إسلام ويب

هذا الحبيب يا محب 44للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد فتح مكة واستتباب الأمر للمسلمين وتحول مكة إلى دار إسلام وتوحيد بعد أن كانت دار كفر وإلحاد، وبعد خروج النبي لملاقاة الروم في تبوك وخوف الروم من ملاقاته ورجوعهم عنه، بعد ذلك كله بدأت وفود قبائل الجزيرة تفد على النبي إما مبايعة أو مصالحة، وممن صالحه من العرب وفد نصارى نجران، حيث أتوه فعلموا أنه نبي مرسل فصالحوه على ألفي حلة يدفعونها له كل سنة، على أن يخلي بينهم وبين دينهم، ويرسل معهم رجلاً من أصحابه ليتحاكموا إليه فيما يختلفون فيه.

    1.   

    تنبيه واستدراك على بعض المسائل في الدروس السابقة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فبين يدي الدرس أعلمكم أن أحد الأبناء الصالحين العلماء طالع هذا الكتاب مطالعة جيدة وعثر -فيما يرى- على ثلاثة أخطاء:

    الخطأ الأول -وهو حق، وقد محوناه-: وهو لما ذكرنا ركانة وكيف جادل الرسول صلى الله عليه وسلم وحاجه وقارعه قلنا: لعنة الله عليه، ثم محوناها في هذه الطبعة. لِم؟ لأنه أسلم بعد ذلك في عام الفتح.

    المسألة الثانية -حسب رأيه-: أن قضية الغرانيق ردها كثير من العلماء وما قبلوها.

    والمسلك الذي وفقني الله تعالى إليه وسلكته نِعم المسلك، وأنا على يقين من صحة ما قلت وكتبت، قضية الغرانيق تداولها العلماء من عهد الصحابة، فالمشركون سجدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رجلاً كباراً ما استطاع أن يسجد فأخذ حفنة من تراب وسجد عليها، ولو لم يكونوا قد سمعوا من الشيطان مدح آلهتهم (تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتها لترتجى) ما كانوا ليسجدوا.

    فنحن نقول: الرسول صلى الله عليه وسلم يعصمه الله فلا ينطق بكلمة الباطل، وإنما الشيطان نطق بها وأسمعها إخوانه ورجاله، فظنوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم امتدح آلهتهم، فلما سجد في آخر سورة النجم سجدوا عند قول الله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى [النجم:19-22] الآيات . وهذه المسألة الثانية لا وزن لها، وإننا فيها على حق إن شاء الله.

    الثالثة: استقبال الأنصار للرسول صلى الله عليه وسلم بنشيد طلع البدر علينا عند قدومه من قباء بنسائهم وأطفالهم، وهذا إن ضعفه أناس وقالوا: لا يصح، فليس فيه ضرر، ما فيه إلا خير.

    وقد نبهت؛ لأن هذا الأخ فتح الله علينا وعليه كتب كتاباً يباع، فخفت أن تتبلبوا به، والكتاب يدور حول هذه النقاط الثلاث:

    الأولى: لعننا لـركانة -وقد محوناه في الطبعات الجديدة- ثم لما نقلنا عن علماء التاريخ كـابن الأثير لم يذكر إسلام ركانة ، فكونه تتبع الأخبار ووجد أن الرجل قد أسلم فنحن معذورون، ولكن نحن بموقفه الصعب أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم متحدياً له، قلنا: لعنة الله عليه! ثم إذا أسلم أو تاب تاب الله عليه، ولما عرفنا أنه أسلم نصبر على أذاه ولا نلعنه.

    1.   

    وكاليهود نصارى نجران يجادلون ويعاندون

    قال: [وكاليهود] في حربهم للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وعنادهم ومكرهم بالمدينة [نصارى نجران يجادلون ويعاندون] وقد درسنا وعرفنا ما فعله اليهود بالمدينة، والآن وفي هذه المقطوعة نعرف ما عمله نصارى نجران.

    والنصارى: جمع نصراني وهم المسيحيون، ونجران مدينة من مدن المملكة في جنوبها، وهي موجودة إلى الآن، كان فيها نصارى يعبدون المسيح، وجاء وفدهم إلى المدينة..

    قال: [وبمناسبة ذكرنا جدال اليهود وعنادهم نذكر جدال النصارى وعنادهم المتمثل في وفد نجران -وإن كان هذا الوفد لم يفد في هذه السنة الأولى من الهجرة- إذ وفد في سنة الوفود في سنة تسع من الهجرة] جاء هذا الوفد في السنة التاسعة، وتسمى سنة الوفود؛ إذ دخل الناس في دين الله أفواجاً من جميع أنحاء الجزيرة، وفي هذا نزل قوله تعالى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا [النصر:1-2]، والفتح كان سنة ثمانية من الهجرة، سقطت بعدها عاصمة الشرك وتحولت إلى قبة إسلام، ومن ثم أصبح العرب يأتون جماعات جماعات من أنحاء شتى إلى المدينة. ومن ضمن الذين أتوا وفد النصارى من نجران -لا مرحباً بهم- فقد آذوا رسولنا صلى الله عليه وسلم.

    [وكان أفراد هذا الوفد ستين راكباً] وفد مكون من ستين فارساً أو راكباً ليسوا مشاة [من بينهم أربعة عشر راكباً من أشرافهم، والذين يئول أمرهم إليهم من رجال الوفد ثلاثة وهم: العاقب واسمه عبد المسيح ، والسيد واسمه الأيهم ، وأبو حارثة أسقفهم وهو أحد بني بكر بن وائل، وكانت له منزلة رفيعة عند ملوك الروم] في بلاد الروم كانت له منزلة عالية وذلك [لما أبداه من اجتهاد في دينهم] والدعوة إليه، فلما شاهدوا منه اجتهاداً في نشر المسيحية في الجزيرة أعزوه وأكرموه [ولما كان عليه من العلم] كان عالماً بالتوراة والإنجيل، ولذا هو أسقف [فلذا أمدوه بالمال فبنوا له الكنائس وبسطوا عليه الكرامات] بنوا الكنائس في نجران.

    [ولما وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، جلس إمامهم أبو حارثة على بغلته التي يركبها، متوجهاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى جنبه أخ له يقال له: كرز بن علقمة فعثرت بغلته، فقال أخوه كرز : تِعس الأبعد -يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم- فقال له أخوه أبو حارثة : بل أنت تعست] أي: ليس محمداً صلى الله عليه وسلم؛ لأن الأسقف عالم وليس جاهلاً، وأخوه جاهل: فقال له: تعست أنت.

    [فقال: ولم يا أخي؟] يعني: لِم تردّ الدعوة بالشر علي أنا؟ [قال: والله للنبي الذي كنا ننتظر] من زمان متى تطلع شمسه. وهذه شهادة الأسقف -أعلمهم- [فقال له كرز : ما يمنعك منه -أي من الإيمان به واتباعه- وأنت تعلم هذا؟ قال] معتذراً [ما صنع بنا هؤلاء القوم؟] يعني نصارى الروم [شرفونا ومولونا وأكرمونا، وقد أبوا إلا خلافه، فلو فعلت نزعوا منا كل ما ترى] ومن هنا تستطيع أن تقول: إن (75 %) من القسس اليوم وقبل اليوم يعرفون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو رسول الله الخاتم، وأن الإسلام هو دين الله الحق، ولا يمنعهم من ذلك إلا المنصب، فهذه أسرة كاملة تعيش عيشة الملوك فكيف تخرج من النصرانية وتدخل في الإسلام لتفتقر بعد ذلك وتعيش في حالة سيئة، فهذا يمنعهم أن يسلموا إلى الآن، والآن هم أكثر علماً لانتشار العلم، ولكن يوجد -أيضاً- منهم مقلدون لا يعرفون شيئاً [فأضمرها كرز] في نفسه [وأسلم بعد] لأنه ليس عنده مسئولية كأخيه، فأضمر ما قال أخوه في نفسه ولم يتكلم ثم أسلم بعد ذلك.

    قال: [وحضرت صلاة العصر] للوفد [وقد دخلوا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلوا العصر إلى المشرق] وقبلة النصارى إلى الآن إلى المشرق [وكان بعض الصحابة أنكر عليهم ذلك فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ( دعوهم )] خلوهم واتركوهم [( يصلوا إلى المشرق؛ إذ تلك قبلتهم في كنائسهم )].

    وقد حدثناكم بحادثة مسيو طارطار ، مسيو طارطار قس وأستاذ في جامعة السوربون بفرنسا، كتب في جريدة لوموند الفرنسية يتأسف وينتقد المملكة وحكومتها لم يمنعون إخوانهم في المملكة أن يقيموا قداساً لهم، وهم يسمحون للمسلمين ببناء المساجد في بلادهم. وقد أعطيت المقال مترجماً فرددت عليه، بكلمة فاصلة خالدة، وهي:

    إن هذه المملكة بمثابة قبة للإسلام، أو بمثابة مسجد؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لا يجتمع دينان في الجزيرة ) فهذه قبة الإسلام وبيضته، وقلت: يا مسيو! هل يعقل أن نبني كنيسة في داخل مسجد؟ الجواب: لا يجوز، وهل يجوز أن نبني مسجداً في داخل كنيسة؟ الجواب: والله لا يجوز.

    فمن هنا المملكة لا تسمح بأن يقام قداس للنصارى أو لليهود أو لغيرهم لأن هذا مسجد، فرد قائلاً: عندنا الحجة. ها هو نبيكم صلى الله عليه وسلم لما وفد وفد نجران عليه سمح لهم أن يصلوا في مسجده، وقد عرف هذا ونحن لا نسمع به، فـ(90 %) من المسلمين لا يعرفون هذا، سبحان الله العظيم!

    فقلت له: يا مسيو طارطار ! الأمر هذا نسخ. والنسخ كان قانوناً جائزاً معمولاً به، فالنبي صلى الله عليه وسلم عهد إلى أصحابه بأن لا يجتمع دينان في الجزيرة، فنفذ عمر رضي الله عنه أمره وأجلى اليهود والنصارى.

    ثم كتب قائلاً: لم تمنعون هذا القداس من أن يقام في غرفة في فندق؟ فقلت له: هذا ليس خاصاً بالنصارى، فعندنا الخرافيون وأصحاب التيهان والضياع لو وجدناهم يقيمون حفل مولد أو ما شابهه من البدع فعلى الفور يُطوقون ويسفرون وهم مسلمون، فكيف إذاً بغير المسلمين؟ وهو الواقع، فلو عرفت الهيئة ببدعة تقام في المحل الفلاني يطوقون ويجلون أصحابها. فسكت القس وانتيهنا.

    واسم هذا القس طارطار بطاءين وراءين؛ ومناسبة قوله ذلك هي سماح رسول صلى الله عليه وسلم للنصارى بأن يصلوا في مسجده.

    مناظرة أشراف وفد نجران من النصارى لرسول الله صلى الله عليه وسلم

    قال: [فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ثلاثة] أشرافهم وقادتهم [وهم: أبو حارثة والعاقب والسيد -وهم مع اختلافهم في أمرهم- يقولون في المسيح: هو الله، ويقولون: هو ولد الله، ويقولون: هو ثالث ثلاثة] والنصارى مختلفون إلى اثنين وسبعين فرقة، كلهم مشركون يؤلهون غير الله ورغم ذلك مختلفون، ومن اختلافهم قولهم في المسيح: هو الله، وابن الله، وولد الله [وهذا قول أهل الملة النصرانية ويحتجون في قولهم: إنه ولد الله؛ لأنه لم يكن له أب يعلم] أبداً ما لعيسى أب يعرف [وقد تكلم في المهد] وهو يرضع [وهذا لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله] فلهذا يكون هو ابن الله. وهل هذا قياس معقول؟ هل الرب تبارك وتعالى الذي خالق السماوات والأرض والملكوت كله يحتاج إلى زوجة؟ تعالى الله عن اتخاذ الولد والزوجة! ولقد قال الجن: ما اتخذ الله صاحبة ولا ولداً، إذاً من زوجته؟ هذه أضحوكة، هزء وسخرية، ولكن الشيطان يفعل الأعاجيب ببني آدم، ويعميهم ويصمهم.

    فالشاهد في إيرادهم هذه الأباطيل قال: [ويحتجون في قولهم: إنه ثالث ثلاثة بقول الله تعالى: فعلنا وأمرنا وخلقنا وقضينا] الله عز وجل رب العزة والجلال يقول: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49] فقالوا: (إنا) هذه لا تعبر عن واحد، فلا بد أن يكون معه اثنين أو ثلاثة. ولو كان واحداً لقال: أنا. فقلنا لهم: هذا بسبب جهلكم بلغة العرب، وإلا (إنا) يقولها السلطان، والرئيس، والحاكم بمعنى نحن، فليس بلازم أن تعبر (إنا) عن ثلاثة أو أكثر، فالواحد يقول في عظمته: إنا أمرنا بكذا، أو إنا قلنا لكم كذا وكذا.. المهم أنهم يتعلقون بخيوط العنكبوت.

    [فيقولون: لو كان واحداً ما قال إلا: فعلت.. وقضيت.. وأمرت.. وخلقت، ولكنه هو وعيسى ومريم ] ومتى وجد عيسى ومتى وجدت مريم ؟ إن بين عيسى وآدم ثمانية آلاف سنة، وليس هذا الوقت فقط! فمن كان يخلق مع الله أولاً؟!

    أقول: إن عقيدة النصارى يردها الأطفال الذين يلعبون، فهي لا تعتمد على شيء عقلي أبداً، يقولون: هو وعيسى ومريم ! طيب قبل ما يوجد عيسى ومريم من كان مع الله؟

    ثم مصيبة أخرى: لو كان عيسى ابن الله فكيف يسمح لليهود أن يصلبوه ويقتلوه؟ أليس هذا قول النصارى؟! والله يقول: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء:157] أي: ألقى الله الشبه على رجل فأخذوه وصلبوه، ويعتقدون أنهم قتلوه، وإثمهم كامل على جريمة ارتكبوها وإن لم يفعلوا؛ لأن الله حماه ورفعه إليه.

    [ويحتجون في قولهم هذا بأنه كان يحيي الموتى ويبرئ الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً] وهذا عطاء الله؛ لتقوم الحجة على الكافرين، فهذه معجزات ليس معناها أنه هو خالق الطير، ولكن الله أجرى هذا على يديه ليؤمنوا أنه عبد الله ورسوله. فهذه حجة واهية وباطلة.

    ويقول الله عز وجل: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ [المائدة:110] فهذا امتنان الله على عيسى بأن رفعه هذه المنزلة، لا أنه هو ابن الله أو ثاني اثنين مع الله.

    قال: [ولما كلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: ( أسلموا، فقالوا: قد أسلمنا، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: إنكم لم تسلموا، فأسلموا قالوا: بلى قد أسلمنا قبلك. قال: كذبتم يمنعكم من الإسلام دعاؤكم لله ولداً، وعبادتكم الصليب، وأكلكم الخنزير )] أي: كيف تقولون أسلمنا وأنتم تعبدون مع الله غيره وتأكلون الخنزير؟!

    [قالوا: فمن أبوه يا محمد؟] إذاً من أبو عيسى؟ [فصمت عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبهم، وأنزل الله تعالى نيفاً وثمانين آية من أول سورة آل عمران في شأن عيسى، فحدثتهم عنه بالتفصيل، وبدأ الحديث بولادة جدته حنة لأمه مريم في حديث عجيب يدل دلالة قطعية على عبودية عيسى عليه السلام، ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وجاء فيه: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:59]].

    يقول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران:33-36] إلى آخر نيف وثمانين آية كلها في دحض افتراءات النصارى الباطلة.

    قال: [ثم دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المباهلة] والمباهلة: هي أن ندعو الله عز وجل على الظالم فينا أن يهلكه، فنجتمع في صعيد واحد ونرفع أيدينا إلى الله ونقول: اللهم من كان على الباطل فأبده، ومن كان على الحق فأبقه [وخرج صلى الله عليه وسلم ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين] وهؤلاء هم الذين إذا ماتوا كان النبي صلى الله عليه وسلم مسئولاً عنهم: ابنته وولديها وصهره -ابن عمه-.

    قال: [فلما رأوهم قالوا: هذه وجوه لو أقسمت على الله أن يزيل الجبال لأزالها] اندهشوا [فخافوا ولم يباهلوا] وهذه يُطالب بها أحياناً عند الجدال، نسأل الله عز وجل أن يهلك المبطل ويحق الحق.

    [ونزل في ذلك قول الله عز وجل: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران:61]] هذه نزلت فيهم.

    مصالحة الرسول لوفد نجران على الجزية مع بقائهم في بلادهم

    [فقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: يا أبا القاسم دعنا ننظر في أمرنا] أي: نفكر ساعة [ثم نأتيك بما تريد أن تفعل فيما دعوتنا إليه، فانصرفوا، ثم خلوا بـالعاقب ] أحد زعمائهم الثلاثة [الذي هو صاحب الرأي فيهم، فقالوا له: يا عبد المسيح ماذا ترى؟ فقال: والله يا معشر النصارى! لقد عرفتم أن محمداً نبي مرسل، وقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم -يريد عيسى عليه السلام- ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبياً قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن أنتم فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل ثم انصرفوا إلى بلادكم.

    فأتوا الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم! قد رأينا ألا نلاعنك] يقصدون المباهلة [وأن نتركك على دينك ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا فإنكم عندنا رضاً] أي: محترمين نقبل حكمكم وقضاءكم.

    [وصالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على ألفي حُلّة] يدفعونها كل سنة جزية، والحلة هي البدلة، ثوبان من لون واحد [وعلى أن يضيفوا رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم] إذا جاءوهم ينزلونهم في نزل يشرفوهم ويكرموهم فيه [وجعل لهم ذمة الله تعالى وعهده ألا يفتنوا عن دينهم، ولا يُعشروا] لا يدفعون العشر [وشرط عليهم ألا يأكلوا الربا ولا يتعاملوا به].

    سبحان الله! بلغ العروبة والإسلام، اشترط على نصارى نجران بعد أن دخلوا في ذمته ألا يتعاملوا بالربا، لِم؟ ألا يفهم الرسول صلى الله عليه وسلم أحوال البشرية؟ أقسم لكم بالله -والله- لو يتحول هذا الربا إلى صناديق إسلامية ربانية لظهر في الأفق الإسلامي من النور ما لا يحلم به أحد، وتنتهي كل أنواع الباطل والشر والفساد، فلا سرقة، ولا خيانة، ولا كذب، ولا تلصص، ولا جريمة، ولا حسد، ولا بغضاء .. ويصبحون كأمة واحدة، ولكن اليهود عرفوا من أين تؤكل الكتف، عرفوا ما هو الذي يهبط الأمة المحمدية، فحرموها من السلف والقرض والاقتراض والتعاون وحولوه إلى بنوك فاحترق بذلك المسلمين .. إن الفقر الذي يمزق العالم الإسلامي لا نظير له، وسببه هو الربا.

    والمرضى والجاهلون يقولون: ما هو الربا؟ ونحن نقول: لو لم يكن الربا كنت إذا احتجت إلى شيء قلت: يا أخي! أقرضني ألف أو عشرة فيفرح؛ لأنها موجودة في صندوقه، وهناك من يريد الانتفاع بها، فيقرضه إياها ويستفيد أجراً ثم ترد عليه.

    كنت ستجد من يقول: عندنا أموال، فمن يتعاون معنا على إنشاء مزرعة أو مصنع؟ فيجد إخوانه ينتجون له ويعملون، وتبقى الصلة والرحمة شائعة بين الناس، لكن الآن أقرض شخصاً من إخوانك واطلب منه أن يرد المال! جرب ذلك .. لقد أقرضت -أنا- حوالي خمسين أو ستين شخصاً، فما رد علي قرضي إلا واحد منذ عشرين سنة وواحد بعده، والباقي لم يردوا شيئاً، أخذوه إما بالمماطلة أو بالتنازل.. وهذه حالنا.

    ما سبب هذا؟

    إنها البنوك والربا، وعلة هذا الجهل، ما عرفت الأمة ربها، ولا ما عنده ولا ما لديه، فأعرضت عن ذكر الله إعراضاً كاملاً، فالقرآن يقرأ على الموتى والسنة للبركة، فكيف يفقهون؟ وكيف يعلمون؟ وكيف يفهمون؟.. مستحيل!!

    قال: [وبعث معهم أبا عبيدة عامر بن الجراح أمين هذه الأمة المحمدية رضي الله عنه وأرضاه].

    1.   

    نتائج وعبر من مقطوعة (وكاليهود نصارى نجران يجادلون ويعاندون)

    قال: [نتائج وعبر: إن لهذه المقطوعة من السيرة العطرة نتائج وعبراً نجملها في الآتي:

    أولاً: بيان أن موقف أهل الكتاب من يهود ونصارى من الإسلام واحد] ليس هناك فرق بين اليهود والنصارى، فموقفهم من الإسلام واحد، لا يريدون أبداً أن يدخلوا في دين الله. وعلة اليهود: خشيتهم أن ينتهي حلمهم في إيجاد مملكتهم في المستقبل؛ إذ لو دخلوا في الإسلام ذابوا في نوره. والنصارى: العوام منهم مساكين مقلدين، يسوسوهم ملوكهم ورؤساء دينهم، محافظين بذلك على مراكزهم المالية، لا أقل ولا أكثر!

    [وهو موقف عدائي خالص، وصدق الله العظيم إذ يقول: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120]] هذه الآية نزلت من ألف وأربعمائة سنة، فهل تغير اليهود والنصارى؟ هل رضوا عن المسلمين في يوم ما؟ لا. لأن (لن) للتأبيد كما قال الزمخشري وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120]، فإذا أصبحت يهودياً رحبوا بك، أو نصرانياً رفعوك إلى القمة، أما وأنت مسلم فلا رضا عنك أبداً، وهذا خبر الله فمن يرده؟!

    [ثانياً: بيان أن المنافع المادية كثيراً ما تحمل صاحبها على الإصرار على الباطل وهو يعرف الحق] وهم عندما يسمعون هذا الكلام يبكون في نفوسهم، لكن لا يستطيعوا أن يخرجوا عن تلك الأموال والمناصب ليصبحوا يبيعون الفلفل في الشارع! ولا تقل هذا فقط، ألا ترى أن بائع الدخان لا يستطيع أن يتنازل عنه؟! يقول: إذا ما بعنا الدخان الزبناء لا يأتونا! وهكذا طبيعة البشر واحدة، إلا إذا دخل في المستشفى وتمت استقامته على تلك العقاقير الإلهية [حفاظاً على تلك المنافع المادية حتى لا تنزع منه -كما قال أبو حارثة -.

    ثالثاً: بيان مرية النصارى في معرفة الله عز وجل إذ مرة يقولون: هو المسيح، ومرة يقولون: هو ولد الله، ومرة يقولون: هو ثالث ثلاثة] خبط عشواء، ارتياب وشكوك لا قيمة لها.

    [رابعاً: بيان أن من لم يوحد الله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله وعباداته فليس بمسلم] لأنهم قالوا: نحن مسلمون -في زعمهم- لكن ما داموا لا يوحدون الله في ذاته وصفاته وعباداته فكلمة (مسلم) لا تنفعهم، وهل قبلها الرسول صلى الله عليه وسلم منهم؟ لا. بل ردها عليهم ثلاث مرات، وقال: ما أسلمتم، أتدعون لله ولداً وتعبدون الصليب، وتأكلون الخنزير وتقولون: مسلمون؟!

    [خامساً: حب المرء للشيء وإلفه له يحمله على الإصرار على الباطل وإنكار الحق] كأصحاب البدع عندنا، تجد أن لديهم بدعاً عاش عليها هو وأبوه وأمه خمسين سنة مثلاً، فلا يتنازل عنها لقولك: هذه بدعة أبداً! إلا بعد الصقل والنشر والتربية حتى يزول ذلك من نفسه، يقول لك: كيف نعمل هذا العمل خمسين سنة ثم تقول لي: إنه بدعة، واتركه الآن؟! كيف أتركه؟ وهذه طبيعة الإنسان؛ فلهذا أصحاب الباطل يحتاجون إلى علاج دائم بأنواع من الأساليب المختلفة حتى يتنازلوا عن ذلك المعتقد أو ذلك السلوك الذي كان يسلكوه، أما من أول مرة فلا يستطيعون؛ لأن فطرتهم تأبى ذلك.

    [سادساً] وأخيراً [مشروعية المباهلة في الإسلام كما كان في أديان الأنبياء من قبل] المباهلة مستمرة إلى الآن، فلو اختلف اثنان أحدهما على حق وآخر على باطل ثم تباهلا يصيب الله عز وجل الكاذب، وينصر صاحب الحق.

    1.   

    دعاء

    الآن معاشر الأبناء! ندعو الله عز وجل.

    اللهم يا أرحم الراحمين يا أرحم الراحمين! يا أرحم الراحمين! إن بيننا وفينا وفي بيوتنا ومشافينا مرضى فاشفهم يا رب العالمين.. اللهم اشفهم يا رب العالمين، اللهم إنه لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً، يا ولي المؤمنين ويا متولي الصالحين تول عبادك المؤمنين في كل مكان، واحفظهم بحفظك وارعهم برعايتك، وانصرهم على من عاداهم وعاداك يا رب العالمين.

    اللهم إن نار الفتنة تلتهب في الديار الجزائرية، اللهم إنها فتنة عارمة ملتهبة، ولم يكن لهم من أحد إلا أنت، ففرج يا ربنا ما بهم وأطفئ نار الفتنة عليهم، وأخرجهم من هذه الظلمة وهذه الفتنة يا رب العالمين. وإن لنا إخواناً في فلسطين، وفي البوسنة والهرسك، وفي الأفغان، وفي الشيشان .. ليس لهم من ولي إلا أنت، فهم أولياؤك وأنت وليهم، فاصرف عنهم مكر الماكرين وكيد الكائدين، ونجهم وخلصهم من فتنتهم يا رب العالمين.

    اللهم إن هذه البقية الباقية في العالم الإسلامي، هذه البلاد وهذه الحكومة، اللهم احمها بحمايتك، واحفظها بحفظك، واصرف عنها كل سوء، اللهم من أرادها بسوء فاجعل سوءه عليه يا رب العالمين، اللهم أبقها ما بقينا يا حي يا قيوم، لا ترنا فيها مكروهاً يا ولي المؤمنين، ويا متولي الصالحين.

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.