إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 82للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تقوى الله عز وجل هي ما يحمل العبد على الخوف والخشية والرهبة التي تدفعه إلى أداء الفرائض وترك المحرمات، وتحمل العبد على المسابقة إلى الخيرات، والتنافس في الصالحات، وضد ذلك نسيان الله عز وجل بترك محابه وطاعاته، وإتيان ما يغضبه، فمصير من اتقى الله وذكره الجنة والرضوان، ومصير من عصى الله ونسيه النار والخسران.

    1.   

    سبب نداء الله تعالى لعباده المؤمنين دون غيرهم

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان. اللهم اجعلنا منهم، واحشرنا في زمرتهم، وارض عنا كما رضيت عنهم. آمين.

    سبق أن درسنا سبعة وسبعين نداء، وهذه النداءات المنادي فيها الله جل جلاله، فهو خالقنا رازقنا، ومحيينا ومميتنا، وخالق كل شيء من هذه العوالم، وهو الله الذي له مائة اسم إلا اسماً واحداً، وهو الذي أنعم علينا بنعمة العقل والسمع والبصر بعد نعمة الحياة، ونحن لا نسمع نداءه عندما ينادينا والعياذ بالله، وهو لا ينادينا لحاجة له عندنا والعياذ بالله، فهو خالق كل شيء ومليكه، وهو إنما ينادينا لأننا أولياؤه المؤمنون به، المتقون له، وهو ينادينا لواحد من أربعة أمور: إما ليأمرنا بما فيه كمالنا وسعادتنا إن نحن أطعناه وفعلنا ما يأمرنا به، أو ينادينا لينهانا عما يشقينا ويخسرنا إن نحن امتثلنا فاجتنبنا ما نهانا عنه، أو ينادينا ليبشرنا حتى يزداد إقبالنا على الصالحات وإبعادنا عن المفسدات، أو ينادينا ليحذرنا ولينذرنا؛ لنبقى بعيدين عما يدنس نفوسنا ويخبث أرواحنا، وليبعدنا عن الشقاء والخسران، أو ينادينا ليعلمنا ما نحن في حاجة إلى معرفته للعمل به. ولا ينادينا لشيء آخر. هذه هي خلاصة مناداته لنا.

    وهو ينادينا نحن دون غيرنا؛ لأننا بإيماننا أحياء، والحي يسمع ويبصر ويعقل، ويأخذ ويعطي، ولا ينادي الميت؛ لأنه لا يسمع ولا يبصر ولا يعقل، ولهذا نادانا بعنوان الإيمان فقال: يا أيها الذين آمنوا ! فأجيبوا: لبيك اللهم لبيك! فمر نفعل، وانه ننتهي، وبشر نفرح، وحذر نخاف، وهذا شأننا نحن أولياء الله. ولا تشكوا في أنكم أولياء الله.

    1.   

    ولاية الله.. بين المعنى الشرعي الصحيح والمعنى الواقعي المنحرف

    من مكر الماكرين وغش الغاشين وخداع المخادعين أنهم قالوا: من قال: أنا ولي الله يخشى أن يموت على سوء الخاتمة، ومعنى هذا أن يقول: عدو الله والعياذ بالله.

    وقد بينا وجه المكر: وهو أنهم حصروا ولاية الله في الأموات.

    ولو دخلت القاهرة المعزية قبل خمسين سنة، أو بغداد أو دمشق، أو مكة قبل دولة القرآن وقلت لأول من تلقاه في الطريق: يا سيد! أنا غريب الدار، جئت إلى هذه البلاد، فمن فضلك دلني على ولي من أولياء هذه المدينة أزوره، فإنه والله لا يأخذ بيدك إلا إلى ضريح، ولا يفهم أن القاهرة ذات المليون فيها ولي حي بين الناس، وجرب أن تدخل عاصمة كبيرة ذات المئات الآلاف واسأل أهلها أن يدلوك على ولي، فإنهم لا يدلونك إلا على ضريح، وقد فعلوا هذا لأن المؤمن يعرف أن من آذى ولياً مزقه الله؛ إذ قال تعالى: ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ). ومن هنا، قالوا: الأولياء هم أصحاب الأضرحة والتوابيت والأزر الحريرية، والذين تذبح لهم الذبائح ويحلف بهم، وتقدم لهم النذور، وأما بقية أهل البلاد فكلهم أعداء الله، والسر في هذا حتى يسرق المؤمن أخاه، ويفجر بامرأته، ويفسد عليه ولده، ويأخذ ماله، ويسفك دمه، ويسبه ويشتمه، ولو علم أنه ولي الله لما استطاع أن يؤذيه، والذي فعل بنا هذا هو الثالوث الأسود، والعدو الأكبر، المكون من المجوسية واليهودية والصليبية. فانظروا ما فعلوا بنا. ولو كنا نعتقد أن أهل هذه البلاد أو أهل القرية كلهم أولياء لما وجد من يسب ولي الله، أو يسرق ماله، أو يؤذيه في أهله أبداً.

    وأزيدكم برهاناً واقعياً: كنا في جماعة جالسين ونحن أطفال، وكنا نجلس مع الكبار في القرية، فقالوا: فلان إذا زنى لم يمر بسيدي فلان، بل يمشي من شارع آخر بعيد. فإذا زنى بمؤمنة وهتك عرض أخيه وفسق عن أمر ربه وارتكب أكبر فاحشة فكل هذا لا بأس به، ولكنه لا يستطيع أن يمر بسيدي فلان الميت المقبور صاحب الضريح. وكان هذا هو مستوانا العلمي والفقهي.

    بلغوا أن أولياء الله هم المؤمنون المتقون، وهم ليسوا الأموات، بل الأحياء، وعلى ذلك نحترم كل مؤمن، ونبجل كل مؤمن، ولا نؤذي أي مؤمن، ولو بكلمة نابية أو نظرة شزرة، فضلاً عن أن نزني بابنته، أو نمزق عرضه، أو نأكل ماله، أو نهينه ونتكبر عليه؛ لأنه ولي الله. فأولياء الله ليس سيدي عبد القادر فقط، واسمع بيان الهدى من كلام الله من سورة يونس عليه السلام، يقول تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]. و(ألا) بمعنى: ألو، أي: اسمع وأنت حاضر بأحاسيسك إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [يونس:62]. لا في الدنيا ولا في البرزخ ولا يوم القيامة. وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]. فلا يخافون ولا يحزنون وهم أولياء الله، والله بيده كل شيء، وهو وليهم، وهؤلاء الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس:63-64]. وهذه الآية تساوي الدنيا بما فيها، ولا يحفظها من المؤمنين إلا واحد في الألف، فلنحفظ هذه الآية، وليس شرطاً أن نحفظ سورة يونس، فإذا سئلت عن أولياء الله فلا تقل: سيدي ابن عباس ، أو سيدي فلان، وكل العوام لا يعرفون إلا الذين ماتوا، ومنهم من يقول: سيدي أبو حمارة، ويقولون: إنه ولي، وهذه القصة معروفة، وهو أن مسافراً مع أخيه مات حمارهما ودفنوه، ثم وقفا عنده، فجاء الجهال يزورونه، ويقدمون الريالات، فبنيا عليها قبة وعاشا هناك، وكان إذا أراد أحد أن يحلف قالوا له: احلف بسيدي أبو حمارة، أو: بحق سيدي أبو حمارة. وهذا هو ما فعله بنا الثالوث الأسود المجوس واليهود والصليبيين.

    1.   

    مكر أعداء الله بالمسلمين وتواطؤهم على ذلك

    تعاون الثالوث الأسود المجوس واليهود والصليبيين وتعانقوا على إطفاء نور الله، فأذلهم الله وأخزاهم، ثم نجحوا لما عرفوا مصدر قوتنا، وروح حياتنا، ونور هدايتنا، وهو القرآن، واسمعوا قول الله تعالى من سورة الشورى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [الشورى:52]. وهو القرآن، فهو والله روح، من كفر به مات، فالقرآن روح، ولا تتم حياة إلا بالروح. وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى:52]. والماشي في الظلام لا يهتدي إلى حاجته، ولا يصل إلى بغيته، بل لا بد له من نور حتى يهتدي ويصل. والقرآن روح ونور، وقد عرف هذا الثالوث، وحاولوا واستطاعوا ونجحوا في أن يبعدوا الأمة الإسلامية عن الكتاب، فحولوا القرآن إلى الموتى، ونحن عندما نقرأ القرآن على الميت إنما نوبخه، فهو لن يقوم يصلي، ولن يقوم يعترف بالحقوق التي عليه. ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقرأ القرآن على ميت، وقد ماتت بناته بين يديه ولم يقرأ عليهن القرآن، فالقرآن يقرأ على الأحياء، وليس على الأموات. والدليل قول الله تعالى: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ [يس:69] أي: القرآن إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا [يس:69-70] وليس من كان ميتاً، وإنما لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا [يس:70]. ونحن قلنا: لا، فالأحياء تركناهم يغنون ويرقصون، ويعبثون ويفسقون، ولم ننذرهم، ولكن أنذرنا الموتى، مع أن الميت لما يقرأ عليه القرآن لا يقوم يصلي، ولا يؤدي الواجبات؛ لأنه قد مات وانتهى أمره، فتصدق عنه أو استغفر له أو ترحم عليه، لا أن تقرأ عليه القرآن وتحرمه الأحياء.

    وهكذا نكرر هذه التنبيهات؛ رجاء أن تنقل من ديار النبي إلى بلاد المسلمين، ولكن قل من يروي وينقل؛ لأنها ليس فيها ريالاً ولا درهماً.

    1.   

    وجوب تقوى الله عز وجل والتزود للآخرة ووجوب ذكر الله وحرمة نسيانه

    هذا هو [ النداء الثامن والسبعون ] معاشر المستمعين والمستمعات! وفحواه وما احتوى عليه ومضمونه هو: أولاً: [ في وجوب تقوى الله عز وجل ] وثانياً: [ والتزود للآخرة ] وثالثاً: [ ووجوب ذكر الله ] ورابعاً: [ وحرمة نسيانه ] أي: نسيان الله [ لما يفضي إليه من الخسران والحرمان ] فهو قد نادانا ليأمرنا بتقواه، وليأمرنا بالتزود للآخرة؛ لأننا مسافرون إليها، وليس هناك من يقول: لا، أنا لن أسافر أبداً إلى الآخرة. والمسافر يحتاج إلى زاد. ونادانا أيضاً ليأمرنا بالتزود للآخرة، ووجوب ذكر الله، وحرمة نسيانه؛ لأن من نسي الله نسيه الله، ومن نسيه هلك وتمزق، ولم يبق له وجود أبداً.

    وهذا النداء خطير وعظيم. وهيا نتغنى به؛ علنا نحفظه أولاً.

    قال: [ الآيات (18 - 20) من سورة الحشر

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [الحشر:18-20] ] اللهم اجعلنا منهم.

    فلنتغنى بهذا النداء في البيت وفي المسجد؛ لأنه يشرح الصدر، ويضيء البصيرة، ويزيد في طاقة الإيمان والنور. فلنحفظ هذا، ولنفهم مراد الله منه، ولنجب نداء الله، ونعرف ما نادى الله من أجله.

    وهذا النداء في سورة الحشر، وأولها قوله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الحشر:1].

    [ الشرح: اذكر أيها القارئ الكريم! والمستمع ] المستفيد! ونقول: المستمع المستفيد؛ لأنه ليس المسلمون كلهم يقرءون، فمن لا يقرأ يقول لمن يقرأ: اسمعني نداء من نداءات ربي، فقد ناداني ربي والله العظيم، فيقرأ عليه النداء ويتغنى به ويسمع، فإن فهم المطلوب شرع في العمل والتطبيق، وإن لم يفهم يقول: من فضلك بين لي ما يريد الله مولاي وسيدي مني. هذا هو المستمع المستفيد.

    الحث على التقوى وبيان معناها

    على هذا القارئ الكريم والمستمع المستفيد أن يذكرا [ أن الله تعالى ينادي عباده المؤمنين لإيمانهم ] أي: من أجل إيمانهم، ولو كانوا كفاراً لما ناداهم، ولم نسمع الله يقول: يا أيها الذين كفروا، والعياذ بالله؛ لأنهم أموات، ولذلك لا يناديهم، وإنما يقول للرسول: قل لهم، وبلغهم، ولا يقول الله: يا أيها الذين كفروا؛ لأن الله عليم حكيم، ولذلك لا ينادي أمواتاً. ولذلك فهو ينادي المؤمنين فقط [ إذ بالإيمان هم أحياء يسمعون النداء، ويجيبون المنادي، وها هو ذا تعالى يناديهم بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الحشر:18]! أي: يا من آمنتم بالله ولقائه، والرسول وما جاء به، والكتاب الحكيم وما فيه اتَّقُوا اللَّهَ [الحشر:18] فأمرهم بتقواه عز وجل ] وهي ليست برنساً أو درعاً أو قميصاً [ و] إنما تقوى الله التي أمر بها [ هي خوف وخشية ورهبة تحمل صاحبها على أداء الفرائض وترك المحرمات ] وتجعله يمتثل الأمر ويجتنب النهي، ولا يمكننا أن نتق الله بغير ذلك، فنحن ضعفاء وهو القوي القدير. والله لا يتقى بالحصون، ولا بالأسوار العالية، ولا بالسراديب تحت الأرض، ولا بالجيوش الجرارة؛ فهو فوقنا، وبيده كل شيء، وإنما نتقيه فقط بالخوف منه، والخشية له، والرهبة منه، ومتى وجد الخوف والخشية والرهبة استطعنا أن نطيعه ولا نعصيه، وبطاعته يتقى عذابه وغضبه وسخطه؛ لأن تقوى الله هي خوف وخشية يحملان العبد على أن يتمثل الأمر، فإذا قال الله له: صم صام، وإذا قال: صلِّ صلى، وإذا قال: اسكت سكت. هذه تقوى الله [ كما هي ] أي: التقوى [ في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. كما تحمله على المسابقة إلى الخيرات، والتنافس في الصالحات ] فهي ليست امتثال الأمر واجتناب النهي فقط، بل هي كذلك: تحمل صاحبها على أن يسابق في الخيرات، وينافس في الصالحات، فإذا كان هذا قد حج عاماً فقد حج غيره عشرين عاماً، وإذا كان هذا تصدق بمليون فهذا تصدق بألف مليون، وإذا كان هذا يصلي عشر ركعات فهذا يصلي خمسين ركعة، فخشية الله رهبته والخوف منه تحمل على فعل الواجبات وترك المحرمات وتحمل أيضاً على التنافس والمسابقة في الصالحات. ولهذا درجة الأولياء تتفاوت كما بين السماء والأرض.

    حث الإنسان على النظر فيما قدم

    قال: [ أمرهم بالتقوى، ثم أمر كل نفس على حدة أن تنظر فيما قدمت من الصالحات؛ لتثاب عليها يوم القيامة بحسن الثواب، وتجزى بخير الجزاء، كما تنظر فيما قدمت من سوء وعمل غير صالح؛ لأنها تجزى به، والمراد من الغد يوم القيامة؛ إذ هو يوم الحساب والجزاء، مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الأنعام:160] ] وقال في هذا النداء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر:18]، أي: ولتنظر كل نفس ما قدمته لغدها خيراً كان أو شراً.

    قال: [ ثم كرر أمره السامي الحكيم بالتقوى، فقال: اتَّقُوا اللَّهَ [الحشر:18] ] فكرره مرتين في الآية، وكرره لأهميته، إذ لا سعادة ولا كمال في الدنيا ولا في الآخرة والله إلا بتقوى الله، فمن باب حبه لنا، ونصحه لأوليائه أنه أمر بالتقوى، وكرر الأمر إذ كمالهم وسعادتهم متوقفة على تقوى الله.

    ما يحقق تقوى الله عز وجل

    قوله: اتَّقُوا اللَّهَ [الحشر:18] [ أي: خافوه وارهبوه، واتقوا عقابه بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ] ولا يستطيع مؤمن أو مؤمنة أن يتقي الله وهو لا يعرف أوامر الله ولا نواهيه، وأقسم بالله. فلابد إذاً من أن نعرف أوامر الله ونواهيه من طريق كتابه ورسوله، ومن لا يقرأ ولا يكتب فليسأل أهل العلم، كما قال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]. ولا يحل لمؤمن ولا لمؤمنة أن يعيش أحدهما زمناً وهو لا يعرف ما أمر الله به من اعتقاد أو قول أو عمل أو صفة، أو أن يعيش زمناً وهو لا يعرف ما نهى الله عنه من قول باطل أو قول سيء، أو من عمل فاسد، أو من صفة مذمومة عنده، ومعنى هذا: أن طلب العلم فريضة، فلا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يعيش أحدهما دهراً ولا يوماً وهو لا يعرف أوامر الله ولا نواهيه؛ لأنه لا يمكنه أن يعبده، ولا أن يتقيه وهو لا يعرف ما أمره به، ولا ما نهاه عنه.

    ولن تستطيع والله أن تحقق ولاية الله وحبه لك وأنت لا تعرف ما يحب ولا ما يكره، وإنما حتى تعرف محابه فتحبها، وتعرف مساخطه فتسخطها وتكرهها، فلهذا لا يوجد بين أولياء الله ولي ولا ولية جاهل أبداً. وهذا هو الواقع. فلا يمكنك أن تحقق ولاية الله وأنت لا تعرف ما يحب ولا ما يكره؛ لأنك قد تحب ما يكره، وحينئذ تكون قد عكست الأمر فيبغضك، وقد تكره ما يحب، فتعكس الأمر أيضاً فيبغضك، فلن تكون ولياً حتى تحب ما يحب، ولا تكره إلا ما يكره، والطريق إلى ذلك هو سؤال أهل العلم، كما قال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]. فإذا كان العالم في قرية بني فلان فامش إليه على دابتك أو على بغلتك أو على رجليك، واقرع بابه في أدب، وقل له: يا شيخ! دلني على شيء يحبه ربي، فيدلك، ثم ارجع بعد أسبوع، وقل له: دلني على شيء يكرهه مولاي؛ حتى أكرهه، فيدلك، فتكرهه، ولا تزال تتعلم وتعمل حتى تتحقق ولاية الله لك. ولا تقل: ليس هناك حاجة إلى أن أركب على الدابة وأذهب لأسأل العالم، فهذا جابر بن عبد الله أحد رجالات الأنصار وشبيبتهم، وكان أبوه أحد شبيبة أحد، واسمه عبد الله بن حرام ، فـجابر بن عبد الله بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن فلاناً يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث، وكان فلان هذا في مدينة حمص بالشام، فأبى جابر إلا أن يركب راحلته من هذا المكان، ويسافر إلى حمص أربعين يوماً؛ ليسمع حديثاً واحداً. وهذه القصة صحيحة. ووالله لو كان جابر مثلنا لما اجتمعنا هذه الليلة، ولا بلغ الإسلام ديارنا، ولا عرفنا الله. فقد انتشر الإسلام في العالم في ظرف ربع قرن، في خمسٍ وعشرين سنة، ووصل إلى ما وراء نهر السند ووصل إلى الأندلس، ولو كان أولئك الرجال مثلنا والله ما وصل، فنحن نجلس نسمع ونضحك، (50%) أو (70%) إذا اجتمعوا لا يبالون، ولا يفهمون، وسواء عندهم عملوا أم لم يعملوا، فهذا غير مهم عندهم.

    طريق الخروج من المحن التي تحيط بالأمة

    طريق الخروج من هذه المحنة واضح، وهو: أن نعود إلى الله في صدق، وليس بالإيمان الفاتر، ولا والبصيرة شبه عمياء. وأقول: الطريق واضح ميسر، وافهموا وبلغوا وتحدثوا بهذه الأحاديث في قراكم ومدنكم، وبين رجالكم حاكمين ومحكومين، فالطريق إذا كنا مؤمنين أولياء الله نريد الملكوت الأعلى: أن يقول خطيب المسجد يوم الجمعة: من غد إن شاء الله يا رجال القرية! ويا أهل الحي! إذا دقت الساعة السادسة مساءً فيجب أن نوقف العمل، فنغلق الدكاكين والمقاهي، ونوقف آلات الصناعة، ويرمي الفلاحون المساحي من أيديهم، ويحملون أطفالهم ونساءهم إلى بيت الرب تبارك وتعالى، وبيت الرب هذا هو المسجد الذي تعرفونه حتى وإن كان من خشب أو حطب، ويتجه أهل القرية إليه زرافات ووحداناً، هذا معه أمه، وهذا معه زوجته، وهذا معه أطفاله، ويعودون إلى الله، ويجلسون بعد صلاة المغرب جلوسكم هذا، ويجلس لهم عالم بالكتاب والحكمة، ويعلمهم الكتاب والحكمة، نيابة عن رسول الله؛ فهو خليفة رسول الله؛ إذ كان رسول الله يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، أي: يطهر أرواحهم، وليلة يتغنون بآية، ويحفظونها ويفهمون مراد الله منها، ويعزمون العزم الأكيد على أن يمتثلوا الأمر، ويجتنبوا النهي، ويأخذوا بالنصيحة، ويعملوا بالتوجيه، وإذ صلوا العشاء عادوا إلى بيوتهم آمنين مطمئنين، فرحين منشرحي الصدور، وليس فيهم غريزة شهوة ولا طمع، ولا تكالب على الدنيا، بل مقتنعين برزقهم، ويدخلون بيوتهم، ويتناولون ما يسر الله لهم من طعام، وينامون ويستيقظون مع الفجر أو قبل الفجر ليشهدوا صلاة الصبح، وليس هناك حاجة لخروج النساء في هذا الوقت، فإذا صلوا الصبح انطلق الفلاح إلى المزرعة، والصانع إلى المصنع، والتاجر إلى المتجر، ويعملون في صدق. فإذا جاءت الساعة السادسة توضئوا وتطهروا، وحملوا أسرهم إلى بيت الرب، ويحفظون حديثاً نبوياً، ويعملون بما فيه، وينوون ويقوون العزيمة على أن يطبقوا، ويتعلمون يوماً آية ويوماً حديثاً، فيأخذ النور ينتشر، ويأخذ الظلام ينقشع وينكمش، فيقل الهزؤ والباطل والسرقة والكبر، وشيئاً فشيئاً وفي سنة واحدة وإذا أهل القرية كلهم أولياء الله، ووالله لن تسمع أن منكراً قد ارتكب، وينتهي الشره والطمع، ويتوفر المال؛ لأن المال اليوم عند الأغنياء يبددونه في الشهوات، وفي البقلاوة والحلوى، وفي اللباس الذي ليسوا في حاجة إليه، ويزيد هذا المال، فينفقونه على إخوانهم والله العظيم.

    هذا هو طريق العودة، وليس هناك طريق إلا هذا. وهكذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا لم نستطع أن نفعل هذا، فلنرض بالخبث والشر، والظلم والفساد، والكبر والحسد، والعناد والشهوات التي خمت الدنيا وخبثت الكون.

    ولا يمكن لنظام أو قانون غير هذا أن يهذب الأرواح ويزكي النفوس، ويعد الأمة لتنظر إلى السماء، وتغفل عن الدنيا وما فيها؛ حتى تكمل وتسعد، وهذا والله ما كان ولن يكون، وقد جربنا الشيوعية والاشتراكية، والديمقراطية والباطنية، والخرافات اليهودية، ولم تنتج لنا شيئاً، وهيا نجرب هذا ليلة. ولكن العلماء أموات.

    ووالله لو كنت أنا في قرية وسمعت هذا الكلام لجربته في هذه القرية، ولدعوت أهل القرية وقبلت أيديهم حتى يجتمعوا معنا، ولكننا كأنما أخذت الحياة منا. وهذا يا أيها الفطناء! ويا أيها الأذكياء! لا يكلف أهل القرية شيئاً، فهم إذا اجتمعوا في بيت ربهم بنسائهم وأطفالهم لا يحرمون من المطر، ولا يصابون بالمرض، ولا تقل دنانيرهم ولا دراهمهم، ولا يكثر فيهم الفساد والشر، ووالله لا يحصل لهن إلا الخير والصفا، والطهر والولاء، والأخوة والمحبة والتعاون، ولا يمكن والله أن يحصل إخاء وتعاون ومودة وحب من دون هذا الطريق، ومستحيل أن يحصل.

    وإبراهيم عندما كان يبني الكعبة مع إسماعيل كانا يقولان كلمات طيبة سجلها الله لنا في كتابه: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [البقرة:129] مهمته يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [البقرة:129]. ونحن لسنا أعلم من إبراهيم بالنافع والصالح، وقد استجاب الله له، واقرءوا قوله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2]. وقد نجح رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا. وقد بدأ الإسلام بمحمد صلى الله عليه وسلم وخديجة وعلي بن أبي طالب ومولاه زيد ، أي: بأربعة أنفار، وفي خمسة وعشرين سنة ازدهرت الدنيا بنور الله، وهو لم يبدأ بحزب ولا منظمة ولا جيش، وإنما بدأ برسول الله، وخديجة وهي امرأة حرة، وغلام صغير وهو علي بن أبي طالب ، وشيخ عظيم وهو أبو بكر الصديق ، وفي خمسة وعشرين سنة انتشر الإسلام في العالم. ونحن اليوم أقل مدينة فيها خمسين ألف مؤمن، والقرية فيها خمسة آلاف مؤمن، وليس مؤمناً واحداً، ولن تزدهر القرية إلا بالحب والولاء، والصدق والوفاء، والطهر والكمال، والأخوة والمحبة والتعاون، وإذا دخلت القرية فإنك لا تسمع فيها إلا السب والشتم، والكبر والحسد، وهذا هو واقعنا؛ لأننا ما ربينا في حجور الصالحين، ولا جلسنا هذا المجلس خمس سنوات أو عشر سنوات نتلقى الكتاب والحكمة، ولا عرفنا هذا لا سمعنا به. وبلغوا هذا معاشر المستمعين والمستمعات! وانقلوا هذه الأحاديث إلى ديارنا في الشرق والغرب.

    ثمرة الطاعة والأعمال الصالحة وثمرة الأعمال السيئة

    قال: [ إذ الطاعة لله والرسول تثمر زكاة نفس المطيع، إذ كل قول وعمل تعبدنا الله تعالى به فعله مستوفياً الشروط ينتج الحسنات التي بها تزكو النفس البشرية، وكما أن كل قول أو عمل نهانا الله عنه وأوجب علينا تركه إن نحن عصيناه وفعلناه خبث نفوسنا ولوثها، فتصبح في خبثها كأرواح الشياطين ] والعياذ بالله [ وقوله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18] فيه تشجيع على مراقبة الله تعالى، والصبر عليها، وهي تثمر حسب سنة الله تعالى الإسراع في الطاعة لله ولرسوله بفعل الصالحات وتجنب السيئات، وبذلك تطهر النفس وتزكو، وتصبح أهلاً لرضى الله تعالى ومجاورته في الملكوت الأعلى في الجنة دار المتقين ].

    جزاء من نسي الله عز وجل

    قال: [ وقوله تعالى في الآية الثانية من آيات هذا النداء العظيم: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [الحشر:19] ] أي: الخارجون عن طاعة الله ورسوله [ إنه من رحمة الله تعالى بعباده المؤمنين المتقين - وهم أولياؤه- نهاهم عما يضرهم ويسيء إليهم، ويعرضهم للشقاء والخسران، فقال لهم: ولا تكونوا أيها المؤمنون! كأناس تركوا العمل بطاعة الله وطاعة رسوله، فعاقبتهم فأنسيتهم أنفسهم، فلم يعملوا لها لتزكو وتطهر، وتتأهل لحبي وجواري في دار كرامتي لأوليائي. وهذا النسيان قائم حسب سنة الله تعالى، إذ من نسي الله تعالى فلم يذكره ولم يطعه انغمس في الشهوات، وتوغل في الذنوب والمعاصي، ففسق بذلك، وأصبح في عداد الفاسقين، ومن ثم هو قد نسي نفسه، فلم يعمل على تزكيتها و] لا على [ تطهيرها؛ لأن زكاتها وطهارتها تكونان بعبادة الله ] وحده [ بفعل ما أمر به من العبادات، وترك ما نهى عنه من الذنوب والمعاصي ].

    لا يستوي أهل الطاعة وأهل المعصية

    قال: [ وقوله تعالى في ختام هذا النداء: لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ [الحشر:20]، فكما لا يستوي أهل الطاعة مع أهل المعصية، ولا أهل الاستقامة على منهج الحق وأهل الانحراف والفسق لا يستوي أيضاً أصحاب النار وأصحاب الجنة ] فمستحيل أن يستويان، فواحد في النار تحرقه، وآخر في بستان ينعم بالظلال والفواكه، فهما لا يستويان [ إذا أصحاب النار في شقاء وخسران، وأصحاب الجنة في سعادة ورضوان. أصحاب النار في الدركات السفلى من عالم الشقاء، وأصحاب الجنة في الفراديس العلا ].

    ملخص ما اشتمل عليه هذا النداء

    قال: [ وإليك أيها القارئ! ] والمستمع! [ هذه الكلمات ] الأخيرة [ كمذكرة لك ] فاتركها في نفسك حتى [ لا تنسيك ما قرأت وفهمت، وهي:

    أولاً: وجوب تقوى الله تعالى بفعل محابه وترك مكارهه ] ولا بد أن تعلم المحبوب، وأن تعلم المكروه، وهذا قد دل عليه هذا النداء، فقال تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ [الحشر:18]. فاذكر هذا.

    [ ثانياً: وجوب مراقبة الله تعالى حتى لا تغفل فتقع في المعصية ] فالذي لا يراقب الله فإنه يغفل، وينغمس في بؤرة الفساد، ولا يستعصم ويستمسك إلا من يراقب الله دائماً وأبداً، فهذا لا تزل قدماه، ولا يقع في المعصية، ولا يقع فيها إلا الذين ينسون الله، وكأنهم يعيشون وحدهم والله بعيد عنهم، وليس معهم، فهم الذين يقعون، وأما الذي يعرف أنه بين يدي الله فوالله إنه لا يستطيع أن يجاهر بمعصية. ولهذا قال: اتَّقُوا اللَّهَ [الحشر:18]، أي: راقبوه. وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر:18].

    [ ثالثاً: التحذير من نسيان الله تعالى؛ فإنه يفضي بالعبد إلى الفسق، والعياذ بالله تعالى ] ونسيان الله يكون بالقلب واللسان، والذاكرون يذكرون الله بقلوبهم وألسنتهم، ولا يوجد شخص يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ويجهر بها ويمد يده ليسرق، أو يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ويسب فلاناً ويشتمه. فذكر الله أكبر حصن، من دخله أمن، ومن خرج منه وقع وتمزق وتلاشى، ووالله ما زنى زانٍ ولا سرق سارق ولا فجر فاجر ولا كذب كاذب إلا بعد النسيان، فعندما ينسى الله يقع.

    والفسق هو الخروج عن طاعة الله ورسوله، فمن خرج عن الطاعة فسق، وهذا مأخوذ من فسقت الفأرة، أي: خرجت من جحرها، وتسمى الفويسقة؛ لأنها تخرج من جحرها وتطفئ علينا النار أو المصباح، فكل من خرج عن طاعة الله بترك واجب أو فعل حرام يقال فيه: قد فسق، وهو فاسق.

    [ رابعاً: خطب أبو بكر الصديق خطبة طويلة ] في المؤمنين في هذا المسجد أيام خلافته [ إليك منها هذه الكلمات ] التالية: [ قال رضي الله عنه: لا خير في قول لا يراد به وجه الله ] فمن قال قولاً لا يريد به رضى الله ووجه الله فلا خير في هذا القول. ومعنى هذا: لا تقل آمراً ولا ناهياً ولا محدثاً ولا واعظاً ولا ناصحاً إلا وأنت تريد رضى الله، ولا تريد أن يشكرك زيد، ولا أن يثني عليك عمرو، ولا أن تحصل منه على شيء، فانتبه، وكن عبد الله المخلص له [ ولا خير في مال لا ينفق في سبيل الله ] وإنما ينفق في سبيل الشيطان، وفي الزنا والجرائم والموبقات والإسراف والتبذير [ ولا خير فيمن يغلب جهله حلمه] أي: الذي يطغى فيه الجهل على الحلم، فيصبح الجهل أقوى من الحلم، فهذا لا فيه خير؛ لأن جهله يغلب حلمه، فيسب ويشتم ويعير، وإذا غلب الحلم الجهل غطى الحلم الجهل بحسنه [ ولا خير فيمن يخاف في الله لومة لائم ] لأنه لا يستطيع أن يقول: يا فلان! اتق الله، أو لا تعصِ الله؛ لأنه يخاف من فلان وفلان، ولا يستطيع أن يقول: يا فلان! افعل الخير واتق الله؛ لأنه يخاف أن يلوموه. فلا تبالي بمن يلومك، بل مر بالمعروف، وانه عن المنكر بآداب وأخلاق، ولا تبالي إذا سبوك أو شتموك أو حرشوا عليك الحاكم، فلا تأخذك في الله لومة لائم، وكذلك قل بأدب وعلم ولطف وظرافة، ولا تبالي بمن ينتقدك ولا بمن يطعن فيك. هذه كلمات الصديق [ فاذكر هذا، وذكر به، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

    وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ].

    وهذا النداء الجليل هو قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [الحشر:18-20]. اللهم اجعلنا منهم.