إسلام ويب

أي الغادين أنتللشيخ : علي عبد الخالق القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن كل إنسان في هذه الدنيا لابد له من طريق يسلكه إما إلى خير وإما إلى شر، فعلى المسلم أن ينظر أي الغادين هو، فإن كان من الغادين إلى الخير والصلاح فليحمد الله، وأما إن كان غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، وعليه أن يتوب قبل أن يحال بينه وبينها.

    1.   

    النهاية الكبرى

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسأل الله الذي جمعنا وإياكم في هذا المسجد أن يجمعنا وإياكم في هذه الحياة على الإيمان، ثم يجمعنا بكم أخرى سرمدية أبدية في جناتٍ ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

    أيها الإخوة في الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، وأن نقدم لأنفسنا أعمالاً صالحة تُبيَّض وجوهنا يوم نلقى الله عز وجل: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آل عمران:106-107].

    الأمر جد وهو غير مزاح     فاعمل لنفسك صالحاً يا صاح

    كيف البقاء مع اختلاف طبائع     وكرور ليل دائم وصباح

    تجري بنا الدنيا على خطر كما     تجري عليه سفينة الملاح

    تجري بنا في لج بحر ما له     من ساحل أبداً ولا ضحضاح

    فاقضوا مآربكم عُجالى إنما          أعماركم سفراً من الأسفار

    وتراكضوا خيل الشباب وحاذروا     أن تُسترد فإنهن عوار

    شدة خوف الصحابة الكرام من الموت

    في الصحيح عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أَطَّت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك ساجد أو راكع، والله لو تعلمون ما أعلم؛ لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله} وفي رواية المنذري {ولحثوتم على رءوسكم التراب} يوم روى هذا الحديث أبو ذر رضي الله عنه بكى وأبكى، وقال [[وددت -والله- أني شجرة تعضد]] ويقول عبد الله بن عمرو بن العاص : [[والله لو تعلمون حق العلم ما تلذذتم بلذيذة، ولقام أحدكم بين يدي ربه حتى ينكسر صلبه، ولصاح حتى ينقطع صوته]] فلا إله إلا الله!

    الموت آت والنفوس نفائس     والمستغر بما لديه الأحمق

    الموت باب وكل الناس سيدخلون من هذا الباب وما من باب إلا وبعده دار .

    لا دار للمرء بعد الموت يسكنها     إلا التي كان قبل الموت يبنيها

    فإن بناها بخير طاب مسكنه     وإن بناها بشرٍ خاب بانيها

    الموت باب وكل الناس داخله     يا ليت شعري بعد الموت ما الدار

    الدار دار نعيم إن عملت بما     يُرضي الإله وإن فرطت فالنار

    الموت.. صرخات وزفرات

    فلا إله إلا الله كتب الموت على كل شيء واختص نفسه سبحانه بالبقاء كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ [الرحمن:26-27]. في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني! وإن كانت غير ذلك قالت -بصرخات تقض المضاجع-: يا ويلها أين تذهبون بها، لما ترى من العذاب، فيسمع صوتها كل شيء إلا الثقلين الإنس والجن} وتفزع البهائم فزعاً يلاحظه من يتابع سير البهائم بلا سبب، فلعل ذلك مما تسمعه ولا نسمعه نحن من صرخات المفرطين التي تقض المضاجع.

    أما والله لو حملنا جنازةً من الجنائز ثم سمعنا تلك الصرخات -يا ويلها أين تذهبون بها- لصعقنا، ولما تدافنا، ولما حملنا جنازة أبداً، ولقد خشي هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا كما في الصحيح يوم يقول: {والله لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع} وها هو صلى الله عليه وسلم كما في المسند من حديث البراء يرى أُناساً مجتمعين فيسأل عن سبب اجتماعهم؟ فقيل: على قبرٍ يحفرونه، على ذاك المصير الذي لابُدَّ لكل واحد منا أن يسكنه؛ كبر أم صغر، عزَّ أم ذل، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعاً مسرعاً حتى انتهى إلى القبر، فجثى على ركبتيه ثم بكى طويلاً، ثم رفع رأسه، فإذا دموعه تتحدر على لحيته قائلاً: {أي إخواني! لمثل هذا فأعدوا}.

    إلى كم ذا التراخي والتمادي     وحادي الموت بالأرواح حادي

    فلو كُنَّا جماداً لاتعظنا     ولكنا أشد من الجماد

    تُنادينا المنية كل وقت     وما نصغي إلى قول المنادي

    وأنفاس النفوس إلى انتقاصٍ     ولكن الذنوب إلى ازدياد

    إذا ما الزرع قارنه اصفرار     فليس دواؤه غير الحصاد

    كأنك بالمشيب وقد تبدَّى     وبالأخرى مُناديها يُنادي

    وقالوا قد قضى فاقرأ عليه     سلامكمُ إلى يوم التنادي

    1.   

    الحكمة من خلق الإنسان

    أحبتي في الله! لماذا خُلقنا؟ ومن أين؟ وإلى أين؟ وما الهدف؟ وما الغاية؟ وما الحكمة من هذا الخلق؟

    إن لكل شئ حكمة وضعها الله عز وجل؛ عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها، الشمس من حكمها أنها تضيء للبشر، والمطر ينبت الأرض، والحيوانات لتركب ولتؤكل وزينة، ويخلق ما لا تعلمون وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ [النحل:7].

    كل شئ في الوجود لحكمة من أصغر ذرة إلى أكبر مجرة.

    فما الحكمة من خلقك أيها الإنسان؟!

    ألتذبح الحيوانات لتأكلها؟

    ألتلبس أبهى اللباس؟

    ألتسكن أحسن الدور والقصور؟

    ألتنكح أجمل الزوجات لتتمتع بهن؟

    ألتنام على الوثير ولتتنعم؟

    ألتركب أفخم السيارات؟

    لا والذي رفع السماء بلا عمد! ما خُلِقْنَا إلا لعبادة الله الواحد الأحد القائل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [الذاريات:56-57] والقائل سبحانه: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:115-116].

    القرآن كتاب هداية ونور

    لقد جعل الله لنا طريقاً مستقيماً، فقال سبحانه: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153] ليس هذا فحسب؛ بل أرسل إلينا رسولاً هو خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم، صاحب اللواء يوم العرض، وأول من تنشق عنه الأرض، فجاء صلى الله عليه وسلم بأعظم معجزة عرفتها الأمم، ألا وهي القرآن، من استنار بنوره قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار.

    من التمس الهداية فيه هداه الله، ومن التمس الهدي في غيره أضله الله وأهانه: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [الحج:18].

    فما حالنا مع هذا القرآن؟! وما حال أبنائنا مع هذا القرآن؟ مع كلام الله جلّ وعلا، هل علَّمناه أبناءنا؟ هل دفعناهم إلى المساجد ليتعلموا كلام رب العزة والجلال؟

    إن كُنَّا كذلك فأبشروا بالعزة والنصر في الحياة ،والسعادة يوم تلقون الله عز وجل. وإن كُنَّا غير ذلك فإنَّ من جعله خلف ظهره ساقه إلى النار، نسأل الله العافية من النار.

    جاء صلى الله عليه وسلم بالقرآن ليقطع الطريق على كل مبتدع وكذاب وأفاك ومُدعٍ للنبوة من بعده صلى الله عليه وسلم، فلا نبي بعده؛ فخلَّد الله دعوته، وخلَّد الله رسالته، وجاء المدعون للنبوة في عهده ومن بعده فما جعل الله لدعوتهم أثراً؛ لأنها دعوة باطل، والباطل ساعة والحق إلى قيام الساعة.

    جاء المدعون للنبوة من بعده فاندحروا بالقرآن، جاء مسيلمة فبم لُقِّب؟ لقب بالكذاب إلى اليوم وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وجاء الأسود العنسي فباد هؤلاء وسادت رسالته صلى الله عليه وسلم بالحق، فما على وجه الأرض أحد يقول: أشهد أن مسيلمة رسول الله، لكن على وجه الأرض ألف مليون مسلم في الجملة كلهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل فوق ذلك أجرى أحد العلماء دراسة على خطوط الطول والعرض على الأرض، فأثبت أنه ما من دقيقةٍ تمر الآن إلا ومئذنة على وجه الأرض يسمع عليها "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله": فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد:17] فلا إله إلا الله!

    أيد الله رسوله بالقرآن، وبما يزيد على مئات المعجزات الظاهرات القاهرات.

    اقتربت الساعة ..فالعمل العمل

    ها هو الإمام أحمد في مسنده يروي: {أن راعياً خرج بغنمه إلى الفلاة في يومٍ من الأيام، وجاء ذئبٌ فعدى على شاةٍ، فانقضَّ عليه الراعي وأمسك بالشاة وأخذها من فم الذئب، فما كان من الذئب إلا أن تأخر وأقعى على ذنبه، وتكلم كلام الإنس وقال: أما تتقي الله تأخذ رزقاً ساقه الله إليّ، فقال الراعي: يا عجبي! ذئبٌ يتكلم، قال الذئب: وأعجب من ذلك محمد بشر يُخبرك بأنباء من سبق، فما كان من هذا الراعي إلا أن أخذ غنمه وانطلق بها إلى مسجد المصطفى صلى الله عليه وسلم، ليدخل إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم ويخبره الخبر، فيُنادي النبي صلى الله عليه وسلم: الصلاة جامعة -لاجتماع الناس- فيجتمع الناس، فيقول صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس} ولقد كلمت السباع الإنس على عهد محمد صلى الله عليه وسلم، الذي قال: {بعثت أنا والساعة كهاتين} وأشار بإصبعيه صلى الله عليه وسلم، فماذا يقول من كان بعده بأربعة عشر قرناً، نسأل الله أن يحسن الحال.

    ليس هذا فحسب، فقد روى البخاري ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: { أن أهل مكة سألوه آية على قدرة الله عز وجل ليؤمنوا كما ادعوا، فسأل ربه آية، فانفلق القمر فلقتين، فلقة على جبل وفلقة على جبل آخر، فقالوا سحر أعيننا محمد -واستكبروا وصدوا وندوا- وقال المنصف منهم: نذهب إلى أهل البوادي فنسألهم هل رأوا ما رأينا، فذهبوا إلى البادية وسألوهم، قالوا: إي والله! قد انفلق فلقتين في تلك الليلة، فقالوا مصدين ومعرضين: سحرٌ عمَّ البادية والحاضرة، فأنزل الله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر:1-2] }.

    وها هو صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم لا يمر على شجرة قبل أن يبعث إلا وقالت: السلام عليك يا رسول الله! ولا يمر على حجرٍ إلا قال: السلام عليك يا رسول الله! جماد آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبشرٌ صدوا وندوا عنه صلى الله عليه وسلم، ولذا يقول صلى الله عليه وسلم بعد أن أصبح بـالمدينة : {والله! إني لأعرف حجراً بـمكة كان يسلّم عليَّ قبل أن أُبعث}.

    ليس هذا فحسب؛ فقد روى مسلم عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه: {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً من الأيام في فلاة ليقضي حاجته، قال: فتبعته بماءٍ له، قال: وإذا به يأتي إلى واد على شاطئيه شجرتان، قال: فلم يجد ما يستتر به، فذهب إلى إحدى الشجر وأمسك بأغصانها، وقال: انقادي بإذن الله، قال: فوالله! لقد انقادت وراءه كما ينقاد البعير المخشوش -الذي في أنفه رباط يسحب به- ثم ذهب إلى الثانية فوضع يده عليها وقال: انقادي بإذن الله. فانقادت معه، حتى جاءت وأصبح بينها فقال: التئما عليَّ بإذن الله. فالتأما عليه حتى لا يرى صلى الله عليه وسلم وهو يقضي حاجته، قال: ثم ذهبت مولياً لئلا يبتعد المصطفى صلى الله عليه وسلم إذا رآني وإذ به ينتهي من قضاء حاجته، ثم يقول للشجرة الأولى: ارجعي فترجع بأمر الله إلى مكانها، وترجع الثانية إلى مكانها} آيات ومعجزات ظاهرات بينات، لكن -يا أيها الأحبة- صدق قوم بذلك وآمنوا، فأطاعوا الله ورسوله، فكان لهم ما قاله الله جلَّ وعلا: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً [النساء:69-70].

    وصنف آخر! كذَّب وصد واستكبر بعقل جامد، وقلب فارغ، ساه لاه لا يفقه، عين لا تبصر، وأذن لا تسمع، بهيمة في مسلاخ بشر، عصى الله وتعدى حدوده؛ فكان له ما قال الله جلَّ وعلا: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [النساء:14].

    ها أنت -أخي الحبيب- رأيت صنفين لا ثالث لهما، وسمعت بغاديين لا ثالث لهما، غاد غدا لإعتاق نفسه من النار فهو الفائز، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يغدو ويروح في طاعة الله جلَّ وعلا.

    وغادٍ آخر غدا ليوبق نفسه ويهلكها بالفسق والفجور فهو الخاسر، فأيَّ الغاديين أنت؟ فكلٌّ يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

    1.   

    موبقات ومعتقات

    حدد موقعك، واعرف مصيرك، فأنت أحد غاديين لا محالة.

    غادٍ مهلك نفسه بالشرك

    فغادٍ يغدو من بيته ليهلك نفسه بالإشراك بالله، إن تكلم فلا تسمع منه إلا نتن الألفاظ الشِرْكِيَّة، تفوح من فمه وتغدو وتروح.

    مِن هذه الألفاظ: استعانته بالجن يقول: خذوه .. وافعلوا به .. واركبوه!! مع أنه قد كان قبلها قليلاً يُردد في صلاته: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] فأين العبادة وأين الاستعانة بالله عز وجل؟!

    إن أصيب بمصيبة -ليرفع الله درجته- في حبيب له مرض أو في قريب له أو في نفسه هو؛ لم يذهب ولم يلجأ إلى الله ويطلب الأسباب الشرعية، بل يذهب إلى السحرة والدجالين والمشعوذين، فيبيع دينه ودنياه ناسياً قول الله جل وعلا: إنه مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72] وينسى قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: {من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمدٍ صلى الله عليه وسلم}.

    يغدو فيحلف بكل شئ إلا بالله الذي لا إله إلا هو، بالطلاق يحلف .. وبالحرام يحلف .. وبالذمة يحلف .. وبالحياة يحلف .. وبالنبي يحلف؛ لكنه لا يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، ناسياً قوله صلى الله عليه وسلم أو متناسياً: {من كان حالفاً فليلحف بالله أو ليصمت} .. {من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك} .. {ومن حُلِفَ له بالله فليرض ومن لم يرض فليس من الله}.

    وها هو -كما في الصحيح- رجل من بني إسرائيل احتاج إلى مائة دينار، فذهب إلي رجلٍ آخر، وقال له: أريد أن تقرضني مائة دينار؟ قال: هل لك من شهيد؟ قال: والله ما لي من شهيد إلا الله. قال: فكفى بالله شهيداً، قال: هل لك من كفيل؟ قال: ما لي من كفيل إلا الله. قال: كفى بالله كفيلاً، أعطاه المائة الدينار، ورضى بالله كفيلاً وشاهداً، وما كان من هذا الرجل إلا أن تواعد هو وإياه على أن يلتقيا بعد مدةٍ معلومة، فأخذ المائة الدينار وانتقل إلى بلده وعبر البحر، وكان بلده في الشاطئ الثاني وجمع المائة الدينار يريد أن يفي بوعده جزاء لمن أقرضه، وجاء إلى البحر ينتظر سفينة لعلها توصله، فلم يجد سفينة من السفن ولم يجد مركباً من المراكب، وهو يريد أن يوصلها في وقتها، فماذا فعل؟

    أخذ عوداً من الحطب ثم حفره ثم وضع المائة الدينار فيه ثم أغلقه، ثم رفع يديه إلى الله سبحانه وتعالى، وقال: اللهم يا رب! إني استقرضته فأقرضني، ورضي بك كفيلاً، ورضي بك شاهداً، ولم أجد ما أوصل له هذه الدراهم، اللهم فبلغه هذه الدراهم والدنانير ثم رمى بها في البحر، وتأتي رياح الله عز وجل تسوقها إلى الشاطئ الثاني، ذاك ينتظر آية من مجيء هذه الدراهم وآية من مجيء الرجل وظن أنه قد غدر به، فكان يقول: حسبي الله ونعم الوكيل! وإذ بهذه الخشبة على الأمواج تأتي إلى طرف البحر، قال: إذاً آخذ هذا العود من خشب لعلي أرجع به لنحتطبه ولنشعل به نار خيراً من أن أرجع بلا شيء.

    أخذه وذهب إلى بيته وجاء ليكسر العود وإذ بهذه المائة الدينار في وسطه، فقال: لا إله إلا الله! من رضي بالله كفاه الله، فهل رضينا بالله جلَّ وعلا.

    غادٍ معتق نفسه

    وذاك غادٍ آخر يغدو؛ لإعتاق نفسه؛ إن تكلم فبذكر الله، وإن استعان استعان بالله، وإن سأل فبالله، وإن أُصيب بمصيبةٍ لجأ إلى الله، ثم طلب الأسباب الشرعية لا الأسباب الشركية، إن حَلَفَ فبالله ، وإن حُلِفَ له بالله رضي، فهو غادٍ في حفظ الله وعائدٌ في عناية الله. فأي الغاديين أنت؟ فكلٌ يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

    وغاد آخر يغدو فيقدم مراد الله عز وجل على شهواته وعاداته، ويقدم مراد الله وأوامره على لذاته وعاداته وتقاليده، فالحكم حكم الله، والأمر أمر الله، والنهي نهي الله، والسعادة لا تكون إلا من الله، ووالله! لن يسعد إنسانٌ حتى يُقدٍّم أوامر الله على كل هوىً في نفسه، وعلى كل حكم، وعلى كل أمر وعلى كل نهي، وعند ذلك يكون له الأجر الجزيل والخير العظيم من الله.

    وفي الأثر: {أن الله عز وجل يقول: وعزتي وجلالي! ما من عبدٍ آثر هواي على هواه إلا أقللت همومه، وجمعت له ضيعته، ونزعت الفقر من قلبه، وجعلت الغنى بين عينيه، واتجرت له من وراء كل تاجر}.

    وآخر يٌقدِّم ويغدو؛ فيقدم شهوات نفسه ولذائذها وعاداتها وتقاليدها على مراد الله جلَّ وعلا، فتجده يعبد هواه، فما فما وافق عادته وشهوته وهواه فهو الحق في رأيه فيعمل به، وما خالفها فهو الباطل فيعرض عنه؛ حتى لو كان كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية:23] يريد الدين موافقاً لشهواته، ورغباته، ويريد أن يخضع له كل شيء، فيقبل أي حكم ويرفض أي حكم ما دام أنه لا يتفق مع شهوته: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] .. فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47] .. فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45] وفي الأثر: { أن الله عز وجل يقول: وعزتي وجلالي ما من عبد آثر هواه على هواي إلا كَثَّرت همومه، وفرقت عليه ضيعته، ونزعت الغنى من قلبه، وجعلت الفقر بين عينيه، ثم لا أبالي في أي أودية النار هلك}.

    فأي الغاديين أنت؟

    فكلٌ يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

    من إيباق النفس ترك الصلاة

    وغادٍ آخر يغدو فيترك الصلاة ويتبع الشهوات؛ فيوبق نفسه كأنه لم يسمع قولَ ربِّ العزة والجلال: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً [مريم:59]، كأنه لم يسمع قول الله: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5] كأنه لم يسمع الذين لم يصلوا يوم أصبحوا في النار، يوم يقول الله لهم: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر:42-43].

    الصلاة ركن هام، وفرض فرضه الله لأهميته من فوق سبع سماوات، أُسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، ثم عُرج به إلى السماوات العُلا؛ لتفرض عليه من فوق سبع سماوات، أمانة عظيمة ويل لمن ضيعها، فمن تركها فقد كفر بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم يقول: {العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، من تركها فقد كفر} ويترتب على ذلك: ألاَّ يزوج؛ لأنه كافر، وإن كان متزوجاً بطل نكاحه، ولا يغسل إذا مات، ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرث ولا يورث ولا يجوز الاستغفار له بعد موته، فلا يجوز أن نقول: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له؛ لأن الله يقول: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى [التوبة:113] وأسأل الله ألا يكون فينا من يترك الصلاة، يترك الصلة بينه وبين ربه، لكن قد نجد فينا الكسول الذي لا يصليها مع المسلمين وإنما يصليها في بيته، نقول لهذا: قد فَوَّتَّ على نفسك أجراً عظيماً، وارتكبت إثماً مبيناً، إن رب العزة والجلال يقول: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43] وهو القائل: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ [النور:36-37].

    تقول عائشة رضى الله عنها وهى تصف هيئة النبي صلى الله عليه وسلم في بيته: [[ كان يكون في خدمة أهله؛ يخصف نعله، ويعجن العجين أحياناً صلى الله عليه وسلم، فإذا سمع: الله أكبر؛ فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه ]] سمع نداء الله فلبى نداء الله صلى الله عليه وسلم.

    هو القائل صلى الله عليه وسلم في رؤياه -ورؤيا الأنبياء حق ووحي- كما روى البخاري عن سمرة بن جندب يقول: {أتاني الليلة آتيان، فانطلقا بي حتى جئنا على رجل مضطجع ممدود، وآخر قائمٌ عليه بصخرةٍ يثلغ رأسه ويتدهده الحجر، قال: ثم يصح رأسه فيعود كما كان، ثم يفعل به مثل ما فعل في المرة الأولى، قال صلى الله عليه وسلم: فقلت: ما هذا؟ قالوا: هذا لرجل يقرأ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة} لا إله إلا الله! أيُّ جسدٍ يطيق مثل هذا العذاب؟

    وَرُوِيَ كما أخرج الحاكم عن ابن عباس : {ثلاثة لعنهم الله: رجل أم قوماً هم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، ورجلٌ سمع حي على الصلاة حي على الفلاح ثم لم يجبه} يقول أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه :[[لأن تمتلئ أذن ابن آدم رصاصاً مذاباً خير له من أن يسمع حي على الصلاة حي على الفلاح ثم لم يجب]] ويقول صلى الله عليه وسلم: {أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً. ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب لأحرق عليهم بيوتهم بالنار} وفي رواية: {ولولا ما فيها من النساء والذرية لفعلت ذلك} أو كما قال صلى الله عليه وسلم، هذا غادٍ.

    معتق نفسه بالصلوات

    أما آخر فيغدو إلى المسجد ليُصلي مع جماعة المسلمين فيعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح، ما خطا خطوة إلا كُتِبَ له بها حسنة، ولا رفع أخرى إلا وَرُفِعَ عنه سيئة، ما جلس من مجلس إلا وملك موكل به يقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، حتى تقام الصلاة، فما بالك إذا كان يقرأ القرآن.

    ها هو ثابت بن عامر بن عبد الله بن الزبير يقول أبناؤه: كان كثيراً ما يقول: اللهم إني أسألك الميتة الحسنة. قالوا: وما الميتة الحسنة يا أبتاه؟! قال: أن يتوفاني الله وأنا ساجد، وتحل به سكرات الموت قبل صلاة المغرب، ويسمع نداء: الله أكبر، الله أكبر، حي على الصلاة، حي على الفلاح ... فماذا كان منه؟ قال: أقعدوني واحملوني إلى المسجد، قالوا: قد عذرك الله، مريض في سكرات الموت. قال: أسمع حي على الصلاة حي على الفلاح ثم لا أجيب، فحملوه على أكتافهم وأوصلوه إلى المسجد، فصلى معهم صلاة المغرب حتى الركعة الأخيرة، فسجد فكانت السجدة الأخيرة: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم:27].

    وها هو حاتم الأصم عليه رحمة الله فاتته صلاة العصر يوماً من الأيام جماعةً مع المسلمين، فذهب أهل المسجد يعزونه في جماعةٍ فاتته.

    كانوا يُعزِّي بعضهم بعضاً إذا فاتته جماعة، دخلوا عليه في بيته وهم قلة، فعزوه فبكى، قالوا: ما يُبكيك؟ قال: أبكي لأنها فاتتني جماعة فعزاني بعض أهل المدينة، ووالله! لو مات أحد أبنائي لعزاني أهل المدينة كلهم، ووالله! لموت أبنائي جميعاً أهون علي من فوات هذه الجماعة.

    هكذا كان سلفنا الكرام.

    وهذا سعيد بن المسيب وهو في سكرات الموت وكان بنياته الصغار حواليه يبكين، فيقول لهن: "أَحْسِنَّ الظن بالله، فوالله! ما فاتتني تكبيرة الإحرام في المسجد ستين سنة".

    هكذا كانوا -أيها الأحبة- فأي الغاديين أنت؟ وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

    الاستهزاء بالدين

    وذاك غادٍ يغدو لإهلاك نفسه، فيُسلط لسانه وسنانه، ويسلط قلمه في النيل من المسلمين؛ بالسخرية بهم، والاستهزاء بدين الله، وبعباد الله، وبشعائر الله؛ ليرتكب أعظم جريمة ألا وهي الدعوة إلى الظلام، فيكون عليه وزره ووزر من أضله إلى يوم القيامة، وفوق ذلك يبوء بالكفر الذي يقوده إلى النار.

    في غزوة تبوك ، يوم اتجه المسلمون مع قائدهم صلى الله عليه وسلم إلى تبوك من المدينة حوالي ألف كيلو متر في صحارٍ في وقتٍ حار، وبلغ بهم الجهد مبلغه، حتى إن أحدهم في ليلة من الليالي قام يبول فسمع صوت جلد تحت بوله، فما كان إلا أن نفضه من البول ثم أشعل النار ووضعه فيها وأكله من شدة ما يلاقي من الجوع، وتأتي ثلة منهم ليسخروا برسول الله وبأصحابه فيقولون: ما رأينا كقرائنا هؤلاء! أرغب بطوناً، ولا أجبن عند اللقاء، يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويأتي الكلام من الله عز وجل إلى رسوله، ويسري الخبر بينهم، فيلحقون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [التوبة:65]، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم بكلام الله: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66].

    يغدو أحدهم فيكتب كلاماً يسب فيه الإله سبحانه وتعالى، يقول:

    لم يبق من كتب السماء كتاب     مات الإله وعاشت الأنصاب

    جلَّ الله سبحانه وتعالى، ثم يستهزئ ويسخر ويظن أنه لن يقف بين يدي الله جلَّ وعلا، لكن:

    إذا عيَّر الطائي بالبخل مادر     وعير قساً بالفهاهة باقل

    وقال السها للشمس أنت كليلة      وقال الدجى للصبح وجهك حائل

    فيا موت زر إن الحياة ذميمة     ويا نفس جدي إن دهرك هازل

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    آخر يغدو ليُعتق نفسه، فيدعو الناس إلى توحيد الله، وإلى ما فيه الخير بقلمه وبلسانه، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ لأنه من أمة الأمر والنهي، وأنتم يا أهل هذه القرية البعيدة عن صخب المدينة، وعما يحدث في المدنية من الفساد! إنكم لتغبطون على قريتكم هذه بين هذه الجبال، وإنكم لتغبطون على مثل هذا الاجتماع، فالله الله! لا تسكتوا على منكر، الله الله! سلطوا ألسنتكم في الأمر بالمعروف، كونوا جبهة ضد كل مفسد، فوالله! لا يمكن أن تسعد هذه البلدة ولا تسعد أي بلدة من بلاد الدنيا إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، فلنأمر بالمعروف في بيوتنا وفي شوارعنا، ولننه عن المنكر أياً كان المنكر؛ لأن الله عز وجل رتب النجاة للذين ينهون عن السوء: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ [الأعراف:165].

    يوم تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؛ فيستجيب لك واحد يكون لك مثل أجره لا ينقص من أجره شئ، ثم إن الله يهدي بك الضال فيكون لك من الأجور الشيء الكثير: {لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم}.

    أتريد رحمة الله يا عبد الله؟ اسمع ما قال الله: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ [التوبة:71] أسأل الله أن يرحمنا وإياكم برحمته، فأي الغاديين أنت؟ وكلٌّ يغدو؛ فبائعٌ نفسه فمعتقها أو موبقها.

    1.   

    موبقات ومعتقات من المصائب والحاجات

    الصبر عند المصائب

    وذاك غادٍ في دنياه، ويصاب بمصيبة فيوبق نفسه ويهلكها، فيتسخط من قضاء الله وقدره، ويعترض على قدر الله، ما علم أن المصائب ترفع الدرجات لمن احتسبها عند الله سبحانه وتعالى، وما علم أن الله مع الصابرين، يصاب في دنياه فيكسر دينه:

    وكل كسر لعل الله جابره     وما لكسر قناة الدين جبران

    يقول عند الصدمة الأولى يوم يصاب في حبيب أو قريب أو في نفسه: لم يا رب؟ يعترض على قضاء الله وقدره يشق الجيب، ويلطم الخد، ويدعو بالويل، وبالثبور وبعظائم الأمور على نفسه، والملائكة في تلك اللحظة تقول: آمين آمين، فالمصيبة مصيبتان لا هو احتسب هذه، وإنما أصبحت مصيبته بفقد حبيبه، ومصيبته الأخرى: بضياع الأجر في تلك اللحظة، والمحروم من حُرِمَ الثواب.

    وأنا أسأل سؤالاً يا أيها الأحبة: هل سيعود ميت إن مات؟

    والله! ما سمعنا أن ميتاً مات فعاد، لكنه ذهب ونحن على الأثر، إن للموت أخذة تسبق اللمح بالبصر.

    هاهو أحد السلف -شابٌ من شباب السلف- كانت له زوجة صالحة، وكان له أولاد، ثم حلَّت به سكرات الموت التي لابد أن يعاني كل واحد منا هذه السكرات، ونسأل الله أن يهونها علينا وعلى كل مسلم، في تلك اللحظات التي يذعن فيها الإنسان ويخضع، ويذل لله عز وجل أياً كان، هذا الرجل مات فوجدت عليه زوجته وجداً عظيماً، ووجد عليه أولاده وحزنوا حزناً عظيماً؛ فأقسمت زوجته لتبكين عليه عاماً كاملاً.

    وهذا ليس من عمل الإسلام، هذا جزعٌ وتسخط واعتراض على قضاء الله وقدره، فأخذت أولادها، وأخذت خيمةً لها، وذهبت ونصبتها عند قبره، وبقيت عاماً كاملاً تبكي، وأولاده الصغار حول قبره، فما خرج إليهم فكلَّمهم بكلمة، ما خرج إلى زوجته وقال: أحسنت، أو قال: اذهبي ووالله! لو خرج لقال: لا إله إلا الله، أو الحمد لله، أو سبحان الله؛ لأنه لا ينفعه في القبر إلا مثل هذه الكلمات، والله! لو كلَّم أبناءه بكلمة واحدة لسكن الناس كلهم المقابر ليُكلموا أحبابهم وأخواتهم وأصحابهم وأولادهم، فما منا واحد إلا وله في القبر عزيز أي عزيز؛ لكن قد حيل بينهم وبين ما يشتهون.

    بقيت سنة كاملة وفي آخر السنة طوت خيمتها، وأخذت أولادها، وجاءت راجعة مع الغروب إلى بيتها، لم تجد جدوى من جلوسها سنة كاملة. وإذ بهاتف يهتف بها ويقول: هل وجدوا ما فقدوا؟ وإذ بهاتف آخر يرد ويقول: ما وجدوا ما فقدوا؛ بل يئسوا فانقلبوا.

    ووالله! لن يرجع ميت -يا أيها الأحبة- فما على الإنسان إلا أن يحتسب في تلك اللحظات.

    إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفقد ابنه إبراهيم الصغير فلذة كبده، فماذا كان منه صلى الله عليه وسلم؟ دمعت عينه، وتأثر قلبه؛ لكنه صلى الله عليه وسلم ما قال إلا ما يرضي ربه، وهو الأسوة والقدوة، قال: {العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون}.

    ها هي إحدى بناته صلى الله عليه وسلم كانت في يوم من الأيام لها ولد في النزع الأخير من سكرات الموت، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً، وقالت: أخبره أن ابني في النزع لِيَحْضُرَه، فأخبره فقال: {مرها فلتصبر ولتحستب، فإن لله ما أخذ وله ما أبقى وكل شئ عنده بأجل مسمى}.

    عبر وعظات على الصبر

    يعقوب عليه السلام يفقد حبيبه وابنه وفلذة كبده يوسف عليه السلام مدة أربعين عاماً، فيصبر ولا يشكو إلى أحدٍ وإنما يشكو إلى الله: قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [يوسف:86].

    أما الآخر؛ فيغدو ليعتق نفسه، يصاب بالمصيبة فيحتسبها عند الله -كما سمعتم من هذا الذي ذكرت الآن- فيعوضه الله ويبشره: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157].

    في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {يقول الله عز وجل: ما لعبدي المؤمن عندي من جزاء إذا قبضت صفيه وخليله من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة} ويا له من جزاء! ما لا عين رأيت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

    وعند الترمذي : {أن الله عز وجل يقول للملائكة: قبضتم روح ابن عبدي المؤمن؟ -وهو أعلم سبحانه وتعالى- قبضتم ثمرة فؤاده؟ قالوا: نعم. قال: فماذا قال؟ قالوا: حمدك واسترجع -قال الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون- قال الله: ابنوا له بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد}.. وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:155-156].

    ذكر الذهبي وابن كثير عليهما رحمة الله أن عروة بن الزبير أحد علماء المدينة ، الذي كان يقطع يومه صائماً غالباً، ويقطع ليله قائماً، ويختم القرآن في كل أربع ليال مرة، أخذ ابنه وسافر في يومٍ من الأيام، وأصابته الآكلة في رجل قدمه. -وهو ما يسمى الآن بالسرطان- فجاءوا به إلى الأطباء فقالوا: نقطعها من القدم. قال: لكني أنتظر وأصبر وأحتسب، فصعدت الآكلة إلى الساق، فقالوا نقطعها من الركبة. قال: لكني أنتظر وأصبر وأحتسب. فدخلت إلى الفخذ فقالوا: يخشى عليك. قال: الله المستعان! سلمت أمري لله، فافعلوا ما شئتم.

    فجاء الأطباء، وتجمعوا بمناشيرهم وجاءوا ليس لديهم مخدراً كما لدينا الآن، ما عندهم إلا كأس الخمر، فجاءوا له بكأس خمر، وقالوا له: اشرب هذا عله أن يذهب عقلك فلا تحس بألم القطع. فصاح وقال: عقل منحنيه ربي أذهبه بكأس من الخمر؟! لا والله! لكن إذا أنا توضأت، ووقفت بين يدي الله وقمت لأصلي، وسَبَحَتُ مع آيات الله البينات، فافعلوا برجلي ما شئتم.

    فتوضأ ووقف بين يدي الله، وجمعوا مناشيرهم، وسَبَحَ مع آيات الله البينات، وقاموا يقطعون في رجله بالمناشير، وإذا بالدماء تنزف، وإذ به يخر مغشياً عليه، وفي تلك اللحظة كان ابنه محمد وراء ناقة من النوق يطاردها فرفسته فأماتته.

    مصيبتان في آن واحد أفاق من غيبوبته، فقالوا له: أحسن الله عزاءك في ابنك محمد ، وأحسن الله عزاءك في رجلك. فقال: الحمد لله رب العالمين، أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم يا رب! إن كنت أخذت فقد أعطيت، أعطيتني أربعة من الولد وأخذت واحداً فلك الحمد أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، وأعطيتني أربعة من الأطراف فأخذت واحداً فلك الحمد أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً.

    صبر وأي صبر: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة:155].

    سمع به الوليد فطلب أن يأتي إليه، فذهب إليه في قصره، ودخل على الوليد وجلس عند الوليد وبه من الهم ما به؛ لكنه فوض أمره إلى الله جل وعلا ، فجاء طفل صغير من أطفال الوليد وقال: ما أصاب عروة ما أصابه، إلا بذنب أصابه، فقال: لا والله!

    والله ما مديت كفي لريبة     ولا حملتني نحو فاحشة رجلي

    ولا دلني سمعي ولا بصري لها     ولا قادني فكري إليها ولا عقلي

    وأعلم أني لم تصبني مصيبة     من الله إلا قد أصابت فتىً قبلي

    لعله يتسلى به، فخرجوا يبحثون، فإذا هم برجلٍ أعمى يتلمس الطريق بجانب قصر الخليفة، فأدخلوه ويوم أدخلوه على الخليفة قال: ما خبرك؟ قال أنا رجل من بني عبس، والله! ما كان في بني عبس رجل أغنى مني، كانت عندي أموال كثيرة، وكان عندي أولاد كثر، كان عندي من الإبل والبقر والغنم والدراهم والذهب والفضة ما يعلمه الله جلَّ وعلا.

    ثم عزب لي قطيع من الإبل، فخرجت أبحث عن هذا القطيع أتلمس، قال: ثم عُدتُ بعد ثلاث أيام وقد رجعت بالقطيع، فإذا سيل قد جاء على الوادي بعدي فلم يبق لي ولداً ولا أماً ولا أختاً ولا بنتاً ولا ابناً ولا مالاً.

    فإذا الديار خرابٌ بلقع      ليس بها داعٍ ولا مجيب

    قال: فوقفت وإذا أنا بطفلٍ صغيرُ معلَّق بشجرة -طفلٍ صغير من أطفاله لم يبق سواه- قال: فتقدمت إليه وأخذته وضممته على صدري وأنتحب، قال: وإذا بأحد الجمال يند ويهرب، قال: قلت: ضيعت كل شيء من أجلك لأرجعن بك، فترك ابنه الصغير قال وبينما أنا أطارد الجمل، وإذا بصوت الطفل الصغير يصرخ، فإذا ذئب قد أخذه وسحبه من أمامي.

    مصيبة أي مصيبة!! قال: فبقيت وراء الإبل لم يبق لي إلا الإبل، أريد أن أستعيد هذا الجمل، قال: فذهبت وراءه أطارده، وإذ به يرفسني فيعمي عيني، فإذا أنا في الصحراء لا أهل ولا مال ولا صديق ولا صاحب ولا أنيس إلا الله الذي لا إله إلا هو، وجئتك ووالله ما جئتك يا وليد شاكياً! ولكن جئتك ليعلم الناس أن لله عباداً يرضون ويسلمون بقضاء الله وقدره إذا قدر: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:155-156].

    ها هو أبو ذؤيب الهذلي يموت له ثمانية أبناء في يوم واحد بالطاعون؛ فيحمد الله، ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ويصبر ثم يقول بعض أبيات من الشعر هي عظة وعبرة يقول:

    ولقد حرصت بأن أُدافع عنهم     وإذا المنية أقبلت لا تُدْفَعُ

    وإذا المنية أنشبت أظفارها     ألفيت كل تميمة لا تنفع

    وتجلدي للشامتين أُريهم     أني لريب الدهر لا أتضعضع

    فأي الغاديين أنت؟ فكلٌّ يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

    الظلم وخيم العاقبة

    وذاك غاد يغدو ليهلك نفسه بظلم عباد الله جلَّ وعلا، يظلمهم بلسانه، ويظلمهم بيده، ويظلمهم بأي نوعٍ من أنواع الظلم، ناسياً قول الله عزَّ وجل: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ [إبراهيم:42] متناسياً أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، يرفعها الله فوق الغمام، ويقول سبحانه: {وعزتي وجلالي! لأنصرنك ولو بعد حين}.

    هاهو سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة، تأتي امرأة فتذهب إلى أحد خلفاء بني أمية وتقول: إن سعيد بن زيد غصبني أرضي وأخذها، وما كان لـسعيد أن يأخذها، فيأتي به الخليفة، ويقول: أغصبتها أرضها يا سعيد ؟! فتدمع عيناه، ويقول: والله ما غصبتها أرضها، ووالله لن أغصبها أرضها؛ لأني سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: {من ظلم قيد شبرٍ من الأرض طُوِّقَهُ يوم القيامة من سبع أراضين} يصبحُ طوق له من سبع أراضين يحمله يوم القيامة.

    ثم قال: فلتأخذ أرضي إلى أرضها، وبئري إلى بئرها، ونخلي إلى نخلها؛ فإن كانت صادقة فذاك، وإن كانت كاذبة فأعمى الله بصرها وأرداها في أرضها.

    وتصعد الدعوة إلى الله جلَّ وعلا -الذي ينصر المظلوم من الظالم، وتخرج هذه المرأة، وبعد فترة تُصاب بالعمى، ثم تذهب لتتخبط في أرضها التي أخذتها بالزور والجور، ثم تسقط في البئر مُتردية ميتة، نسأل الله أن يُحِسن لنا ولكم الختام.

    وهاهم البرامكة وزراء الرشيد الذين كان منهم ما كان، كانوا في نعمةٍ من الله؛ لكنهم ما صانوا نعمة الله، تكبروا وتجبروا وظلموا عباد الله عز وجل، وظنوا أنهم في بُعدٍ عن قبضة الله عز وجل، ويسلط الله عليهم الخليفة فيقتل منهم من يقتل، ويدخل السجن منهم من يدخل، ويضرب أحدهم ألف سوط ثم يُدخله السجن وهو من كبارهم.

    فيأتي أحد أبنائه يزوره، فيقول: أبتاه! بعد العز أصبحت في القيد؟ كانت قصورهم مطلية بالذهب والفضة، أين الذهب والفضة يا أبتاه؟ قال: ألا تدري يا بني؟ قال: لا. قال: دعوة مظلوم سرت في جوف الليل نمنا عنها وليس الله عنها بنائم: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم:42].

    ظلم الحيوان

    ألا وإن من أعظم الظلم ظلم الحيوانات، بعض الناس جبان، شجاعته سلَّطها على العجماوات، على الحيوانات والدواب التي سخَّرها الله عز وجل له. شجاع على القطط وجريء على الكلاب!!

    ها هو رجل أعرفه في منطقة الجنوب، وفي يوم من الأيام تردد حمار على مزرعة له، فيدخل كل يوم في هذه المزرعة ويأكل منها ما يأكل، فطرده في اليوم الأول، ثم طرده في اليوم الثاني، ثم طرده في اليوم الثالث، ولما آذاه كثيراً أخذه في ليلة من الليالي ثم ربطه في سيارته حياً ثم سحبه على الإسفلت إلى منطقة بعيدة حتى تمزق قطعة قطعة.

    ظلم وأي ظلم! ويرجع إلى بيته ويأتي وفي البيت بعوض، فقام بمبيد حشري عنده يرشه في الغرفة حتى امتلأت بهذا الغاز، ثم جاء ليضيء المصباح فما كان من المصباح إلا أن أصدر شرارة فإذ بالغرفة تصبح عليه ناراً فيحترق بالنار، ثم يبقي يومين أو ثلاثة ليلقى الله، نسأل الله أن يحسن لنا وله الختام.

    فالبهائم تشكو إلى الله عز وجل.

    يدخل النبي صلى الله عليه وسلم حائط رجل من الأنصار، فيجد بعيراً هناك يجرجر ويأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودموعه تذرف، يعرف أنه صلى الله عليه وسلم ما أرسل إلا رحمة للعالمين، فيقول صلى الله عليه وسلم: {أين صاحب هذا البعير؟ فيخرج فتى من الأنصار، ويقول: أنا يا رسول الله! فيقول: أما تتقى الله في هذه البهيمة تجيعها وتتعبها، إنها شكت إليَّ ما تجده منك} وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] صلى الله عليه وسلم، وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم:42].

    دعوة المظلوم مستجابة

    هاهو رجل كان يُكاري على بغلٍ له بين دمشق والزبدان كما يروي ابن كثير ، وجاء يوماً من الأيام قاطع طريق فركب معه وذهبا في الطريق، وبينما هو في الطريق قال: اسلك هذه الطريق فهي أيسر وأقرب، قال: أنا منذ فترة وأنا أسلك هذا الطريق وأعرفها. قال: هذا أقرب وأيسر. فصدقه وذهب معه، فجاء إلى وادٍ سحيق وإذ بهذا الوادي فيه جثث القتلى كثير، وإذا به يأتي بالناس إلى هناك فيذبحهم ثم يسرق ما معهم، ظلم وأي ظلم!

    جاء بهذا الرجل وأراد أن يقتله فهرب الرجل، فلحق به وأمسك به، قال: يا أخي! خذ كل ما أملك، خذ بغلتي، وخذ ثيابي، وخذ دراهمي، وخذ كل ما تريد ودعني أرجع. قال: لابد من قتلك، قال: إن كان لابد فدعني أصلي ركعتين أودع بهما الدنيا. يلجأ إلى الله -جل وعلا- قال: فقمت أصلي، وهو قائم عليَّ بالحربة يريد أن يقتلني، قال: فضيعت القرآن وأنا أرى الحربة فوق رأسي، فوالله! ما استحضرت آية من القرآن إلا أنني تذكرت قول الله: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62] قال: فكررتها وإذ بفارس من فم الوادي يخرج على فرس ومعه حربة فينطلق حتى يضربه بالحربة فيرديه قتيلاً، قال: فتعلقت بثيابه، وقلت له: أسألك بالله من أنت؟ قال: أنا من جنود الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.

    دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.

    دخل طاوس -عليه رحمة الله- على هشام بن عبد الملك ينصحه ويعظه ويحذره الظلم، ويقول له: اتق الله يا هشام ! ولا تنس يوم الأذان. قال: وما يوم الأذان يا طاوس؟! قال: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [الأعراف:44] فأغمي عليه.

    إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كما في الحديث القدسي: {يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا}.

    وآخر يغدو ليعتق نفسه فلا يظلم أحداً، إن تكلم فبالعدل، وإن حكم فبالعدل، وإن خاصم فبالعدل، وإن عاهد فبالعدل، والمقسطون العادلون يوم القيامة على منابر من نور على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فأي الغاديين أنت؟ فكلٌّ يغدو فبائعٌ نفسه فمعتقها أو موبقها.

    1.   

    معتقات وموبقات اجتماعية

    صلة الأرحام

    عقوق الوالدين

    يغدو بعض الناس ليعق اللذين هما السبب في وجوده بعد الله جلَّ وعلا، والله عز وجل يقول: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [الإسراء:23].

    واليوم نسمع -يا أيها الأحبة- ويا ليت الإنسان أحياناً لا يسمع، غيِّر اسم الأب، وأهينت الأم في كثيرٍ من البيوت يوم ضاعت تقوى الله جلَّ وعلا، فما تسمع في بعض البيوت إلا تسمية نتنة نتن الجيف، يقول لأبيه: شيبة النحس .. ويقول لأمه: عجوز الشؤم .. أراحنا الله منهما، إن هذه الكلمات لتنطلق من أولاد على والديهم.

    فلا إله إلا الله! إن رضا الله في رضا الوالدين، وإن سخط الله في سخط الوالدين.

    إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {ألا أُنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله، ثم عقوق الوالدين} من أكبر الكبائر عقوق الوالدين، دعوة الوالدين غنيمة من الله عز وجل، دعوة الوالدين مستجابة لا تُرَدَّ، فكم من دعوة والد أوبقت دنيا الولد وأخراه! وكم من دعوة والد أسعدت دنيا الولد وأخراه!

    يقول أبان بن عياش خرجت من عند أنس بن مالك بـالبصرة ومررت على السوق؛ فإذا أنا بجنازةٍ يحملها أربعة نفر ووراءهم امرأة، فقلت: ميت يموت من المسلمين لا يتبع جنازته إلا أربعة نفر! والله! لأشهدن هذه الجنازة، قال: فتقدمت ثم ذهبت وراءهم وحضرت الجنازة، فلما دفنوا هذه الجنازة قلت لهم: ما حالتكم مع هذه الجنازة لم يحضرها إلا أربعة؟ أين المسلمون؟ قالوا: استأجرتنا تلك المرأة لدفن هذا الرجل، فسلها ما لديها.

    قال: فذهبت وتلمست الطريق وراءها حتى وصلت لبيتها، ثم تركتها وعدت لها بعد فترة ودخلت عليها، وقلت لها: أحسن الله عزاءك، لله ما أخذ وله ما أبقى، وكل شيء عنده بأجلٍ مُسَمَّى، ما خبرك وما خبر الجنازة التي دفنتموها في ذلك اليوم؟ قالت: إن هذا ابني، كان مُسِرفاً على نفسه، مرتكباً للموبقات والمعاصي والسيئات، كثير العقوق لي، ويوم حلّت به سكرات الموت، قال: يا أماه! أتريدين لي السعادة؟ قالت: إي والله! والأم والأب ينسى كل زلة من ولده في تلك اللحظات، قال: فإذا أصبحت في السكرات الأخيرة فلقنيني شهادة أن لا إله إلا الله، ثم ضعي قدمك على خدي وقولي هذا جزاء من عصى الله، ثم ارفعي يديك إلى الله وقولي: اللهم إني أمسيت راضية عن ابني فارض عنه، ولا تخبرين أحداً بموتى فإنهم يعلمون عصياني ولن يشهدوا جنازتي.

    قال: ففعلتي؟ قالت: إي والله! لقد فعلت ما قال، قال: فما الخبر؟ فتبسمت وقالت: والله! رأيته البارحة في المنام وهو يقول: يا أماه! قدمت على رب رحيم كريم غير غضبان عليَّ ولا ساخط بدعوتك.

    رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين.

    صور من عقوق الوالدين

    هاهو شاب اسمه منازل رمز للعقوق عند العرب، ينهمك في المعاصي فيتقدم إليه أبوه فينصحه، ويقول له: اتق الله فيتقدم إلى أبيه فيلطمه، ويالله! ابن يضرب أباه، فحلف بالله ليحجن إلى البيت الحرام، وليدعون عليه وهو متعلق بأستار الكعبة، فذهب ووصل إلى الكعبة وتعلق بأستار الكعبة فكان يقول:

    يا من إليه أتى الحجاج قد قطعوا     أرض المهامةً من قربٍ ومن بعد

    هذا منازل لا يرتد عن عققي     فخذ بحقي يا رحمن من ولدي

    وشل منه بحول منك جانبه     يا من تقدس لم يولد ولم يلد

    وتصعد الدعوة إلى الله جلَّ وعلا، فييبس شق ولده الأيمن فيصبح يابساً بهذه الدعوة من هذا الأب.

    وهاهو آخر: يحكى لي بائع مجوهرات ويذكر أنه في رمضان في سنة من السنوات: تقدم إليّ رجل وأمه وزوجته وابنه الصغير، قال: دخلوا عليّ في المحل، قال: فوقفت الأم متحجبة على استحياء وابن ابنها معها تمسك به، قال: وتقدمت الزوجة وزوجها فأخذوا من الذهب بمقدار عشرين ألف ريال، قال: ثم تقدمت الأم من هناك فأخذت خاتماً بمائة ريال، وجاء يُحاسب صاحب المجوهرات وهو يعرف أنه أخذ بعشرين ألفاً، قال: كم حسابك؟ قال: عشرين ألفاً ومائة ريال؛ قال: وما هذه المائة؟ قال: أمك أخذت خاتماً بمائة. فغضب وأرغى وأزبد وتقدم إليها وأخذ الخاتم من يدها، وقال: العجائز ليس لهن ذهب وليس لهن زينة، فما كان من هذه الأم إلا أن ذرفت دموعها وتغصصت بجرعها، وما كان منها إلا أن خرجت بابنه تحمله بين يديها إلى السيارة، وركبت السيارة بها من الهم ما لا يعلمه إلا الله.

    يقول صاحب المجوهرات وأنا أعرفه: والله! لقد بكيت أنا مما رأيت من الموقف، قال: فقالت زوجته: إن أمك هي التي تمسك بابننا وهى التي تخدمنا فما لك لا تعطيها هذا الخاتم، لن تمسك بابني بعد ذلك ولن تخدمني، فذهب إليها بالخاتم، وقال لها: خذي يا أماه! قالت: والله ما لبست ذهباً ما حييت، والله ما عرفت الذهب ما حييت أبداً، كنت أريدها لأفرح به معكم، فرأيت أن الأم لا داعي لها أن تلبس الزينة.

    أرأيتم عقوقاً مثل هذا العقوق -أيها الأحبة-.

    إن هذا في غياب تقوى الله -عز وجل- وفى غياب التربية الإسلامية في البيوت.

    دعوة الوالدين مستجابة

    وهاهي قصة أخرى لتعلموا أن دعوة الوالدين مستجابة، فسلطوها فيما ينفع الأبناء في دنياهم وأخراهم.

    داعية من الدعاة إلى الله يذكر عن أبيه، يقول: كان أبي في سن الشباب وَجَدُّهُ كان رجلاً صالحاً، قال: وأنا في سن الشباب فُتِحَ القبول في السلك العسكري في المملكة قبل فترة طويلة، قال: وكان عندي غنم كنت أرعاها، فقلت: لأذهبن مع الناس لأُسجل في العسكرية، فقال لأبيه: أُريد أن تأذن لي أن أذهب، فماذا كان منه؟ ما كان منه إلا أن قال: أنا لا أستطيع فيك يا بنى، أما أن آذن لك فوالله لا آذن لك، أما إن ذهبت فوالله الذي لا إله إلا هو فما لي إلا سهم أوجهه إلى الله في منتصف الليل ولعل الله لا يرده.

    فذهب الرجل وخاف أن يذهب ويترك والده وبقي فترة ثم أغراه ذهاب الناس إلى هناك واستلام الرواتب وأغرته الدنيا، فترك غنمه مع غنم جيرانه وذهب، وقال: لا تخبروه عني إلا في الغد، فذهب وترك والده ولم يستأذنه ولم يخف من ذلك السهم الذي قال له.

    وفي اليوم الثاني: يُخبر أبوه بأنه قد ذهب مع مجموعة ليُسجل في العسكرية بـالطائف قال: فدعا عليه أبوه، وبينما هم في منتصف الطريق وإذ بالولد يعمى ولا يبصر شيئاً، فأخذوه وتقدموا به إلى الطائف وجاءوا إلى هناك فقالوا: هذا لا يصلح للعسكرية، هذا أعمى أعيدوه لوالده، فأخذوه وذهبوا به إلى والده، ولا يدرى والده ماذا حدث له.

    وعندما دخلوا من الباب سمعه والده وعرف صوته وهو في فناء البيت لم يدخل بعد، قال: يا بُني! هل أصاب السهم أم لم يصب؟ قال: إي والله! إني لأدخل عليك أعمى مقاداً، فدخلوا به عليه فتأثر الأب تأثراً عظيماً، وندم أن دعا على ولده بهذه الدعوة، وبقى ليلته تلك في حزن لا يعلمه إلا الله، فقام يتوضأ ويصلي ويدعو الله أن يرد عليه بصره. يقول: ومن حزنه على ولده يتقدم إلى عين ولده وهو نائم فيلحسها بلسانه، ثم يرجع فيصلي ويدعو الله، ثم يرجع مرة أخرى فيلحس عينه بلسانه ... وهكذا يرددها، يقول: والله! ما طلع الفجر إلا ورد الله -سبحانه وتعالى- عليّ بصري. فهذه دعوة الوالدين. وأنا لا أدعو الوالدين إلى أن يدعوا على أولادهم، وإنما أدعوهم أن يدعوا لأولادهم بالفلاح والسعادة، فإن فلاحهم وسعادتهم قد تدركك ولو بعد موتك، أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لصلة الأرحام، وأن يجنبنا وإياكم العقوق، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.

    عبد الله بن عمر يرى طائفاً يطوف بالكعبة وهو يحمل أمه على كتفيه، ويقول: يا بن عمر ! أتراني أوفيت أمي حقها؟ والله! إنها لعلى ظهري من كذا إلى الآن. قال: لا والله! ما أوفيتها طلقة من طلقات الولادة.

    العقوق دَين، وبروا تُبروا. أسأل الله -عز وجل- أن يوفقنا وإياكم إلى صلة الأرحام وأن يجنبنا العقوق.

    وهاهو غادٍ آخر يغدو ليبر والديه ويصل رحمه، فيصله الله -عز وجل- ويبره ويوفقه ويسدده ويدخله الجنة بإذنه سبحانه، شعاره:

    {ليس الواصل بالمكافئ، وإنما الواصل من إذا قطعته رحمه وصلها}.

    صلة النبي صلى الله عليه وسلم لأخته من الرضاع

    هاهي الشيماء بنت الحارث أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاع؛ أرضعته وإياها حليمة السعدية في بادية بنى سعد، وبعد أربعين سنة من الفراق بين الأخ وأخته، حيث افترقا وهما صغيران، سمعت به أنه انتصر صلى الله عليه وسلم وانتصرت دعوته وهو بـالمدينة ، فانتقلت من بادية بني سعد في الطائف تقطع الفيافي والقفار والصحاري التي يبيد فيها البيد، ويضيع فيها الذكي والبليد، حتى جاءت إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم هناك ، وبينا هي هناك والنبي صلى الله عليه وسلم في وسط جيشه؛ يدبر شئون الأمة ويصرف الجيوش، جاءت إلى أحد الصحابة تستأذنه لتدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: أنا الشيماء بنت الحارث أرضعتني أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم حليمة السعدية فاستأذنوه لأدخل عليه، فأخبروا النبي الله صلى الله عليه وسلم وكان جالساً في شئون الأمة يصرفها، قالوا: فذرفت عيناه الدموع صلى الله عليه وسلم، تذكر الوشيجة والعلاقة، وتذكر رضعات كانت بينه وبينها قبل أربعين عاماً، قالوا: ذهب إليها يستقبلها ويعانقها عناق الأخ لأخته بعد فراق أربعين عاماً، ويسألها ما حالها: كيف حالك يا شيماء ؟ مرحباً بك يا شيماء ! يقولون: ويظللها صلى الله عليه وسلم من الشمس، ويجلسها في مكانه ليعلم الناس كيف يصلون أرحامهم -صلى الله عليه وسلم- وجلست معه وسألها عن رَبْعِها وعن أهلها وعن أخواتها، وما كان منه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إلا أن قال لها: يا شيماء ! إن شئت أن تعيشي معي فأختي الحياة حياتي والموت موتي، وإن شئت أن ترجعي لأهلك فذلك لك. قالت: بل أرجع لأهلي، فقام صلى الله عليه وسلم فجهزها بقطيع من الإبل، وبأرزاق معها؛ لِيُعَلِّمَ الناس صلة الأرحام لتعود إلى بادية بني سعد.

    فأين الذين قطعوا عماتهم؟! وأين الذين قطعوا خالاتهم؟! وأين الذين قطعوا أمهاتهم؟! ما حال هؤلاء يوم يقفون بين يدي الله فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23].

    فأي الغاديين أنت؟

    وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

    شهادة الزور

    وغاد آخر يغدو ليهلك نفسه، فيشهد شهادة الزور يوم أصبحت شهادة الزور قرضة في بعض القرى، اشهد لي زوراً أشهد لك زوراً. يقترض بعضهم من الآخر النار وبئس القرار.

    {ما يبرح شاهد الزور مكانه حتى تجب له النار} كما قال صلى الله عليه وسلم.

    أما الآخر: فيغدو فيعتق نفسه فيشهد شهادة الحق فيكون له الأجر، وياله من أجر! الجنة بإذن ربه.

    فأي الغاديين أنت؟ وكل يغدو فبائع النفس فمعتقها أو موبقها.

    الرزق الحرام

    والآخر يغدو ليهلك نفسه في البحث عن الرزق الحرام، لم يُوفَّق للحلال مطلقاً، فمطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، بيعه حرام، وشراؤه حرام، وماله حرام في حرام، يتغذى بالحرام من أخمص قدميه إلى رأسه.

    إن تصدق لم يقبل الله منه صدقته، وإن خلف ماله وراء ظهره كان زاداً له إلى النار، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {يأتي على الناس زمان لا يُبالي المرء أخذ ماله من حلال أم من حرام}، ويقول: {إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يوما}.

    ومن أعظم الحرام؛ الربا: {الربا بضع وسبعون شعبة، أدناها: مثل أن ينكح الرجل أمه} .. {درهم ربا أشد من ست وثلاثين زنية}.

    والربا عم ودخل غالب البيوت إلا ما رحم الله، أسأل الله أن يجيرنا وإياكم من الربا، وغُيِّر بغير اسمه، وتناسى الذين تعاملوا به قول الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:278] نسوا قول الله: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279].

    تداوله الذين يُريدون إيباق أنفسهم، والله! لو لم يكن في أكل الحرام إلا أنه لا ترفع لصاحبه دعوة لكفى بذلك زاجراً عنه.

    وآخر يغدو ليعتق نفسه، فيبحث عن لقمة الحلال، ووالله! إن لقمة الحلال نادرة، لكنها هنيئة مريئة ميسرة؛ فمطعمه حلال، ومشربه حلال، ويغذى بالحلال، ودعوته أحرى أن تُجاب من رب الأرض والسماء.

    هاهو أبو بكر -رضي الله عنه وأرضاه- ما كان يأكل إلا حلالاً؛ وكان أحياناً يسأل إذا شك في الطعام، وجاءه غلامه يوماً من الأيام، فقدَّم له طعاماً فأكل منه لقمتين، فقال الغلام: لم تسألني اليوم يا أبا بكر إن هذا من كهانة كنت قد تكهنتها في الجاهلية، فصادفني صاحبها فأعطاني هذا الطعام،فعلم أنه طعام محرم،فوضع أصبعه في فمه يريد أن يخرجه، كادت روحه أن تخرج وما خرج هذا الطعام، قالوا: يا أبا بكر رحمك الله! تقتل نفسك للقمتين لا تعلم أنها محرمة؟! عفا الله عنك، إن كنت مُريداً إخراجها فاشرب ماء، فشرب ماء ثم أدخل يده مرة أخرى، كادت روحه أن تخرج وخرجت اللقمتين، قالوا: عفا الله عنك. قال: والله! لو لم تخرج إلا وروحي معها لأخرجتها؛ لأني سمعت حبيبي صلى الله عليه وسلم يقول: {أيما لحم نبت من سحت فالنار أولى به}.

    1.   

    معتقات وموبقات سببها اللسان

    وهناك غادٍ آخر يغدو ليهلك نفسه؛ فيسلط لسانه على عباد الله؛ يغتابهم ويتهمهم، ناسياً قول الله عز وجل: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ [الحجرات:12]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لما عرج بي مررت على أقوام لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يقعون في أعراض الناس ويأكلون لحومهم).

    المغتابون الذين همهم فلان وفلان، ونسوا عيوب أنفسهم ولو اشتغلوا بإصلاح أنفسهم لكان أحرى وأولى، يهدي حسناته إلى الناس.

    الحسن البصري -عليه رحمة الله- سمع أن رجلاً اغتابه، فما كان منه إلا أن فتش في بيته عن هدية له، فما وجد سوى طبق من رُطَب، فأخذه وقال لخادمه: اذهب إليه، وقل له: سمع الحسن أنك أهديت إليه حسناتك فما وجد لك مكافأة إلا طبق التمر ولو عدت لعدنا، والله! لولا أني أخشى أن يُعْصَى الله لتمنيت ألاَّ يبقى أحد في الدنيا إلا اغتابني؛ لأنه يهدي إليّ حسناته وهو لا يشعر.

    كثير من الناس يُصلون ويعملون الصالحات، وفى جلسة واحدة يمحقون ذاك العمل كله بالوقوع في عرض هذا، والوقوع في عرض هذا، فإياك واللسان:

    احفظ لسانك أيها الإنسان     لا يلدغنك إنه ثعبان

    احفظ لسانك واحترز من لفظه     فالمرء يسلم باللسان ويعطب

    أما الآخر: فيغدو فيدافع عن أعراض المسلمين، ويرد عنهم في المجالس، وكلامه ذكر الله أو كلام مباح، فيرد الله -عز وجل- عن وجهه النار يوم القيامة.

    فأي الغاديين أنت؟!

    وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

    النميمة

    غاد آخر يغدو ليهلك نفسه بالإفساد بين الناس بالنميمة والوشاية؛ ناسياً قول النبي صلى الله عليه وسلم: {لا يدخل الجنة نمام}.

    أما الآخر: فيغدو للإصلاح بين الناس فأجره على الله أكرم الأكرمين سبحانه وبحمده.

    الغناء الماجن

    وذاك يغدو ليهلك نفسه، ويقسي قلبه، بسماع الغناء الماجن الذي حرمه الله -جلَّ وعلا- وقال فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم: {ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف} فيشتري الغِناء ويشتري الخَنَا والفجور بماله، ثم يدخلها إلى بيته لينشر الرذيلة فيه ليصبح أهل البيت بآذان لا تسمع، وقلوب لا تفقه، وأعين لا تبصر، بهائم في مسلاخ بشر: {ما من راع استرعاه الله رعية فبات غاشاً لهم إلا حرم الله عليه رائحة الجنة}.

    وآخر يغدو لسماع آيات الله تقرع قلبه، فيلين قلبه، وتدمع عينه، ويطيع ربه، ويدِّخر الله له غناء ليس كهذا الغناء الماجن، غناء الحور العين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر، كلمات الأغاني هي الآتية:

    نحن الخالدات فلا يمتن     نحن المقيمات فلا يظعن

    نحن الراضيات فلا يسخطن     نحن الناعمات فلا يبأسن

    نحن الحور الحسان      أزواج قوم كرام

    طوبى لمن كان لنا وكنا له

    ثم يرسل الله ريحاً على ذوائب أغصان أشجار الجنة، فتهزها فتحدث منها صفير صوت كل طير في الجنة، لو قضى الله الموت على أهل الجنة طرباً لماتوا طرباً، ولكن خلود ولا موت:

    قال ابن عباس ويرسل ربنا     ريحاً تهز ذوائب الأغصان

    فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الإنسان كالنغمات بالأوزان

    يا خيبة الآذان لا تتبدلي     بلذاذة الأوتار والعيدان

    خابت أذن استبدلت كلام الله -عز وجل- بأغنية، خابت أذن استبدلت ما أعده الله لها من الغناء في الجنة بهذا الغناء الماجن.

    فأي الغاديين أنت؟

    فكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

    فيا من غدا لإعتاق نفسه جد واجتهد، واغتنم زمن الصبا، وسل الله الثبات حتى الممات، وأكثر من قول: يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك.

    ويا من غدا لإهلاك نفسه وإيباقها وأمهله الله؛ عُد إلى الله وتب إليه، بادر في فكاك رقبتك من النار فأنت في زمن الإمكان.

    سعة رحمة الله

    عُد إلى الله تجد الله تواباً رحيماً، إن الله يقول: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] وهو القائل سبحانه: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [آل عمران:135-136]، وهو القائل: {يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالى، يا بن أدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا بن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تُشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة}.

    سبحان من يعفو ونهفو دائماً     ولا يزل مهما هفا العبد عفا

    يعطي الذي يُخطي ولا يمنعه     جلاله عن العطا لذي الخطا

    {يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها} .. {يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً؛ فاستغفروني أغفر لكم}.

    اللهم اغفر لنا، اللهم ارحمنا، اللهم تب علينا، اللهم يا من رحمته وسعت كل شيء ارحمنا برحمتك.

    الله عز وجل رحيم، والله عز وجل كريم، وسبقت رحمته غضبه.

    ها هو سبيٌ يأتي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين السبي امرأة ضيعت ولدها، تبحث عنه يميناً وشمالاً حتى وجدته، فضمته إلى صدرها ضمة الأم لابنها الذي أضاعته، والرسول صلى الله عليه وسلم يراقبها، فيقول لأصحابه: {أترونها طارحة ولدها في النار؟ قالوا: لا والله! وهى تستطيع ألا تطرحه. قال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها}.

    فيا من رحمته وسعت كل شيء! ارحمنا برحمتك.

    هاهو رجل من بنى إسرائيل مُوحِّد لم يشرك بالله شيئاً، ارتكب الموبقات؛ سرق وزنا وغش وارتكب السيئات، وحلت به سكرات الموت، ساعة الموت الذي يُذعن فيها الجبارون، ويذعن فيها المتكبرون، فجمع أبنائه في ساعةٍ لا ينفع فيها مال ولا ولد، وقال لهم: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب. قال: فوالله! ما عملت خيراً غير أني موحد لم أشرك بالله عز وجل، فإذا أنا مت فأضرموا النار ثم ضعوني فيها حتى أصبح رماداً، ثم اسحقوني، ثم ذروني مع الريح؛ فلأن لقيت الله ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين.

    ومات الرجل، ونفذوا وصيته، حرقوه وسحقوه وذروه مع الريح، فتفرق على الجبال والسهول والوهاد والأشجار والأحجار، لكن الذي بدأه أول مرة أعاده، قال الله سبحانه وتعالى له: كن فكان كما كان. قال: يا عبدي! ما حملك على ما صنعت؟! أما تعلم أني أغفر الذنب وأستر العيب؟! قال: يا رب! خشيتك وخفت ذنوبي. قال: فأشهدكم -يا ملائكتي- أني قد غفرت له وأدخلته الجنة.

    يا من رحمته وسعت كل شيء! ارحمنا برحمتك.

    قصة آبق عاد إلى الله

    أخيراً هذا نموذج لغادٍ غدا في إيباق نفسه ثم أمهله الله عز وجل فغدا لإعتاق نفسه، وهي قصة لعل فيها عبرة.

    رجل عمره ما بين الثلاثين إلى الأربعين، عربد وأفسد، وصدَّ وندَّ عن الله عز وجل، يقول عن نفسه: ما كنت أنام ليلةً من الليالي إلا على شربة خمر أو زنا، قال: ويشاء الله وأتزوج بامرأة، فأزداد في عنادي وطغياني، أترك الحلال في البيت، وأذهب أطلب الحرام في خارج البيت، قال: وجئت ليلةً من الليالي بعد أن ولدت لي هذه الزوجة بنتاً وأصبح عمرها خمس سنوات، قال: جئت في ليلة من الليالي فتواعدت مع أصحابي على أن نشرب الخمر في مكان معين، ويشاء الله عز وجل لي أن أبتعد عن هؤلاء وأتأخر عن الموعد بدقائق، فجئت فإذا هم قد ذهبوا، ذهبت يميناً وذهبت شمالاً أبحث عنهم، ما تركت مكاناً إلا وبحثت عنهم فيه، لا حباً فيهم ولكن كيف أنام ليلةً بلا زنا ولا شرب خمر.

    لا إله إلا الله! يوم يصد الإنسان ويند عن الله عز وجل.

    قال: ثم ذهبت إلى صديق سوء آخر عنده من الأفلام الخليعة ما يستحي إبليس أن ينظر إليها، قال: فذهبت إليه وأخذت منه فيلماً خليعاً، ورجعت إلى بيتي في الساعة الثانية ليلاً.

    لا إله إلا الله! الساعة هذه في الثلث الأخير من الليل، يتنزل فيها الرب سبحانه وبحمده نزولاً يليق بجلاله، يقول: {هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟ هل من تائبٍ فأتوب عليه؟} ثلث الأوابين ثلث التوابين.

    قال: دخلت بيتى -والناس على قسمين ما بين عبد وقف بين يدي الله دموعه تهراق على خده من خشية الله، وما بين أُناسٍ يرضعون المعاصي في تلك اللحظة وأنا واحد منهم- قال: فدخلت فنظرت لزوجتي وابنتي فإذا هما نائمتان، فدخلت في مكان فيه هذا الجهاز الخبيث الذي لطالما دمر كثيراً من البيوت، جهاز الفيديو وما يستتبع هذا الجهاز من أفلام تعلمونها يا أيها الأحبة.

    يذكر أحد المشايخ في الأسبوع الماضي أنه في مكة وفي بلد الله الحرام ستة عشر فيلماً جنسياً يستحي إبليس أن ينظر إليه، سجلت في وسط مكة وتباع في وسط مكة ! أين تقوى الله؟! في حرم الله نبارز الله؟! والله! لنحن عند الله لا نساوي شيئاً، متى ما تركنا أمره يدمرنا ولا يبالي سبحانه وبحمده.

    قال: وأدخلت هذا الشريط في هذا الجهاز وأغلقت الباب، وقمت أنظر في مناظر -أكرم الله هذه الوجوه عن تلك المناظر- قال: وإذ بالباب يفتح، فدهشت وخفت وذعرت، وإذا بها ابنتي الصغيرة التي عمرها خمس سنوات تدخل عليّ من الباب، تُحدُّ فيّ النظرات وتقول: عيب عليك يا والدي! اتق الله. عيب عليك يا والدي! اتق الله. قال: تجمدت مكاني، وبقيت أُفكر في هذه الكلمات، من علمها وأنطقها إلا رب الأرباب سبحانه وبحمده.

    قال: بقيت أفتش في نفسي؛ من أين جاءت هذه الكلمات؟ فقلت: لعلَّ أُمها لقنتها هذه الكلمات. قال: وذهبت وإذا بأمها نائمة.

    قال: فخرجت أهيم على وجهي وأنا أتذكر قولها: عيب عليك يا والدي! اتق الله.

    قال: وبينما أنا في حيرتي واضطرابي ودهشتي وإذا بهذا المنادي ينادى: الله أكبر الله أكبر! نداء صلاة الفجر الذي حرمه كثير من المحرومين الغافلين.

    قال: فاتجهت إلى المسجد مباشرة، ودخلت دورات المياه، واغتسلت وتوضأت ودخلت مع المسلمين أُصلي، قال: ويوم سجدت مع الإمام انفجرت في البكاء، لا شعورياً، بدأت أبكي، تذكرت فضائحي، وتذكرت جرائمي، وتذكرت قدومي على الله، آلمتني الكبيرة، ولسعتني الفاحشة، قال: وبعد أن انتهت الصلاة وإذا برجلٍ بجانبي يقول: ما بك؟ قال: سبع سنوات ما سجدت فيها لله سجدة، بأي وجه ألاقي ربي؟ سبع سنوات ما سجدت فيها لله سجدة بأي وجه ألاقي ربى؟

    وبقي مكانه يتذكر ما كان منه من صدود ومن هرب عن الله -عز وجل- وأين المهرب منه إلا إليه.

    قال: ويحين وقت الدوام، وأذهب للدوام من المسجد وأدخل إلى دائرتي التي أعمل فيها، وفيها رجل صالح لطالما ذكرني بالله ولا أسمع له، قال: ويوم دخلت عليه، قال: أهلاً بك، والله! إن بوجهك شيئاً غير الوجه الذي أعرفه منك سابقاً، فما الذي حصل؟

    قال: كان من أمري كذا وكذا، وأخبره بقصته في تلك الليلة، ثم استأذنه ليذهب وينام، فنزل من عنده وقد أذن له، فنزل إلى المسجد ليصلي في مسجد الإدارة التي يعمل فيها، قال: وجئت لوقت صلاة الظهر -زميله الذي يعمل معه- قال: ويوم دخلت المسجد فإذا به أمامي يصلى، ولما رآني ذرف الدموع واعتنقني، قلت له: لِمَ لم تذهب لبيتك لتنام؟ قال: إن بي شوقاً عظيماً إلى الصلاة، سبع سنوات ما ركعت فيها لله ركعة بأي وجه ألاقي ربى؟ ثم تواعدا على أن يلتقيا في الليل.

    وذهب إلى بيته وذهب هذا إلى بيته، ويوم دخل على أهله في البيت، وإذ بزوجته تصرخ في وجهه، وتقول: ابنتك ماتت منذ لحظات، فما كان منه إلا أن انهار وبدأ يردد: عيب عليك يا والدي! اتق الله. عيب عليك يا والدي! اتق الله. يرددها ويذكر أنها ذكرته بالله عز وجل، فيأتي زميله بعد أن اتصل به وأخبره الخبر، فجاء إليه، وقال: احمد الله الذي أرسل إليك ابنتك قبل أن تموت؛ لتذكرك بالله ولم يرسل لك ملك الموت ليقبض روحك.

    ثم غسلوها وكفنوها وصلوا عليها، ثم ذهبوا بها إلى المقبرة، ويوم وصلوا إلى المقبرة قال زميله: خذ ابنتك وضعها في لحدها، يريد أن يربيه ليعلم أن المصير إلى هذا المكان. فأخذ ابنته بين يديه، دموعه تسيل على كفنها:

    وليس الذي يجري من العين ماؤها     ولكنها روحٌ تسيل فتقطر

    فأدخلها في لحدها، وقال كلاماً أبكى جميع من حضر الدفن، قال: أنا -والله- ما أدفن ابنتي، ولكني أدفن النور الذي أراني النور.

    هذه البنت أرتني نور الهداية بعد طول ضلالة وغواية، فأسأل الله أن يجمعه بها في جنات ونهر.

    فيا أيها الحبيب! عُد إلى الله، وأعتق نفسك من النار، إذا رأيت صدوداً وقسوة في قلبك فتذكر ليلةً من الليالي وأنت بين أهلك سعيداً، وتذكر ليلة من الليالي وأنت على فراشك الوثير، ثم تذكر الأخرى وأنت تفترش التراب:

    تالله لو عاش الفتى في دهره      ألفاً من الأعوام مالك أمره

    مُتلذذاً فيها بكل لذيذة      مُتنعما فيها بنعمى عصره

    ما كان ذلك كله في أن يفي     بمبيت أول ليلة في قبره

    يا من يرى مد البعوض جناحها     في ظلمة الليل البهيم الأَلْيَلِ

    ويرى نياط عروقها في نحرها     والمخ في تلك العظام النُحَّلِ

    اغفر لعبدٍ تاب من زلاته     ما كان منه في الزمان الأول

    اللهم اهدنا واهد بنا ويسر الهدى لنا.

    اللهم إنا نشهدك بهذه الساعة المباركة أنا تبنا إليك وأنبنا ربنا إليك.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد .