إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 98للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خلق الله عز وجل النار، وأعدها لأهل الكفر والمعاصي من الأمم السابقة وهذه الأمة، ووجه عباده المؤمنين لاتقاء حرها وسمومها وعذابها وزبانيتها، وذلك بفعل الطاعات والأعمال الصالحات، وترك المنكرات والمعاصي والسيئات، ولا يقتصر هذا الأمر على العبد وحده، وإنما يلزمه الحرص على كل من تحت يده من الأولاد والأهل.

    1.   

    تابع وجوب وقاية النفس والأهل من النار بالإيمان وطاعة الله ورسوله

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات!

    إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان. اللهم اجعلنا منهم، واحشرنا في زمرتهم، وارضَ عنا كما رضيت عنهم. آمين.

    ما زلنا مع النداء قبل الأخير، وقد ابتدأنا أمس دراسته، ولم نكمله، فلنعده ولنختمه إن شاء الله.

    ومضمون هذا النداء هو في وقاية النفس والأهل من النار. فربنا ينادينا ليأمرنا بأن نحفظ أنفسنا وأهلينا من عذاب النار، وذلك بطاعته فقط. وإذا أطعناه ففعلنا الواجبات وتركنا المحرمات زكت أنفسنا، وطهرت أرواحنا، فيقبلنا في الجنة دار السلام، وذلك كما علمتم بالإيمان وطاعة الله ورسوله.

    وصف النار والملائكة الموكلين بها

    وهذا النداء أيضاً في بيان وصف النار، أعاذنا الله وإياكم منها، وأعاذ سائر المؤمنين والمؤمنات.

    وسنعيد قراءة هذا النداء مرة أخرى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6].

    قال تعالى: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6]. ومعنى هذا: أن هذه النار التي تشتعل بليارات السنين ليس مادة وقودها البنزين ولا البترول، ولا الفحم الحجري، ولا الفحم الصناعي، بل إنها تشتعل بأجسام البشر الكفرة، والأصنام التي عبدوها من دون الله، وكذلك الحجارة التي عبدت تحرق أيضاً بالنار، فهؤلاء هم الوقود والمادة التي تتقد بها النار. وأنتم تعرفون الآن الوقود في السيارة، وهذه النار وقودها الناس والحجارة.

    ولفظ (الناس) يعني: المشركين الكافرين، الفاجرين الظالمين قطعاً، لا يعني الجنس البشري كله.

    قال تعالى: عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ [التحريم:6]. هؤلاء الملائكة ليسوا بلياراً، ولا ملايين، بل إنهم تسعة عشر ملكاً فقط، وليسوا عشرين ولا واحد وعشرين، فقد قال تعالى: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر:26-30]. فتعنتر أبو جهل وقال: يا معشر قريش! أنا أكفيكم سبعة عشر من التسعة عشر، وأنتم كلكم لا يغلبكم اثنان، فقال تعالى: وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر:31].

    فهذا المسكين لم يدر، وإن درى فهو يغالط؛ ليثبت مركزه بين الجاهلين، وإلا فالله يقول: وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ [المدثر:31] هكذا إلا امتحاناً وفتنة لِلَّذِينَ كَفَرُوا [المدثر:31].

    والسر في كونهم ملائكة وليسوا من الجن ولا من البشر: أنهم لو كانوا من الإنس فقد يجعلهم مقتضى التجانس يرحمون أو يخففون. ولهذا لم يكونوا من الإنس ولا من الجن؛ وهذا حتى يعذب عالما الإنس والجن بأشد أنواع العذاب على أيدي ملائكة لا صلة لهم بهم، فلا يكون هناك رحمة ولا شفقة تنتجها الملة أو التجانس.

    معنى الإيمان

    قال: [ اذكر أيها القارئ الكريم! ما قد سبق أن عرفته من أن الله تعالى ينادي المؤمنين بعنوان الإيمان؛ لأن المؤمن حي، يسمع ويعي ويعمل؛ وذلك لكمال حياته ] وإيمانه، فهو حي [ وأن الكافر ميت، فلا يسمع نداء ولا يعي ما ينادى له، ولا يمتثل ما يؤمر به أو ينهى عنه. وأن الإيمان ليس مجرد قول: أنا مؤمن ] فهذه سهلة، ولو كان المطلوب هذا لقالها أبو جهل سبعين مرة. فالإيمان ليس دعوى بأن تقول: أنا مؤمن فقط [ وإنما هو تصديق جازم قاطع بوجود الله ] الحي القيوم [ رباً وإلهاً ] بيده كل شيء وإليه ملكوت كل شيء، والذي يعبده ويسبحه كل شيء [ لا رب غيره ولا إله سواه ] أي: أنه إله حق ولا إله سواه، أي: معبود حق لا يعبد غيره.

    قال: [ وبملائكته وكتبه ورسله، وباليوم الآخر وبقضائه وقدره ] فالإيمان الحق هو: التصديق الجازم بأركان الإيمان الستة. فللإيمان أركان يقوم عليها كالبناء. وأركان الإيمان ستة أركان، وهي مذكورة في القرآن، خمسة منها في آية واحدة، وركن القضاء والقدر في سورة القمر، فقد قال تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49]. وأما الخمسة الأركان فهي مذكورة في قول الله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ [البقرة:177]. وجاء الإيمان بيوم القيامة واليوم الآخر في عدة آيات.

    وبين أعيننا دائماً حديث جبريل عليه السلام في صحيح مسلم ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً هنالك في تلك الروضة ورجاله وأصحابه رضوان الله عليهم بين يديه، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم جالساً على كرسي، وإذا برجل ( شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد ). وهذا الحديث رواه عمر وانفرد به. فجاء هذا الرجل الغريب في جماله وبهجته ونوره يشق الصفوف بدون أن يسألهم أن يفسحوا له، فتعجبوا منه، حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعيد في نهاية الحلقة في نهاية المسجد القديم، فانتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس بين يديه ( وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه ). ليعلمهم كيفية التلقي، وأما الجلوس هكذا أو الضحك فلا ينفع في التلقي، بل لا بد أن يعطي العلم جسمه كله ظاهراً وباطناً؛ حتى ويفهم. ثم أخذ يسأل، فقال: ( ما الإسلام يا محمد؟! قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وأن تؤتي الزكاة، وأن تصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: صدقت. فعجنا له يسأله ويصدقه ). وسبب تعجبهم: أن قوله هذا يدل على أنه عالم بهذا العلم، وإلا لما قال: صدقت. ثم قال: ( أخبرني عن الإيمان؟ ) وهذا هو محل الشاهد. ( قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر والقدر خيره وشره. قال: صدقت ). فعجبنا له يسأل ويصدقه؛ إذ كأنه يعلم هذا من قبل.

    مرتبة الإحسان

    قال: ( ما الإحسان يا رسول الله؟! قال: الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ). فإن عجزت المرتبة الأولى، ولم تستطع أن تدخل في الصلاة أو الصيام أو الجهاد أو الرباط وكأنك تنظر إلى الله؛ لترهبه وتخافه، وتستحيي منه فهناك درجة أخرى وهي: أن تعبد الله وأنت تعلم أن الله يراك.

    فهاتان مرتبان عليا ودنيا، ومن فقدهما فقد الإيمان والعبادة.

    المرتبة الأولى هي: أن تعبد الله وكأنك تراه، ولو حققت هذه المرتبة فقد بلغت القمة في الكمال.

    وإن نزلت عن هذه المرتبة فكن في المرتبة الأخرى، وهي: أن تعبد الله وأنت تعلم أن الله يراك. وسر هذا: أن الذي يدخل في العبادة وكأنه ينظر إلى الله فإنه لن ينقص منها أو يزيد فيها، ولن يغفل فيها أو يسارع فيها، بل إنه يؤديها على أحسن ما تكون؛ لأنه يعلم أنه تحت الرقابة، أي: مراقبه الله له، فلا يستطيع حتى أن يلتفت؛ لأنه يعلم يقيناً أن الله يراه، وهو يتوضأ أو يصلي، أو يقرأ القرآن أو يفعل ما يفعل، فهو يعلم أن الله ينظر إليه. وبذلك يتم العمل ويحسنه، ويأتي به على المطلوب.

    فالإحسان هو ( أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ). والخليقة كلها بين يديه، ولا يعزب عنه من أمرنا شيء، ومن شك في هذا فهذه الشمس كلنا نراها وترانا.

    العلامات الدالة على الإيمان

    قال: [ وآية ذلك ] أي: والعلامة على أن هذا العبد حقاً مؤمن: [ إسلام القلب والوجه لله ] فمن أعطى قلبه كاملاً لله، وأعطى وجهه كله لله كانت أعماله كلها من أجل الله - كما علمنا وكررنا- ولذلك فهو لا يهدم ولا يبني إلا لله، وليس أن يحفظ فقط. وهذه علامة أن هذا العبد مؤمن.

    قال: [ ويتجلى ذلك ] أيضاً، ويظهر في وضوح: [ في أن يحب ] دائماً [ ما يحب الله، ويكره ] دائماً [ ما يكره الله ] فمن قال: أنا أسلمت قلبي ووجهي لله لم يتقلب قلبه إلا في رضا الله، ولم ينظر وجهه إلا إلى الله. وإن وجدناه يعاكس امرأة، أو يحب ما يكره الله فوالله ما أسلم لا قلبه ولا وجهه لله، ودعواه باطلة، وليست صحيحة.

    فمثلاً: الله يحب أصحاب رسول الله، ويكره الكافرين والظالمين، ويحب أبا بكر وعمر ، فإذا لم تحبوا أبا بكر وعمر فأنتم كالروافض، والذي يكرههم لم يحب الله، ولا آمن بالله؛ لأن القاعدة هي: أن تحب ما يحب الله، وأن تكره ما يكره الله. بل لو أحب الله أعتى أعدائك فأحبه، ولو كره الله أقرب الأقرباء إليك كأبيك فاكرهه؛ لأنه يجب عليك إذا أحب ربك شيئاً أن تحبه، وإذا كره شيئاً أن تكرهه؛ لأنك عبده ومولاه. وهذا هو الإيمان.

    والله عز وجل يكره الرائحة الكريهة، ويكره الدخان والشيشة، فيجب أن نكرههما كما يكرههما الله عز وجل، ففي الحديث: ( إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً ). وعلى هذا فقيسوا.

    ويجب علينا أن نحب الكلمات التي يحبها الله، وأن نكره الكلمات التي يكرهها الله. وكذلك الذوات والأشخاص، نحب من يحبهم الله، ونكره من يكرههم الله، وإن كانوا أقرب أقربائنا إلينا.

    قال: [ وأن يطيع الله ورسوله فيما أمرا به ونهيا عنه ] فالإيمان ليس دعوى؛ لأنه قد يدعي أنه يحب كل ما يحب الله، ويكره كل ما يكره الله. بل إذا أتيت برافضي فإنه يحلف لك بالله أنه يحب كل ما يحب الله، ويكره ما يكره الله.

    ولا نستدل على إيمانه إلا بطاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في الأمر والنهي، فإذا كان يطيع الله ورسوله فصدقه إذا قال: أنا أحب ما يحب الله، وأكره ما يكرهه؛ لأن الطاعة ذات طاقات وجهود، ومحاربة للنفس والهوى، والشيطان والدنيا، فإذا أصبح يطيع الله ورسوله فمن السهل أن يحب ما يحب الله، ويكره ما يكره الله.

    ما يقي به الإنسان نفسه وأهله من النار

    قال: [ اذكر هذا ] أيها القارئ والمستمع! [ واستمع لما حواه هذا النداء العظيم، إنه وجوب وقاية المرء المؤمن نفسه من النار، ووقاية أهله من زوجة وولد وقريب من النار ] وهذا هو الذي نادانا الله تعالى من أجله [ إذ قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم:6] ] أي: احفظوا أنفسكم وأهليكم من النار، فابدأ بالزوجة وانته بأولاد أولادك.

    قال: [ والوقاية بم تكون؟ ] فهي لا تكون بأن تسكن مع أهلك في كوكب آخر، ولا بأن تنزلهم في أعماق الأرض، ولا بأن تحوطهم بسياج من حديد، فهذا لا ينفع، بل [ إنها لا تكون أبداً بغير الإيمان والعمل الصالح وباجتناب الشرك والمعاصي ] فلا بد وأن نترك الشرك والمعاصي، ولا تكفي طاعة الله وطاعة الرسول لوقاية النفس؛ لأن طاعة الله وطاعة الرسول تزكي النفس، والشرك والمعاصي يخبثها، فإذا زكيتها وخبثتها فليس في هذا فائدة، بل تكون كالرجل الذي يدخل الحمام ويتنظف بالماء والصابون والليفة، ثم يتطيب ويلبس أحسن لباسه، ولما يخرج إلى الباب يتمرغ في مزبلة، فهذا مجنون، وليس عاقلاً، ولم يستفد من تنظفه شيئاً.

    وكذلك الذي يؤمن ويعمل الصالحات ثم بعد ذلك يفعل ويقول الشرك ويفعل المعاصي، فهذا تتحول نظافته إلى وسخ، وتتحول الطهارة إلى خبث ونجاسة.

    والطريق إلى الجنة أربع خطوات فقط، اثنتان إيجابيتان، وهما: الخطوة الأولى: الإيمان الصحيح، والخطوة الثانية: العمل الصالح.

    وخطوتان سلبيتان، وهما: أن تترك الشرك والمعاصي، وهاتان الخطوتان ليس فيهما كلفة؛ لأن الترك ليس فيه كلفة. فإذا حققت هذه الخطوات الأربع فسرعان ما تقرع باب الجنة.

    فحقق طاعة الله وطاعة الرسول بعد الإيمان، وبعد ذلك اجتنب يا عبد الله! ما يخبث النفس ويلوثها من أدران الذنوب وأوساخ الآثام.

    معنى الشرك

    قال: [ والشرك هو: عبادة غير الله تعالى مع الله تعالى ] أي: يجعل العبادة نصفين: نصفاً لهذا، ونصفاً لهذا. وهذا هو الشرك.

    فضل الدعاء

    قال: [ فالدعاء عبادة تعبد الله بها المؤمنين ] كالصلاة والصيام، بل ( الدعاء هو العبادة ). والذي قال هذه الكلمة هو أبلغ الناس على وجه الأرض على الإطلاق، وأفصح من نطق بالضاد. وهذا كقوله: ( الحج عرفة ). وليس معنى هذا: أنه لم يبق أركان ولا واجبات، وإنما يعني: أنه إذا لم يقف في عرفة فكأنه لم يحج، ولو طاف مليون مرة. بل ( الحج عرفة ). وكذلك ( الدعاء هو العبادة ). فمن لم يدع الله بالمرة، أو دعا غير الله لم ينفعه ذلك ولو صام وصلى ألف مرة؛ لأن ( الدعاء هو العبادة ). وورد في حديث ضعيف: ( الدعاء مخ العبادة ). ولا بأس به؛ لأن المخ فيه حياة الإنسان، فإذا نزع مخه مات.

    حكم دعاء غير الله أو دعاء أحد مع الله

    قال: [ فمن دعا غير الله قد أشرك ] وكذلك لو دعا مع الله غيره، كالذين يقولون: يا الله! يا رسول الله! أو يا الله! يا فاطمة ! أو يا الله! يا سيدي عبد القادر ! فهؤلاء يشركون شركاً واضحاً كالشمس، ولو يسمع هذا يهودي أو نصراني أو غيرهما فإنه يفهم أن هذا شرك؛ لأنه يدعو اثنين. ولو أنكرت على من يقول: يا الله! يا رسول الله! لقال لك: اسكت! أنت تكره الرسول، ويملي عليه الشيطان هذه الكلمة؛ حتى يخفف عنه. ولا إله إلا الله!

    وقد كنا مع أحد الصالحين في سيارة فخرجت بنا السيارة عن الطريق فقال: يا رسول الله! ونسي الله، فقلت له: يا فلان! لو انقلبنا ومتنا لما أفلحت، وهو جالس في الدروس؛ وهذا لأنه كبير في السن، وكبير السن لن ترسخ العقيدة عنده إلا بعد مرور الزمن.

    وقد كان هناك من يذكر الله بالمسبحة قائلاً: لا إله إلا الله، فإذا سقطت المسبحة من يده من النعاس قال: يا سيدي فلان! وينسى أنه كان يقول: لا إله إلا الله!

    وأعظم من هذا: أن المرأة وهي في المخاض كانت تنادي: يا سيدي فلان! وفي الزمان الأول حتى في أوروبا كانت المرأة إذا جاءها الطلق والمخاض يربط لها حبل في عمود البيت وتمسك به، وتقول وهي تعاني: يا رب! يا رب! يا رب! حتى النصرانية كانت تقول هذا.

    وأحد الصالحين عاش في فرنسا زمناً ثم هاجر إلى المدينة، وقد بقي زمناً ثم مات، وكان معه فرنسية في العمل، وكانت شيوعية تنكر الله، وتقول: لا إله! والحياة مادة، وقد حدثني عنها بنفسه وقال: والله العظيم إنها حملت وجاءها الطلق، فذهب إلى المستشفى يزورها؛ لأنها صديقته، قال: وكانت على السرير تصرخ من الطلق، فأخرج كيساً من النقود وقال: هذا إلهك؟ فصاحت في وجهه بأعلى صوتها: الله ربي، وكفرت بكيس النقود، وقد كانت تقول: إلهي هو هذا، والذي عنده هذا لا يخاف أحد، فناسب الوقت هنا، فأخرج لها الدراهم، وقال: هذا إلهك؟ فصرخت في وجهه وهي تنطق: يا الله!

    وكانت المرأة في ديار المدينة قبل دخول التوحيد تمسك بالحبل أثناء الولادة وتقول: يا الله! يا رسول الله! يا رب! يا سيدي عبد القادر ! وأبوها جالس وأمها والنساء، ولا أحد فيهم يقول لها: هذا حرام؛ لأنهم لا يعرفون الحرام أبداً. بل يقولون: ليس في هذا شيء؛ لأنه توسل بالصالحين!

    حكم من نذر لغير الله تعالى

    قال: [ والنذر عبادة، فمن نذر لغير الله تعالى فقد أشرك في عبادة الله تعالى ] وقد كانت المرأة تمر بالقبة أو بالضريح في جبل أو غيره فتقول: يا سيدي فلان! إذ تزوجت ابنتي ممن أحب أن أزوجها به فلك علي كذا، أو إذا شفى الله ابني وعادت إليه صحته فسأذبح لك كبشاً. وكانوا ينذرون حتى بالشمعة؛ لأنهم كانوا يستصبحون بالشموع، ويوقدونها على قبور الأولياء، أو بالبخور، وإن لم تجد المرأة ما تنذر به كانت تأتي بالجمر، وإن كانت قادرة على ذبح تيس ذبحته. وقد كان هذه هو النذر الشائع في بلاد المسلمين عند الجهال فريباً من خسمائة سنة، وكانوا كلهم جهالاً. وكانت القرية لا يوجد فيها عالم أبداً. واستمر هكذا الحال من القرن الثامن إلى القرن الرابع عشر. ثم خفت هذه النذور لوجود الاتصالات التي علمتم.

    حكم الذبح لغير الله

    قال: [ والذبح تقرباً عبادة، فمن ذبح لغير الله تقرباً إليه فقد أشرك في عبادة الله تعالى ] وقد كان الرجل في آخر الشتاء يشتري خمسين شاة؛ نظراً إلى أن العام عام مطر وغيث، ولما يشتريها يقول: هذه الشاة لـعبد القادر ؛ حتى يحفظها، وإذا ولدت فولدها لسيدي عبد القادر . وقد كان الرجل عندما يغرس النخل أو الزيتون، يغرس منها شجرة ويقول: هذه لسيدي فلان!

    شرك أهل الجاهلية أخف من شرك مشركي هذه الأيام

    يكشف الله النقاب عن هذه القضية، فيقول: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ [الأنعام:136].

    وقولوا: رحمة الله عليك يا محمد بن عبد الوهاب ! اللهم اغفر له وارحمه. فقد أنقذنا الله به من الشرك وأهله، فاحمدوا الله على ذلك. وقد قال في الأصول الثلاثة: شرك الأولين - المشركين- أخف في شرك المعاصرين. والجاهلون يغضبون من هذا ولا يفهمون. وهذه الآية شاهدة على كلام الشيخ، فقد قال تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا [الأنعام:136]. وهذه آية من سورة الأنعام. وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا [الأنعام:136].

    وأما اليوم فالذي يغرس ألف نخلة لا يقول: هذا لسيدي عبد القادر وهذا لله، بل يقول: هذه ليسدي عبد القادر ، ولا يجعل لله شيئاً، وكذلك الذي يشتري ألف شاة ليربيها يقول: هذه الشاة لسيدي فلان، ولا يقول: وهذه الشاة لله. فالمشركون الأولون أخف شركاً.

    وإنما عتب الله على المشركين الأولين وأنكر عليهم لأنهم كانوا يجعلون هذه الشاة لله، وهذه الشاة للعزى أو للات، فإذا ماتت شاة العزى يحولون شاة الله للعزى، ولهذا أنكر عليهم. أو كانوا يقولون: هذا البعير لله، وهذا للات، فإذا مات البعير الذي هو لله لا يحولون له بعير العزى لله، بل يقولون: الله غني، وليس في حاجة إليه، وإذا مات بعير اللات يحولون لها البعير الذي هو لله. فقال تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ [الأنعام:136]. لأن الله لم يفرض هذا ولم يقرره. وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الأنعام:136]، أي: قبح الله هذا الحكم الباطل؛ لأنه لا إنصاف فيه ولا عدل حتى مع الله. وأما جماعتنا فلا يعطون الله شيئاً، بل يعطون فقط لسيدي عبد القادر وسيدي عبد الرحمن.

    وعلة هذا الجهل. ولن نزيل الجهل إلا بدراسة الكتاب والسنة، أي: الحكمة، كدراستنا هذه. وهذه الدراسة لا تتطلب مالاً ولا طيراناً ولا سلاحاً. بل على أهل القرية فقط أن يجتمعوا في بيت ربهم بنسائهم وأطفالهم ورجالهم، ويجتمع أهل الأحياء في المدن ساعة ونصفاً في الليلة على مدى الحياة، ووالله لن يبقى بينهم جاهل أو جاهلة، وإذا انتفى الجهل حصل الخير بأجمعه.

    حكم الحلف بغير الله تعالى

    قال: [ والحلف عبادة، فمن حلف بغير الله تعالى فقد أشرك في عبادة الله تعالى ] وقد كان المسلمون يحلفون: وسيدي عبد القادر ما كان هذا، أو وحق مولاي فلان، أو وفاطمة . وتوسع الجهال في هذا حتى صاروا يحلفون بالوقت وبالزمن وبالملح الذي يأكلونه، ولم يتركوا شيئاً لم يحلفوا به، وكأن الله لا يكفيهم أبداً؛ لأنهم ما عرفوا. وقل وندر من يقول منهم: بالله الذي لا إله غيره.

    وقد كانت يمين الرسول صلى الله عليه وسلم التي يحبها - والتي لم يسمعوا بها- كما قالت عائشة : ( والذي نفس محمد بيده ). فقولوا: والذي نفسي بيده ما فعلت وما قلت. ولكنهم لم يكونوا يحفون إلا بقولهم: وسيدي فلان .. ورأس فلان .. والملح .. وهذه الساعة .. وهذا اليوم، وكأنهم لم يعرفوا الله، ولم يسمعوا به، مع أنهم يسمعون كل يوم: لا إله إلا الله. وهذا هو الجهل.

    وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من حلف بغير الله فقد أشرك ). وقال: ( من حلف بغير الله فقد كفر ). والكفر هو: التغطية، وكفر الشيء: غطاه. فهم لما يقولون: وحق سيدي عبد القادر فمعنى هذا: أنهم غطوا الله؛ لأنهم لو رأوه لحلفوا به. وهذا معنى الكفر. ولما يقولون: وحق سيدي فلان معنى هذا: أنهم عظموا سيدي فلاناً حتى أعطوه حق الله، وأشركوه في التعظيم؛ لأن الذي يُحْلَف به إجلالاً وتعظيماً هو الله. وهم لما حلفوا بغير الله فمعنى هذا: أنهم أشركوا في عظمة الله غير الله. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: ( من حلف بغير الله فقد أشرك )، أي: أشرك في عظمة الله مخلوقاً من مخلوقاته.

    حكم من ركع أو سجد لغير الله

    قال: [ والركوع والسجود عبادة، فمن ركع أو سجد لغير الله فقد أشرك في عبادة الله تعالى. فاذكر هذا ولا تنسه ] ووالله إنه يوجد من يركع ويسجد لغير الله، فيقعون على الأرض ويسجدون بين يدي من يسجدوا له. وهذا يفعله الجهال مع الزعماء والحكام والأغنياء، بل ويفعلون هذا حتى مع الأموات. وهناك ضريح في بلد ما من بلادنا العربية إذا قاربوا الوصول إليه يمشون إليه زحفاً؛ إجلالاً وتعظيماً، ولا يمشون على أرجلهم.

    ويوجد هذا أيضاً عند لاعبي الكاراتيه، وقد رأيتهم بنفسي. والذين يلعبون هذه اللعبة تراهم كلهم يركعون؛ تحية للاعب أو للاعبين أو للغالبين. وقد رأيت العرب أيضاً يركعون، وقد نقول: يمكن أن الأعاجم لم يفهموا، ثم رأينا العرب أهل القرآن والنور يركعون لصعلوك لا يصلي ولا يصوم! والتقليد هو الذي ساقهم إلى هذه المزبلة. ولو كانوا بصراء لسألوا عن حكم هذا.

    فإذا أرادوا أن يحيوهم فليحيوهم بالمصافحة، أو بقول: بارك الله فيك، أو نصرك الله. ولا يركعون كما يركع المجوس.

    حكم التصفيق للرجال

    لا يجوز التصفيق، وقد رأيناهم لما يخطب الزعيم ويفرحون بالخطبة يقفون وقوفاً ويصفقون، ونسوا قول رسولكم صلى الله عليه وسلم: ( إنما التصفيق للنساء ). فلا تتحولوا إلى نساء. ولكنهم لا يفهمون. وهم قد أخذوا هذه الصور من الشيوعية. وقد حفظنا عدة كلمات من القاموس الشيوعي، منها: فلان مخلص للوطن، مخلص للدولة. وهذا كفر؛ لأن الشيوعي لا يؤمن بالله، بل يحاول أن يغطيه، ويقول: هو مخلص للوطن. وقد أخذناها نحن منهم ومن قاموسهم، وتبجحنا بها، وقلنا: فلان مخلص للدولة، والأصل أن نقول: مخلص لله، وليس لعباده.

    حكم الوقوف حداداً على أرواح الشهداء

    هناك من يقف سكتة حداد على أرواح الشهداء، فبعد أن يكونوا جالسين في الحفل أو في المجلس يقفون ساكتين، ويسمون هذا: سكتة حداد على أرواح الشهداء، ولا يسبحون الله ولا يذكرونه. وهذه والله من قاموس الشيوعيين؛ لأن الشيوعي لا يؤمن بالله الذي يغفر ويرحم حتى يرفع يديه يسأله أبداً، ويحاول أن يغطيه ويكفر به.

    وكان عندنا مؤمن موحد مائة في المائة، وكان تلميذ العقبي ، فكان هو الوحيد يقول لما يقفون: اللهم اغفر له وارحمه، اللهم اغفر لموتانا وارحمهم، فينظرون إليه وهم يعجبون.

    معنى المعاصي

    قال: [ كان ذلك الشرك، فما هي المعاصي؟ المعاصي: جمع معصية، وهي: مخالفة أمر الله، أو أمر رسوله ] صلى الله عليه وسلم [ فإذا أمر الله تعالى بقول أو فعل، أو أمر رسوله فمن فعل المأمور على الوجه المطلوب فقد أطاع وما عصى، ومن ترك فلم يفعل فقد عصى. وتركه معصية. وكذلك إذا نهى الله تعالى أو نهى رسوله ] صلى الله عليه وسلم [ عن قول أو عمل، فمن قال المنهي عنه أو فعله فقد عصى، وقوله وفعله لما نُهي عنه معصية ].

    حكم معرفة أوامر الله ورسوله ونواهيهما

    قال: [ وعلى هذا فالوقاية للنفس وللأهل ] التي طلبها الله منا في قوله: قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ [التحريم:6] [ من زوجة أو ولد ] إنما [ تكون بطاعة الله ] تعالى [ ورسوله صلى الله عليه وسلم بعد الإيمان الصحيح.

    وهنا يجب على العبد أن يعرف أوامر الله وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم ويعلمها أهله ] ويعرف نواهي الله ونواهي رسوله وجوباً عينياً [ إذ من غير المعقول أن نطيع ونحن لا نعرف فيما نطيع، أو نعصي ونحن لا نعرف فيما نعصي ] ونحن لن نقي أنفسنا إلا بفعل الأمر وترك النهي، والأمر ليس واحداً، بل هو آلاف الأوامر، وكذلك النواهي ليست شيئاً واحداً، بل المنهيات عشرات. ولن يمكنك أن تطيع الله ورسوله من دون أن تعرف الأوامر والنواهي، ووالله إنك لن تستطيع هذا. ولهذا كان طلب العلم فريضة. ومستحيل أن تكون ولي الله وأنت لا تعرف أوامره ولا نواهيه، ومن هنا فيجب أن نترك العمل ولو دهراً كاملاً حتى نعرف أوامر الله ونواهيه.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وسلم.