إسلام ويب

تفسير سورة البقرة (109)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من شرع الله عز وجل في الطلاق أن من طلق زوجه دون الثالثة فإن عليها أن تعتد، وله أن يراجعها خلال فترة عدتها، فإن علم الزوج من نفسه استقامة أمره معها راجعها وأمسكها، وإن ظن في نفسه ألا يستقيم حاله معها طلقها وسرحها سراحاً جميلاً، ولا يجوز له وهذه حاله أن يراجعها؛ لما في ذلك من الإضرار بها والاعتداء على حقها، ومن فعل ذلك فقد ظلم نفسه، وعرض نفسه لسخط الله وعقابه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده رسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأحد من يوم السبت- ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي والعالم أجمع: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، اللهم حقق لنا هذا الرجاء يا ربنا.

    وها نحن مع هذه الآية المباركة الكريمة من سورة البقرة، سورة الأحكام الشرعية:

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:231].

    هذا كلام من؟ كلام الله عز وجل، ما ادعاه أحد من الناس فقال: كلامي، لا والله، إذاً: آمنا بالله، وقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذه آية من ستة آلاف ومائتين وست وثلاثين آية تشهد أنه لا إله إلا الذي أنزلها، وأن الذي نزلت عليه يستحيل أن يكون غير عبد الله ورسوله، فمنزل هذه الآية أخبر عن نفسه أنه الله الذي لا إله إلا هو، وأنزلها على عبده فناداه بعنوان الرسالة: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة:67]، كل آية تشهد بواقعها أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.

    فماذا تحمل هذه الآية من الأحكام الإلهية التي حرمها العالم بأسره فشقي وخسر إلا من رحم الله عز وجل؟ ماذا يقول لنا عز وجل؟

    ذكر ما عطفت عليه الجملة من أحكام الإيلاء

    يقول تعالى: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ [البقرة:231]، هذه الجملة معطوفة على سابقاتها، إذ تقدم بيان الإيلاء، وهو أن يحلف الرجل ألا يطأ امرأته شهراً أو شهرين أو ثلاثة أو أربعة أو عاماً ويأبى أن يحنث ويريد أن يستمر في يمينه، فأعطاه الله عز وجل مهلة أربعة أشهر ثم إما أن يفيء -أي: يرجع إلى فراشه ليطأ امرأته- أو تطلق عليه رغم أنفه، لا يرضى الله لأمته أن تهان وتحرم وتذل وهي تعبده وتذكره صباح مساء، فيقال له: إما أن تفيء وترجع وإما أن تطلق، والآية الحاملة لهذا الحكم هي قوله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:226-227].

    ولا ننس سؤال عمر ابنته حفصة رضي الله تعالى عنهما، ومن عمر هذا؟ هذا ابن الخطاب ، هذا صاحب الحبيب صلى الله عليه وسلم وخليفته، عمر الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما سلك عمر فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غير فجه )، ما يقوى الشيطان أن يماشي عمر ؛ يحترق، وقال فيه: ( لو كان في أمتي محدثون ) ، أي: من تحدثهم الملائكة، ( لكان منهم عمر ، ولكن لا نبي بعدي )، فـعمر كيف بلغ هذا الكمال وانتهى إلى هذا المستوى؟

    عندنا قصة ثابتة: دعاه أحد ولاته على طعام بليل أو نهار وقدم الطعام فإذا به ألواناً -ولن تصل إلى ألوان طعامنا اليوم حتى طعام فقرائنا ومساكيننا- فنظر إليه عمر نظرة الأسد وفزع واضطرب وقام، فصاح الوالي: ما لك يا أمير المؤمنين؟ اجلس، اطعم، فقال: خشيت أن أكون مثل من قال الله تعالى فيهم: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ [الأحقاف:20]، هذا عمر صفت نفسه زكت روحه أصبحت أشبه بأرواح الملائكة، يحدث عنه ولده عبد الله ويقول: ما قال أبي في شيء: أظنه كذا إلا كان كما ظن.

    هذه الفراسة سببها أكل الطيبات، سببها الصيام في الهواجر، القيام في الليالي الطوال، التضحية في سبيل الله بالغالي والرخيص، هذا عمر .

    سأل ابنته حفصة ، ومن حفصة هذه يا جماعة؟ هذه أمنا، أم المؤمنين، هذه زوج الحبيب صلى الله عليه وسلم، توفي رسول الله وهي في عصمته، سألها عمر : أي بنيتي! كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: تصبر شهرين، وإذا دخل الثالث قل صبرها، وإذا دخل الرابع نفذ صبرها، فأصدر أمره إلى رجال جيوشه الإسلامية الغازية الفاتحة: على القادة أن يرسلوا كل مجاهد إلى أهله إذا استغرق أربعة أشهر، إذا أكمل أربعة أشهر في الجهاد أرجعه إلى أهله، من فعل هذا؟ هذا عمر ، فهذا شاهد هذه الآية الكريمة: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا [البقرة:226] رجعوا وكفروا عن أيمانهم فذاك، وإلا فالطلاق.

    ذكر ما عطفت عليه الجملة من أحكام الطلاق والرجعة

    ثانياً: عدة المطلقة كم هي؟ أي: ما هي المدة التي تنتظر المرأة زوجها عله يراجعها؟

    طلق الفحل الليلة امرأته، فكيف طلقها يا شيخ؟ طلاقنا نحن أيها الصعاليك ما جاء في القرآن ولا حدث به الرسول صلى الله عليه وسلم، كقوله: أنت حرام علي وكذا، والله! ما هذا هو الطلاق.

    الطلاق الذي شرعه الله لرحمته بأوليائه: أن الرجل إذا رأى أن أخته المؤمنة في تعب في ألم ما استراحت أبداً، فشفقة عليها ورحمة بها ينتظر علها ترتاح، ينتظر الشهر والشهرين والعام والعامين، فإن وجد ألمها ما ينقضي عنها وهي تحته فإنه يشهد اثنين في البيت: أشهدكما أني طلقت أم فلان أو فلانة، وهي تسمع، ويعطيها الله فترة من الزمن عله يندم، علها هي تبكي وما تستطيع الفراق، ثلاثة قروء: ثلاثة حيض أو ثلاثة أطهار، الكل صالح، فإن راجعها في هذه الفترة فبها ونعمت، وإذا ما راجعها وانتهت هذه الأقراء فحينئذٍ يعطيها ما لها من حق، إذا كان لها مؤخر صداق أعطاها، ثم يذهب بها إلى أهلها: ابقي مع أهلك وأستودعك الله عز وجل يا أمة الله.

    أو هو عبد الله المؤمن ولي الله أتعبته هذه الأمة وضايقته، أساءت إليه، فصبر العام والعامين فما أطاق، حياته كلها عذاب، والله ما يرضى لوليه أن يعذب، فسمح له أن يطلقها، حيث عرف أنه لا يمكن أن يستريح أبداً مع هذه المؤمنة، إذاً: فيشهد اثنين ويقول: فلانة! قد طلقتك، فتتربص وتنتظر هذه الفترة من الزمن، إن كانت تحيض فثلاث حيضات أو ثلاثة أطهار، الكل واسع، فإن انقضت أعطاها ما لها من حق وحملها إلى بيت أهلها واستودعها الله عز وجل، ولا يذكرها بسوء قط، هذا هو الطلاق الرباني، هذا هو طلاق المسلمين، هل يجري هذا الطلاق الآن؟

    أهكذا يطلق الفحول؟ ولا واحد في الألف، لماذا؟ ما عرفوا، ما تربوا في حجور الصالحين، ما درسوا كتاب الله ولا اجتمعوا عليه، فكيف يعرفون؟ أيوحى إليهم؟ ما هم بأنبياء ولا مرسلين، فكيف يعرفون؟ مستحيل أن نعلم إذا لم نطلب العلم، حولونا من قرون إلى المقاهي والملاهي والأباطيل والخرافات والضلالات، فكيف نتعلم؟

    هذا هو الطلاق، فإن طلقها وانتهت عدتها ثم تزوجها بعد أن رغب في العودة ثم طلقها مرة ثانية هنا لم يبق إلا أن يمسكها بمعروف أو يسرحها بإحسان، فإن طلق بعد ذلك فإنها لا تحل له أبداً حتى تنكح زوجاً غيره؛ لقوله تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229]، ما قال: الطلاق طلقتان، قال: مرتان، لو قلت: أنت طالق طالق طالق بالثلاث فكل هذا هراء وباطل ومنكر، ما أراد الله هذا.

    الطلاق: أن تريد أن ترفع الأذى عنك أيها المؤمن أو عن امرأتك المؤمنة الطاهرة، فحين تعزم عليه تأتي إلى بيتك بمن يشهد وتقول: أشهدكما أني طلقت فلانة، فإن أردت أن تراجعها وهي في العدة ما انتهت فإنك تشهد اثنين وتقول: أشهدكما أني راجعت امرأتي، هكذا الطلاق والمراجعة، فإذا طلقها مرتين ثم راجعها أو عقد عليها بعد العدة لم يبق إلا أن يستمر بإحسانه إليها، وإن طلقها بانت بينونة كبرى لا تحل له حتى يذل ويهون وينكسر أنفه ويطأ تلك المرأة فحل غيره، فإن طلقها أو مات عنها فلا جناح عليهما أن يتراجعا بشرط: إن ظنا أن يقيما حدود الله، لا بالعنت والسب والشتم والسخرية، الرجل يسب امرأته ويسخر منها كما يفعل الجهلة في الشوارع مع الناس، أهذا مؤمن هذا؟ وهي أيضاً تفعل هذا، والله! إنه يبلغنا أنها تسب وتشتم وتسخر من الزوج،و لا لوم، فهي جاهلة وهو أشد جهلاً، ماذا تريد من جاهلة أو جاهل؟

    لطيفة في قوله تعالى: (فبلغن أجلهن)

    الآن قال تعالى: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ [البقرة:231] الطلاق الذي بيناه لكم، إذا طلقتم هذا الطلاق فَبَلَغْنَ [البقرة:231] أي: المطلقات أَجَلَهُنَّ [البقرة:231] ما أجلهن؟ انتهاء العدة.

    وهنا لطيفة: قوله: بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ [البقرة:231] ليس معناه أن الحيضات الثلاثة أو الأطهار تمت، معناه: قاربن نهاية العدة، أما إذا بلغت حقاً وانتهت العدة فما بقي إمكان لأن يراجعها، انتهى أمرها، إلا أن يعقد عليها إذا رضيت ورضي أولياؤها.

    ما يجب على مراجع مطلقته المعتدة من الإمساك أو التسريح بالمعروف

    فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ [البقرة:231] أي: أشرفن، بقي يوم أو يومان أو ثلاثة، حينئذ إن أردت إمساكها وإبقاءها فأمسكها بمعروف لا بمنكر، بعض الجهلة يمسكها ليشقيها ويهينها ويعذبها ثم يطلقها، فإذا كادت العدة تنتهي راجعها لينكل بها، كان هذا في الجاهلية، ولما عادت الجاهلية عاد هو أيضاً، هذا كان في الجاهلية، يطلق الرجل امرأته ويتركها في العدة، وقبل أن تنتهي العدة يراجعها، ويبقى يسب ويشتم ويركل ويهين، ثم يطلقها وينتظر، فيستريح منها ثلاثة أشهر، فإذا قاربت راجعها، فأبطل الله العادة الجاهلية، فقال جل جلاله: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ [البقرة:231] أي: قاربن نهاية العدة؛ لأن المعتدة التي لا تحيض لصغر سنها أو كبر سنها عدتها ثلاثة أشهر تسعون يوماً، فإذا أشرفن على نهاية العدة فما هو الواجب؟ أمسكها يا فحل بمعروف أو فارقها وسرحها بمعروف، أمسكها وأرجعها إلى عصمتك بالإحسان والمعاشرة الطيبة والود والتحاب والتعاون، أو سرحها أيضاً بمعروف، أعطها كامل حقوقها وأثن عليها خيراً، ولا تشوه سمعتها، ولا تسب أهلها؛ لأنك مسلم ولي الله، ما أنت بيهودي ولا نصراني ولا مجوسي، أنت رباني من أولياء الله.

    معنى قوله تعالى: (ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا)

    قال تعالى: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا [البقرة:231] يا عباد الله، لا تمسكها بالمراجعة من أجل الإضرار بها، إما بإهانتها، وإما بتنغيص راحتها، وإما بحال من الأحوال، أو حتى بمنعها من الفراش، إياك أن تمسكها لتضر بها، أمسكها قبل أن تنتهي العدة إن كنت تعلم أنك تحسن إليها وتعاشرها بالمعروف، أما أن تمكر بها فترجعها ثم تهينها وتذلها،كلما أوشكت العدة أن تنتهي راجعتها من أجل أن تذلها وتضرها فهذا لن يكون بين المسلمين، كان في الجاهلية.

    وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا [البقرة:231] على حدود الله وشرائعه، لا تفهم أن هذه المؤمنة صعلوكة أبوها ميت وأهلها فقراء، أو أنها غريبة في بلاد بعيدة.

    اسمع: يقول الله تعالى: ( من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ) تعلن الحرب على الله، ويعلن الله الحرب عليك، فهل ستنجح؟ أيربح من يدخل في حرب مع الله؟ والله! لا يفلح، فلم يذبح بعضكم بعضاً؟ لم يسرق بعضكم بعضاً؟ لم يزني بعضنا بنساء بعض؟ لم نغش بعضنا؟ لم نؤذي المؤمنين والمؤمنات؟ أواقع هذا أو هراء؟ هذا هو الواقع، فما سببه؟ هل كفرنا؟ لا، ما السبب؟ الجهل، ما علمونا، ما تربينا في حجور الصالحين، بل في الشوارع والمقاهي والملاعب، أو في مدارس كـ(لامدارس)، حتى قال بعضهم: هي مدانس، فالطلبة يلعبون أمام المدرسة ويدخنون.

    التربية المسجدية طريق تهذيب أخلاق الأسر المسلمة

    فإلى أين المفر؟ كيف نطبق هذا الشرع؟ ما تأهلنا له، فهيا نراجع الحياة من جديد.

    وقد يقال: يا شيخ! ما نستطيع، فات الزمانما نقدر؟ فأقول: وهل أنتم مطالبون ببذل أموالكم؟ بالخروج من دياركم؟ بقتل أنفسكم وأولادكم؟ لا، ما هو إلا أن تعلن عن أنك مسلم، وحينئذ أهل القرية المسلمة كأهل الحي في المدينة يلتزمون بأن لا يفارق أحدهم بيت الله هو وامرأته وأطفاله، من المغرب إلى العشاء، يجلسون كجلوسنا هذا، النساء وراءنا والفحول أمامنا، نتلقى الكتاب والحكمة، يوماً آية وآخر حديثاً، يوماً آية ويوماً حكمة، العام بعد العام، أسألكم بالله: كيف تصبح تلك المدينة في أحيائها؟ كيف تصبح تلك القرى؟

    قد تقول: يا شيخ! أنت واهم. فأنا أقول: بعينيك انظر في قريتك في بلادك في مجلس في الطائرة لترى أن أعلمنا بالله أتقانا له، هل من يرد عليّ؟

    في هذه الحلقة أعلمنا بالله أتقانا له، حتى لا نظن أن هذا هراء كما يقوله الغافلون الهابطون، والله! لن يستقيم أمر أمة الإسلام حتى في البيت في الأسرة إلا على نور الله، إما أن نقبل في صدق على الله نتعلم الكتاب والحكمة، ونقوي إيماننا، ونزيد في طاقة أنوارنا؛ فنسعد ونكمل، وإلا فالهبوط حتى التمزق والتلاشي والخلود في جهنم.

    فإذا دقت الساعة السادسة وقف دولاب العمل، أغلق الدكان، أوقف السيارة، إلى أين؟ إلى بيت الرب، أي بيت للرب هذا؟ المسجد، إنه بيت الله، ويأتي أهل القرية أو أهل الحي كلهم إلى المسجد، يصلون المغرب كما صلينا، ويجلسون كما نحن جالسون، فليلة آية وأخرى حديثاً، هذا الكتاب وهذه الحكمة، يوماً بعد يوم طول العام، والله! في السنة الأولى ستتغير حالة أهل القرية أو الحي تغيراً عجباً، فيصبحون أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

    ولا تسألني، فما بقي غش ولا خداع ولا كبر ولا حسد ولا تلصص ولا فجور ولا زناً، طهر كامل، وفوق ذلك المودة والإخاء والحب والتعاون، ما يبقى بينهم عار ولا جائع ولا مظلوم ولا مريض، جسم واحد: ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ) من قرر هذا؟ من قعد هذه القاعدة؟ من لا يكذب ولا يمكن أن يخطئ كلامه أبداً، فلم ما نفعل هذا؟ بلغوهم، وخاصة الذين يسخرون من هذا الكلام يستهزئون، قلنا لهم: في اليهود، النصارى، أمريكا، روسيا، أوروبا، الشرق والغرب إذا دقت الساعة السادسة وقف العمل.

    نزلنا بالطائرة في جبل طارق الساعة الخامسة والنصف، وإذ بي أسمع رفاقي: عجل.. عجل. لماذا؟ لنشتري العشاء، فإنه إذا دقت السادسة ما يبقى دكان مفتوح ولا مطعم، لم؟ قالوا: يستريحون، فالكفار يستريحون والمسلمون ما يستريحون؟! يتمزق القلب، عجيب والله، إن لم نعد إلى هذا المنهج المحمدي فلن نتعلم، ما أجدتنا ولا نفعتنا مدارسنا؛ لأن التربية شيء والتعليم شيء.

    أنا أقول: إذا بعثت الطالب أمه ليدرس من أجل الوظيفة فلن ينتفع بعلمه، يقول الرجل لابنه: تعلم لتكون كذا وكذا، والله! ما سمعتهم يقولون: تعلم لتعرف الله وتحبه ويحبك، تعلم كيف تعبد الله عز وجل، وزادت المحنة فأتوا إلى البنات الآن، يقولون: تعلمي لتكوني كذا وكذا، وقد عرفنا المستقبل يا بابا! أعوذ بالله من هذا الهبوط، هذا فحل قال لابنته: درست الابتدائية فيكفيك، عودي إلى أمك أعينيها واعملي معها، فقالت: مستقبلي يا بابا! لا تمنعني، غداً أصبح مدرسة راتبي عشرة آلاف ريال، فقلت لها: اسمعي: هذه أمك تسمع وراء الستارة، من أمك هذه إلى جانب فاطمة الزهراء؟ وأكثر من ألف جدة والله! ما توظفت واحدة منهن، وعشن ومتن سعيدات، وأنت تقولين: الوظيفة للمستقبل يا بابا! لا لوم ولا عتاب؛ ما عرفنا رب الأرباب، ما أوجدنا في قلوبنا حبه، ولا الخوف منه، فكيف نستقيم؟ مستحيل.

    فالطريق: أن يصدر رئيس الحكومة أو وزير الداخلية قراراً: ألا يبقى بعد الآن رجل ولا امرأة خارج المسجد مع أذان المغرب، يأتون كارهين، ولكن لا يزال النور الإلهي يسري في قلوبهم يوماً بعد يوم بعد يوم، بعد أربعين يوماً لو قال لهم: لا تعودوا لقالوا: والله! لنعودن، ولا نستطيع أن ننقطع عن هذا النور.

    تابع معنى قوله تعالى: (ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه)

    قال تعالى: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا [البقرة:231] (ضراراً) حال من الإمساك أو مفعول لأجله، أي: للإضرار بهن، لِتَعْتَدُوا [البقرة:231].

    قال تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [البقرة:231]، عرضها للبلاء الإلهي والنقمة الربانية، هذا الذي يراجع المرأة ليضر بها ويهلكها، فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [البقرة:231].

    معنى قوله تعالى: (ولا تتخذوا آيات الله هزواً واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به)

    وأخيراً قال لنا: وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا [البقرة:231] تسخرون منها وتضحكون، ولا تعلمون منها شيئاً ولا تعملون، ولا تطبقون، تقرءونها على الموتى، أي سخرية أكثر من هذه؟

    وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [البقرة:231] أنتم مؤمنون مسلمون، الرسول كأنه بين أيديكم، والله عز وجل أنزل كتابه عليكم؛ فسموتم وارتفعتم، وعبدتم الله وحده، وغيركم في الضلال والعمى والفسق والفجور والباطل، لا تنسوا هذه النعمة: أن شرع الله عندكم، والأمم الأخرى الكافرة لا تملك من هذا شيئاً، أية نعمة أعظم من هذه النعمة؟

    وأزيد الأمر توضيحاً فأقول: بالله الذي لا إله غيره! لو وضع مؤمن في كفة ميزان ووضع كل الكافرين من أمريكا إلى اليابان في كفة لما بالى الله بهم من أجل عبده هذا، كل الكفار بالمليارات لا يعدلون مؤمناً واحداً في قضاء الله وحكمه، ما سر هذا الكمال، كيف حصل على هذا؟ بإيمانه بالله وتقواه له.

    واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [البقرة:231] كنتم عبدة أوثان وأصنام، وكنتم في حالة جاهلية عمياء من شن الغارات وسفك الدماء، فرفعكم الله إلى هذا المستوى، فأنزل شرعه ووحيه وبعث رسوله، فلا تنسوا هذه النعمة، فكيف تسخرون من آيات الله ولا تطبقون أحكامه ولا شرعه؟

    وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ [البقرة:231]، لو كان لا كتاب ولا شرع عندنا ولا حكمة فنحن همج، فماذا نصنع؟ هذه حياتنا، أما وقد هدانا إلى الإيمان وأنزل علينا كتابه وبعث رسوله فكيف لا نهتدي؟ فكل كلمات الرسول حكمة لا يمكن أن يتخلف نتاجها ولا أثرها على طول الحياة.

    ولكن القرآن يقرأ على الموتى، والسنة النبوية تقرأ للبركة فقط، كثير من بلاد العالم حتى في المدينة يجتمعون على البخاري في رمضان، لم تقرءون البخاري ؟ قالوا: للبركة، هل الرسول يشرع ويقنن للبركة؟! القرآن يقرأ ليلة الموت في المقبرة وفي المنزل، أمن أجل هذا أنزله الله ليقرأ على الموتى؟ الأحياء يغلقون آذانهم فما يسمعونه، إذا قلت: قال الله غضبوا، والميت الهالك تقرأ عليه القرآن، سخرية هذه أم ماذا؟! فهذه أسباب هبوطنا من علياء السماء إلى هذه الدركات السفلى.

    واسمع كيف يمتن الله علينا: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [البقرة:231] نعمة الإيمان والإسلام، وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ [البقرة:231] يأمر وينهى ويربي ويحلم ويعظم من شأننا.

    معنى قوله تعالى: (واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم)

    وَاتَّقُوا اللَّهَ [البقرة:231] هذا التوقيع الأخير، اتقوا الله قبل أن تنزل نقمه، وقد نزلت؛ أصبح المسلمون أذل الخلق وأفقرهم وأعجزهم وأكثرهم فسوقاً وباطلاً وشراً، نزل حكم الله، ما اتقينا الله، ما خفناه، ما عرفناه حتى نخافه ونرهبه، أو نحبه ونتملقه ونتقرب إليه؛ أبعدونا عن كتابه وهدي نبيه فجهلنا، وبقيت بركة فقط لتقوم بها الحجة لله يوم القيامة، لا بد أن يبقى شيء من الدين لتقوم الحجة به لله يوم القيامة.

    على سبيل المثال: هبط العالم الإسلامي من إندونيسيا إلى موريتانيا، فالشرك والضلال والخرافات، فسلط الله عليهم الاستعمار الغربي، فأذلوهم وأهانوهم، فقد يقولون يوم القيامة: يا رب! ما عرفنا دينك، ما ظننا أن القرآن يسعد أو يحقق طهراً أو أمناً! فأبى الله إلا أن يوجد دولة عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود في صحراء قاحلة، لا زيتون ولا رمان ولا عنب، صحراء واسعة، والناس يسيرون على الجمال، لا سيارة يومها ولا طيارة، وحكم كتاب الله في هذه الأمة الموزعة هنا وهناك في ظرف محدود، وإذا بها دولة واحدة لم تكتحل عين الوجود -والله- بمثلها في الأمن والطهر إلا أيام القرون الذهبية فقط، تحققت هذه الطهارة، والله! لبيوتنا كانت مفتوحة بالليل، يمشي الرجل من نجد إلى جدة لا يخاف إلا الله، ما سبب ذلك؟ العودة إلى كتاب الله وحكمة رسوله، لا سحر ولا صواريخ.

    فالهيئة في القرية تأمر وتنهى، والذي يتخلف عن صلاة الصبح قد يتعرض للعقاب، ها هو الدكتور عبد الله العقيد يقول: والله! لقد أحرقوا لي عمامتي حين تخلفت عن صلاة الصبح فقط، الهيئة أحرقت العمامة، وما يحصل على العمامة في ذلك الوقت إلا بمبلغ من المال، ومن أين يجيء المال؟ ما هو إلا الشعير والمعز، فساد أمن وطهر والله ما وجد إلا في هذه البلاد بتحكيم شرع الله، لم فعل الله هذا؟ لتكون له الحجة يوم القيامة، وإلا قال الناس: يا رب! ما نفعنا كتابك.

    فهل تحقق الأمن والطهر أو لا؟ اشهد -يا رب- أنه تحقق، بسبب ماذا؟ لا خرافة ولا قبر يعبد ولا وثنية، بل لا إله إلا الله، بالتوحيد فقط، ثم بإقامة حدود الله، الزاني يرجم أو يجلد، والسارق تقطع يده، والقاتل يقتل، لا أقل ولا أكثر، وتجبى الزكاة وتقام الصلاة إجبارياً، فلم العالم الإسلامي ما يفعل هذا؟

    قد نقول في أيام الاستعمار: ما نستطيع يا رب فنحن مملوكون، محكومون، وبعد أن استقللتم بإذننا وتحررت دياركم وحكمتم بأنفسكم لم ما أقمتم الصلاة إجبارياً في الجيش وفي الأمة؟ لم ما أوجدتم جماعات يأمرون في البلاد بالمعروف وينهون عن المنكر؟ لم ما جبيتم الزكاة وعوضتموها بالضرائب الفادحة؟ ولهذا قولوا: آمنا بالله.

    إن مستقبلاً مظلماً ينتظر هذه الأمة، إلا أن يفرج الله عنها، فقد أعرضت عن كتاب الله، واسمع ماذا يقول: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:231]، لا يخفى عليه باطلنا ولا فسادنا ولا ظلمنا ولا شرنا ولا إعراضنا عن ذكره وكتابه، والله! إننا لتحت النظارة، إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14].

    خلاصة ما أرشدت إليه الآية الكريمة

    هذه الآية الكريمة من كلام الله ماذا تعلمنا منها؟ تعلمنا أنه إذا طلقت زوجتك يا عبد الله وأردت أن تراجعها فقبل أن تنتهي العدة راجعها، لكن إياك أن تراجعها لتنكل بها وتعذبها، هذه أمة الله، قال تعالى: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا [البقرة:231] وهي حاملة لهذا النور وهذه الأحكام والهداية.

    وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [البقرة:231] واشكروه، قولوا: الحمد لله أننا مؤمنون، وإضافة إلى ذلك وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ [البقرة:231] هذا مفقود عند العالم بأسره إلا عندكم معشر المسلمين، كتاب الله وسنة رسوله، وَاتَّقُوا اللَّهَ [البقرة:231] فإن لويتم رءوسكم فاعلموا أن الله بكل شيء عليم، وينزل نقمته، عياذاً بالله .. عياذاً بالله، رحماك يا ألله.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.