إسلام ويب

هذا الحبيب يا محب 47للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل السرايا ويخرج في بعض الغزوات دون أن يواجه أحداً من المشركين، إلى أن جاء موعد غزوة بدر، والتي خرج فيها رسول الله ليدرك عيراً لقريش، عليها تجارتهم وأموالهم، وحين تسامعت قريش بهذا خرجت لملاقاة النبي في ألف مقاتل أو قريباً من ذلك، وقد فاتت العير رسول الله ومن معه، وهيأ الله الظروف للقاء الكبير بين أهل الإيمان والتوحيد وأهل الكفر والفجور.

    1.   

    نتائج وعبر من سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة بين مكة والطائف

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    الدرس الماضي ما استطعنا أن نكمل النتائج والعبر التي تمت في تلك الأحداث، وهاهي ذا بين أيديكم ..

    قال: [نتائج وعبر:

    إن لهذه المقطوعة من السيرة العطرة نتائج وعبراً نوجزها فيما يلي:

    أولاً: بيان ما اضطلع به الحبيب صلى الله عليه وسلم من أعباء الجهاد والدعوة؛ إذ ما فرغ من غزوة حتى تهيأ لأخرى وأعدّ لها، فجزاه الله عن الإسلام وأمته خير ما جزى به نبياً عن أمته.

    ثانياً: بيان الكمال المحمدي في حسن التدبير، وكمال التصرف وعظيم الرشد في كل أعماله.

    ثالثاً: بيان أول غنيمة كانت في الإسلام، وخمّست بإلهام من الله تعالى حتى فرض الله تعالى بعد ذلك تخميس الغنائم] وهي غنيمة عبد الله بن جحش ، أخو زينب ، صهر الحبيب صلى الله عليه وسلم، لما بعثه رسول الله مع جماعة من أصحابه وكتب له كتاباً وقال: لا تقرؤه حتى تصل إلى كذا، وكانت النتيجة طيبة، فقتلوا ابن الحضرمي وأسروا اثنين وجاءوا بالغنيمة، وفي الطريق قال عبد الله لرجاله: نعطي الخمس للرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا قبل أن يشرع الله تخميس الغنائم، وبعدها قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ .. [الأنفال:41].

    قال: [رابعاً: بيان أول فداء في الإسلام] أول فداء تم في الإسلام عندما جاء الصحابة الغزاة بأسيرين أحدهما أسلم وحسن إسلامه واستشهد في الإسلام، والثاني فداه رسول الله بمال، فقد بعثت قريش بمال وافتدت به أسيرها، فكان أول فداء في الإسلام.

    [خامساً: بيان مدى ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من حبهم لنبيهم، حتى إن أبا عبيدة لم يستطع أن يفارق الحبيب صلى الله عليه وسلم، فرحمه لذلك وأبقاه معه] أبو عبيدة عامر بن الجراح لما هيأه الرسول صلى الله عليه وسلم للسرية بكى صبابة وشوقاً وحنيناً، وما استطاع أن يفارق الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي: ابق معنا. وهذا فيه بيان مدى حب أصحاب رسول الله لنبيهم.

    [سادساً] وأخيراً [بيان أن سرية عبد الله بن جحش كانت مقدمة لغزوة بدر الكبرى].

    1.   

    غزوة بدر الكبرى

    قال: [غزوة بدر الكبرى] فهيا نعش أحداثها [لهذه الغزوة الفاصلة في تاريخ الدعوة الإسلامية] وحقاً فاصلة [والمعنون لها في القرآن -بيوم الفرقان- لها خطوات قبل الالتقاء فيه، وله أحداث جسام عنده وبعده، وهذه هي الخطوات التي تمت من الجانبين: الإيماني والكفري، أو التوحيدي والشركي] جانب الإيمان وجانب الكفر، أو جانب التوحيد وجانب الشرك [أولاً: قافلة تجارية كبرى لقريش خرجت من الشام يقودها أبو سفيان ] رئيس مكة وحاكمها [ورجاله] معه [في طريقها إلى مكة المكرمة] وقد تقدم أن القافلة يكون فيها أحياناً ألف بعير تحمل السلع والبضائع [ثانياً: يصل خبر القافلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم] لأن الناس يسافرون ذاهبين آيبين، فوصل خبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن قافلة أبي سفيان خرجت من الشام في يوم كذا وقد تمر بالحجاز [فينتدب بعض أصحابه لاعتراضها] وتلقيها في طريقها [إذا مرت بالحجاز، لعل الله تعالى ينفلهم إياها -أي: يرزقهم ما تحمله من بضائع وسلع نافعة وعظيمة- وهم أحوج ما يكونون إلى ذلك؛ لأن أموالهم تركوها بمكة وفروا] هاربين [بأنفسهم مهاجرين فصادرتها قريش منهم] فلهذا هم في حاجة إلى هذه القافلة وما تحمل من السلع والبضائع.

    قال: [ولنستمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهم: ( هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها )] أي: يجعلها نافلة لكم [فخف بعض، وثقل بعض] أي: بعض الصحابة خفوا ونشطوا ليخرجوا وبعضهم سكنوا وثقلوا [لأن الأمر ما كان ملزماً وإنما هو مجرد عرض لا غير] واسمع الصيغة! ( هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها )، فما هو بأمر هذا ملزم، فلهذا بعضهم خف، وبعضهم ثقل [كما أنهم ما كانوا يظنون أن النبي صلى الله عليه وسلم سيواجه حرباً ويلقى قتالاً] ولو أنهم فهموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الحادثة والغزوة يلاقي حرباً لكانوا يخفون، لكن ظنوا استقبال هذه العير إما يحصلوا عليها وإلا تفوتهم كسابقاتها، وهذا سر تباطئهم أو عدم خفتهم.

    [ثالثاً: أبو سفيان يدنو من الحجاز بقافلته، وها هو ذا يتحسس الأخبار ويسأل كل من يلقى من الركبان؛ خوفاً من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن يعترضوا طريقه] وهو بالغ الذكاء [وفعلاً أصاب خبراً من بعض الركبان مفاده] هذا الخبر الذي حصل عليه [أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد استنفر أصحابه له ولعيره، فقوي بذلك خوف أبي سفيان ؛ فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري ] يعني: قال له: امش وبلغ رسالتنا إلى قريش قبل أن يتم الأمر. وأبو سفيان كان حكيماً رضي الله عنه، ونقول: رضي الله عنه؛ لأنه دخل في رحمة الله بعد ذلك وأسلم [وبعثه إلى مكة؛ ليستنفر قريشاً فيخرجوا لحماية عيرهم التي بها أموالهم.

    رابعاً: في مكة ترى عاتكة بنت عبد المطلب رؤيا أفزعتها] عاتكة عمة الرسول صلى الله عليه وسلم، رأت رؤيا منامية أفزعتها، وحقاً هي مفزعة [وذلك قبل قدوم ضمضم الغفاري إلى مكة بثلاث ليال، فبعثت إلى أخيها العباس رضي الله عنه فتقول له: يا أخي! لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني، وتخوفت أن يدخل على قومك شر ومصيبة] وجاء العباس [فقال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكباً أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح] وهو مكان واسع معروف في مكة [ثم صرخ بأعلى صوته: ألا انفروا يا لغدر لمصارعكم في ثلاث مرات. فرأى الناس قد اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد الحرام والناس يتبعونه، فبينما هم حوله، مثل به بعيره على ظهر الكعبة] ارتفع من بعيره إلى سطح الكعبة [ثم صرخ بمثلها: ألا انفروا يا لغدر لمصارعكم في ثلاث، ثم مثل به بعيره على رأس جبل أبي قبيس فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها، فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارتضت، فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلا دخلتها منها فلقة] وتمت الرؤيا كما سمعتم [فقال لها العباس والله إن هذه لرؤيا فاكتميها ولا تذكريها لأحد. واستكتمته إياها إلا أنه قصها على الوليد بن عتبة صديقه واستكتمه إياها] أي: قال له: لا تخبر بها أحداً، يعني: ما صبر هو فأطلع عليها صديقه [فذكرها الوليد لأبيه؛ ففشت] أي: انتشرت، وهكذا الأخبار تفشو دائماً بهذه الطريقة [حتى بلغت أبا جهل فغضب لذلك، فلما رأى العباس يطوف بالبيت ناداه: يا أبا الفضل ! إذا فرغت فأقبل إلينا، فلما جاءه قال له: يا بني عبد المطلب متى حدثت فيكم هذه النبية؟] أي: متى وجدت فيكم هذه النبية؟ يعني عاتكة ، وهذا من شدة الألم والفزع [قال العباس : قلت: وما ذاك؟ قال: تلك الرؤيا التي رأت عاتكة ! قال العباس : فقلت: وما رأت؟ قال: يا بني عبد المطلب أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم؟ لقد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث، فسنتربص هذه الثلاث] الليالي، وننظر بعد ذلك [فإن يك حقاً ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء، نكتب عليكم كتاباً أنكم أكذب أهل بيت في العرب.

    وبعد ثلاث وصل ضمضم بن عمرو الغفاري ، ووقف على بعيره ببطن الوادي، وقد حول رحله وشق قميصه، وجدع بعيره، وهو يصرخ بأعلى صوته قائلاً: اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه] فكان كما رأت عاتكة . وشقه قميصه؛ لتهويل الأمر، على عادتهم [لا أرى أن تدركوها الغوث الغوث؛ وتجهزت قريش، وهم يقولون: أيظن محمد وأصحابه أن نكون كعير ابن الحضرمي ، كلا والله ليعلمن غير ذلك] وعير الحضرمي أخذوها الأصحاب بعد أن قتلوا ابن الحضرمي وأخذوا أسيرين وهرب الثالث وجاءوا بالغنيمة.

    قال: [ولما أجمعت قريش المسير، ذكرت ما كان بينها وبين بني بكر من حرب فخافت أن تضرب من خلف، إلا أن إبليس جاءهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي ] وهو الذي يوم هاجر الرسول مشى وراءه بفرسه يبغي جائزة قريش، فعثر ثلاث مرات، وبعد أعلن توبته. وبشره النبي صلى الله عليه وسلم بسواري كسرى، وبالفعل لما دخل عمر بجيشه قصر كسرى وأُخذ السوار أُلبسه سراقة [وكان من أشراف بني كنانة، فقال لهم: أنا جار لكم فلا تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه، فطمأنهم بهذا فمشوا سراعاً] وهل يستطيع إبليس أن يتمثل في صورة رجل؟ نعم. والله يتمثل، أما علمتم يوم كانوا يتداولون القضاء على رسول الله في ناديهم، أنه جاء رجل من رجالات نجد الحكماء البصراء الساسة، وهو الذي أرشدهم إلى أن يعدموه ويستريحوا منه؟! ويكنى بـأبي مرة، وقد جاء الآن في صورة أحسن رجل ليوهمهم ويخدعهم.

    [خامساً: وخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ليال مضت من شهر رمضان مع أصحابه، وذلك يوم الإثنين لثمان ليال خلون من شهر رمضان، واستعمل على المدينة عبد الله بن أم مكتوم ] الذي كان يؤذن وهو أعمى، ونزل فيه قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [عبس:1-3]، فهو الذي لام الله عليه رسوله، جعله الرسول نائباً عنه في المدينة. أما نحن إذا حصل لنا لوم بسبب شخص فلا ننظر إليه، والله عز وجل يلوم رسوله صلى الله عليه وسلم ويقول: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى [عبس:1-10] فكان الرسول صلى الله عليه وسلم ما إن يرى ابن أم مكتوم حتى يوسع له المكان أو يفرش له الفراش ويقول: (اجلس يا من لامني ربي من أجله).

    قال: [إلا أنه رد أبا لبابة من الروحاء، واستعمله على المدينة] لما خرجوا وانتهوا إلى الروحاء على أميال من المدينة رد النبي صلى الله عليه وسلم أبا لبابة وقال له: امش أنت وتولى أمر المدينة؛ لأنه بصير أولى من عبد الله بن أم مكتوم .

    إذاً: أولاً: أفرح ابن أم مكتوم وأدخل عليه السرور. والثاني: علم أنه لا يستطيع أن يؤدي الواجب وهو أعمى فبعث أبا لبابة . وهذا من الحكمة المحمدية!

    [وأعطى اللواء مصعب بن عمير ] شهيد أحد [وكان أمامه صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوان: العقاب وكانت مع علي بن أبي طالب ، والأخرى مع بعض الأنصار] واللواء غير الرايات [وكان معهم سبعون بعيراً يعتقبونها] كل من عيي ينزل ويركب الثاني، ويعتقبونها أي: يتناوبون ظهورها [وهم ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً] كان عددهم عدد قوم طالوت ، وقد نصرهم الله على عشرات الآلاف، وكذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نصرهم الله على ألف مشرك تقريباً.

    قال: [وليس معهم إلا فرسان: فرس الزبير بن العوام ، وفرس المقداد بن عمرو ] وهو المقداد بن الأسود [ثم سلكوا طريق العقيق على فجّ الروحاء، ونزل صلى الله عليه وسلم ببئر الروحاء] وهو موجود إلى الآن، يسمونه: بئر الراحة [ثم ارتحل منها، فترك طريقاً على يساره، وسلك ذات اليمين، وقطع الوادي إلى مضيق الصفراء، ثم بعث بسيس الجهني وعدي بن أبي الزغباء إلى بدر يتحسسان له الأخبار عن أبي سفيان وعيره] وهذا عمل حكيم من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    [ثم سار سالكاً ذات اليمين على وادي ظفران، ولما قطعه نزل. وقد أتاه صلى الله عليه وسلم الخبر عن مسير قريش ليمنعوا عيرهم] بلغه أن قريشاً خرجت. أما صاح فيهم ضمضم وأخبرهم فخرجوا؟ فبلغ الخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن قريشاً خرجت لتحمي العير وتمنعها.

    [فاستشار الناس وأخبرهم عن مسير قريش] أيها الأصحاب! ماذا ترون؟ إن قريشاً خرجت برجالها. قال تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران:159] [فقام أبو بكر فقال وأحسن] أي: قال وأحسن القول [ثم قام عمر فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله به؛ فنحن معك؛ والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24]، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون] والمقداد هذا من أصحاب الألف، أي: إذا طلب مدد لجيش بألف رجل، بُعث له بواحد من هؤلاء يقوم مقام الألف، وكذلك كـخالد بن الوليد وعلي بن أبي طالب والزبير بن العوام .

    قال: [فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم خيراً، ودعا له به] وبرك الغماد: أبعد بلاد في اليمن.

    [ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أشيروا علي أيها الناس )] الموقف حرج. وهو يريد بذلك أن يحرك الأنصار؛ حتى لا يقال: هؤلاء المهاجرون أموالهم ضاعت وأرادوا أن يستردوها، فما ذنبنا نحن نموت؟! [فوقف سعد بن معاذ ] الذي اهتز عرش الرحمن لموته، حزناً عليه، فأين هؤلاء الرجال؟ والله لو تجمع البشرية كلها اليوم ما كانوا سعد بن معاذ ، لا في صبره ولا في إيمانه ولا في يقينه ولا في آدابه ولا في أخلاقه ولا في جهاده، فنحن هبطنا من زمان.

    ماذا قال سعد ؟ [وقال: والله لكأنك تعنينا يا رسول الله! قال: ( أجل )، فقال سعد : فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا؛ فامض يا رسول الله لما أردت ونحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا أحد] هل هذا الكلام يُسمع اليوم عندنا؟

    لقد قلنا لإخواننا الفلسطينيين: بايعوا -بيعة الرسول صلى الله عليه وسلم- رجلاً، وليقم فيكم دين الله وشرعه، وما أن تمر سنيات ثلاث أو أقل وإذا بكم كتلة من النور في الأرض تغمر العالم، وتستردون فلسطين، وتطهرون بلاد العرب أجمعين؟ قالوا: لا نستطيع. إذاً: لم يقتل بعضكم بعضاً؟ لم تتعرضون للبلاء وتُحزنون إخوانكم المسلمين وتكربونهم، هل لأمة مختلفة متناحرة أن ترفع رايتها؟! أنى لها ذلك؟!

    إن أمة الإسلام من أقصى الشرق إلى الغرب -أربعون دولة وزيادة- مفترقة، ووالله إنهم لآثمون، ولن ترفع رءوسهم ولن يعزوا ولن يسودوا أبداً ما داموا كذلك، كيف يرضون بالتفرق والتمزق؟ لماذا لا يأتون إلى روضة النبي ليبايعوا خليفة لهم؟! قالوا: لا نستطيع. والآن الشبان يتحمسون قائلين: التحكيم والحاكمية لله، وهم ما طبقوه في أنفسهم، ويريدوا أن يطبقوه على الجهلة والعميان من المسلمين.

    لابد من بيعة ربانية، فإذا قال أمير المؤمنين: قفوا. وقفوا أجمعون، وإذا قال: اجلسوا. جلسوا، وبدون هذا لن ترتفع راية الحق في العالم الإسلامي أبداً. هذا منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألم يفرض الله حب الرسول؟! ومن لم يحب الرسول كافر عليه لعائن الله؛ لأن من لم يحبه لا يطيعه، ولو أطاعه في حادثة عصاه في عشر أخرى، وهل المسلمون الآن يحب بعضهم بعضاً؟ أمثل دولة عندنا وأمثل مكان هذا الذي نحن فيه، تجدهم يبغضون بعضهم بعضاً، فكيف يحبون من هبطوا عن الإسلام وبعدوا منه؟!

    قال: [وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً إنا لصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، فسُر الرسول صلى الله عليه وسلم لقول سعد ونشّطه، فقال: ( سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم )] هناك تلفاز رباني، ينظر من خلاله إلى مصرع أبي جهل ورجاله.

    [وطلب النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه أن يشيروا عليه كان يعني به الأنصار؛ لأن شروط بيعة العقبة التي كانت بينه وبينهم لم تتضمن نصرتهم له خارج المدينة وإنما داخلها فقط] ما التزموا له بالقتال خارج المدينة في بيعة العقبة قبل الهجرة [فخاف ألا يقاتلوا معه من خرج لقتاله، فلذا طمأنه سعد بن معاذ بما قال وسر به، وتابع صلى الله عليه وسلم سيره تجاه بدر حتى نزل قريباً منها].

    1.   

    تدبير حربي (مسح النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر للمنطقة)

    [تدبير حربي: وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، والأصحاب نزول، ركبا ليمسحا المنطقة التي نزلوا بها تعرفاً إلى ما في المنطقة، وتطلعاً إلى أخبار العدو (العير وقريش) معاً] أي: رسول الله وأبو بكر [فعثرا على شيخ يقال له: سفيان الضمري] لما نزلوا قريباً من بدر ركب رسول الله على فرس أو بعير، وركب أبو بكر كذلك وأخذا يمسحان المنطقة، يتعرفان إلى ما فيها لعلهم يعثرون على مسافر في الطريق [فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قريش وعن محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وماذا يعرف عنهم] الرسول سأل هذا الرجل عن قريش وعن محمد ماذا يعرف عنه [فقال الرجل: لا أخبركما حتى تخبراني من أنتما؟] وهذا لو درس في كلية السياسة ممكن يصل إلى هذا المستوى [فقال له رسول صلى الله عليه وسلم: (إن أخبرتنا أخبرناك)] أي: إن أخبرتنا أنت الأول أخبرناك نحن.

    قال المؤلف: [في هذا القول من الحيطة والاحتراس ما فيه] أمر عظيم [فقال الشيخ: أذاك بذاك؟] يعني: أنا أخبركما وأنتم تخبراني [فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم)، فقال الشيخ مخبراً: قد بلغني أن محمداً وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن صدق الذي أخبرني فهم اليوم في مكان كذا وكذا، للمكان الذي نزل به الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه] عجب هؤلاء العرب! [وبلغني أن قريشاً خرجوا يوم كذا وكذا، فإن صدقني الذي أخبرني فهم الآن بمكان كذا وكذا، إشارة إلى المكان الذي هم الآن به وهو العدوة القصوى] من وادي بدر.

    [ثم قال: وأنتما؟] يعني: أنا أخبرتكما، والآن أنتما أخبراني [فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( نحن من ماء .. )] أليسوا من ماء الفحول؟ وكلنا من ماء، وهذه هي التورية، فما كذب صلى الله عليه وسلم، ولكن صرف الرجل عن معرفته [أي: من جنس الماء الذي خلقنا منه لقوله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ [الأنبياء:30]، فكانت منه صلى الله عليه وسلم تورية حسنة يتطلبها الموقف] فهذه حرب لا بد من الاحتراس والاحتياط فيها.

    قال: [فأخذ الشيخ يردد كلمة من ماء محتاراً في هذه النسبة، أمن ماء العراق هما أم من ماء كذا] ما عرف [وعاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المعسكر الإسلامي] حيث ترك رجاله.

    1.   

    تدبير آخر (عثور الصحابة على رجلين يسقيان الماء لقريش)

    قال: [تدبير آخر: وفي المساء أرسل النبي صلى الله عليه وسلم علياً والزبير وسعد بن أبي وقاص في رجال يتحسسون العدو ويتعرفون أخباره] وأظن أن الكليات السياسية الآن والحربية بالذات عندها نوع من هذا، وإن كان عندهم شيء -والله- أخذوه من هذا [فعثروا على رجلين يسقيان الماء لقريش، فأتوا بهما إلى المعسكر الإسلامي، فسألوهما فقالا: نحن سقاة لقريش، فأنكروا عليهما ذلك، واتهموهما بأنهما سقاة للعير لا لقريش رغبة من الأصحاب في العثور على العير لا على النفير؛ لأن العير لا شوكة فيها بخلاف النفير، وهم يودون غير ذات الشوكة، كما قال تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [الأنفال:7]، وسألوهما، فلما أصرا على ما قالا، ضربوهما فأوجعوهما، فقالا: إنهما لـأبي سفيان ] هم قالوا بداية: نحن سقاة لقريش، وقريش قادمة لقتالهم، فما أطمأن الأصحاب إلى هذا الخبر فضربوهما حتى قالا: نحن سقاة للعير.

    قال: [وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فلما سلّم من صلاته قال لهم: ( إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله إنهما لقريش. أخبرانا عن قريش )] وما من حقهم أن يضربوهما، كان عليهم أن يأخذوا بالخبر، ولكنه سوء فهم [فقالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( كم القوم )، فقالا كثير، قال: ( فما عدتهم )، قالا: لا ندري، فقال: ( كم ينحرون كل يوم من الإبل )، قالا: ما بين التسعة إلى العشرة، فقال صلى الله عليه وسلم: ( إذاً القوم ما بين التسعمائة والألف )] هذا الكمال المحمدي؛ إذ البعير يكفي تسعين واحد إلى مائة [( ثم قال لهما: فمن فيهم من أشراف قريش؟ ) قالا: عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو البختري بن هشام ، وحكيم بن حزام و... و...] أعظم رجالات قريش [فذكرا كماً من أشراف قريش. وهنا أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس، وقال: ( هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها )] وخيرة رجالها [ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه فنزلوا مكاناً قريباً من العدوة الدنيا لا ماء فيه، فعطش المعسكر، وأصاب بعضه جنابة بالاحتلام، فلم يجدوا ماءً يغتسلون به، ووسوس الشيطان لبعضهم: كيف تقاتلون غداً وأنتم جنب؟ وكيف تقاتلون ولا ماء عندكم؟ قد تموتون عطشاً .. إلى آخر ما يلقي الشيطان في نفوس الناس، فأكرمهم الله تعالى، فأنزل عليهم مطراً، فسقوا واغتسلوا ولبد الرمل ليسهل الكرُ والفرّ عليه.

    وفي هذا يقول الله تعالى: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ [الأنفال:11]].

    وصلى الله على نبينا محمد وصحبه ..