إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 32للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العدل أمره عظيم، وشأنه جسيم، وبالعدل يقوم أمر الأرض والسماء، ودين الإسلام هو دين العدل، فلما أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالعدل في الأحكام وفي كل ما يقومون به من طاعات لله، أوجب عليهم العدل في أداء الشهادة؛ لأنه بالشهادة تؤدى الحقوق لأصحابها، ولا فرق في كون الشهادة لمسلم أو كافر، أو صديق أو عدو، أو موافق أو مخالف.

    1.   

    ملخص لما جاء في النداء السابق

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان. جعلنا الله وإياكم منهم، وحشرنا في زمرتهم، ورضي عنا كما رضي عنهم. اللهم آمين.

    والرحمن صاحب النداءات هو الله رب العالمين، والأولين والآخرين، فهو أنزل القرآن الكريم، وبعث النبي الخاتم سيد الأنبياء والمرسلين، محمداً صلى الله عليه وسلم. وهذا الرحمن هو الذي لولاه ما كنا ولا اجتمعنا ولا سمعنا، ولا أبصرنا ولا فهمنا، فهو الله الذي خلق كل شيء، وبيده كل شيء، وهذه النداءات موجهة إلى المؤمنين خاصة، وهم المنادون بها، وهي تسعون نداء، وقد خص المؤمنين مع كثرة عباده من الإنس والجن لأنهم بإيمانهم أحياء يسمعون ويعون، ويقدرون على أن يمتثلوا الفعل والترك، وأما غيرهم من الكافرين فهم أموات، وصاحب العلم لا ينادي ميتاً، وإنما أهل الجهل ينادون: يا سيدي فلان! يا عبد القادر! يا رجال البلاد! وهم لم يجيبوهم يوماً، ووالله لو وقفوا ألف سنة ينادونهم ما أجابوهم.

    وقد ناداهم بعنوان الإيمان؛ لأن الإيمان طاقة نورانية دافعة، بها يسمع عبد الله ويعي ويفهم، وبها ينهض بالتكاليف، ويفعل ويترك، وأما الكفار فهم أموات، فإن ناداهم فهو يناديهم ليأمرهم بالإيمان؛ حتى يحيوا ويصبحوا أحياء، ولا يناديهم ليقول: جاهدوا فينا، أو أطعموا مساكيننا، أو قوموا بين يدينا؛ لأنهم أموات لا يستجيبون.

    وهذه النداءات تسعة وثمانون نداء، كلها بدأت بـ( يا أيها الذين آمنوا)، إلا نداء واحداً بـ(يا أيها النبي)؛ لأنه لتشريفه بدئ باسمه، والمؤمنون هم المقصودون، فقال تعالى: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ [الطلاق:1]، الآيات.

    أهمية نداءات الرحمن في تنظيم حياة المسلمين

    هذه النداءات احتوت على الشريعة الإسلامية بكاملها، من العقيدة والعبادات، وبيان الحلال والحرام، والمعاهدات الحربية والسلمية، والمال والاقتصاد، وكل متطلبات المؤمنين الصادقين أولياء الله اشتملت عليها هذه النداءات التسعون. ولو أن أهل بيت أو مسجد اجتمعوا عليها فقط يرددونها سنة، ويختمونها في كل ثلاثة أشهر فإنهم يصبحون علماء ربانين، وإن لم يكونوا يقرءون ويكتبون، فإذا علموها وعملوا بها وعلِّموها غيرهم فإنهم يصبحون علماء سادات الدنيا، وليس هناك مانع أن نفعل هذا، ولكن لعل الله كتب علينا البقاء على هبوطنا، ولن يرفعنا أحد، ولا حيلة إلا أن نفزع إلى الله عز وجل، وعلينا بكتاب المسجد وبيت المسلم، وقد صرخنا وبكينا وتألمنا سنة وربع السنة، فندرس ليلة آية وليلة حديثاً، قال الله وقال رسوله، ولا فرقة ولا خلاف، ولا مذهبية ولا حزبية ولا طائفية، ولا أنا كذا ولا أنت كذا، بل قال الله وقال رسوله، وقلنا: على أهل المساجد أن يجتمعوا عليه، وعلى أهل القرية أن يجمعوا نساءهم وأطفالهم ويتنسمون نسيم الرحمة الإلهية، ويخرجون من دخان الأكل والشرب والعمل الدنيوي في المصانع والمزارع والمطاعم والأسواق ساعة ونصف فقط في بيت ربهم العزيز، والنساء وراء الستارة، والأطفال دونهن، والفحول أمامهن، ويجلس لهم مرب مؤمن يحسن القراءة والكتابة والفهم فقط، فيقرءون آية من كتاب الله، ويتغنون بها، ويتلذذون بألفاظها، ويحفظونها، ثم يبين لهم مراد الله منها، فإن كان معتقداً اعتقدوه، وإن كان أمراً نهضوا به، وإن كان نهياً تركوه، وفي الترك راحة، ولن تمضي سنة فقط إلا وقلوبهم قلب رجل واحد، فلا حسد ولا بغضاء، ولا كبر ولا رياء، ولا ظلم ولا فسق، ولا فجور، ولا يبقى في القرية من يفكر بأن يفجر بامرأة أو بنت أخيه، ولا من يمد يده سالباً أو ناهباً مال أخيه، ولا من يموت جوعاً أو يتألم عرياً وهم مكسوون شباعاً حوله، ولن يكون هذا أبداً في جماعة الإيمان والإسلام، ولكن أعرض عنه المسلمون، وكأن شيئاً ما كان، فعودوا إلى بيوتكم، وطهروها من الشياطين، وأبعدوا عنها الشياطين من الجن، فقد فتحتموها للأبالسة والشياطين، فوضعتم فيها التلفاز على اختلافه، والفيديو وما إلى ذلك، فتجلسون والمرأة تغني أمامكم، فاستحوا من الله، وخافوا منه، وابكوا بين يدي الله، فليس مؤمناً من يشاهد عاهرة ترقص أمامه، وأمه وبناته يشاهدنها، فتحولت بيوت المسلمين إلا ما رحم الله إلى مباءات للشياطين، فانتشر الفجور والباطل والفساد، فحولوا هذه البيوت إلى بيوت ربانية بهذا الكتاب فقط، فإذا صليتم المغرب أو العشاء وتعشيتم فليجلس الرجل وإلى جنبه أم أولاده وأولاده بين يديه، وبيده آية يتغنى بها، ويسمعون كلام الله الطيب، ومن لم يقل: طيباً فقد كفر، فهو أطيب كلام في الكون، وليس هناك ما هو ألذ من كلام الله، فيتغنون بالآية حتى تحفظ، ويقول: المطلوب أبنائي! هو أن نفعل كذا وكذا، فهيا من الآن، وإذا كان المكروه كذا فمن الآن لن نقله، ولن نتكلم به، ولن نلبسه ونعمله، وهكذا كل عام وطول الحياة، فتتحول بيوتنا إلى بيوت ربانية تغشاها الملائكة وتعمرها، ولا تسأل يا طالب الدنيا والمال عن توفر المال، فستعزف عنه النفوس هكذا، وتهرب منه ولا تبالي به، وينتهي هذه الشره والطمع والتكالب على الدنيا وأوساخها، فالنفوس لا تعالج إلا بهذا النور الإلهي، وقد عالجتموها بالمنظمات والآراء والفلسفة والاشتراكية ولم تحصلوا على العلاج، بل زدتم هبوطاً وسقوطاً، وإلى الآن ما وصلنا إلى شيء، وكم كنت أردد: لو أعرف أن أهل قرية اجتمعوا عليه في الشرق أو الغرب والله لحججتهم، وزرتهم لأدخل مسجدهم، ولكن لم يفعل ذلك أحد. وقد وردني اليوم أو أمس كتاب من الهند بلاد الهنادك وفيه: أن سيداً قال: لقد قمت بترجمة كتابك، وكان ترجم لنا رسالة صغيرة، قال: وانصحني، فكتبت له: إن أنت ترجمته ووزعته على خمسين مسجداً وخمسين بيتاً وجئتني بشهادة موثوقة أن أهل المسجد يجتمعون على هذا الكتاب كل ليلة، ويقرءون يوماً آية ويوماً حديثاً، وأن أهل البيت كذلك بشهادة عدول أعطيك كل سنة ثلاثين ألف روبية ما حييت، ووقعت. وليس هناك تشجيع أكثر من هذا، ولن يفعل ذلك أحد.

    وا حر قلباه ممن قلبه شبم

    لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي

    والفتن تلتهم العالم الإسلامي التهاماً، وهم معرضون.

    حكم الوضوء والغسل من الجنابة

    في النداء الماضي تعلمنا منه كيف نتوضأ وكيف نغتسل، وعرفنا موجبات الوضوء أو نواقض الوضوء، وموجبات الغسل المطلوبة للغسل، ونعيد النداء مرة ثانية.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6]. هذا الوضوء. وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة:6]، أي: ليعدكم لأعظم مهمة، وهي شكر الله عز وجل.

    وعرفنا أن السنة النبوية بينت لنا المضمضة والاستنشاق والاستنثار ومسح الأذنين؛ لأن الرسول مسئول عن البيان، فالآية مجملة والرسول يبين، وعرفنا السر في ذلك، وهو: لو أن القرآن كله مفصلاً لما حمل وحفظ، ولما قوي عليه، فأسند الله بيانه إلى رسوله بقوله: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44].

    نواقض الوضوء

    عرفنا موجبات الوضوء، وهي: الخارج من السبيلين، والبول والغائط والفساء والضراط، وذكرنا أيضاً أن لمس المرأة بشهوة إذا قصد الفحل أن يتلذذ بزوجته، فوضع يده على كتفها أو خدها أو يدها فقد انتقض وضوؤه، وهو الذي نقضه؛ لأنه أراد اللذة وإن لم يجدها، فإن لم يقصد ولكن وجد وانفعل بطل وضوءه، وكذلك النائم إذا نام نوماً ثقيلاً بحث لا يشعر لو فسا أو ضرط فقد انتقض الوضوء ووجب؛ لأنه لا يدري، ومن الجائز أنه انتقض وضوءه، وأما إذا كان نومه خفيفاً بحيث لو قيل: فلان! لقال: نعم فهذا يشعر لو فسا أو ضرط، أو كان جالساً والنوم يزعزعه فهذا لو فسا أو ضرط يفهم، فالنوم الثقيل موجب للوضوء؛ لأنه من الجائز أن يكون قد فسا أو ضرط. وهذا المعنى واضح وإن لم يكن مكتوباً في الكتاب، فالنوم الثقيل ليس ناقضاً للوضوء، ولكن من الجائز أن ينتقض وضوء النائم، لأنه لا يعي ولا يشعر، ولنترك الكمال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان ينام وقال: ( عيناي تنامان، وقلبي لا ينام ). وهذه من خصوصياته صلى الله عليه وسلم.

    وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرون صلاة العشاء أحياناً لمهام يقوم بها الرسول صلى الله عليه وسلم ويتأخر عنهم حتى تخفق رءوسهم من النعاس، ويقومون فيصلون.

    ثم أكل لحم الجزور، أي: البعير، وقد اختلف العلماء في وجوب الوضوء منه، فمن قائل بنسخ الحديث، وأنه لا يتوضأ لذلك، ومن قائل بعدم النسخ، وأنه باق على أصله، فيتوضأ، ومن هنا الأحوط لديننا: أن نتوضأ، إذ لا كلفة في الوضوء، فلا مال يسقط، ولا وقت يضيع، وما دام قال إمام أهل السنة أحمد بالوضوء فنتوضأ، ولحم الجزور لا نأكله يومياً أو كل ساعة، فمن أكله تعشى أو تغدى فيتوضأ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة.

    وأما لحم الغنم والعصافير والطيور فلا خلاف فيها في عدم الوضوء، وإنما الخلاف فقط في البعير، وعلة البعير كما قال العلماء: إن فيه مادة دهنية أو زهومة قوية لا توجد في لحم الغنم والماعز، وهذه المادة قد تفتر الحساسية الجسمية، وخلايا الجسم تفتر بذلك الدهن، فلا يؤدي العبد العبادة بنشاط، وهذا معقول أيضاً، والحكيم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما أمر بالوضوء إلا لعلم وحكمة.

    وكذلك الحيض والنفاس، فهما من موجبات الغسل، وهما ليس من الجنابة، فالجنابة فقط أن يدخل الفحل رأس ذكره في امرأته، وسواء أمنى أو لم يمن فقد وجب الغسل. وفي الحيض والنفاس يقول تعالى من سورة البقرة: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ [البقرة:222]، أي: يا رسولنا! قُلْ هُوَ أَذًى [البقرة:222]، أي: فيه ضرر. فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222]، أي: في جماعهن، فاعتزلوهن في الجماع، وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة:222]. ومعنى يطهرن: ينقطع الدم بالمرة، وتأتي القصة البيضاء بعده إيذاناً بأنه لا يأتي بعد ذلك دم، أو جفاف كامل بحيث تدخل قطنة وتخرجها جافة. فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [البقرة:222]. وقبلها قال: حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة:222]، أي: يطهرن بانقطاع الدم، ومعنى يتطهرن: يستعملن الماء الطهور للغسل، فإذا اغتسلت للبعل فله أن يأتيها، ولها أن تصلي.

    والشاهد عندنا: أن انقطاع دم الحيض والنفاس موجب للغسل كالنكاح، والمؤمنون والمؤمنات في البوادي عاشوا قروناً ما يعرفون هذا، ولم يقف لهم عالم يعلمهم، فلم يدروا.

    وكذلك إذا أفرز المني بشهوة وهو نائم أو يقظان فقد وجب الغسل؛ لأن الجسم تعطل.

    1.   

    وجوب العدل في الحكم والشهادة وحرمة ترك العدل من أجل البغض والعداء

    النداء الذي بين أيدينا الآن هو [ النداء الحادي والثلاثون ] ومضمونه وفحواه ومحتواه [ في وجوب العدل في الحكم ] إذا حكمت [ و] في [ الشهادة ] إذا شهدت [ وحرمة ترك العدل من أجل البغض والعداء ] فلا يشهد على أخيه بالباطل إذا أبغضه، ولا يحكم عليه بالباطل إذا كرهه، وهذا الجو ليس في دار الإسلام، فالإسلام أقامه الله على العدالة التي قام أمر السماء والأرض عليها، فإذا اختلت العدالة هبط الكون بكامله [ و] أخيراً احتوى أيضاً على [ الأمر بتقوى الله عز وجل ].

    وهو [ الآية (8) من سورة المائدة ] والنص بعد [ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة:8] ] وتلاوة هذه الآية ليس فيه ألم ولا صداع ولا جوع ولا خوف، فلو تليت ربع ساعة لحفظها والله الذكي والبليد مثلي. ولو يحفظ المؤمن أو المؤمنة .. الطفل والطفلة آية كهذه فهي والله لخير من ملء كفه ذهباً، فلنحفظها ونستريح في بيوت ربنا هكذا، ونترك الدنيا وراءنا ساعة أو ساعات؛ إذ ليس لها قيمة، وكلها أوساخ، ومآلها الفناء والدمار.

    أهمية العدل في كل شأن من الشئون.

    الآن مع [ الشرح ] لهذا النداء لعباد الرحمن، فاسمع يا عبد الله! واسمعي يا أمة الله!: [ اذكر أيها القارئ الكريم! ] ولا تنسى [ ما تقدم من أمر الله تعالى لعباده المؤمنين به وبلقائه ] من أمره إياهم [ بالعدل ] في نداء سبق في أول السورة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1] [ وهذا أمر آخر ] وتقدم أمر أيضاً في النساء، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا [النساء:135]. فهذا النداء هو الثالث إذاً [ وذلك لعظم شأن العدل وأهميته وضرورته في كل شيء، حتى أن أمر السماء قام على العدل ] ولولا العدل في وضع السماء والأرض لانهارت السماوات، وانكفأت الأرض، ولكن لما وجد كل شيء بنظام بقي على مكانه.

    وتذكرون عبد الله بن رواحة لما بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم في خيبر ليحرز ويخرص الغلة، نصفها للرسول ونصفها لليهود، فحاولوا أن يرشوه حتى يخفف عنهم فقال لهم: جئتكم من عند أحب الخلق إلي، وأنتم أبغض الخلق إلي، ولن يحملني حب رسول الله ولا بغضي لكم على أن أجور أو أحيف، فقالوا: صدقت يا عبد الله ! على العدل قام أمر السماء والأرض. واليوم لا يوجد عدل في ديارنا، ووا حر قلباه! ولا تلومونا أبداً، فنحن ما علمنا وما جلسنا في حجور الصالحين، ولا تربينا، وبهذا لن نكون كملاً أطهاراً أصفياء، ونحن بعيدون عن ساحة الطهر والصفاء منذ نعومة أظفارنا، وإنما نحن في الملاهي وأماكن الغناء والملاعب، ولا تقولوا: هذا مستحيل، وأنت يا شيخ! تبالغ، وأقول: اسمعوا الله يقول: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2]. ويوم أن انقطع من يتلو علينا الكتاب والحكمة ويزكينا يومها هبطنا. وأصبح القرآن تقرءونه على الموتى، لا أقل ولا أكثر، ولم يقل أحد لأخيه: من فضلك أسمعني نداء أمس؛ فأنا ما سمعته، هذا لا يحدث أبداً، أو يقول: أنا لا أحسن القراءة، فمن فضلك اقرأ علي نداء من نداءات ربي؛ فأنا أريد أن يعظم حب مولاي في نفسي، وأريد أن أتعلم منه ما ينفعني عنده، فاقرأ علي. لا أحد يقول هذا.

    قال: [ فاذكر هذا وأصغ تسمع ما في هذا النداء من الأمر بالقيام لله تعالى بكل ما أوجب على عباده القيام به من العبادات والآداب والأخلاق والأحكام ] فالوضوء إن لم تعدل فيه بطل وضوءك، وصلاتك إن لم تعدل فيها بطلت، وكذلك صيامك، فالعدل قام عليه أمر السماء والأرض، حتى في خياطة ثوبك إن لم تعدل في خياطته تمزق ولم تنتفع به، وكذلك طعامك الذي تطبخه إن لم تقمه على العدل فسد وبطل، ولم تنتفع به. ولا تظن أن العدل في الحكم فقط؛ إذ هذه كلها أحكام أنت تصدرها.

    الفرق بين القائم والقوام

    قال:[ وأن يكونوا قوامين لا قائمين فحسب ] يعني: فقط. فهو ما قال: يا أيها الذين آمنوا! كونوا قائمين؛ لأن القائم يقعد، ولكن قال: قوام؛ لأن القوام لا يفارق القيام أبداً، فلا إهمال ولا تفريط في حال من الأحوال [ إذ القوام كثير القيام بالحقوق والواجبات، بخلاف القائم فإنه أقل قياماً من القوام ] فلذا اختار الله كلمة قوامين ولم يقل: قائمين.

    أهمية الإخلاص في قبول الأعمال

    قال: [ وقوله: لِلَّهِ [المائدة:8] ] فبدأ باسمه، أي: كونوا قوامين لله، لا لزيد ولا لعمرو، ولا لوطن، ولا لأم ولا لأب، ولا لسمعة ولا لشرف، ولا لغير ذلك، بل لله. وفي تقديم هذا الجار والمجرور حصر كامل، فلا يصح العمل لغير الله بحال من الأحوال [ نفي للشرك في كل ما يقوم به عبد الله المؤمن من عبادات وحقوق وواجبات أمر الله بها، وأوجبها على عباده المؤمنين ] فعلى كل من قام بعبادة من المؤمنين والمؤمنات يجب أن يقيمها على أسس الشرع، ولا يلتفت إلا إلى الله، ولا يحسنها لفلان، أو يعدلها لأجل فلان، أو ليرضى فلان، أو يسخط فلان، بل ينقطع كلية عن الخلق. وهذا هو إسلام الوجه إلى الرب. وأما إذا التفت بقلبه فلا ينفعه قيامه.

    وجوب العدل في أداء الشهادة

    قال: [ وكما أوجب تعالى العدل في الأحكام وفي كل ما يقوم به المؤمنون من طاعات لله أوجب العدل في أداء الشهادة؛ لأنه بالشهادة تؤدى الحقوق لأصحابها المشهود لهم، فإن جار الشاهد ولم يقم شهادته على العدل ضاع حق المشهود له، مؤمناً كان أو كافراً، غنياً كان أو فقيراً ] فأد الشهادة على يهودي كما تؤديها على مسلم، وعلى الصديق أو أبيك أو أمك كما تؤديها على عدوك وعدو أبيك وأمك؛ لأنهم عبيد الله، وأنت نائب عن الله عندما تؤدي هذه الشهادة. والآن يشهدون بالوطنية، فلأن هذا من بلادنا أشهد له، أو أشهد لهذا لأنه من قبيلتنا، أو لأن هذا معنا في العمل؛ لأنهم لم يعرفوا؛ لأنهم ما ربوا في حجور الصالحين، ولا عاشوا في بيوت الله مع أوليائه حتى شبوا وبلغوا وكبروا، فلا ترجهم.

    قال: [ وبما أن الكل عباد الله فلا يأذن الله تعالى بظلم عبد من عباده بإضاعة حقه، وهذا هو سر وجوب الشهادة بالقسط، أي: العدل في قوله عز وجل: كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ [المائدة:8].

    اذكر هذا أيها القارئ والمستمع! وتأمل قوله تعالى في هذا النداء: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8]، أي: ولا يحملنكم بغض الكافرين وعداوتهم أو بغض كل من تبغضونه وعداوة كل من تعادونه لأمر اقتضى بغضه أو عداوته من المؤمنين والكافرين، أو الموحدين والمشركين، لا يحملنكم ذلك البغض على أن تجوروا في الحكم إذا حكمتم، أو في الشهادة إذا شهدتم ] ولا يوجد من يشهد اليوم مع يهودي أو نصراني بالعدل، بل يشهد عليه حتى يأكل ماله، ولست واهماً في هذا، بل الشاهد يبغض فقط، فيقول: هذا عدو .. هذا خرافي .. هذا صوفي .. هذا وهابي .. هذا من الجماعة الفلانية، فيشهد عليهم بالباطل والله العظيم، إلا من رحم الله، ولا لوم؛ لأننا ما ربينا في حجور الصالحين، ولم نجلس بين يدي الربانيين، ولا تخرجنا عليهم.

    قال: [ ولأهمية العدل في الأحكام والشهادات لها إذ القاضي يصدر حكمه باعتراف الجاني ] إذا اعترف [ أو شهادة اثنين من المؤمنين ] كما قال الحبيب واضع هذه القاعدة، وقد انتفعت بها أوربا، وقد أخذتها من عندنا، ونحن أهملناها، ومهما كان القاضي فعنده هذا الحكم، وهو ( البينة على المدعي واليمين على من أنكر ). ويجلس على الكرسي. والذي وضع هذا القاعدة هو أبو القاسم، ولا تستطيع محكمة الدنيا تدعي العدل أن تخرج عن هذه القاعدة، فهذا مستحيل. فالبينة على المدعي، فإن ادعيت أن البغلة لك فهات البينة، فإن لم يكن عندك فعلى الثاني أن يحلف بالله، وانتهينا. إذاً: ومن البينة الشهود، فالشهود أنابهم الله عنه؛ لأنه في عالم العلو، فأناب عبدين، فإن جارا وقالا الباطل فيا ويلهما! لأنهما وقعا باسم الله بالكذب والخيانة، ولهذا شهادة الزور صاحبها في أسفل الكون؛ لأن الله أنابه عنه؛ لأن هؤلاء عبيده وهو فوقهم، وأنت النائب، وتشهد باسم الله تعالى، وينتقل المال أو السيارة أو الدار لفلان بظلمك وشهادتك. وليس هناك جريمة أعظم من هذه. وقد حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، وبدأهم بالسؤال عن أكبر الكبائر يعلمهم، فقال: ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس وقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، وما زال يكررها ) منفعلاً ( حتى قالوا: ليته سكت! ). وخافوا. وقد قلت لكم: بلغنا أن حول المحاكم جماعات يطوفون، فإذا كنت تريد شهادة شهدوا لك، ولا لوم؛ لأنهم ما عرفوا الله ولا رسوله، ولا حب الله ولا رسوله، ولا ما هي العبادة ولا الطاعة، وإنما هم مسلمون بالاسم، وهذا لا ينفع، فإذا كتبنا على كل ثوب مسلم لم يكن صاحبه مسلماً إذا لم يسلم لله شيئاً، لا لسانه ولا وجهه، والسبب في هذا الضياع إعراضنا عن الكتاب والسنة، وهروبنا من بيوت الله.

    العدل طريق إلى تقوى الله عز وجل

    قال: [ أمر تعالى بالعدل مكرراً الأمر الأول ] فقال [ مؤكداً له بأمر آخر، إذ قال عز من قائل: كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا [المائدة:8] ] أي: لا يحملنكم بغض قوم أن تشهدوا عليهم بالباطل، ثم قال: [ اعْدِلُوا [المائدة:8] ] وهذا أمر ثالث، ومن قال: لا، مسح اسمه من ديوان المؤمنين، فهو ليس بمؤمن [ هُوَ [المائدة:8] ] أي: العدل [ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8] ] فمن أراد أن يصل بسرعة إلى تقوى الله عز وجل فليعدل في شأنه كله، فالطريق المفضي بالعبد والموصل إلى التقوى هي أن يعدل في قوله وعمله وحكمه [ أي: العدل في الحكم والشهادة، وفي كل ما يقوم به العبد لله من طاعات هو أقرب لتقوى الله عز وجل، التي هي شطر ولاية الله ] تعالى [ للعبد ] فقد قال: هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8]؛ لعلمه أننا نريد التقوى؛ حتى نصبح أولياءه، إذا سألناه أعطانا، وإذا استعذناه أعاذنا وإذا استنصرناه نصرنا بحكم الولاية. وهذه الولاية تكون بشيئين: أولاً: الإيمان الحق، وثانياً: التقوى. وكل ما يقربك للتقوى فمعناه: أنه يحقق لك الولاية التي تطلبها وتجري وراءها طول حياتك. وليس هناك هدف أسمى من أن يكون الله وليك وأنت وليه

    قال: [ لما علمنا من أن أولياء الله هم المؤمنون المتقون، وأعداوه هم الكافرون الفاجرون. وبناء على هذا فكل ما يقرب من تقوى الله عز وجل أو يحققها فالقيام به واجب أكيد، لا يصح التفريط فيه بحال من الأحوال. ويؤكد صحة هذا ويقرره أن ختم الله تعالى هذا النداء العظيم بالأمر بتقواه؛ إذ قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ [المائدة:8] ] وهذا أمر بتقواه [ أي: خافوه خوفاً يحملكم على القيام التام بما أوجب عليكم القيام به من سائر التكاليف التي أنزل الكتاب بها، وبعث الرسول ] صلى الله عليه وسلم [ من أجلها، وبخاصة القيام بالعدل في الأحكام والشهادات ].

    الطرق المحققة للخوف من الله عز وجل

    قال: [ ولنعلم أن الخوف من الله الحامل للعبد على النهوض بالواجبات وأداء الحقوق والأمانات هذا الخوف يكتسب ويطلب ] فلا يأتي عفواً تلقائياً، ولا تجد نفسك إلا وأنت تخاف الله [ وطريق طلبه واكتسابه للحصول عليه هو ] ما يلي، فلنستعد للإتيان بها:

    [ أولاً: ذكر قدرة الله تعالى التي لا يعجزها شيء ] فاذكر في قلبك أن الله قادر على أن يأخذ منك ويعطيك، وأنه على كل شيء قدير؛ فتخافه، وأنت إذا شاهدتم عفريتاً في يده عصا تخاف أن تسبه أو تشتمه؛ لأنه سيضربك، والهزيل الضعيف الأعرج اللاصق بالأرض ما تبالي به، وهذا واقع. فإذا أنت ذكرت قدرة الله وعلمه وإحاطته بكل شيء وأنك لا تملك معه شيئاً خفت منه، وإذا نسيت هذا وما التفت إليه تسبه. وهم يسبونه. وهذا المثال واضح.

    [ ثانياً: ذكر ضعف الإنسان وحاجته إلى ربه، حتى في أنفاسه التي يرددها ] فالذي يذكر هذا بقلبه ما يجرؤ على معصية العظيم.

    [ ثالثاً: ذكر ما توعد الله تعالى به الفاسقين عن أمره، الكافرين بطاعته ] من أنواع البلاء والشقاء والعذاب في الدنيا والأخرى، فلا ينسى هذا المؤمن؛ لأنه يحمله على تقوى الله.

    [ رابعاً: ذكر ما أحل الله بأعدائه من خراب ودمار وهلاك وخسران ] فاذكر فقط ما أحل الله بالمسلمين من الهوان والدون لما عصوه وفسقوا عن أمره.

    [ خامساً: ذكر ما فاز به أولياء الله تعالى من كمال وعز وسيادة في الدنيا، وما هو مأمول لهم في الآخرة من نعيم مقيم في دار السلام ] لأولئك الصالحين الأولين.

    [ بهذا الذكر بالقلب واللسان يوجد الخوف من الله تعالى في القلب، وإذا وجد الخوف كانت التقوى التي هي طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم باعتقاد وقول وفعل ما أمر الله به، وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم، وبترك ما نهى الله عنه و] نهى عنه [ رسوله صلى الله عليه وسلم من اعتقاد باطل وقول سيء وعمل فاسد، وهو كل ما حرمه الله ورسوله من الاعتقادات الباطلة، والأقوال الفاسدة الضارة، والأعمال كذلك.

    وحسب العبد ألا يغفل عن قوله تعالى في ختام هذا النداء، وهو: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة:8] ] أي: والله بما تعملونه من كل عمل مطلع وخبير، فارهبوه وخافوه [ فإنه يوجد ملكة مراقبة الله تعالى ] في قلب العبد [ ومن أصبح يراقب الله تعالى في كل ما يأتي وما يذر فقد حقق التقوى والولاية الإلهية، وأصبح من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون في الدنيا والآخرة.

    اللهم اجعلنا منهم ] وارض عنا كما رضيت عنهم [ وتولنا كما توليتهم. آمين.

    وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ] وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.