إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (120)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأدلة على قدرة الله تعالى وعظيم خلقه أن خلق سبحانه وتعالى الكرسي وجعله قائماً على عرشه، وهذا الكرسي قد وسع السماوات والأرض فما بالك بعرش الرحمن، والله عز وجل مستو على عرشه بائن من خلقه ومع ذلك فهو محيط بهم لا تخفى عليه منهم خافية، ولا تأخذه عنهم سنة ولا نوم، تعالى الله الملك الحق علواً كبيراً.

    1.   

    تابع تفسير قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم...)

    فضل آية الكرسي

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل.

    وها نحن مع آية الكرسي، وأعيد إلى أذهان الأبناء والإخوة المستمعين أن آية الكرسي هي أعظم آية في كتاب الله، من بين ستة آلاف ومائتين وست وثلاثين آية هذه أعظمها.

    كما أن أفضل سورة في كتاب الله هي سورة الفاتحة أم الكتاب والسبع المثاني، بهذا صح الخبر عن سيد البشر صلى الله عليه وسلم، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم امتحن صاحب القرآن أبي بن كعب رضي الله عنه، ( سأله عن أية آية أعظم في كتاب الله، فقال: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم)، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم في صدر أبي وقال: ليهنك العلم أبا المنذر! ) وكناه بكنيته تشريفاً له وتعظيماً.

    ذكر ما اشتملت عليه آية الكرسي من أسماء الله تعالى وأنواع توحيده

    ولنسمع ما قال أهل العلم في شأن هذه الآية الكريمة:

    قال أهل العلم في هذه الآية المباركة: إنها أعظم آية في كتاب الله تعالى، اشتملت على ثمانية عشر اسماً لله تعالى ما بين اسم ظاهر واسم مضمر، آية واحدة اشتملت على ثمانية عشر اسماً لله تعالى، ما بين الظاهر مثل: (الله)، وما بين المضمر مثل: (هو).

    وكلماتها خمسون كلمة، وانظر إلى عناية السلف الصالح بكتاب الله، عدوا كلماتها فوجدوها خمسين كلمة، وعدوا جملها فإذا هي عشر جمل كلها ناطقة بربوبية الله تعالى وألوهيته وأسمائه وصفاته، الدالة على كمال ذاته وعلمه وقدرته وعظيم سلطانه.

    والتوحيد يدور على الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، فهذه الآية المباركة العظيمة بلغكم وعرفتم أن من واظب عليها دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت فقط.

    الأسرار القرآنية لما تعدله بعض السور

    وقد ذكرنا أن سورة الزلزلة: إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا [الزلزلة:1] تعدل ربع القرآن، وأن سورة الكافرون: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] تعدل أيضاً ربع القرآن، وسورة النصر: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر:1] تعدل ربع القرآن، وأن سورة الصمد تعدل ثلث القرآن.

    ومن هنا فالراغبون في عظيم الأجر يصلون أكثر المواسم بهذه السور، وقد يصلي بالسور الأربع في ركعة أو ركعتين، وفضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

    ولا بأس أن نلفت النظر إلى أن سورة الزلزلة تقرر مبدأ المعاد والحياة الثانية، ولو تقرأ القرآن وتحصيه فستجد ربعه يتكلم عن الدار الآخرة وما فيها؛ فلهذا تعدل ربع القرآن؛ لأن مبدأ البعث والنشور والحياة الثانية، والحساب والجزاء بالنعيم المقيم أو العذاب الأليم؛ هذا أخذ من القرآن ربعه.

    ثانياً: سورة الكافرون تحمل توحيد الألوهية: لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ [الكافرون:2] وتوحيد الألوهية كذلك ربع القرآن يدرو حوله.

    ومعنى توحيد الألوهية: أن تعتقد موقناً أنه لا يستحق أن يعبد في العوالم كلها إلا الله؛ لأنه الخالق الرازق المدبر، وما عدا الله فمخلوق مرزوق، فكيف يصل إلى مستوى يعبد فيه كما يعبد الله؟!

    وسورة النصر: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:1-3]، أليس فيها الأمر بالاستغفار والتوبة؟ راجع القرآن فستجد آيه يحمل هذا المعنى في ربعه، كما قال تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ [النور:31]، فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا [نوح:10]، فالاستغفار والتوبة في القرآن تجد ربعه يحملهما.

    أما سورة الصمد -وهو الله جل جلاله- فإنها تعدل ثلث القرآن؛ لأن فيها توحيد الألوهية والأسماء والصفات: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4]، فما دامت تحمل عقيدة الأسماء والصفات والألوهية فهذا ثلث القرآن.

    ومن هنا سميت الفاتحة أم القرآن، سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم القرآن وأم الكتاب، وقال: (من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصلاته خداج خداج)؛ لأنها اشتملت على كل ما هو في القرآن: توحيد الألوهية، توحيد الربوبية، العبادات بأنواعها، القصص والتاريخ بما فيه، إذاً: القرآن كله يتفرع عنها وهي أمه، كحواء أم البشرية كلها.

    فضل الجهر بـ(لا إله إلا الله وحده لا شريك له ...) في السوق

    وقد سأل سائل عن تلك الجملة من الأذكار التي يثاب عليها صاحبها بمليون حسنة، فنقول: هي أن من يدخل السوق القائم على البيع والشراء والناس منكبون على البيع والشراء والمساومة والأخذ والعطاء، فيرفع صوته عالياً حتى يقال: هذا مجنون، فيقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وإليه المصير، وهو على كل شيء قدير؛ فإنه يأخذ شيكاً بجائزة ألف ألف حسنة! بهذا أخبر أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، يعطى ألف ألف حسنة، وألف ألف الآن بالاصطلاح المعاصر مليون، على شرط: ألا يجبن أو يستحي أو يخاف، يرفع صوته عالياً حتى أهل السوق كلهم يتطلعون إليه، بأعلى صوت، ثم ثلاثة أرباعهم يتراجعون عن الغش والكذب والتكالب على الدنيا، حيث أصلح السوق بهذه الكلمة؛ حيث البلدية تعجز عن إصلاحه، فطول العام وهي تتابع!

    فهذه الجملة هي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وإليه المصير، وهو على كل شيء قدير، ويمشي ليتركهم يفكرون.

    علمية لفظ الجلالة على الذات الإلهية

    والآن مع آية الكرسي، لم سميت آية الكرسي؟ لذكر الكرسي فيها، هذا هو السبب.

    قال تعالى بعدما نادانا إلى الإنفاق والبذل والعطاء، وحذرنا من يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة، والكافرون بجحود النعم وكفرانها، الكافرون بالله عز وجل مولاهم هم الظالمون، قال تعالى: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [البقرة:255] هو الذي ينجيكم ويفرج عنكم، وييسر أمركم، فافزعوا إليه بالإنفاق في سبيله والتوبة إليه والإقبال على عباداته.

    و(الله) اسم علم على ذات الله، الاسم مأخوذ من السمة، أي: العلامة، سمته كذا وكذا: علامته كذا وكذا، إنسان مثلي ذاته كيف نعرفها من بين الذوات؟ ضع عليها علامة، هذه العلامة هي أن تسميه بالاسم.

    فذات الله عز وجل لا تشبه الذوات، ومن خطر بباله تصور هذه الذات أو البحث عن كيف؛ فقد أخطأ وزلت قدمه، ووالله! لن يدرك شيئاً، فعقولنا محدودة الطاقة كآذاننا وأسماعنا، كأعيننا وبصرنا، كنطقنا وذاتنا، محدودة، هل يستطيع أحدنا أن يدرك بعينيه تلك الجراثيم في الأنعام؟ ما يستطيع!

    انظر الآن هنا، فهذا الهواء فيه جراثيم تراها بمكبرات الرؤية، وسمعك تسمع به ما شاء الله أن تسمع في حدود معدودة، وأكثر من ميل أو ميلين ما تسمع الصوت أبداً، وبصرك تبصر به أيضاً مدى محدوداً لا تتجاوزه أبداً، صوتك ترفعه: الله أكبر فينتهي إلى مدى محدود، ما يصل إلى كل مكان، طاقتك البدنية تحمل قنطاراً أو قنطارين وتعجز عن الخمسة والعشرة.

    فكذلك عقلك يا ابن آدم محدود الطاقة، ما تستطيع أن تدرك كل شيء، فلهذا لا يحل لمؤمن أو مؤمنة أن يفكر في ذات الله؛ لأنه تزل قدمه ويخبط خبط عشواء، ومستحيل أن يدرك ذات الله، فهو خالق العوالم كلها فكيف تدركه أنت؟! فتفكروا في آياته، ولا تتفكروا في ذاته؛ لأنكم عاجزون عن إدراك الذات الإلهية!

    فـ(الله) اسم علم، فهناك اسم علم، وهناك اسم نكرة، فرجل نكرة، وإنسان، وامرأة، لكن المرأة زينب علم عليها، وإبراهيم علم على رجل، و(الله) علم على ذات الرب تبارك وتعالى.

    فمن أراد أن يناديه فليقل: يا ألله! يا ألله! وإن شاء قال: اللهم! حذفت ياء النداء لقربه تعالى، وعوضت عنها الميم، فقالت العرب: اللهم، هذه الميم عوض عن ياء النداء، لا تقل: يا اللهم! هذا ما يقوله عربي، كيف تجمع بين الحرفين؟! إما أن تقول: يا ألله، أو تقول: اللهم.

    فهذه الميم زيدت عوضاً عن ياء النداء؛ لأن الله تعالى قريب، مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة:7] كيف هذا؟ هنا مثال: الشمس حين تطلع وتمشي في إقليم بكامله هي معك أينما كنت، فهل هي في جيبك؟ هل أنت قريب منها؟ بينك وبينها مسافة ملايين الأميال، وهي معك.

    فالله الذي خلق الكون كله، ويقبض السماوات والأرض بيمينه كل الكون بين يديه، فلهذا استحوا منه يا عباد الله!

    معنى قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو)

    و اللَّهُ [البقرة:255] مبتدأ، فأين الخبر؟ قال تعالى: لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [البقرة:255]، كما تقول: إبراهيم، فيقال: ما له؟ تقول: إبراهيم مات، فهل أخبرت أم لا، إبراهيم لا كريم أكرم منه، هل أخبرت عنه أم لا؟

    إذاً: الله أخبر عن نفسه فقال تعالى: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [البقرة:255] لا معبود سواه، إذ لفظ: (إله) في لغتهم معناه: المعبود، فكل ما عبد يسمى إلهاً، كل ما عبد، من كوكب، صنم، فرج، حيث عبدوا الفروج، كل ما عبد يقال فيه: إله في لغة العرب التي نزل بها القرآن.

    وبالمناسبة يذكر أنه كان لأحد العرب إله في واد من الأودية في شعب من الشعاب، صنم، ويأتيه ليتمسح به، يتبرك به، يستغيث، ينذر النذور له ويذبح، جاء يوماً من الأيام فوجد ثعلباً قد رفع رجله ووضعه على كتفه يبول عليه! لأن الذئاب والثعالب إذا أراد أحدها أن يبول رفع رجله بالفطرة، يضعها على شيء مرتفع، فوضعها على كتف الصنم، فذاك الأعرابي نظر يتأمل، ثم صاح يقول:

    أرب يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب

    ولم يرجع إليه إلى الأبد.

    ولا تعجب؛ فالآن المسيحيون البصراء العارفون طاروا في السماء وزعموا أنهم وصلوا إلى القمر -وكذبوا- والصليب في أعناقهم يعبدونه، هذا الصليب مصنوع من الذهب أو الحديد، أهذا هو الله؟! تعالى عن ذلك علواً كبيراً.

    يقدسون الصليب كأنه الله، ومن هنا إذا هبطت العقول وخرجت عن فطرتها فلا تعجب، هناك من البشر من يعبدون الفروج! بعيني هاتين رأيت ذلك في مدينة في بلاد الهند، مدينة رزناها للدعوة، وإذا بالدكاكين تبيع الفروج المصنوعة، وإذا بعابد لها يحمل ذلك الفرج من خصيتين وذكر على كتفه ليعبده!

    عبدوا الصور والتماثيل، فهبطوا، وعبادتهم هذه ناتجة عن الخوف الفطري والفقر الفطري والحاجة الفطرية، ما عرفوا الله، ما عرفوا الطريق إليه، فيزين الشيطان لهم عبادة كوكب أو عبادة شجرة، أو عبادة إنسان أو عبادة حيوان، لفقرهم وحاجتهم ولجهلهم، وإذا تمكنت تلك العبادة فما يريدون أن يتخلوا عنها ويرفضوها.

    وحارب الرسول صلى الله عليه وسلم المشركين سنوات حتى هدأت الحرب وهم يصرون على عبادة الأصنام!

    إذاً: كل ما عبد من دون الله يسمى إلهاً، وهو إله باطل، والله! لا يوجد إله حق إلا الله؛ لأن الذي تخضع له وتذل، وتحبه وتتطامن بين يديه، وتعفر وجهك في التراب يكون قد أسدى إليك وقدم أعظم ما يقدم إليك، أوجدك من العدم، وهبك حياتك كلها، وهبك كل شيء أنت فيه وعليه، هذا الذي تذل بين يديه وتخضع وتبكي وتستغيث به وتسأله، أما المخلوق مثلك فكيف ترفعه إلى مستوى الإله وتعبده؟! بأية شبهة؟!

    إذاً: الله جل جلاله أخبرنا عن نفسه فقال: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [البقرة:255] أي: لا معبود بحق إلا هو، فكل ما عبد من دون الله كالملائكة والأنبياء والرسل والأولياء والكواكب والأحجار والأشجار والبشر، كل تلك المعبودات باطلة، ما خلقتك ولا رزقتك، ولا دبرت حياتك، فكيف تعبدها؟ كيف تذل وتخضع بين يديها وتقدسها وتجلها؟ هذا ظلم.

    اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [البقرة:255] معشر المستمعين والمستمعات! ما معنى لا إله إلا هو؟ أي: لا يوجد في العوالم العلوية ولا في السفلية من يستحق أن يعبد بأن يدعى ويستغاث به، ويتملق إليه ويتزلف بذكر أسمائه، بطاعته في أمره ونهيه؛ لا يوجد إلا واحد هو الله تعالى.

    وله تسعة وتسعون اسماً أيضاً، هذا واحد منها: ( إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً ) هذا الذي نزل به القرآن، وبينه الرسول الكريم، وقد تكون له أسماء أخرى يعلمها هو أطلع عليها من شاء من أنبيائه ورسله، وقد أشار إلى هذا النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: ( أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني وذهاب همي وغمي ).

    معنى قوله تعالى: (الحي القيوم)

    قال تعالى: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255] اسمان عظيمان، الحي أصله: الحيي، كالحرير، فسكنت الياء وأدغمت في الياء، فصارت: (الحيّ)، ذو الحياة الدائمة التي لم يسبقها عدم، ولا يقع عليها عدم، كل الموجودات مسبوقة بعدم، وتنتهي بعدم، إلا الله فإنه حي دائم الحياة التي لم يسبقها عدم ولا يلحقها عدم، وما عدا الله من الملائكة ومن كل المخلوقات ما كانت موجودة وأوجدها ثم يعدمها.

    وفي البخاري (باب: كان الله ولم يكن شيء غيره)، وقال للقلم: يا قلم! اكتب فكتب، فلو نعرف الله معرفة حقيقية فإنا سنستحي فقط أن نتكلم باسمه؛ لجلاله وعظمته، فكيف إذاً نجاهره بمعاصيه؟ لكن تدبير الله!

    فالله تعالى الحي الدائم الحياة التي لا تشبه حياة المخلوقات الموهوبة لهم منه تعالى، حياة لا ابتداء لها ولا انتهاء لها، واقرءوا من سورة الحديد: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد:3] هو الأول لا أول قبله، والآخر لا آخر بعده، فآمنا بالله!

    والقيوم: الذي قام بكل شيء، العوالم كلها يدبرها، وهو قائم عليها، ولولا قيوميته لخرب العالم من آلاف السنين، لاصطدمت الكواكب ببعضها واحترق الكون.

    القيوم الذي أمر الدنيا والآخرة كله هو القيم عليه يديره ويدبره، القيوم بمعنى (القيم)، لكن أبلغ من (القيم)، فهو كثير أو كبير القيومية.

    معنى قوله تعالى: (لا تأخذه سنة ولا نوم)

    اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255] لا تأخذه سنة، أي: لا يأتيه النعاس، السنة: مقدمة النوم، وعندنا آية يقول تعالى فيها: وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [الروم:23] سبحان الله! هذه آية دالة على قدرة الله ووجود الله وعلم الله، وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [الروم:23] والله! لولا الله ما نمنا، ولا عرفنا النوم ولا كيف النوم، ولولا الله ما استيقظنا أيضاً، فكوننا ننام ونستيقظ هذا من مظاهر تدبير الله وقيوميته على خلقه وعباده، هل يستطيع إنسان أن يقول: سأنام ونام لتوه؟ لا أحد.

    فالله جل وعز لا تأخذه سنة -أي: نعاس- ولا نوم أبداً، وكل هذه المخلوقات مفتقرة إلى النوم والراحة حتى الحيوانات تنام، هذا الذي ينام ويستيقظ كيف تدعوه مع الله: يا سيدي عبد القادر ! يا مولاي إدريس ! يا رسول الله! يا فاطمة ! يا حسين ! هل أنت تتحدى الله؟ أما تستحي؟! يا شيخ! لا تلمهم فما عرفوا، إي والله ما عرفوا.

    فمن تنادي؟ أتغيظ الله؟ تؤله مخلوقاً من مخلوقاته، وتقبل عليه بلسانك وقلبك، وتناديه أن يفعل ويفعل؟ كيف يتم هذا؟ يتم بالجهل، لأنهم ما عرفوا، ومن علمهم؟

    اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255]، يروى أن أحد الرسل أو الأنبياء سأل ربه: كيف لا تنام يا رب؟! فأمره أن: ضع في كفيك كأساً في يمينك وكأساً في شمالك ملوءين باللبن، ونم، فأخذه النعاس، وفي كل مرة يميل فيتدفق الكأس بما فيه، ثم يملأ فتأخذه السنة فيسقط الكأس من يده! فالذي يدير الكون لو كان ينام فلن يستقر الكون والحياة، سيخرب الكون في يومه الأول.

    معنى قوله تعالى: (له ما في السموات وما في الأرض )

    لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [البقرة:255] هل بلغكم إن إنساناً أو ملكاً يملك المنطقة الفلانية في العالم؟ و(ما) اسم موصول يشمل هذا اللفظ كل كائن، أي موجود في السماوات أو في الأرض هو ملك لله، إذ هو خالقه ومدبره ومالكه، وغير الله لا يملك.

    إذاً: كيف تدعون غير الله؟! أنت تعرف أن إبراهيم أو عثمان أو عبد القادر لا يملك شيئاً وتدعوه وتناديه؟ هل أنت مجنون؟ تأمل.

    هل آمنتم بأن لله ما في السماوات وما في الأرض أم لا؟ فإذا كان هو المالك لها وهي بيده؛ فهل يجوز طلب شيء منها من غيره؟! لا يجوز، أنت تمر بحديقة أو بمنزل وترى فيه ما فيه من الطعام والشراب؛ فإذا كان صاحبه موجوداً وتراه فاسأله؛ لأنه يملك، وإذا مررت بآخر وصاحبه غير موجود فقلت لآخر: يا إبراهيم! أعطني. فسيقول: أنت مجنون؛ هذا ما هو ملكي أنا، ما هو بستاني ولا مالي!

    وأوضح من هذا أن يأتي الإنسان إلى خربة ما فيها سكان ولا أحد ويلزم الباب: يا أهل البيت! يا أهل الدار! أخوكم من ثلاثة أيام ما طعم ولا شرب، أغيثوني! فإذا مررت به أنت تضحك أم لا؟ ما هو واجبك؟ تقول: يا عبد الله! هذه خربة ما فيها أحد، لا امرأة ولا رجل ولا طعام ولا ماء، اذهب إلى دار أهله موجودون فيه.

    ومع هذا يمر بنا إخواننا وهم يستغيثون بعبد القادر وفلان وفلان ونحن ساكتون، فلنقل لهم: إن هذا ما يعطيكم شيئاً، اسألوا الله، استغيثوا بالله، أنتم تغيظون ربكم وتغضبونه عليكم، من يعطيكم؟

    وهذا هو واقع أمة الإسلام من ثمانمائة سنة، يجده يدعو صاحب قبر فما يغضب! قل له: ارفع كفيك إلى ربك، توضأ وصل بين يديه واسأله، أما صاحب هذا الضريح أو القبر فما يعطيك شيئاً.

    والله! لو كان في الإمكان إجراء عملية اختبار لقلنا: ابعدوا الهيئة والعسكر من حول الحجرة، فإذا لم تروا إخوانكم من الشرق والغرب يركعون ويتمسحون ويبكون ويستغيثون فاذبحوني الآن، مع ما انتشر من الوعي والسلفية والتوحيد!

    إذاً: لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [البقرة:255] من الكائنات كلها، مياهها وأنهارها وذهبها وفضتها، وكل ما فيها؛ فمن أراد أن يسأل فليسأل الله، فلا تمل إلى عزى ولا مناة ولا عائشة ولا مريم ولا عيسى، فالله تعالى له ما في السماوات وما في الأرض من كل الخيرات، فمن نطلب إذاً؟ نطلب إبراهيم؟! لا يملك، نطلب من محمد صلى الله عليه وسلم؟! لا يملك، من نطلب؟ الله.

    ضلال المتجهين إلى عبادة غير الله تعالى

    في غزوة ثقيف التي غزاها الرسول صلى الله عليه وسلم عام الفتح بعدما دخلوا مكة في السنة الثامنة استراحوا يومين أو ثلاثة، وبلغهم أن ثقيف تتجمع لحربهم، ولما خرج القائد الأعظم صلى الله عليه وسلم وإذا بمسلمي أمس ومن ثلاثة أيام مروا بشجرة كان المشركون يعلقون نبالهم وسيوفهم ورماحهم عليها ثم يغزون، يتبركون بها، فقالوا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط! أي: ننيط بها سلاحنا للبركة ونحن غازون! فتعجب الرسول وقال: ( ما زدتم أن قلتم كما قال بنو إسرائيل لموسى: اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف:138] ).

    لما نجى الله موسى وبني إسرائيل من فراعنة مصر وخرجوا وشق لهم البحر وقطعوه وصلوا إلى الأرض، وإذا بقرية على الساحل أهلها مشركون يعبدون عجلاً، فقالوا: يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف:138] سبحان الله! هذه الآيات التي شاهدتموها، والانتصار الذي تم بفضل الله علينا وتقولون: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة؟! إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف:138].

    فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر المؤمنين الجدد بأنهم ما زادوا أن قالوا كما قال بنو إسرائيل، وإلى الآن المسلمون يتبركون بالأشجار، والمملكة هي الوحيدة التي قطعت الأشجار وهدمت القباب وهدمت كل ما يعبد مع الله، والناس يتحمسون ويتغيظون يدعون عليهم بالهلاك،كل الخرافيين هكذا! ومنذ ثلاث وعشرين سنة أيام كان الدرس في باب المجيدي جاء شاب وقال لي: والله! إنه لتوجد شجرة تعبد في المدينة، سبحان الله! فقلنا للطلاب: هيا باسم الله. فمشى مجموعة وانتظروا وإذا بأولئك الفقراء يعكفون عليها ويدعونها ويتبركون، فقطعوها، ولما قطعوها ضجت النساء بأعلى أصواتهن بالبكاء! هذا في المدينة، فكيف ببلد ما فيه من قال: هذا باطل؟ تبنى القباب وترفع، هذا قبر سيدي فلان الولي! وهذا كله كما قال موسى عليه السلام: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف:138] الجهل هو السبب، والله! لولا أن علمنا الله لكنا كآبائنا وإخواننا، وإلى الآن الذي لا يتعلم لن يكون إلا مثل آبائه وأجداده.

    لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [البقرة:255] هل هناك قطعة لآخر؟ هل هناك حبة عنب لآخر؟ لا يسأل إلا الله.

    معنى قوله تعالى: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه)

    ثم قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255] اجعل الجن والملائكة والبشر يعقدون مؤتمراً لعلهم يعثرون على من يشفع بدون إذن الله؟ والله! لا جبريل ولا ميكائيل ولا إسرافيل، ولا أي كائن يستطيع أن يشفع بدون إذن الله.

    وهذا الاستفهام للتعجيز؟ هو للنفي المطلق، (من ذا الذي؟!) لا أحد يشفع لأحد لينقذه أو ينجيه أو يكرمه إلا بإذن الله.

    والمشركون كانوا يعبدون أصنامهم تحت شعار: أنها تشفع لهم عند الله. واقرءوا إن شئتم من سورة الزمر: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:1-3] ما نعبدهم لأي غرض آخر، إلا ليقربونا إلى الله عز وجل فيقضي حوائجنا.

    والآن عبدة القبور يقول لك: أنا ما أعبد سيدي، لكن نستشفع به فقط! كيف تعبده؟ ماذا تقول؟ يقول: يا سيدي! أنا بين يديك، أنا كذا، اسأل الله لي، افعل لي كذا، وهذه هي العبادة! فما هي العبادة سوى اطراحك بين يدي الله، وسؤاله حاجتك.

    أنواع شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم

    إذاً: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ [البقرة:255]؟ فقل: لا أحد ولا تتردد، وهنا الشفاعة العظمى فاز بها أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، وقد استعرضنا مواقف عرصات يوم القيامة، وشاهدنا أنه ما من رسول إلا يقول: عليكم بفلان، وحين يأتون النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( أنا لها ) ؛ لسابق علمه بذلك، إذ جاء من سورة الأسراء: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79].

    فأي مقام محمود يحمده أهل الموقف أجمعين عليه؟ هو أن يشفع لهم عند الله ليقضي بينهم فقط، ليحكم، طال الزمان وطالت المدة، خمسون ألف سنة وهم وقوف.

    ولا يقول: يا رب! لقد وعدتني فاقض بين عبادك، بل قال: ( فآتي فأخر تحت العرش ساجداً، ويلهمني ربي محامد، ولا أزال أحمده وأثني عليه بها حتى يقول: أي محمد! ارفع رأسك، واسأل تعط، واشفع تشفع ) ثم يأخذ الله عز وجل في فصل القضاء ليحكم بين الناس، هذه الشفاعة العظمى صاحبها واحد؟ من هو هذا؟ محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهناك شفاعات للرسول صلى الله عليه وسلم غير، ومنها -وهي أعظم شفاعة- أن يخرج من دخلوا النار من أهل التوحيد، يشفع لهم فيخرجهم الله من النار.

    وهناك شفاعة أخرى أنه يقدمك على غيرك في حسابك وجزائك، وشفاعة ليرفعك إلى مستويات ما كنت تصل إليها، يسأل الله عز وجل فيعطيك.

    شروط شفاعة غير النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة

    وما عدا النبي صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أحد أن يشفع لآخر إلا بشرطين:

    الأول: أن يأذن الله له بالشفاعة، يا عبدنا فلان! أنت من حفظة القرآن التالين له في الليل والنهار، اشفع في أمك خديجة، فيقول: يا خديجة شفعنا لك بابنك هذا إلى الجنة.

    ثانياً: أن يكون الله قد رضي عن المشفوع له بأن ينزل بجواره، وإذا لم يرد الله أن ينزل هذا في الجنة فما تنفع الشفاعة، واقرءوا الآية الموضحة: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ [النجم:26] من الشفعاء وَيَرْضَى [النجم:26] عن المشفوع له.

    لو أذن الله لمؤمن أن يشفع في أربعين من أهله ومن بينهم من كان عدواً لله والله لا يرضى جواره فما تقبل شفاعته.

    إذاً: شرطان رئيسان لا ننساهما، الأول: لا شفاعة إلا بإذنه، إن أذن اشفع، ولن تشفع إلا لمن يحب، لا كما تحب أنت، على شرط: أن يكون الله راضياً عنه أن يدخل الجنة، وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء:28]، لكن آية النجم واضحة: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم:26].

    وهذا إبراهيم الخليل في عرصات القيامة كما تبينا وعلمنا يقيناً بأخبار أبي القاسم الصحيحة، إبراهيم في ساحة فصل القضاء يقول: أي رب! لقد وعدتني ألا تخزيني يوم يبعثون، وهذا أبي الأبعد في النار، فأي خزي أخزى من هذا؟ فيقول له الرب تبارك وتعالى: يا إبراهيم! انظر تحت قدميك، فينظر فإذا بأبيه آزر في صورة ضبع ملطخ بالدماء والقيوح! فيصرخ إبراهيم ويقول: سحقاً سحقاً! فيؤخذ من قوائمه الأربع ويلقى في أتون الجحيم، والخليل يقول: سحقاً سحقاً.

    وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُرَد عن حوضه جماعات من أمته، يدفعون عن الحوض، فيقول: رب! أصحابي! رب! إخواني! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول: سحقاً سحقاً.

    والقضية عند أهل الحلقة واضحة كالشمس، فقد صدر حكم الله جل جلاله وعظم سلطانه على الأبيض والأصفر، على الأول والآخر، أنه لا يدخل الجنة ألا من زكى نفسه وطهرها بالإيمان وصالح الأعمال، وأبعدها عما يدسيها من الشرك والمعاصي، إذ أقسم الجبار قسماً لم نر غيره مثله في القرآن، اسمع هذا القسم: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:1-8] أي قسم أعظم من هذا؟! على الحكم التالي: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، كن ابن من شئت، أو أباً لمن شئت، لا ينفعك نسب أبداً، وإنما هل عملت على تزكية نفسك أم لا؟ فإن أهملتها واشتغلت ببدنك فأنت من الخاسرين، لا ينفعك نبي ولا ملك ولا عمل.

    قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9] كيف يزكيها؟ يطيبها، يطهرها، وَقَدْ خَابَ [الشمس:10] ما معنى خاب؟ خسر، خسر الجنة ونزل في دار البوار النار.

    هذه الآية الذين عرفوا معناها يتحاشى أحدهم أن يقول كلمة سوء تدسي نفسه، أو ينظر نظرة محرمة حفاظاً على زكاة نفسه وطهارتها، فإذا جاء ملك الموت وأعوانه يبشرونه فيستبشر: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30].

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.