إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 102للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • التوبة النصوح واجبة على كل مسلم، ومن لوازم التوبة النصوح فعل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال الصالحة، واجتناب مكاره الله سبحانه وتعالى من الأفعال والأقوال، وبهذا يكون فعل محاب الله دليل على أن العبد من أوليائه، وفعل مكاره الله دليل على أن العبد من أعدائه.

    1.   

    تابع وجوب التوبة النصوح من كل ذنب على الفور رجاء مغفرة الذنوب ودخول الجنة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان. اللهم اجعلنا منهم، واحشرنا في زمرتهم، وارض عنا كما رضيت عنهم. آمين.

    مازلنا مع النداء التسعين في سورة التحريم. وهذا النداء هو قوله تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم:8].

    معنى التوبة النصوح

    أمرنا الله تعالى في هذا النداء بالتوبة، وليست أي توبة، بل بتوبة خاصة، وهي التوبة النصوح، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم:8]. والمراد بالتوبة النصوح: هي التي لا يعاود فيها العبد الذنب. بل إذا اقترف ذنباً من كبائر الذنوب وتاب منه لا يعود إليه أبداً، كما لا يعود اللبن إلى الضرع بعد حلبه منه.

    هذه هي حقيقة التوبة النصوح التي أمرنا الله بها. وليس منا أحد إلا وهو يذنب، وليس بيننا معصوم، فمن قارف ذنباً قد كتب عليه فليعجل بالتوبة الصادقة، وهي: أن يعزم ويصمم عزماً وتصميماً أكيداً أن لا يعود إلى هذا الذنب مرة أخرى.

    وأذكركم ونفسي: أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم كان يقول في المجلس الواحد مائة مرة: ( رب اغفر لي وتب علي؛ إنك أنت التواب الرحيم ). ونحن مذنبون فلنقل هذا. وإن لم يكن لنا ذنب ولا معصية فحسبنا أننا لم نقدر الله حق قدره، ولم نشكره على نعمه وآلائه، ولو قدرنا الله حق قدره لصعقنا إذا ذكر الله، وإن لم نصعق لذرفنا الدموع، وارتعدت فرائصنا، ووجلت قلوبنا؛ وذلك لعظمة الله عز وجل.

    ولو وهبك إنسان عينين وكنت لا عينين لك، أو وهبك لساناً تنطق به وكنت أبكم أو أخرس لا تنطق، أو عقلاً وكنت مجنوناً لم تستطع أن تشكره. ولذلك فلن تستطيع أن تشكر الله على هذه النعم، إضافة إلى نعمة الإيجاد والإمداد.

    ولو لم يكن لنا ذنب إلا التقصير في الشكر فحسبنا ذلك. فلذلك علينا ألا ننسى أن نقول في أكثر الأوقات والساعات: ( رب اغفر لي وتب علي؛ إنك أنت التواب الرحيم ).

    وقد تفضل الله علينا بالجزاء مقابل توبتنا النصوح، فقال في ذكر هذا الجزاء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [التحريم:8]. وذلك يوم القيامة. يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [التحريم:8]. فهؤلاء لهم نور يسعى بين أيديهم وبإيمانهم. وأما الكافرون والمنافقون فلا نور لهم، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور. ومن لا نور له فلن يجتاز الصراط، بل مصيره أن ينتكس ويرتكس في عالم الشقاء في النار دار الخلود والبقاء.

    التقوى واقية من عذاب الله

    الوقاية الكافية التي تقينا من عذاب الله هي تقوى عز وجل، بأن نطيعه فلا نعصيه، وإن عصيناه تبنا إليه حتى يتوب علينا. وتقوى الله هي طاعته تعالى بفعل الأوامر التي أمر بها، وترك النواهي التي نهى عنها.

    ولا يمكن لأحدنا أن يطيع الله في أوامره بالفعل، ولا في نواهيه بالترك، وهو لا يعرف الأوامر ولا النواهي، بل هذا مستحيل.

    ومن هنا أوجب أهل العلم معرفة الأوامر والنواهي، وأنه يتعين على كل مؤمن ومؤمنة أن يعرفا أوامر الله ونواهيه. ومن لم يوفق لمعرفة أوامر الله ونواهيه ومحاب الله ومكارهه فلن يكون أبداً من أولياء الله. ولن يكون كذلك إلا إذا عرف محاب الله، وعمل بها، وجاهد نفسه على فعلها، وترك المناهي والمكاره، وابتعد عنها، وجاهد نفسه في ذلك.

    فائدة معرفة أوامر الله ونواهيه وامتثالهما

    وقد ذكرنا في هذا النداء الأخير جملة من أوامر الله تعالى ونواهيه؛ من باب التذكير؛ إذ لا بد وأن نعرف ما يحب الله وما يكره؛ حتى نفعل المحبوب له فيحبنا ويكرمنا، ونتخلى ونجتنب ما يكرهه فيكون ذلك أيضاً سبباً لحبه لنا ورضاه عنا؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا الطيبين.

    وأما الملوثون في أرواحهم خبثاء النفوس من الكافرين والمجرمين والظالمين أشباه الشياطين فهؤلاء لا يحبهم الله، ولا يدنيهم ولا يقربهم. وقد علمنا يقيناً أن روح الكافر إذا قبضت يعرج بها إلى السماء، فلا تفتح لها أبواب السماء؛ لأنها كانت خبيثة منتنة عفنة؛ لأنها لم تفعل المزكيات التي هي أوامر الله، ولا تجنبت المنهيات المخبثة للنفس الملوثة لها.

    وقد ذكرت سورة الأعراف حداً فاصلاً وبياناً قاطعاً، ولم تترك تردداً ولا شكاً في قلب ذي العقل؛ فقد قال تعالى فيها: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف:40]. وهذا تعليق على محال، والتعليق على المحال محال. وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأعراف:40-41].

    وإني أعجب من مؤمن ومؤمنة يعرفان ما دلت عليه هذه الآية، ثم لا يباليان بها، ولا يحفظانها. فهذا والله أمر عجب!

    فإذا وجدت من يعلمك هذه الآية ويحفظك إياها في الطائف، فالتحق بالطائف ولو في فصل الشتاء، ولو كان في تبوك فارحل إلى تبوك. وأنت اليوم في بلادك تستطيع أن تجد من يعلمك آية الأعراف، التي فيها بيان أن أصحاب الأرواح الطاهرة هم الذين تفتح لهم أبواب السماء، وأن أصحاب الأرواح الخبيثة تغلق في وجوههم أبواب السماء.

    بيان ما تزكو به النفس وما تخبث به

    لقد صدر حكم الله على الخليقة كلها إنسها وجنها، وقد بين تعالى هذا الحكم في قصار المفصل في سورة: والشمس، فقال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]. فكن ابن من شئت، أو أباً لمن شئت، أو من أسرة من شئت، أو كن من تكون، فإنك إذا لم تزك نفسك باستعمال أدوات التزكية التي وضعها الله، وأنزل بها كتابه، وبينها رسوله فلن تكون أهلاً للفلاح بحال من الأحوال؛ إذ هذا هو حكم الله الصادر.

    وتقرير المصير في الدنيا، وليس في يوم القيامة، بل إنك تقرر في الدنيا مصيرك بنفسك. وأنا أقول: تقرير المصير؛ لأنكم ألفتم في الإعلام الهابط كلمة تقرير المصير للشعوب أو تسمعونها من الأمم المتحدة. فأنت يا ابن آدم! تقرر مصيرك على ضوء حكم الله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9] أي: النفس، وَقَدْ خَابَ [ الشمس:10] وخسر مَنْ دَسَّاهَا [ الشمس:10]. فالأمر بعد الله هو إليك. فإن عملت على تزكية نفسك وتطهيرها وتطييبها، ثم حافظت على تلك الطهارة والزكاة حتى دقت الساعة، وجاء ملك الموت وأعوانه، وأخرجت الروح عرج بها إلى السماء، فتفتح لها أبوابها، وينزلون بها تحت العرش، ويدون اسمها في كتاب اسمه عليين، كما قال تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [المطففين:19-21]. ثم تعود إلى محنة القبر ساعات، ثم تعود لتسرح في الملكوت الأعلى في الجنة ونعيمها إلى أن تدق الساعة بنهاية الحياة، وحينئذ يتم الخلق من جديد.

    ولقد علمنا علماً يقينياً أن فلاحنا في زكاة أنفسنا، وأن خسراننا في تدسية نفوسنا. فلا نشك في هذه اليقينيات. فالنفس تزكو بالإيمان الصحيح والعمل الصالح، فقد وضع الله الإيمان والعمل الصالح لتطهير النفس كما وضع الماء والصابون لتطهير الأجسام والثياب. فالأرواح لا تطهر إلا بالإيمان الحق والعمل الصالح.

    والعمل الصالح هو: كل ما فرض الله علينا وأمرنا به، ودعانا إليه ورغبنا فيه من الأفعال والأقوال والنيات إذا أديت على الوجه المطلوب. فإن قدمت أو أخرت، أو زدت أو نقصت بطل مفعوله، كسائر الأدوات التي تستعمل.

    ولهذا يجب العلم. فبعض الناس قد يصلي ولا تكتب له حسنة واحدة؛ لأنه لم يؤدها على الوجه المطلوب. وكذلك لا يكتب للشخص أجر ذكر الله إلا إذا أداه على الوجه المطلوب.

    وهنا لا بد من معرفة محاب الله، وكيفية أداءها وتقديمها لله؛ حتى تكتب لنا الحسنات، ولا بد من معرفة مساخط الله ومكارهه ومحارمه من قول أو اعتقاد أو عمل أو صفة؛ من أجل أن نتجنبها؛ فتطهر أرواحنا وتزكو نفوسنا؛ حتى تبقى الروح متأهلة للسماء، والدخول والنزول في الملكوت الأعلى.

    1.   

    الأعمال التي يحبها الله عز وجل

    قال: [ قائمة المحبوب لله عز وجل: ]

    أولاً: الإخلاص لله عز وجل

    قال: [ أولاً: الإخلاص لله عز وجل ] والإخلاص هو التوحيد [ في فعل المحبوب وترك المكروه. ومعنى الإخلاص: أن تفعل ما تفعل وتترك ما تترك طاعة لله وخوفاً منه وحباً فيه، وتترك ما تترك كذلك، لا تلتفت بقلبك ] ولا بوجهك [ إلى شيء أبداً . ]

    ثانياً: إقام الصلاة في جماعة

    قال: [ ثانياً: إقام الصلاة بأن تؤديها في بيوت الله مع جماعة المسلمين، وأن تخشع فيها، مراعياً فيها شروطها وأركانها، وواجباتها وسننها ] لأن العمل إذا اختل لا يولد طاقة ونوراً. والحسنة نور.

    ثالثاً: إيتاء الزكاة

    قال: [ ثالثاً: إيتاء الزكاة متى وجبت عليك لملكك مالاً صامتاً، كالدراهم والدنانير، والحبوب والثمار، أو ناطقاً كالأنعام من الإبل والبقر والغنم، وبلغ مالك نصاباً، وحال عليه الحول إن كان غير الحبوب والثمار ] لأن الحبوب والثمار لا يشترط فيها الحول، بل إذا طابت وصلحت للأكل وجب الزكاة فيها؛ لقوله تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:141]. وأما الأنعام والدراهم والدنانير فلا بد فيها من اشتراط حول يحول عليها.

    رابعاً: صيام رمضان

    قال: [ رابعاً: صيام رمضان مع تجنب مفسداته، كالغيبة وسائر الآثام والمفطرات ] وللصيام المزكي للنفس مفسدات تبطل أجره، كمن صلى وضحك أثناء صلاته لا تكتب له حسنة واحدة؛ لأن صلاته باطلة. وكذلك الصيام إن كان فيه مفسد بطل مفعوله، والمسلم يصوم من أجل أن تولد النور في القلب، ومن أجل زكاة النفس وطهارتها.

    خامساً: حج بيت الله الحرام

    قال: [ خامساً: حج بيت الله الحرام إن ملكت زاداً لنفقتك ونفقة أهلك بعدك، وقدرت على المشي أو الركوب.]

    سادساً: بر الوالدين

    قال: [ سادساً: بر والديك بطاعتهما في المعروف، وإيصال الخير إليهما، وذلك بتقديم ما يحتاجان إليه من غذاء وكساء، ودواء وإيواء، مع كف الأذى عنهما، حتى ولو بكلمة نابية بصوت مرتفع.]

    سابعاً: صلة الرحم

    قال: [ سابعاً: صلة رحمك بالإحسان إليهم في حدود قدرتك ] واستطاعتك، ولو بالسلام عليهم والمراسلة، فإن احتاجوا إلى شيء وأنت في غنى عنه فيجب عليك أن تعطيهم وتدفعه لهم.

    ثامناً: الجهاد في سبيل الله

    قال: [ ثامناً: الجهاد في سبيل الله متى دعا إليه إمام المسلمين وعينك له ] وهناك جماعات اليوم في العالم الإسلامي تكفر الحكام، وتعلن الخروج عليهم، وتطالب بالجهاد.

    فعلى أي جماعة أعلنت جهادها أن تبابع إماماً لها يقودها، ويسلك بها سبيل الله لتكمل وتسعد. ومن أكبر الشواهد عندنا على هذا: الجهاد في بلاد الأفغان. فقد جاهد المسلمون هناك مدة عشر سنين بنسائهم ورجالهم بدون إمام بايعوه؛ ليقودهم ويقيم شرع الله فيهم، فكانت النتيجة الفتن والخراب والدمار.

    وقد قاتلنا هولندا في إندونيسيا، ومزقنا فرنسا، وطردنا بريطانيا من ممالك الهند، ومع ذلك لم تقم دولة إسلامية.

    ولقد روجوا أن الشيخ الجزائري شيخ المافيا؛ لأنه يحارب ضد الاشتراكية منذ أربعين سنة أو خمسين سنة. وهؤلاء ببغاوات وجهال، وعميان وضلال، لا يفرقون بين الحق والباطل، ولا بين النور والظلام، ولا بين الجهل والعلم. وقد انتهت الاشتراكية، وتمزقت خيوطها، واحترق وجودها، ولم يبق إلا الله ودينه الحق.

    وقد استقلت ثلاث وأربعون دولة باسم الجهاد، ولم تستطع واحدة منها أن تقيم الصلاة فقط. ولم يبلغنا أن دولة منها فرضت على العسكريين والمدنيين ورجال الأمن وكل الأمة أن تقيم الصلاة في بيوت الله. ولم تستطع واحدة منها هذا لأن المجاهدين فيها لم يبايعوا إماماً شرعياً، يلتفون حوله ليقودهم، ويقيم شرع الله فيهم وبينهم، وإنما كانوا يقاتلون تحت نزعات وآراء، وفهوم وهوى. ولما خرجت فرنسا أو إيطاليا بقينا كما كنا، لا إسلام ولا دين ولا نور.

    واليوم بعض الجماعات الإسلامية تتحمس في بلاد المسلمين، فتنادي: الجهاد الجهاد! وتقول: إن الحكام كفار؛ لأنهم يحكمون بغير ما أنزل الله، وينتفضون ويحترقون بسبب ذلك، ولم ينالوا شيئاً مما أرادوا. وأقول: صحيح إن الله لم يخلقنا للأكل والشرب، وإنما خلقنا للحكم والسلطة، ولنعبد الله بقلوبنا ووجوهنا. ولكن المسلمين اليوم في ديارهم لم يمنعهم أحد من أن يعبدوا الله، ولم يلزم أحد منهم أو أكره على أن يترك الصلاة، ولم يجبر أحد على أن يخرج امرأته كاشفة عارية، تتعامل مع الفحول في الأسواق والدكاكين، ولم يجبر أحدهم على منع الزكاة، كما لم يجبر أحد على شرب الخمر أو بيعها، أو إنتاجها وتوريدها. ولكن نفوسنا هي التي أبت أن تقبل على الله، بل أقبلت على الدنيا. وأصبحنا نصرخ: نريد أن نحكم شرع الله. وأقول: إننا لسنا أهلاً لأن يحكم فينا، وعلينا أولاً أن نحكمه بعبادة الله، وأن نطيب ألسنتنا وطعامنا وشرابنا، وأن نلتف حول كتاب الله في بيوته، نتعلم الكتاب والحكمة. فإن فعلنا ذلك فتح الله لنا أبواب السماء، وحينئذ سنرتفع.

    والجهاد لابد أن يكون في سبيل الله، وليس في سبيل الاستقلال والتحرر، وإقامة الدولة الوطنية وطرد الاستعمار كما كنا نغني، ولذلك هذا الجهاد الذي لم يكن في سبيل الله لم ينتج لنا شيئاً.

    ولو جاهدت أية أمة في الأرض في سبيل الله فإنهم ما إن يستقلوا حتى تلوح أنوار لا إله إلا الله، فيعبدون الله، ويقيمون الصلاة، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويجبون الزكاة، ويحرمون ما حرم الله. هذا هو الجهاد في سبيل الله، لا في سبيل تحرير البلاد والوطن.

    وأما جهاد الفوضى فلا يصح.

    ولو أراد المسلمون جهاداً لكانوا بايعوا عبد العزيز رحمة الله عليه، ولكن أكثر أمة الإسلام لا تفهم هذا، ولا تفقهه، ومن فهم منهم يتقزز. فلو كنا مسلمين بحق نريد أن يعبد الله وتعلو راية لا إله إلا الله لبايعنا عبد العزيز ، ولم يأتي بـعبد العزيز بريطانيا ولا روسيا، ولم تقم هذه الدولة أي منهما، بل والله! ما جاء بهذه الدولة وأقامها إلا الله؛ إذ لا يقدر على هذا إلا الله. وقد كان العالم الإسلامي في ذلك الوقت راضخاً لسلطة الاستعمار من إندونيسيا إلى موريتانيا، ثم بدأ الاستقلال والمطالبة بالاستقلال، ثم خرجت بريطانيا وفرنسا وهولندا.

    وقد كان الواجب الحتمي الضروري العيني على أي إقليم استقل أن يأتي رجاله إلى عبد العزيز أو نائبه يطلبون منه أن يبعث لهم قضاة يطبقون فيهم شرع الله، وأن يبعث لهم والياً عاماً، يضم ذلك الإقليم إلى دولة القرآن؛ حتى يمتد ظل الخلافة الإسلامية وينتشر، ومن ثم لما يستقل العالم الإسلامي يصبح دولة واحدة، وهذه هي الخلافة، ويكون إمام المسلمين واحد.

    ولكنهم لم تقم لهم دولة، ولم ترتفع لهم راية إلا على الباطل والهراء. وبعض الغافلين يقول: لن ننضم إلى الوهابين، ولن يوجد فينا من يلزمنا بالصلاة، ولن ننضم إلى هذه الدولة الفقيرة، وهكذا.

    وأقول: لنذق العذاب دنيا وأخرى؛ لأننا ذبحنا أنفسنا. وليس لنا عذر في هذا إلا الجهل وعدم العلم والبصيرة، لا أقل ولا أكثر.

    وهناك من المسئولين من لا يريد أن يسمع هذا أو يقبله، وقد طالبناهم وكتبنا إليهم قائلين: أما وقد استقللتم فاجتمعوا في روضة محمد صلى الله عليه وسلم وبايعوا خليفة المسلمين، بحيث تكون كل الأقطار تابعة له، فلم يستطيعوا بسبب الشهوات والأطماع، وحب الدنيا والحياة والجهل وغيرها.

    وأقول: إذاً: ذوقوا العذاب بأنواعه، فهو لن يرتفع أبداً عنا إلا إذا تبنا إلى الله توبة نصوحاً.

    ولن تعود الخلافة الإسلامية بالأوهام. والمسلم أسلم قلبه ووجهه لله، بحيث لو أمر أن يخرج من داره لخرج لله؛ لأنه لا يسعى لأجل سمعة أو منصب، أو تراب أو وطن.

    تاسعاً: الإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل

    قال: [ تاسعاً: الإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل، وإلى كل المسلمين، بإكرامهم وعدم أذيتهم بقول أو فعل ] فالمسلم يحسن إلى الناس كافة، وإلى المسلمين خاصة، ولا يؤذِ أحداً بكلمة، ولا حتى بأصبع من أصابعه. فالإحسان مما تعبدنا الله به، وهو ثلث هذه الملة، والدليل على ذلك حديث جبريل المعروف.

    عاشراً: الصبر

    قال: [ عاشراً: الصبر، بأن تصبر على عبادة الله تعالى، فلا تضجر ولا تمل، وتصبر على ما يبتليك به امتحاناً لك كالمرض والجوع والخوف ] وما إلى ذلك، واحمد الله واشكره، وقل: رب ارحم واغفر وتكرم. ولا تضجر وتسخط، ولا تمل العبادة وتتركها.

    1.   

    الأعمال التي يكرهها لله عز وجل

    قال: [ قائمة المكروه لله سبحانه وتعالى ] وإذا كرهنا ما يكرهه الله تمت ولاية الله لنا. وأما إذا كره الله أمراً وأحببته، أو أحبه وكرهته فهذه هي العداوة الفاضحة القاطعة. بل يجب على المؤمن والمؤمنة أن يعرفا ما يحبه الله ليحبوه، وأن يعرفا ما يكرهه ليكرهوه، وبذلك تتم ولاية الله للعبد. وولاية الله غاية ليس بعدها غاية، وحسبنا قول الله: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس:62-64]. وقوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ). فالذي يعادي ولياً من أولياء الله أو يؤذيه قد أعلن الله تعالى الحرب عليه، ومن حاربه الله انتصر عليه، ومن يقف أمام الله يمزقه ويلاشيه.

    وأولياء الله هم الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]. وسواء كانوا بيضاً أم سوداً .. عرباً أم عجماً .. من الأولين أم من الآخرين، فكل مؤمن تقي هو لله ولي.

    والمسلم لا يسجد لولي الله ولا يركع له، ولا يحلف به ولا يقدم له النذور، ولا يعكف على قبره، وإنما يحبه ويواليه، ولا يؤذيه ببعض كلمة، ولا بحرف واحد؛ لأنه ولي الله.

    وقائمة المكروه لله سبحانه وتعالى هي:

    أولاً: الشرك

    قال: [ أولاً: الشرك في عبادته ] تعالى [ بصرف أي شيء منها لغير الله تعالى ] كأن تدعو معه غيره، أو تركع أو تسجد له ولغيره، أو تتقرب إلى غيره بما تتقرب به إليه، كالنذر والذبح وما إلى ذلك. فهذا مما يكرهه الله أشد الكره.

    ثانياً: أكل مال الربا

    قال: [ ثانياً: أكل الربا وإن قل كدرهم ] فهذا مما يكرهه الله عز وجل، فهو يكره أكل المال الربوي وإن قل. ولا تظن أننا لن نتخلص من الربا إلا إذا أغلقنا البنوك، وأعلنا الحرب على هؤلاء الحكام الكفار الذين يبيحون الربا، بل آمن وأسلم وأعط قلبك ووجهك لله، ولا يراك الله أمام بنك ربوي أبداً، وإذا أردت إغلاق البنوك فلا تقف أمامها، ولو جعت أو عرقت أو ظمأت فادخل في غار ولا تستقرض ريالاً واحداً بالربا.

    ولو أن أهل المدينة لم يقف رجلاً منهم ولا امرأة أمام بنك ربوي فلن يبقى بنك مفتوح، ولحولوا الدريهمات إلى عمل آخر، ولطردوا العمال؛ لأنه لم يبق عندهم عمل.

    فتأدبوا مع الله إذن، واعرفوا الطريق إلى الله. عندنا مثل عامي ولكنه عزيز، فقد قيل: أن كسولاً مثلي نام في الطريق - وقد كنا ننام في الظل وفي الطرقات- فكانت أشعة الشمس على رجله، وكان يقول لكل من يمر به: يا سيد! من فضلك أبعدني عن الشمس، فيضحك عليه الرجل ويقول له: أنت مجنون! جر رجلك بنفسك.

    وهذا هو حال المسلمين في بلادهم، فهم منغمسون في البنوك الربوية، ومتكالبين عليها، ويقولون: على الحكومة أن تغلق البنوك الربوية. وهذا من باب الجهل المركب، وعدم الرغبة في الملكوت الأعلى وما عند الله؛ إذ لم يلزمكم أحد أو يفرض عليكم التعامل مع البنوك، لا بريطانيا ولا فرنسا، ولا الملك حفظه الله. بل نحن الطماعين الأكالين المتكالبين على الدينار والدرهم ذهبنا إليها، ولو كنا مسلمين لما وقفنا أمام بنك أبداً، ولكان من عنده مال في البنك سحبه منه؛ حتى لا يبقى بنك ربوي مفتوحاً، بل يتحول إلى مصارف ربانية نورانية، تنمي الأموال وتزيد فيها، ويباركها الله عز وجل، فتؤمن أموال المؤمنين، ونصبح خير أمة أخرجت للناس.

    ونحن إن لم نستطع أن نترك أبسط الأشياء قلنا: الحكومة. وهذا الكلام هراء وباطل، ولا قيمة له ولا وزن. ونحن ليس عندنا حجة نحتج بها عند الله يوم القيامة على تعاملنا مع البنوك الربوية، اللهم إلا إذا أكرهنا بالتعذيب والحديد والنار، فنكون في هذا الظرف معذورون أمام الله، وأما أن نأتي إلى الباطل باختيارنا، ونسمعه باختيارنا ونقول: الحكومة، ونغضب الحكام، ونتغنى بهذه الكلمة الباطلة فهذا ليس عذراً لنا.

    والحاكم إذا ظلم أو ألزمنا بالباطل فيجب أن نهاجر من بلاده إلى أرض نعبد الله فيها، لا أن نجلس نتكلم عليه ونحرشه علينا؛ ليمزقنا ويكسر عظامنا، فهذا لا يفع.

    وكذلك علموا إخوانكم المؤمنين، وعلموا أمهاتكم وبناتكم ونساء المؤمنين أن يلوذوا بجناب الله، وأن يترفعوا عن دناءة الحياة وأوساخها، وشهواتها وأهوائها؛ لتصبح الأمة ربانية يفتح الله لها أبواب السماء.

    ثالثاً: الزنا

    قال: [ ثالثاً: الزنا ] وهو معروف والعياذ بالله. وهناك ثلاث ذنوب لا يوجد أعظم منها، وهي: الشرك والزنا وقتل النفس، فقد قال الله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [الفرقان:68].

    رابعاً: أكل مال اليتيم

    قال: [ رابعاً: أكل مال اليتيم ] سواء بالسرقة أو الاختلاس أو التسلط عليه باسم الوكالة أو الكفالة، فأكل مال اليتيم من كبائر الذنوب.

    خامساً: عقوق الوالدين

    قال: [ خامساً: عقوق الوالدين ] فمن عق والديه قطع الصلة بينه وبينهما، وقد يكون العقوق بالسب والشتم، وترك حقوقهم وعدم طاعتهم.

    سادساً: شهادة الزور

    قال: [ سادساً: شهادة الزور ] كأن يقول الشاهد: والله! إن هذا المال لفلان، أو هذه سيارة فلان، أو فلان ما قال كذا وهو كاذب، فهذا هو قول الزور. وشهادة الزور من كبائر الذنوب، بل من أمهات الكبائر.

    وقد بينا للصالحين والصالحات أن شاهد الزور يوقع باسم الله، يكون إمضاؤه نيابة عن الله، وليس هناك ذنب أعظم من كذبك في نيابتك عن الله عز وجل، وقد جعل شهادتك ينتقل بها الحق من فلان إلى فلان، وأنت تكذب فيها. وقد يكون الحق عمارة كاملة، وقد يقتل رجل بهذه الشهادة.

    وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم جالساً يوماً فقال لأصحابه: ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، ثم قال: ألا وقول الزور! ألا وشهادة الزور! ألا وقول الزور! حتى قلنا: ليته سكت )، لأنهم خافوا أن ينزل عليهم بلاء. وقد أصبحت شهادة الزور وقول الزور نصف أحاديثنا.

    سابعاً: قذف المؤمنين والمؤمنات بالفاحشة

    قال: [ سابعاً: قذف المؤمنين والمؤمنات بالفاحشة ] كمن يقول: فلانة زنت أو فلان زنى، فالله لا يرضى لعبده وأمته أن يمزق عرضهما، وأن تلوث حياتهما بكلمة باطلة. ولو رأيتهما بعينيك وهما يزنيان فلا تقذفهما ولا تتحدث به.

    ثامناً: أذية الجار

    قال: [ ثامناً: أذية الجار ] وجارك هو من يكون بينك وبينه أربعين منزلاً أو أقل، وأبناء الحي كاملاً هم جيرانك، وكذلك الأقرب فالأقرب، فإياك أن تؤذي جارك ولو بصوت سيارتك! ولا توقفها عند بابه، حتى لا يستطيع جارك أن يدخل داره، وهذا شائع.

    ومن الأذية أيضاً: رفع صوت الأغاني المحرمة - وهذا هو صوت العواهر- في بيتك أو حجرتك حتى تؤذي جارك المؤمن وأهله. وإذا أكلت ماله، أو ضربت ابنه، أو كشفت عورته، أو اطلعت على سوأته فهذا أعظم، فلا تؤذ جارك بأدنى أذى، ولا حتى بنظرة فيها أذى.

    تاسعاً: أذية المؤمنين والمؤمنات

    قال: [ تاسعاً: أذية المؤمنين والمؤمنات ] والأذى هو: إزعاج المسلم ولو بكلمة. فلو كان هناك كلمة تزعج مؤمناً فلا تقلها، وإذا كان هناك حركة تقلقه فلا تتحرك بها. وكذا مطلق الأذى.

    عاشراً: ترك ما هو محبوب لله

    قال: [ عاشراً: ترك محبوب لله من قائمة المحبوبات ] المتقدمة، فمن ترك شيئاً أوجبه الله لأن الله يحبه فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب.