إسلام ويب

هذا الحبيب يا محب 48للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كانت غزوة بدر فرقاناً، فقد كانت أول مواجهة عسكرية حقيقة بين المؤمنين والكافرين، وقد استخدم فيها النبي إستراتيجيات الحرب التي تدرس اليوم في الكليات العسكرية، فأرسل العيون تسبق الجيش للتعرف على أحوال العدو وجاهزيته، واختار مكاناً في ميدان المعركة تكون له فيه الأفضلية على عدوة، ثم رتب جنوده وصف صفوفهم، وعبأهم تعبئة معنوية، وبشرهم بالجنة لمن لقي العدو صابراً محتسباً.

    1.   

    تدبير سابق (فرار أبي سفيان بعير قريش بعد علمه بترقب الرسول وصحبه له)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فها نحن مع غزوة بدر ومع أحداثها المتعددة. قال: [تدبير سابق] أي: تدبير لهذه المعركة سابق لوقوعها.

    [وكان المعسكر الإسلامي قد بعث بسيس بن عمرو وعدي بن الزغباء ] بعثهما قطعاً رسول الله صلى الله عليه وسلم [يتحسسان أخبار العدو] الذي هو أبو سفيان وجيشه [ويرقبان تحركاته، فنزلا على تل قريب من ماء] والتل هو الجبل الصغير [ثم نزلا يسقيان الماء في شن لهما] والشن: القربة القصيرة [وعلى الماء رجل يقال له: مجدي بن عمرو الجهني فسمع بسيس وعدي صوت جاريتين، تقول إحداهما لصاحبتها، إنما تأتي العير غداً أو بعده] كان هناك جاريتان تتحدثان وهما تسقيان الماء، تقول إحداهما لصاحبتها: إنما تأتي العير غداً أو بعده، والعير هي عير قريش القادمة من الشام تحمل البضائع والسلع، التي خرج الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون من أجلها.

    قال: [فأعمل لهم ثم أقضيك الذي لك، فسمع عدي وصاحبه حديثهما وما دل عليه، فجلسا على بعيرهما، وأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم] ركبا البعير وسارا إلى النبي صلى الله عليه وسلم [فأخبراه بما سمعا من خبر ورود العير غداً أو بعد غد. إلا أن أبا سفيان لحذره وشدة توقعه تقدم العير إلى ماء بدر فوصله، ووجد مجدياً فسأله قائلاً: هل أحسست أحداً؟ قال: ما رأيت أحداً أنكره، إلا أني رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شن لهما ثم انطلقا، فأتى أبو سفيان مناخهما وأخذ من بعير ناقتهما، ففتته فإذا فيه النوى] قلب التمر [فقال: هذه والله علائف يثرب، فرجع إلى العير سريعاً فحولها عن طريقها فأخذ الساحل وترك بدراً يساراً، وانطلق مسرعاً، وبذلك نجت العير بكل ما فيها] وهذا تدبير الله عز وجل، ولكن ذكاء أبي سفيان ودهاءه وخبرته كانت السبب في هذه القضية.

    [وأرسل أبو سفيان إلى قريش يخبرهم أن العير قد نجاها الله] إذ كانوا يؤمنون بالله، لا يقولون نجاها هبل [فارجعوا] أي: ليس هناك حاجة إلى أن تتقدموا إلى محمد لتقاتلوه، فالعير نجت فعودوا إلى دياركم [فقال أبو جهل : والله لا نرجع حتى نرد بدراً] يعني: حتى نصل إلى ماء بدر فنشرب منه ونروى. والله يسوق أقدار لأقدار حتى يُذبح هناك [وكانوا بالجحفة] أي كان هناك معسكرهم وجيشهم، والجحفة شرق رابغ قريبة منها [فنقيم عليها ثلاثاً فننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، وترى مسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابونا أبداً] عنترية! قال أبو جهل : والله لا نرجع حتى نرد بدراً -وكانوا بالجحفة على مسافة يومين أو ثلاثة- فنقيم عليها ثلاثاً -أي: ثلاث ليال على بدر- فننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان -أي: المغنيات- وتسمع بنا العرب، وترى مسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابونا -سياسة أيضاً عسكرية- [وكانت بدر سوقاً سنوية يجتمع فيه الناس] بما أنه وسط بين الشمال والجنوب، وقريب من الساحل، وقريب من المدينة كانوا ينزلون فيه كل سنة للبيع والشراء، ولوجود الماء أيضاً ماء بدر.

    [ورفض الأخنس بن شريق الثقفي -وهو حليف بني زهرة- فقال: يا بني زهرة، ارجعوا فإنه لا حاجة لكم بالمسير إلى بدر] وأخذوا برأيه [إذ نجى الله أموالكم وخلص صاحبكم -وهو مخرمة بن نوفل - فرجعوا إلى مكة فلم يشهدوا بدراً، وسارت قريش حتى نزلت بالعدوة القصوى] ولو أخذوا برأي أبي جهل لمشوا، ولكنه تدبير ذو العرش.

    1.   

    عودة إلى المعسكر الإسلامي (التحول قريباً من بئر بدر)

    قال: [عودة إلى المعسكر الإسلامي: ونظر الحباب بن المنذر إلى المكان الذي نزل فيه الرسول صلى الله عليه وسلم بأصحابه، فرآه غير لائق عسكرياً] ما هو صالح للعسكرة فيه [فتقدم إلى رسول الله وقال: يا رسول الله!] أرأيتم كيف ينادون نبي الله؟ لم لا يقول يا محمد؟ أو يا سيدنا؟ أو يا مولانا؟ لأن الله أدبهم، فنادى نبيه في كتابه عدة مرات بـ(يا أيها النبي)، و(يا أيها الرسول)، قال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2]، وقال: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور:63]، فكانوا رضوان الله عليهم لا ينادونه إلا بـ(يا رسول الله!) أو يا (نبي الله!) وما ناداه أحد بيا مولاي أو يا سيدي أبداً.

    قال: [أرأيت هذا المنزل؟ أمنزل أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدم ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟] هذا رجل سياسي درس في كلية الحرب في العالم، وهو توفيق من الله عز وجل للحباب بن المنذر ، وقد سمعتم ما قدم للرسول صلى الله عليه وسلم من اقتراح، قال: (يا رسول! أرأيت هذا المنزل؟ أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم ولا نتأخر عنه) إذ لو كان قد أوحى الله إلى رسوله أن انزل هنا ما بقي كلام، فالله أعلم وأحكم وأرحم. (أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟) أي: من هذه الحيثية: من ناحية الحرب والمكيدة رأيت أن هذا المكان أليق.

    [قال] أي رسول الله صلى الله عليه وسلم [( بل هو الرأي والحرب والمكيدة )] ليس بوحي من الله ولا تعليم منه، فقال: [يا رسول الله! فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نعوِّر ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون] نعم الرجل، لا نساوي نعله نحن؛ لأنهم إذا فقدوا الماء ماتوا عطاشاً، أو فروا هاربين.

    [فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لقد أشرت بالرأي )] ما تردد أبو القاسم وفهم ما قاله الحباب وقال: لقد أشرت علينا بالرأي السديد الصائب الذي ينبغي أن نأخذ به، وفي القرآن: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى:38]، وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [آل عمران:159].

    [فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين، وسار إلى أدنى ماء من القوم فنزل عليه، ثم أمر بالقلوب فعورت، وبنى حوضاً على القليب الذي نزل عليه فملئوه ماءً، ثم قذفوا فيه الآنية] التي يأخذون بها الماء. وهذا تدبير سابق للمعركة.

    1.   

    تدبير صالح (إقامة عريش للرسول يدير منه المعركة)

    قال: [تدبير صالح: وتقدم سعد بن معاذ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله! ألا نبني لك عريشاً تكون فيه] والعريش من الشجر والجريد، إن شئتم قولوا موضع القيادة أو مركزها [ونعد عندك ركائبك] نتركها إلى جنبك [ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك، فلحقت بمن وراءنا، فقد تخلف عنا أقوام -يا نبي الله- ما نحن بأشد لك حباً منهم] عرض سعد على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا العرض: وهو أن يُبنى له عريش ينزله ليدير المعركة من خلاله، شأنه شأن القادة، وإلى جنبه ركائب معدة له، فإن رأى ضعفاً أو هزيمة ركب الركائب عائداً إلى المدينة؛ لأن فيها رجالاً ليس من معه بأشد حباً له منهم.

    قال: [ولو ظنوا أنك تلقى حرباً ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك، فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبني العريش وجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان هذا من سعد تدبيراً حسناً] وكلهم موفقون، وسر هذا العلم والتوفيق قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29]، فهذه ثمرات تقوى الله عز وجل، فما من عبد يتقي الله حتى في غنم يرعاها كما يحب الله، إلا كتب الله له فيها الخير والبركة والنصر والفوز، فكيف إذاً بخوض المعارك وقيادة الجيوش.

    والمرأة التي تتقي الله في بيتها، بمعنى: لا تخرج عن طاعته لا بغش ولا خداع ولا كبر ولا خيانة، ولا فسق ولا فجور -والله- تصبح من أعجب النساء في إدارة هذا البيت، والأمير الذي يؤمر على بلد أو منطقة فيتقي الله عز وجل فيما أسند إليه، يصبح خير الأمراء في العالم ويتحقق على يديه ما لا يتحقق على يد غيره، وهكذا وعد الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29]، والفرقان هو نور قلبي روحي يكشف لك المغيبات.

    يقول عبد الله بن عمر : "ما قال أبي في شيء أظنه كذا إلا كان كما ظن"، وكم من إنسان يأتي ليغتال رسول الله، فيقول عمر : أخرج السيف من تحتك! هذا النور يسمى بالفرقان، الذي يفرق الله به بين الحق والباطل والضار والنافع والصحيح والباطل، وهو ثمرة تقوى الله عز وجل؛ والتقوى معناها: فعل ما أمر الله بفعله، واعتقاد ما أمر الله باعتقاده، وقول ما أمر الله بقوله، وهذه كلها أدوات تزكية للنفس وتطهيرها، وعندما تطهر النفس وتطيب وتستنير لا تصب عليها الذنوب والآثام فتدفنها وتقضي عليها، فهي تفعل المأمور وتجتنب المنهي، ولا تزال كذلك .. وهذا النور يقوى فيها حتى تصبح ذا بصيرة، وفراسة، والمؤمن له فراسته.

    إذاً: فقادة الجيوش وقادة الأمم والشعوب، من كان عنده منهم هذا الفرقان نجح، والمحروم من هذا لا يستطيع أن ينجح، ولكن دائماً من خيبة إلى خيبة.

    1.   

    تقارب المعسكرين (تحرك قريش نحو وادي بدر)

    قال: [تقارب المعسكرين: وتحركت قريش نحو الوادي (وادي المعركة) فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تنحدر من الكثيب إلى الوادي] من كثيب الرمل العالي إلى الوادي [قال: ( اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك، وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني. اللهم أحنهم الغداة )] أي: أمِل رءوسهم وأذلهم غداة [ورأى عتبة بن ربيعة على جمل أحمر فقال: (إن يكن في أحد من القوم خير، فعند صاحب هذا الجمل الأحمر إن يطيعوه يرشدوا)] لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم عتبة بن ربيعة -وهو من سادات قريش ورجالات مكة- على جمل أحمر قال: لو يطيعه رجالات قريش لرشدوا. إنها الفراسة، وهذا هو الفرقان.

    1.   

    في معسكر الكفر (ما دار بين المشركين حول البدء في المعركة من عدمه)

    قال: [في معسكر الكفر: ولما استقرت قريش في معسكرها، بعثت عمير بن وهب الجمحي يحزر لها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم] بعثت رجل خبرة وسياسة ينظر إلى المعسكر المحمدي حتى يحزر عدد رجاله. أين درس هؤلاء؟ هؤلاء -والله- لا يعرفون الكتابة؟ كيف وصلوا إلى هذه المستويات؟! ما هبطوا هبوط البشرية اليوم، فما زالوا ذوي بصيرة، لا يحلفون إلا بالله.

    [فأجال فرسه حول المعسكر الإسلامي ثم رجع، فقال: ثلاثمائة رجل يزيدون قليلاً أو ينقصون] ولو تبعث الآن خبراء أو طيارين بأيدهم السحر، والله لا يستطيعون تحقيق هذا الهدف، فبعد أن أجال بفرسه حول المعسكر قال: ثلاثمائة يزيدون أو ينقصون، وكان والله كما حزر، فهم ثلاثمائة وأربعة عشر، على عدة قوم طالوت .

    هؤلاء الرجال هم الذين في خمس وعشرين سنة بلغوا بالإسلام شرقاً إلى ما وراء نهر السند، وغرباً إلى الأندلس، ولو أردت أن تنشئ مصنعاً لا يتم لك وينتج النتاج المطلوب في هذه الفترة، ولو لم تكن كذلك أرواحهم وآدابهم وعقولهم والله ما بلغوا هذا ولن يبلغوه، ونحن لما هبطنا ما استطعنا أن نطهر حتى أرضنا من الباطل والشرك والفساد والسحر.

    ثم قال: [ولكن أمهلوني حتى أنظر ما إذا كان للقوم كمين أو مدد] أي: أمهلوني لا تأخذوا بما قلت الآن حتى أجول مرة ثانية فلعل هناك كمائن دس فيها رجالاً، أو لعل هناك مدد سيأتي، حتى نكون على بصيرة!! عجيب هذا الرجل!

    [وضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئاً، فرجع إليهم فقال: ما وجدت شيئاً، ولكن قد رأيت -يا معشر قريش!- البلايا تحمل المنايا] فراسة أخرى هذه [نواضح يثرب تحمل الموت الناقع] ونواضح يثرب: الإبل التي يسقون عليها بساتينهم، ويثرب هي المدينة، فما زال اسمها يثرب في ذلك الوقت [قوم ليست لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم] يعني: ما لهم من منعة يتمنعون بها ولا ملجأ يلجئون إليه إلا سيوفهم فقط، هذا الذي عندهم [والله ما أرى أن يُقتل رجل منهم حتى يقتل رجلاً منكم] وأصاب في ذلك!.

    قال: [فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك؟ فروا رأيكم] أي: إذا أصابوا -وعددهم ثلاثمائة- منكم مثل عددهم فما قيمة العيش بعد موت هؤلاء الأبطال والرجال، ومعنى هذا: هيا نعود إلى مكة ولا ندخل في معركة لا خير فيها!!

    هل هناك من يرى هذا الرأي عندنا اليوم ويفكر هذا التفكير؟ هل يوجد من يلهمه الله هذا؟ موجود ولكن ندرة ليسوا بكثرة.

    [وكان هذا من عمير -وإن كان نصيحة- مثل الطابور الخامس] والذين عاشوا في الحرب العالمية الأخيرة يعرفون الطابور الخامس، أيام ألمانيا وقتالها. قال المؤلف: وإن كان هذا من عمير نصيحة حقيقية، لكن يعبر عنها بالطابور الخامس [فلما سمع حكيم بن حزام ] وهذا من خيرة الرجال [ما قال عمير أتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد ، إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها، هل لك إلى ألا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر؟ قال: وما ذاك يا حكيم ؟ قال: ترجع بالناس] إلى مكة، ولكن ما دبره الله فوق عرشه ماض، ولابد وأن يقع. فهؤلاء كالطابور الخامس.

    وقد بعثنا خطاباً لإخواننا المجاهدين في الجزائر، وقلنا لهم: تنازلوا عن المطالبة بالحكم والمشاركة فيه، أطفئوا هذه النار الملتهبة، إنه لا خير في هذا الحكم الموهوم الذي تطالبون به، لقد تنازل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلمة (رسول الله) في صلح الحديبية، والآن لو طالب من الطلاب يسمع أن فلاناً تنازل عن كلمة رسول الله يقول: كافر، ويلعنه! والرسول تنازل عن هذه الكلمة، وتنازل عن كلمة (الرحمن الرحيم) كذلك، فبعدما خرج برجاله للعمرة ووقفت قريش وقالت: مستحيل أن تدخل! وتم صلح لمده عشر سنوات، وأخذ يملي الرسول صلى الله عليه وسلم شروط الصلح -والكاتب علي إذ الكتاب قليل- قال: اكتب هذا ما عاهد محمد رسول الله .. فقال سهيل بن عمرو -ممثل قريش-: لا. لو عرفناك رسولاً ما قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله. وغضب أبو بكر وعمر ، فقال الرسول: اسكت أنا رسول الله! اكتب: هذا ما عاهد عليه محمد بن عبد الله.

    ثم قال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل : لا. لا نعرف الرحمن الرحيم، ولكن اكتب باسمك اللهم، وتذمر الأصحاب وتململوا، فقال: لا. أنا رسول الله! وتنازل عن كلمة الرحمن الرحيم، لأجل حقن الدماء، وإن أردت أن تتأكد فحروبه كلها في عشر سنين تعداد القتلى فيها من الجانبين ألفين وخمسمائة قتيل بالعد، والآن يُقتل هذا العدد في يوم واحد، ومن المسلمين ليس من الكافرين، عرفتم إلى أين وصل هبوطنا؟ إلى الحضيض.

    قال: [وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي قال: فعلت فعلي عقله] لأن عمرو بن الحضرمي قتل في السرية التي خرجت قبل غزوة بدر وكان يرأسها عبد الله بن جحش صهر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم للتطلع على أحوال المشركين بين مكة والطائف فوجدوا هذه السرية فقتلوا عمرو بن الحضرمي وأخذوا أسيرين، وقريش كانت لا تزال غاضبة ساخطة من ذلك الحدث؛ إذ أشاعت في الدنيا كيف أن محمداً يستحل الشهر الحرام ويقاتل فيه، ولكن الله كذبهم.

    ومعنى: احمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي : أي تحمل دفع ديته، وأسكت أهله وأسكت الناس، ولا تحارب رسول الله من أجل عقل شخص أو ديته. وهو كلام رشيد!

    [وما أصيب من ماله، فأت ابن الحنظلية - أبا جهل - فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره، إلا أن عتبة قام خطيباً، فقال: يا معشر قريش، إنكم -والله- ما تصنعون شيئاً بلقائكم محمداً وأصحابه، والله لئن أصبتموهم لا يزال الرجل ينظر في وجه الرجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلاً من عشيرته؛ فارجعوا] إلى دياركم. وهذا الكلام مع أن هؤلاء المتكلمين مع الكافرين مشركين، ليسوا في جماعة المؤمنين! ومعنى (وما أصيب من ماله فأت ابن الحنظلية ) يقصد أبا جهل (فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره) أي لا يفرق رأي الناس إلا هو.

    قال: [وخلوا بين محمد وبين سائر العرب] أي: العرب المشركين [فإن أصابوه فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون] أي ولم تصيبوا منه ما تريدون.

    [وأتى حكيم أبا جهل ] رئيس الفتنة [وأخبره أن عتبة أرسله إليه بكذا وكذا] أي: بالرجوع وعدم القتال [أي: بالعدول عن الحرب والعودة إلى مكة، فقال: انتفخ والله سَحره، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد] وسحره: رئتاه. وانتفخ سحره: أي من شدة الخوف كادت روحه أن تخرج، فقال أبو جهل : (والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد) فحكّم الله. سبحان الله! لا يعرفون سوى الله ومع هذا هم مشركون.

    قال: [وما بـعتبة ما قال، ولكنه قد رأى أن محمداً وأصحابه أكلة جزور وفيهم ابنه فقد تخوفكم عليه] يعني هذا الذي اقترح عليكم العودة إلى مكة وعدم القتال ولده مع المؤمنين، وقد رأى أن عددهم قليل فسوف يموتون فلهذا يريد أن يصرفكم عن قتالهم [فلما بلغ عتبة قول أبي جهل (انتفخ والله سحره) قال: سيعلم مُصَفِّر استه من انتفخ سحره أنا أم هو؟] ردها عليه.

    1.   

    في معسكر الإسلام (صف النبي لأصحابه ودخوله العريش)

    قال: [في معسكر الإسلام: وشرع القائد الأعظم الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم في تعديل صفوف أصحابه، وكان بيده قدح] عود خفيف [يعدل به القوم، فمر بـسواد بن غزية وهو مستنثل] خارج قليلاً [من الصف فطعن في بطنه بالقدح وقال: ( استو يا سواد )] اعتدل يعني [فقال سواد يا رسول الله! أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني من نفسك، فكشف له صلى الله عليه وسلم عن بطنه، وقال له: ( استقد )] أي: خذ حقك مني واضربني أيضاً بعود كما ضربتك [فاعتنقه يُقبّل بطنه] وهذا الذي يريده. هل فيكم من يحب شيخه أو قائده أو ملكه أو رئيسه بهذه الطريقة؟ لا. بل يكرهونهم! ووالله لن تقوم لنا قائمة، إذا لم نكن بهذا المستوى، لقد فرض الله حب رسوله فرض العقائد؛ لأن من لا يحبه لا يطيعه، ولا ينتظم حاله ولا أمره إلا بحبه، فلهذا الخلاف والصراع في العائلات ما هو في الأحزاب ولا الدول والحكومات فقط، فكل واحد يزعم أنه عبد القادر الجيلاني أو خالد بن الوليد ، فكيف ينتظم أمرنا؟

    قال: [( ما حملك على هذا يا سواد ! قال: يا رسول الله! حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير )] خشي أن يموت قبل أن يمس جسده جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    [وبعد أن عدّل رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوف أصحابه رجع إلى العريش] مركز القيادة [فدخله ومعه أبو بكر الصديق ليس معه فيه غيره] لا يستطيع أبو بكر أن يدع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألم يكن معه في غار جبل ثور، فكيف يفارقه؟! وأبو بكر الصديق هذا يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لو كنت متخذاً غير ربي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً )، ويقول: ( لو وضع إيمان أبي بكر في كفة وإيمان الأمة في كفة لرجح إيمان أبي بكر )، والهابطون يكفرونه! إذا سألك من أنت؟ فقلت: أنا أبو بكر تغير وجهه وكاد أن يموت!

    [وقام الحبيب صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول فيما يقول: ( اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد بعدها في الأرض )ويرفع يديه إلى السماء حتى يسقط الرداء من منكبيه] فليس عنده ثياب كثيابنا، ولكن رداء، فلما يرفع يديه يسقط الرداء من ورائه [وجعل أبو بكر رضي الله عنه يلتزمه من ورائه ويسوي عليه رداءه، ويقول مشفقاً عليه من كثرة الابتهال] والضراعة لله [يا رسول الله! بعض مناشدتك ربك] ما هو كلها [فإنه سينجز لك ما وعدك].

    قال: [وخفق النبي صلى الله عليه وسلم خفقة -أي إغفاءة قليلة-] نومة بسيطة في العريش [ثم انتبه منها فقال: ( أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع ) أي الغبار].

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم ..