إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 38للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ما فتئ أعداء الله من الكافرين يهزءون بدين الله، ويسخرون من عباده المؤمنين، وما ذاك إلا لغيظ في صدورهم، وحنق على هذا الدين في قلوبهم، ومن علامة صدق إيمان المؤمن عدم موالاة هؤلاء، فلا يمكن لمؤمن صادق الإيمان أن يوالي من يسخر من دين الإسلام، ويستهزئ به، ويحاربه؛ لأن المؤمن هو من أولياء الله، والمستهزئ إنما يحارب الله؛ فشتان بينهما.

    1.   

    وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي ذر الغفاري

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان، جعلنا الله منهم، وحشرنا في زمرتهم، ورضي عنا كما رضي عنهم. اللهم آمين.

    معاشر المستمعين! كان قد انتهى بنا نداء أمس عند تلك الوصية التي أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبه أبا ذر الغفاري رضي الله عنه وأرضاه، ويسرنا أن نكون من أهل تلك الوصية، ولا مانع فباب الله مفتوح، وما قرعه أحد إلا دخل. وهذه الوصايا هي ]:

    أولاً: حب المساكين والدنو منهم

    قال: [ أخرج ابن كثير في تفسيره رواية أحمد في مسنده رحمه الله إذ قال: عن أبي ذر : قال: ( أمرني خليلي صلى الله عليه وسلم بسبع: أمرني بحب المساكين والدنو منهم ) ] وهذه ليس فيها صعوبة، وهي ليست شاقة على النفس، فنحن نحب كل مؤمن ومؤمنة، ووالله لا نرضى بأذية لمؤمن ولا مؤمنة، سواء كانوا فقراء أو كانوا أغنياء، ولكن النفوس تشرد وتنفر من الضعفاء لحاجتهم، ولحالهم الرثة والزرية، فإذا قاومها العبد وجاهدها أصبحت تحن حنيناً إلى الفقراء، فلابد من بذل الجهد، وقد قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69]. إذاً: فالخصلة الأولى هي: ( أمرني بحب المساكين والدنو منهم ). والدنو ضد البعد والتناحي بعيداً، بل يجلس إليهم ومعهم، ويصلي إلى جنبهم.

    ثانياً: النظر في أمر الدنيا إلى من هو تحته لا من هو فوقه

    الثانية: [ ( وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي ) ] ولا أفتح عيني على من هو فوقي وأعلى مني، لا في جمال الوجه والطلعة، ولا في المال والدينار، ولا في الشرف والكمال، ولا غير ذلك، بل انظر دائماً إلى من هم دوني؛ حتى لا أحسد مؤمناً، ولا أبتلى بالنظر إلى أموال الناس وأحوالهم، وأنسى ذكر الله وأشتغل بالناس. وهذه عبارة واضحة، فإذا كان عبد الله يسكن في كوخ وإلى جنبه عمارة ذات عشرين طابقاً فيجاهد نفسه حتى لا ينظر إليها، ولا يلتفت إليها أبداً، بل ينظر إلى من أكواخهم أزرى وأحقر وأحط، وإن لم يكن هناك كوخ فهذه المباني القديمة موجودة، فيحمد المؤمن الله، ويبيت راكعاً ساجداً، ولا يلتفت إلى العمارات وناطحات السحاب، ولا ينظر إليها أبداً. وكذلك إذا ملك سيارة بقيمة الألفين ريال، وقد دفعها يوماً وركبها فإذا مرت جنبه سيارة مرسيدس بقيمة المائة ألف أو المائتين ألف ريال فلا يلتفت إليها، ولا يتمناها أبداً، وينظر إلى إخوانه الذين يمشون على أرجلهم، ولا يجدون ما يركبون، فكونوا مستعدين إن شاء الله لهذا، وأما أنا فوالله إذا رأيت عمارة أسأل الله أن لا يعطيني مثلها، وأقول بصراحة: يا رب! لا أريد هذا.

    وهذه الثانية تحتاج إلى جهاد، أي: أن لا تنظر إلى من هو فوقك، فإذا كان راتبك ألف ريال فلا تنظر إلى صاحب العشرة الآلاف والعشرين ألفاً أبداً، ولا تفكر فيه، فهذه قسمة الله، فقد أعطاه الله ليبتليه، ويظهر طيبه وخبثه، ولا تظنوا أن عطاء الله عبثاً، وإنما هو ليبلوكم، أي: يمتحنكم بالفقر المدقع فترة من الزمان؛ ليرى هل أنت ولي الله أم عدوه؟ ويبتليك بالمال ويصبه عليك صباً، ويأتيك به من كل حدب وصوب، ليس لجمالك، تعالى الله عن مثل هذا، وإنما ليمتحنك أتشكر أم تكف؟ وليس منا أحد إلا وهو مبتلى وتحت النظارة، وقد فاز الصابرون.

    وقوله: ( أمرني أن لا أنظر إلى من هو فوقي ) بينت أنها في أمور الدنيا، وضربنا المثل في العمارات والأكواخ، وأما أمور الآخرة والدين فكل يود أن يكون من سادات المسلمين، ويريد أن يكون أبر من الإمام أحمد ، وأصلح من الحسن البصري ، فهذا يتنافس فيه، وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26]. فإذا صام شخص يوماً فصم عشرة، وإذا أعطى ريالاً فاعط عشرين، فهذا باب مفتوح، وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ .

    ثالثاً: صلة الرحم وإن قطعها أصحابها

    الثالثة: [ ( وأمرني أن أصل رحمي وإن أدبرت ( قطعت) ) ] وهذه الثالثة. فإن أعطوني ظهورهم أتيت من أمامهم، وأسأل عن حالهم، وأسلم عليهم، ولا أقطعهم وإن قطعوني؛ لأن الرحم اشتق الله تعالى اسمها من اسمه، فاسمه الرحمن وهي الرحم، وتعهد لها أن يصل من يصلها ويقطع من قطعها، وقال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ [النساء:1]. لأن صلة الرحم تجعل الأسرة مترابطة، فتقوى على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا ترابطت الأسرة أمكنها أن تقف في وجه الباطل والشر والفساد، وإذا تقسمت وتقطعت وتحللت لم تستطع أن تقيم واجباً، وهذا هو السر في التكتل والتجمع، أي: من أجل إقامة دين الله.

    رابعاً: عدم السؤال من أحد شيئاً

    الرابعة: [ ( وأمرني أن لا أسأل أحداً شيئاً ) ] وهذه بيضاء كالشمس. وقد كان أبو بكر الصديق إذا ركب على جواده أو فرسه فسقطت العصا أو السوط من يده يتحاشى أن يقول: أي فلان! ناولني السوط، وإنما ينزل من على الفرس وينزع رجله من الركاب، وينزل إلى الأرض؛ ليتناول سوطه. ومن هنا أنصحك: أن لا تسأل عبد الله! غير الله شيئاً أي من أمور الدنيا، إلا إذا حشرجت في الصدر وغرغرت، وكان لا بد من ذلك، فحينئذ هناك إذن، وأما لأنك تريد أن توسع طعامك وشرابك فقط، وتجعل لك نعلين وثوبين وتسأل الناس أموالهم لذلك فهذا والله ما يليق أبداً، إلا إذا وقف العبد ولم يستطع أن يمشي، وهذا لن يتركه الله، وسيسخر له من يأتيه، ومع الأسف هذا السائد الآن عندنا في العالم الإسلامي، ولا أدري الكفار يطلبون أم لا؟ واسألوا الذين زاروا بريطانيا وفرنسا هل النصارى يفعلون فعلنا؟ ويمكن، فهم هابطون أهبط منا.

    وأعود فأقول: إذا اضطر المؤمن اضطراراً كلياً حقيقياً فلا بأس أن يقول لأخيه كذا، وأما لأنه يريد أن يوفر فقط فلا، وكثير من الشحاتين المتسولين في العالم الإسلامي عندما يموتون يجدون عندهم أموالاً في بيوتهم، فقد ألفوا واعتادوا، وما عُلِّم ولا بُصِّر، فيسأل.

    خامساً: قول الحق وإن كان مراً

    الخامسة: [ ( وأمرني أن أقول الحق وإن كان مراً ) ] لا يستساغ، ولا يقوى عليه إلا الربانيون؛ لأن قول الحق يظهر الباطل ويطرده، ويحق الحق ويثبت لأهله، بخلاف إذا سكتنا عنه.

    سادساً: ألا يخاف في الله لومة لائم

    السادسة: [ ( وأمرني أن لا أخاف في الله ) ] أي: في دعوة الله، وفي أمر الله، وفي شرع الله، وفيما يريد الله [ ( لومة لائم ) ] فلا أخاف أن يلومني فلان لأنني اطمئن في الصلاة، أو يلومني فلان لأنني قصرت ثوبي، أو يلومني فلان لأنني أقبل يدي أمي ورجليها. فالرسول أوصاه أن لا تأخذه في الله لومة لائم، بمعنى: أن يعبد الله بكل ما أمره أن يعبده به، ولا يبالي بعمه ولا جاره ولا أخيه ولا أميره ولا غيرهم؛ لأن الله قال فيهم: وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:54]، أي: في شأن الله، وهي عبادته وطاعته وشرعه ودعوته.

    سابعاً: الإكثار من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله

    السابعة: [ ( وأمرني أن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنهن ) ] أي: هذه الكلمات الثلاث [ ( من كنز تحت العرش ) ] وهناك آيتان كانتا تحت العرش، وهما قوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ [البقرة:285] من آخر البقرة، فقد نزلتا من كنز تحت العرش، فلهذا إذا قرأهما المؤمن عند نومه فكأنما قام ليله. وإن شاء الله نطبق هذه الخصال السبع بإذن الله.

    1.   

    مجمل ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر

    أول خصلة هي: حب المساكين والدنو والقرب منهم، لا البعد والنفور والهروب.

    وأذكر لكم لطيفة، وهي: السر في أن من صلى وراء الصف وحده صلاته باطلة حتى لا يتأفف غني ذو ثياب بيضاء نظيفة من أن يصلي إلى جنب عامل فقير ثيابه وسخة، وإلا لأخره عنه والله العظيم، ولكن أغلق الرسول الباب، فبدلاً أن تبعده صل إلى جنبه أحسن وادن منه. وهذه إن شاء الله سهلة علينا.

    الثانية: أن أنظر إلى من هو دوني، فإذا كان ثوبك ممزقاً فانظر إلى الثوب الذي نصفه مشقوقاً، وإذا كان نعلك كذا فانظر إلى النعل الذي هو دونه، ولا تنظر إلى الثوب الآخر أو الحذاء الآخر فتصاب ببلية في نفسك، وتؤذي إخوانك، وتتعرض لفتن الشيطان، بل انظر إلى من هو دونك، واحمد الله عز وجل، فإذا مشيت بحذاء قديم فانظر إلى آخر يمشي حافياً، وليس عنده شيء، ولا تنظر إلى من في رجله حذاء بخمسين ريالاً؛ فهذه النظرة تسيء إليك. وهكذا في المركوب وفي الملبوس وفي كل شيء، وإذا أردت أن تتزوج ثالثة ولم تجد فانظر إلى من هو دونك، ففلان ما وجد واحدة. فانظر إلى من هو دونك حتى لا تزدري نعمة الله أبداً، بل تشكر الله وتحمده على ما أعطاك. وهذه علة حياتك كلها.

    والثالثة: أن تصل رحمك، وهذه سهلة، وإن قاطعوك وأدبروا عنك فهش وبش في وجوههم، وانزل إليهم، وسلم عليهم، وهكذا؛ حتى تصلهم ولا تقطعهم وإن قطعوك. وهذه سهلة.

    والرابعة: أن لا تسأل أحداً غير الله، وهو لم يقل: غير الله أو إلا الله؛ لأنه معروف بالفطرة، فهو يتكلم مع صاحب جليل. فلا تسأل أحداً شيئاً حتى ولو كان سوطاً في يدك، ولكن إذا عجز ولم يستطع أن يرفع السطل أو الزنبيل فطلب من غيره مساعدته فلا بأس إذا عجز، وأما وهو قادر فلا، فلا تذل لغير الله، ولا تسأل غير الله عز وجل.

    خامساً: قل الحق ولو كان مراً لا يستساغ ولا يقبل، ولا يضرك أن الناس لم يرضوه ولم يقبلوه، بل قله حتى لا يبقى المنكر شائعاً، ولا المعروف ضائعاً خافياً، فإذا سكتنا مات الحق، فقله وإن كان مراً.

    سادساً: أن لا تخاف في الله لومة لائم، فأعبد الله، وأدع إليه، والتزم بدينه، ولا تخف أن يلومك فلان وفلان، ويقولان: تعنت، وفعلت كذا، فهذا غير مهم، ولا تبالي بلومة أباك ولا أمك ولا جارك ولا غيرهم مادمت في طاعة الله عز وجل، وأنت على علم بما تقول أو تعتقد أو تعمل.

    سابعاً وأخيراً: أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، وحد الكثرة أهل العلم يقولون: ثلاثمائة. وفي مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا [الأحزاب:41] تشعر أنك أديت ذكر الله كثيراً إذا كان ثلاثمائة. فإذا أردت أن تكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله فقلها على الأقل ثلاثمائة مرة في الصباح .. في المساء .. في الليل .. عند النوم وغير ذلك، وهذا ليس واجباً، فلا تقل: هذه شريعة جديدة، بل هذه هدية نبوية. وقد أحصينا لكم ذكركم اليومي فوصل ألفاً، فهذه خمسمائة مرة في الصلوات الخمس، فقط تسبيح وتحميد وتكبير، ثم إذا أصبحت تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله فهذا شيء عظيم أن تذكر الله. أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل هذه الصفات السبع. فلنجاهد أنفسنا حتى نكون إن شاء الله من أهلها.

    بيان ما يبلغ به العبد ذروة الكمال ويحوز به أفضل الخصال

    قال: [ فاعلم أيها القارئ الكريم! أنك إذا حققت هذه الصفات الست التي تضمنتها آية هذا النداء وأضفت إليها هذه الصفات السبع فقد بلغت ذروة الكمال، وحزت أفضل الخصال، ونلت ما لا ينال إلا بتوفيق وإفضال وإنعام ذي الجلال والإكرام. وسلام عليك في الفائزين.

    وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ].

    والصفات الست المذكورة في الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:54] هي:

    أولاً: يحبهم الله عز وجل.

    ثانياً: يحبونه. والقول الفصل في كيفية حصولنا وظفرنا بحب الله لنا وحبنا له: أننا إذا أحببنا الله أحبنا، فإذا أحببت الله فاطلبه، ومن طلب وجد، وبعبارة يستأنس بها: إذا بلغك وعلمت أن ربك يحب كذا فأحبه، ولا تزال تحب ما يحب حتى تحبه، وفي الصحيح: ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، الأولى: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ). فإذا علمت أن الله يحب كذا فافعله حتى يحبك، وإن علمت أن رسول الله يحب كذا فأحبب ما يحبه. وبصورة واضحة إذا سألك اثنان أحدهما تحبه والثاني لا تحبه فإنك تعطي الذي تحبه، فإذا طلب الله تعالى منك شيئاً فعلامة حبك له أن تقضي حاجته. وهذا واضح. فإذا قلت: إنك تحب الله وإن الله أحب منك كذا وأعطيته فهذا يدل على حبك له، وإن منعت فدعوى حبك ليست صحيحة؛ لأننا شاهدناك تعطي لمن تحب، ولا تعطي من لا تحب. وهذا الأمر يتوقف على مجاهدة النفس ورياضتها ومواصلة ذلك؛ حتى تصبح النفس محبوبة، لا تحب إلا ما يحب الله، ولا تكره إلا ما يكرهه الله.

    1.   

    حرمة ولاية من يتخذ دين الله هزواً ولعباً من أهل الكتاب وغيرهم

    الآن هذا [ النداء السادس والثلاثون ] وهو [ في حرمة ولاية من يتخذ دين الله هزواً ولعباً من أهل الكتاب وغيرهم ] وقلنا: إن الولاء هو: الحب والنصرة، فحرام أن تحب من يسخر بدينك ويستهزئ به، وحرام أن تنصره وتقف إلى جنبه وهو يسخر من دينك ويستهزئ به، كاليهود والنصارى والمشركين والمجوس. وهذا النداء هو من سورة المائدة.

    قال: [ الآيتان (57-58) من سورة المائدة

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا [المائدة:57-58] ] ولو كانوا يعقلون ما سخروا من حي على الصلاة [ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ [المائدة:58] ] هذا كلام الله ونداؤه، وهو موجه إلى المؤمنين بالله ولقائه.

    حرمة موالاة الكافرين

    قال: [ الشرح: اعلم أيها القارئ الكريم! أن هذا النداء الإلهي العظيم يحرم على المؤمنين ولاية الكافرين، وسواء كانوا أهل كتاب كاليهود والنصارى، أو كانوا لا كتاب لهم كالمجوس، أو كانوا مشركين أميين ] فالكل عدو الله [ وعلة هذا التحريم هي اتخاذهم دين الإسلام الحق الذي لا دين يقبله الله تعالى سواه، كما قال تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85] ] فكون الإسلام ديناً لا يقبل ديناً غيره شاهده في قوله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ أي: يطلب، غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا يتدين به فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ أبداً، وَهُوَ فِي الآخِرَةِ أي: في الحياة الثانية مِنَ الْخَاسِرِينَ الكافرين.

    سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً ...)

    قال: [ ولا شك أن نزول هذه الآية كان لسبب ] وهو [ سخرية واستهزاء بعض الكفار - من يهود ونصارى ومشركين- بالدين الإسلامي ] ولولا أنهم سخروا واستهزءوا لما نزلت هذه الآية، فهذه الآية لها سبب [ إذ ورد ] وصح [ أن المنافقين واليهود كانوا ] في المدينة [ إذا سمعوا الأذان يضحكون ويلعبون بصوت المؤذن، فمنهم من يقول: هذا نهيق حمار، ومنهم من يرفع صوته بالأذان ساخراً لاعباً مستهزئاً ] وفي مكة يوم الفتح لما سمعوا الأذان سخر الكفار منه وضحكوا [ فأنزل الله تعالى هذا النداء، ينهى المؤمنين عن موالاة هؤلاء المستهزئين بشعائر الدين الإسلامي، الضاحكين اللاعبين، كلما أتيحت لهم الفرصة، حيث لم يكن معهم من يخافونه من المسلمين ] في جماعاتهم ومجالسهم الخاصة، ولو كان بينهم مؤمن لهابوه، ولما استطاعوا أن يتكلموا، وهذا أيام أن كان المنافقون واليهود هنا كثر [ فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:57]، أي: يا من آمنتم بالله رباً وإلهاً، وبالإسلام ديناً وشرعاً، وبمحمد نبياً ورسولاً، لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ [المائدة:57]، أي: الإسلام وشرائعه وأحكامه، هُزُوًا [المائدة:57] يستهزئون به، وَلَعِبًا [المائدة:57] يلعبون به. وبين تعالى المستهزئين اللاعبين فقال: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة:57]. وهم اليهود والنصارى. وَالْكُفَّارَ [المائدة:57]، يعني: المشركين ] لا تتخذوهم [ أَوْلِيَاءَ [المائدة:57]، أي: توالونهم بالحب والنصرة.

    ثم أمر تعالى عباده المؤمنين بتقواه، وهي طاعته فيما أمر ونهى، فيفعلون المأمور بحزم وجد، وينتهون عن المنهي كذلك.

    ومن جملة ما نهاهم عنه موالاة أهل الكتاب والمشركين، وبخاصة الذين يستهزئون بالإسلام ويسخرون منه، ويضحكون ويلعبون؛ إذ موالاة هؤلاء الساخرين المستهزئين لا يسيغها عقل ولا دين. فكيف تصح إذاً موالاتهم من أهل الإيمان؟ ] وقد كان عندنا شاب في الجامعة قديماً، وكان شديداً قوياً، فلما ذهب إلى بلاده جندوه مع العسكر، وفي المعسكر قام يصلي، فلما ركع فتحوا سرواله وأسقطوه وكشفوا عورته، وجلسوا يضحكون ويسخرون منه، فقام تغمده الله برحمته برشاشه وقتل أربعة أو خمسة وإلى الجنة. هذا في بلاد الإسلام. فهذه السخرية شاهدناها وعرفناها، وهنا يقولون: ذا الذقن لصاحب الذقن، سخرية واستهزاء، وهذا شأنه شأن من فرغ قلبه من طاقة النور، فهو في الظلام يتخبط، فيسمي الحسن قبيحاً، والقبيح حسناً، والمستهزئ كافر، وإن لم يتداركه الله بالتوبة قبل أن يموت فهو في نار جهنم، والذي يستهزئ بدين الله وأولياء الله قال الله فيه: ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ). وأنت تعلن الحرب على أولياء الله. والذي يستهزئ بشعائر الإسلام لحية .. صلاة .. سجوداً .. قرآناً .. حجاباً .. ذكر الله .. إيماناً فهو كافر في تلك الحال، فإذا أنقذه الله فباب الله مفتوح، وإذا استمر على سخريته فمات على ذلك فهو من المخلدين في النار، وإن صام وصلى. وقد سمعت أحد الزعماء أيام الزعامات العربية في الإذاعة يسخر من إمام المسلمين ويقول: ذا الذقن، لا إله إلا الله! والله العظيم، ولا تعجبوا، فهو لم يترب في حجور الصالحين منذ نعومة أظفاره إلى أن يحتلم ويبلغ أشده، بل جالس المبطلين ودرس مع الكافرين، فهيا نعلمهم أولاً، ونربيهم من جديد، وهيا نربي الأحداث؛ حتى يخرج جيل جديد يعبد الله ويخافه.

    موالاة الكافرين منافية للإيمان

    قال: [ لذا قال تعالى في ختام الآية: إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:57] ] فهذا يتنافى مع الإيمان، فلا يمكن لمؤمن حق الإيمان أن يوالي من يسخر بدين الإسلام ويستهزئ به ويحاربه [ وفعلاً هم مؤمنون؛ لذا فلا يصح منهم أبداً موالاة أعداء الإسلام المحاربين له الساخرين منه.

    وفي هذه الجملة المذيل بها الكلام إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:57] ما يجعل حرمة موالاة هؤلاء الكافرين أعظم حرمة وأشدها؛ إذ موالاة الكافرين محرمة بآية قبل هذه كآية آل عمران: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:28]. وآية المائدة ] السابقة [ قبل ذي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة:51]. وفي هذه الآية بعد ذي، وهي قوله تعالى: وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ [المائدة:58]. ففي هذه الآية بيان استهزائهم ولعبهم بالدين، إذ الأذان دين وشرع، بل هو أظهر الشرائع وأعلى مقامات الدين؛ إذ به ترتفع كلمة التوحيد والنبوة، ويدعى إلى أشرف عبادة وأزكاها وأكثرها تعبداً لله تعالى، وهي الصلاة وإقامتها.

    وفي قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ تقرير أن المستهزئ بالأذان الضاحك منه واللاعب به يعتبر لا عقل له كالبهائم، أو أشر وأضل من البهائم؛ إذ النداء إلى الصلاة بتلك الكلمات السامية الرفيعة الداعية إلى الفلاح بإقامة الصلاة لا يجهل معناها، ولا يكرهها إلا من لا عقل له، وصدق الله العظيم إذ قال ذلك، أي: كان ذلك الاستهزاء والسخرية واللعب بالأذان بسبب أنهم قوم لا يعقلون، وحقاً إنهم لا يعقلون. وصدق الله العظيم ] لأن كلمة الله أكبر لا يفهم منها سوى أن الله أعظم من كل شيء، وشهادة أن لا إله إلا الله لا يفهم منها إلا أنه لا إله مع الله، ولو بحثت في الكون كله فلن تجد إلهاً مع الله، وشهادة أن محمداً رسول الله تدل على أنه رسول الله، وكتاب الله في يده وفي صدره، وحي على الصلاة لتطهير النفس وتزكيتها، وحي على الفلاح أي: الفوز والنجاح من معاطب ومهالك الدنيا والآخرة، ولا شيء أعظم من هذا، فلا يستهزأ بهذا اللفظ ويسخر منه.

    حكم الأذان

    قال:[ وأخيراً: أيها القارئ الكريم! إليك بيان حكم الأذان في الإسلام ] واحفظوا هذه الفقيهات [ إن الأذان فرض كفاية في المدن والقرى ] ومعنى فرض كفاية: أنه إذا أذن واحد والقرية فيها مليون واحد كفى، وإذا أذن مؤذن في المدينة وبلغ صوته أهلها فهذا كاف، ويسقط الواجب عن كل المؤمنين، فإن لم يؤذن أحد فكلهم آثمون إلا من كان غير أهل لذلك كالمرأة والعاجز [ وسنة ] ليس بفرض [ لجماعة تطلب غيرها ] فلو كان جماعة في بستان أو في مصنع أو في غير ذلك يطلبون غيرهم ليصلي معهم فمن السنة لهم أن يؤذنوا؛ حتى يسمع من معهم ويأتي إلى الصلاة، فهذا سنة، إذا فعلوه أجروا وأثيبوا عليه، وإن تركوه فنرجو الله أن لا يؤاخذوا، ولكن لا يفوتون على أنفسهم هذا الأجر، ولو تركوه لا نعلن الحرب عليهم ونقاتلهم، وأهل المدينة لو منعوا الأذان يقاتلون، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية تغزو يقول لهم: ( انتظروا حتى يطلع الفجر، فإن سمعتم النداء اتركوهم، وإن لم تسمعوا الأذان اغزوا ). فلو أن أهل مدينة أو قرية قالوا: لا نؤذن فهذه ردة، فيقاتلهم المسلمون حتى يخضعوهم للإسلام، وأما جماعة في مصنع أو في مسجد أو غير ذلك إذا لم يؤذنوا فلا يعلن الحرب عليهم وقتالهم؛ لأنهم تركوا سنة، ولكن عليهم أن لا تفوتهم.

    قال: [ ومستحب ] وهذا دون السنة [ لمن لا يطلب غيره في السفر أو الحضر ] كأن يكون في بيته مريضاً يريد أن يصلي، فيؤذن وحده، فهذا مستحب، وليس واجباً ولا سنة، وكأن يكون في بستانه أو في مزرعته أو في الصحراء وليس معه أحد، أو لا يطلب أحداً، فيستحب له أن يؤذن، فيطرد الشيطان ويغيظه ويصلي، وله في كل كلمة حسنة، إلا أنه في البادية أعظم أجراً [ إلا أنه في السفر أعظم أجراً؛ لحديث الموطأ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة ) ] فإذا كان مسافراً في الصحراء فيستحب، ولكن أجره عظيم، والجائزة كبيرة.

    إذاً: الأذان فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين في المدن والقرى، ويسن لمن يطلب غيره من الناس، ويستحب لمن كان وحده في برية أن يؤذن، ويثاب على أذانه، إلا أنه في الصحراء له أجر عظيم؛ لأنه يشهد له كل ما حوله من الكون، والإنس والجن والشجر والحجر.

    حكم الإقامة

    قال: [ أما الإقامة فإنها سنة مؤكدة لكل صلاة ] فالإقامة غير الأذان، فالأذان مكرر ومضاعف، والإقامة ليست مكررة إلا قد قامت الصلاة فقط، فالإقامة في كل فريضة، وسواء صليت وحدك أو مع جماعة فيكفي أن يقيم المؤذن أو من ينوب منابه، وإذا كنت وحدك فتقيم ولا تؤذن، وإن أذنت فمستحب، لكن إن لم تؤذن أقم، فالإقامة سنة مؤكدة لكل صلاة، أي: فريضة لا النافلة [ ومن أذن أقام، ولو أقام غيره ] أي: غير المؤذن [ لا بأس ] ولا حرج.

    صيغة الأذان

    قال: [ وإليك صيغة الأذان والإقامة:

    الأذان:

    الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله. حي الصلاة، حي الصلاة. حي على الفلاح، حي على الفلاح. الله أكبر، الله أكبر. لا إله إلا الله ] إلا في أذان الصبح زيادة: الصلاة خير من النوم، وقد دارت الفتنة على هذه من عهد جهيمان إلى اليوم، وبعض البلاد العربية ورثت هذه السنة، ويطالب أهلها أن تكون هذه الجملة في الأذان الأول، وثارت فتنة وحرب لا معنى لها، وقلنا لهم: يا هؤلاء! قد قامت الصلاة هذا ليس كلام الله، ولا كلام الرسول، بل هذه قالها بلال، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (اجعلها يا بلال! في أذانك). فهذه الكلمة لتفرق بين أذان يصح فيه الأكل والشرب والجماع، وهو أذان الصبح، وأذان لا يصح فيه ذلك، فإذا أذن المؤذن حرم الأكل والشرب ووجبت الصلاة، فهي علامة فارقة، فإن وضعناها في الأول واتفقنا على هذا مشت، وإن وضعناها في الأخير واتفقنا عليها مشت، وحرام أن تفتننا، وقد حصلت فتنة كبيرة عندنا. فإذا كانت الامرأة تريد أن تصوم وسمعت المؤذن في الحارة يقول: الصلاة خير من النوم تقول: إذاً: بطل الأكل والشرب، فتتوضأ وتصلي، وصلاتها باطلة، وقد ثبت في السنة أنها في الأذان الأول. وقد قلنا هذا وبكينا وندبنا وصرخنا، وعلته الجهل عدم البصيرة، فلا فقه ولا فهم ولا معنى.

    صيغة الإقامة

    قال: [ الإقامة:

    الله أكبر، الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمداً رسول الله. حي على الصلاة. حي على الفلاح. قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة. الله أكبر، الله أكبر. لا إله إلا الله.

    هذا واذكر أن معنى قوله تعالى في الآية: وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة:58] إنه الأذان للصلوات الخمس. فتح الله عليك في العلم والعمل، وعلى كل مؤمن ومؤمنة. فقل: آمين، آمين.

    وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ] وصلى الله على نبينا محمد.