اليهود والنصارى أحببنا أم كرهنا، وكل البلاد التي تبيح ما حرم الله، وتأذن فيه، وتسكت عنه اتبعوا أهواءهم؛ لأن أعداء الإسلام يريدون هذا.

    إذاً قال تعالى بعد ذلك: مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [البقرة:120] والآن هذا حق أو باطل؟!

    بكينا، وصرخنا، واستغثنا: أنقذونا، ففلسطين -مثلاً- إلى الآن أكثر من خمسة وأربعين سنة وهي محتلة، فما وجدنا ولياً أو نصيراً، وها نحن نصرخ أيضاً على البوسنة والهرسك فما وجدنا من نصير، وغداً نستصرخ لأي مكان آخر فما نجد أبداً، حتى نعرف الله عز وجل.