إسلام ويب

يسروا الزواجللشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الزواج أصبح اليوم من الأمور المتعسرة عند الشباب، والنبي صلى الله عليه وسلم قد حث ودعا إلى المسارعة إلى الزواج.

    والله قد وعد -ووعده الحق- بأن من كان فقيراً وتزوج يريد العفاف، فالله جل وعلا سيغنيه من فضله.

    ومن القصص العجيبة: قصة عمر بن الخطاب عندما كان يبحث لابنته عن زوج، وسعيد بن المسيب يزوج ابنته لأحد طلابه الفقراء رغم أنه قد طلبها ابن السلطان.

    وينبغي لكل متزوج أن يتجنب الشائعة وأن يبتدئ حياته الأسرية بطاعة الله لا بمعصيته.

    1.   

    دعوة إلى المسارعة بالزواج

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الشأن العظيم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    أيها الناس! اتقوا الله عز وجل، واعلموا -يا أمة الإسلام- أن الله جلَّت قدرته ما أنزل القرآن إلا لتعملوا بمحكمه، وتؤمنوا بمتشابهه، وتقولوا: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8] ففي القرآن كل دلالة على الخير، وكل تحذير من الشر، وإنما تحصل الدلالة على الخير للمؤمنين: الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2].

    أمة الإسلام! في كتاب الله آية كريمة تعالج مشكلة اجتماعية تكلم عنها العلماء، وأطنب في ذكرها الخطباء، وعاتبني فيها بعض الناس، يقول: إنك لا تتعرض لها، فما هي؟

    هي الواقع المرير الذي يعيشه كل ذكر وأنثى محروم من الزواج، تلك هي مشكلة: (الزواج) فهو أمر فطري تدعو إليه الطباع والغرائز، وتترتب عليه عمارة الكون، وقد كان من الواجب أن يصبح أمره ميسراً ليكون باستطاعة كل فرد أن يقدم عليه مهما كان وضعه غنياً أو فقيراً، أميراً أو صعلوكاً، امتثالاً لأمر الله جلَّ وعلا: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور:32].

    ففي الآية الكريمة ندب وحث على تزويج الأيامى، والأيامى: جمع أيم، وهي: المرأة لا زوج لها، والرجل لا زوج له.

    وكذلك في هذه الآية الكريمة الوعد الصادق من رب العالمين الذي لا يخلف الميعاد، الوعد بالغنى والخير لمن يتزوج ليريد العفاف.

    أيضاً في الآية الكريمة قطع لحجة الذين يقولون: لا نتزوج حتى نحصل على ما يكفل الحياة السعيدة، فهذا ادعاء باطل، فإن الحياة وما فيها من الأرزاق بيد الحي القيوم القادر على كل شيء، وقد أخبرنا نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم بأنه: (لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها) فعليك -أيها المسلم- أن تفعل الأسباب، وتستعين بالله -جلَّ وعلا- في طلب الرزق، وتعلم حق اليقين! أن رزق الله لا يأتي به حرص حريص، ولا ترده كراهية كاره، ثم ليعلم الماديون -أهل الطمع والجشع- أن الرازق والمعطي هو الله وحده لا شريك له، فإنه قادر أن يغني فقيراً ويفقر غنياً.

    فهذا رد على أهل النظرة الخاطئة الذين يقولون: لا نزوج فقيراً يزيده الزواج فقراً لفقره، هذا إذا اجتمع (مجلس الوزراء الداخلي) الأم والأب وبعض الأقارب الذين يريدون أن يمتصوا هذا المهر -مهر هذه الفتاة- ثم يجتمع هذا المجلس على أمر خطير كلٌ يدلي برأيه، هذا يقول: فقير، وهذا يقول: خضيري، وهذا يقول: قبيلي، وهذا يقول: طويل، وهذا يقول: عريض، وهذا يقول: اشترطوا عليه التلفاز، وهذا يقول: اشترطوا عليه الفيديو، وهذا يقول: اشترطوا عليه محلاً واسعاً، ولا نرضى المطرقة ولا نرضى الزرادية.

    مع الأسف الشديد من المطرقة؟

    هو الأب الذي قضى حياته ليرى هذا الابن سعيداً في هذه الحياة، يكد ليله ونهاره ليجمع له لقمة العيش، ومن هي الزرادية -أو كما يقولون: الكولة-؟

    هي: الأم المسكينة التي حملته في بطنها تسعة أشهر، وضمته في حجرها وجعلته له سريراً، لا تتلذذ بالنوم ما دام هذا الابن صاحياً يتململ، فهي كأنها تحس بهذا الملل، ثم بعد ذلك يشترط هذا المجلس -الذي لا بارك الله فيه- يجتمع فيه الأم والأب وبعض القرابة، ويقولون: لا نريد الشاكوش ولا نريد الكولة.

    الله أكبر! أين المسلمون؟ أين الإسلام؟ من هؤلاء الذين يعينون على قطع الأرحام، وعلى قطع الصلة بين القرابة، وعلى عقوق الوالدين؟

    إنها مصيبة عظمى يا عباد الله! متى نتخلص من هذا؟ نتخلص من هذا إذا قطعنا المسلسلات الخبيثة التي تحارب الأم والأب، وتحارب تعدد الزوجات، إذا قطعنا هذه المسلسلات التي جرأت الأطفال على السرقة، وعلمتهم شرب الدخان، وعلمتهم ترك الصلاة، وعلمتهم العقوق، ورفع الأصوات على الوالدين، إذا قطعنا هذه المسلسلات ورجعنا إلى رب العالمين؛ فإننا سوف نعرف رشدنا.

    أمة الإسلام: إن الزواج أصبح في هذه الأزمنة المتأخرة مشكلة معضلة، وليس هذا عن قلة الفتيات، ولكن عن وجود ما ذكرت لكم من هذه الأمور القاطعة، ومن هذه الأمور التي تعوق الشاب أن يقدم ليحصل على فتاة يعف بها نفسه، امتثالاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء).

    1.   

    يُسر الزواج عند السلف وعسره في زماننا

    عباد الله: لا تنظروا إلى هذه النظرة الخاطئة التي تقول: لا نزوج فقيراً يزيده الزواج فقراً لفقره، بل يجب عليك إذا كنت غنياً قد أمدك الله بالمال أن تبحث لهذه الفتاة عن زوجٍ تقيٍ ديّنٍ أمينٍ عفيفٍ تزوجه هذه البنت، حتى إذا جاءك الأجل مت وأنت قرير العين مرتاحاً.

    مبادرة عمر بن الخطاب إلى تزويج حفصة

    يا عبد الله: هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فعل ذلك، جعل يبحث لـحفصة بنته، عرضها على عثمان ، وعرضها على أبي بكر رضي الله عنهما، ويسر الله لها خير الخلق محمداً صلى الله عليه وسلم.

    سعيد بن المسيب يزوج ابنته لأحد طلابه

    سعيد بن المسيب سيد التابعين -رحمه الله تعالى- لما انقطع عنه طالب من طلاب العلم، فسأله عن انقطاعه؟

    فقال: كنت أمرض زوجتي وتوفيت، فقال: هل تريد أن أزوجك ابنتي؟

    فجعل يُفكِّر في أن ابن السلطان طلبها منه فمنعه عنها، وما منعه عنها يريد الدنيا ولا الطمع، ولكنه يريد الدين والعفة، فقال: هل تريد أن أزوجك ابنتي؟

    فقبل هذا الطالب، وتأخر ثلاثة أيام يهيئ لهذه البنت المكان، وما درى إلا وسعيد بن المسيب يطرق عليه الباب، وقال: السلام عليكم! قال: من بالباب؟ قال: سعيد، فجعل يفكر من سعيد؟ لأن سعيداً كان من المسجد إلى بيته أربعين سنة، من سعيد؟

    قال: سعيد بن المسيب، وفتح الباب، وأدخل عليه زوجته، ودعا له.

    الله أكبر يا عباد الله! ليس عيباً أن تبحث لابنتك أو أختك إن كانت يتيمة وكانت في حجرك، ليس عيباً أن تبحث لها عن زوج تقي! نعم. إنما العيب أن تأتي بالسائق يذهب بها إلى المدرسة وإلى المستشفى وحدها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن ذلك أشد النهي، هذا هو العيب -يا عبد الله- إن كنت تعرف العار والعيب.

    نعم! تزوج -يا عبد الله- لا يغرك الذين يقولون: لا تتزوج حتى تهيئ البيت السعيد، وحتى تجمع المادة!! لا. بل تزوج والله سبحانه وتعالى هو الذي خلقك وتكفَّل برزقك، يقول جلَّ وعلا: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6].

    1.   

    قصص لمن حرم الزواج

    يا عبد الله: بادر بزواج هذه الفتاة، حتى تحظى بالأجر العظيم.

    يقول لي بعض المشايخ الثقات: زار رجلٌ أختاً له بالمستشفى، وقد تقدم بها السن ولم تتزوج، ولما أراد أن يزورها في آخر لحظة، قالت: اقترب مني يا أخي! فلما اقترب منها، قالت: حرمك الله الجنة كما حرمتني من الزواج، وفاضت روحها، فجعل يطرق الأبواب ماذا يعمل؟ أفتوني.. أفتوني؟ ولكن هيهات هيهات! فات الأوان يا عبد الله!

    ورجل أراد أن يكوي امرأة فيها مرض الجنب، فلما اقترب منها وإذا هي متقدمة في السن، قال: ارفعي ثديك إن كنت ترضعين ولدك، قالت: يا شيخ! أنا لم أتزوج إلى الآن، وحرم الله من حرمني من الزواج من الجنة.

    هكذا تدعي عليكم البنات والأخوات وأنتم لا تدرون يا مساكين! أنت أصبحت حياتك أنه إذا ظهر راتبها ذهبت لتأتي به من البنك، وما تدري ماذا تقول لك؟ لعلها تدعو عليك بكل درهم من هذه الدراهم دعوة، وأنت لا تدري يا مسكين!

    نعم والله، ما أديت حق الله فيها إذا كنت ربيتها وأدَّبتها فابحث عن زوج لها، لا تأخذ ما صرفته عليها.

    بعض الناس يقول: لماذا لا نأخذ من الراتب؟! نأخذ من راتبها وإذا استمتعنا خمس سنوات أو ست سنوات نزوجها، ثم يأتي إنسان يخطبها وقد صارت في السن متقدمة، فهل يقدم صاحب سن العشرين على أم الأربعين؟ لا والله. إلا إذا كان فيه نقص أو عيب ورده الناس فإنه عند ذلك يفرح ويتزوج بهذه.

    وإن كان البعض يقول: الرسول صلى الله عليه وسلم تزوج من خديجة وهي في الأربعين من عمرها وهو صلى الله عليه وسلم في الخامسة والعشرين من عمره نقول: صحيح. ولكن هل يوجد في زماننا هذا؟

    لا يوجد. تقول المرأة: أريد شاباً وقد تقدمت في السن، وإذا جاء رجل يريد أن يخطب ومعه امرأة، قالوا: لا نريد التعدد، لماذا؟ لأننا سمعنا في فلم أذيع في التلفاز أنه يحارب التعدد وأنه يجلب للزوج الجنون -مع الأسف الشديد- فقاتل الله أعداء الإسلام وأعداء المسلمين كما غزونا فكرياً، قاتلهم الله ثم قاتلهم الله.

    1.   

    تعسير الزواج سبب للفتن

    عباد الله: اتقوا الله عز وجل، يقول أبو بكر رضي الله عنه: [[أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى]] ويقول ابن مسعود رضي الله عنه: [[التمسوا الغنى في النكاح]] ويقول رسول الهدى صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة حقٌ على الله عونهم، ومنهم: الناكح يريد العفاف).

    وهذه: (امرأة أهدت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقبلها صلى الله عليه وسلم، وكان عنده رجل جالس، قال: زوجنيها يا رسول الله! قال: هل عندك شيء؟ قال: لا. قال: التمس ولو خاتماً من حديد قال: ولا خاتماً من حديد -فزوجه بتلك المرأة بأي شيء يا عباد الله؟!- فقال له: تعلمها ما معك من القرآن وهذا مهرها).

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفسادٌ كبير) أي فتنة أكبر من هذه يا عباد الله؟

    ففي هذا التوجيه القيم من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإنذار والتحذير من واقعنا المرير الذي وقع فيه الكثير من الناس، من التأخر في الزواج، ومن المتاجرة في الفتيات، والمباهات في المغالات في المهور، حتى أثقل كاهل الشباب، وتقاعسوا عن الزواج، وصار البعض من الشباب -اسمعوا هذه الفتنة، وهذا الشر الكبير، وهذا الفساد الكبير الذي خافه علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم- لا يفكر إلا أن يحصل على قليل من النقود، فيذهب خارج البلاد ليقضي وطره في تلك البلدان التي فيها الإباحية والزنا واللواط، وفيها مسارح العار والشر المستطير، ثم يرجع حاملاً معه كل فتنة وشر وهلم جرا.

    فلو تعاون الشباب وأولياء أمور الفتيات لكان ما ينفق في الفساد خارج البلاد فيه كفاية، أما إذا دام الوضع هكذا... الفتيات يحجر عليهن في البيوت، الأب يشترط ألا يزوجها حتى يأخذ قسطاً من راتبها، وهي في البيت، تمر عليها السنون تلو السنين، والشباب يتقلب على جمر نيران الشهوات، أتعبوا السيارات بالتفحيط، وأذهبوا أخلاقهم بما لا يرضي الله ولا رسوله، كل هذا من نار الشهوات التي ثارت في قلوبهم، وأنتم تعلمون ما فتح الله علينا من الدنيا، ومن هذه المأكولات التي تهيج الشباب، والتي تأجج نار الشهوة في الشباب، هذه المأكولات التي لم تمر على أسلافنا من قبل، ولمَّا كان أسلافنا -آباؤنا وأجدادنا- حياتهم دائماً تعب وهم يشتغلون، وطعامهم قليل، لا تراهم يفكرون في الفساد، ترى الرجل منهم يفرح بالساعة التي يرتاح فيها، أما نحن لما كثرت عندنا المأكولات والمشتهيات والفراغ والماديات صار الكثير من الشباب لا يهمه إلا ممارسة الفساد، كيف لا وهو يعيش بين أشرطة الفيديو والسينما والصور الخليعات والمجلات الماجنة؟

    التي طالما تمناها أعداء الإسلام لإفساد المجتمع المسلم، والتي يميتون بها القيم والآداب الإسلامية.

    هذه المسلسلات يحبذون بها حلق اللحية، يحبذون بها الخنفسة، يحبذون بها التختم بالذهب، وتعليق السلاسل في العنق وغيرها من العادات الآثمة التي تشن حربها على الآداب الإسلامية، وعلى الأخلاق الفاضلة، فمتى نستيقظ يا عباد الله؟! ومتى نرجع؟!

    ومتى نفكر أن أعداء الإسلام وأعداء المسلمين هم لنا أعداء، بما ينشرون وما يبثون وما يرسلون؟

    متى نستيقظ يا عباد الله؟!

    نستيقظ إذا رجعنا إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعلنا حلقاً نتذاكر فيها كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وسيرة السلف الصالح ، فإلى ذلك -يا عباد الله- والمسابقة المسـابقة.

    هداني الله وإياكم سواء السبيل، ووفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وجنبنا وإياكم ما يبغضه ويأباه، إنه على كل شيء قدير، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    البحث عن الزوجة الصالحة

    الحمد لله، أحمده سبحانه وأستعينه وأستهديه، وأستغفره وأتوب إليه، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    أيها الناس! اتقوا الله عز وجل، يقول رسول الهدى صلى الله عليه وسلم: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفسادٌ كبير) ويقول صلى الله عليه وسلم: (الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة) ويقول صلى الله عليه وسلم: (تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) ذات الدين! لا تطلب التلفاز والسينما والفيديو والخادمة.

    يا عبد الله! تشترط عليك بعض النساء إذا أردت أن تتزوجها، تقول: في بداية الأمر خادمة، أين نجعل الخادمة؟ في البيت، وأين أنتِ؟ تذهبين إلى العمل، ثم يبقى الزوج مع الخادمة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (ما خلا رجلٌ بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما).

    فعلينا -يا عباد الله- أن نتنبه لهذه النقاط التي أتانا الشيطان منها ونحن لا ندري.

    أوضح صلى الله عليه وسلم في الحديثين السابقين أن الذي يراعى فيه هو جانب الدين، امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم: (فاظفر بذات الدين تربت يداك) وقوله صلى الله عليه وسلم: (الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة) المرأة الصالحة التي تعينك على طاعة الله، تحفظك إذا غبت عنها، وتدوم عشرتها؛ لأنها إذا ذكرت وعد الله ووعيده ازدادت حباً لزوجها الدَّين المتمسك بدين الله، أما غير ذات الدين؛ فإنك تسمع منها كلاماً لا يرضي الله ولا رسوله، نسأل الله عز وجل أن يهب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، إنه على كل شيء قدير.

    1.   

    حرمة التبذير في الأعراس

    عباد الله: هناك مصيبة عظمى يرتكبها بعض الناس، وهي ما يوجد من الولائم التي تشبه الكثير من الناس فيها بالشياطين؛ لأن الله يقول: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً [الإسراء:27] ما هو الداعي -يا عبد الله- إلى أن تستأجر هذا الفندق لليلة الزواج؟ هل فعل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل فعل هذا أبو بكر الصديق؟ هل فعل ذلك عمر بن الخطاب؟ هل فعل ذلك عثمان بن عفان؟ هل فعل ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟ لا. ثم لا. ثم لا.

    إذاً: لأي شيء نرجع؟ نرجع إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور) اسمعوا يا عباد الله! الخطاب لكل مسلم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فيقول له صلى الله عليه وسلم: إياكم ومحدثات الأمور، فالذي يقع الآن كله -والله- من محدثات الأمور، ومن البدع التي يحاربها الإسلام.

    أيها المسلمون: إن أكثر الناس اليوم تشبهوا بالشياطين، وأسرفوا والله لا يحب المسرفين، فما هو الداعي أيها المسلم لعمل تلك الولائم الهائلة الضارة بالمتزوج؟ هل تعلمون من هو المستفيد من هذه الولائم؟ الجواب: هي الحفر في البر والقفار، وذلك واقع، أكثر الناس اليوم يسرفون ويبذرون ثم يحملونها لإلقائها في تلك الحفر، وربما وضعت في المزابل مع حفائظ الأطفال، هذا واقع المسلمين الآن، فلا حول ولا قوة إلا بالله!

    هل تدري -يا عبد الله- أن لك إخواناً يتمنون كسرة الخبز، يتمون التمرة التي طالما تمنوها وأنت تجعلها في القمائم مع الزبائل؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

    عباد الله: عاقبة التبذير والبذخ وخيمة وأليمة، ألا فلنتق الله عز وجل، ولنقتصد قبل أن يحل بنا ما حل بالمجاورين من زوال تلك النعم حتى صاروا بعد الشبع جياعاً، ورجعوا إلى ما كانوا يرمونه في براميل النظافة، رجعوا يأكلونه ولا حول ولا قوة إلا بالله! وأكلوا أشياء لا نذكرها، فكلكم تسمعون عنها وتقرءون في المجلات وغيرها وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل:33].

    اللهم إنا نعوذ بك من زوال النعمة، وتحول العافية، وفجاءة النقمة، اللهم اجعل هذا الاجتماع اجتماعاً مرحوما، وارزقنا التطبيق لما نسمع يا رب العالمين، اللهم ارزقنا التطبيق لما نسمع، فلعلنا نسمع في الأسبوع القادم -إن شاء الله- أن تكثر مناسبات الزواج، كل أب نصوح يبحث لابنته عن زوج صالح، فأسأل الله أن يحقق ذلك إنه على كل شيء قدير.

    عباد الله: صلوا على الناصح الأمين، امتثالاً لأمر رب العالمين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] ويقول صلى الله عليه وسلم: (من صلَّى علي صلاة صلَّى الله عليه بها عشراً) اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وأرض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.

    اللهم أيقظنا من رقداتنا حتى نحذوا حذوا سلفنا الصالح يا رب العالمين، وما ذلك على الله بعزيز، إنما علينا أن نرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلقد جاءني شاب يقول: أنا من زمن التاسعة في العمر، وأنا أستمع الأغاني حتى بلغت الثامنة عشر من عمري، وجعلت أستمع إلى أغانٍِ شيطانية أجنبية، حتى يقول: لا أعرف معناها، يقول: فصار يداخلني إذا سمعتها مثل القشعريرة حتى أني أبكي من سماع الغناء، أين هذا البكاء من سماع كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

    ولكن صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) فاتق الله أيها الأب! خاف الله وراقبه! فإغضابهم في الدنيا أهون من أن يغضبوا عليك أمام رب العالمين، كيف بك إذا تعلق بك الابن، وتعلقت بك البنت، وتعلقت بك الزوجة، يقولون: يا ربنا! ظلمنا رب البيت، يا ربنا! ظلمنا هذا، والابن والبنت والزوجة تقول: ظلمنا، فيقول: يا رب! ما ظلمت، كيف أظلمهم وهو الليل والنهار يكد عليهم ليجد لهم لقمة العيش؟

    فيقولون: لا. ولكنه رآنا على المنكر فلم ينهنا، ولم يأمرنا بالمعروف، فأعدوا لهذا السؤال جواباً، للجواب صواباً.

    فكروا يا عباد الله! اعمروا بيوتكم بطاعة الله، يقول رسول الهدى صلى الله عليه وسلم: (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، فإن الله جاعلٌ من صلاتكم في بيوتكم خيراً) ما هذا الخير؟ هو الاقتداء، يقتدي بك أهلك وأولادك، ولكن إذا كان البعض لا يصلي -والعياذ بالله- بعض الشباب الآن يقول: آباؤنا لا يصلون، فإنا لله وإنا إليه راجعون! بعض الأبناء يبكي لماذا تبكي أيها الابن؟ فيقول: أبي إذا رآني أصوم الإثنين والخميس يضربني، ويقول: افطر، حتى لا تكون موسوساً ولا مجنوناً.

    مع الأسف الشديد! أنت المجنون الذي تحارب هذه الفطرة، وهذا الخير الكثير، والله لو كانت الهداية تُشترى لاشتريناها ببعض طعامنا، ولكنها بيد الله عز وجل.

    أسأل الله بمنه وكرمه أن يهدي ضال المسلمين، اللهم اهد ضال المسلمين، اللهم أصلح شباب الإسلام والمسلمين، اللهم ثبتهم على قول الحق يا رب العالمين، وأجرنا -جميعاً- يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أجرنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنك على كل شئ قدير، اللهم أصلح أحوال المسلمين يا رب العالمين! اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين، اللهم قيظ لهم الجلساء الصالحين الناصحين، الذين يذكرونهم إذا نسوا، ويعينونهم إذا ذكروا يا رب العالمين، اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا، واجعلنا هداة مهتدين وتوفنا وأنت راضٍ عنا يا رب العالمين.

    عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا [النحل:90-91] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، وأشغلوا أنفسكم بذكر الله تحيا قلوبكم وتقربكم من الله، واشغلوها بالحمد والشكر والثناء على الله، فإن بالشكر تدوم النعم، وبكفرها تزول، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.