إسلام ويب

التقوىللشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المسلم بحاجة إلى التقوى أشد من حاجته إلى الماء والهواء، وأعظم فوائد التقوى هي محبة الله له؛ فمن أحبه الله أحبه الناس، وخير زاد يتزود به المسلم هو التقوى، والباقيات الصالحات كما يقول بعضهم هي اتباع الحسنة بالحسنة، وعلى المسلم إذا بدأ في عمل أن يستمر فيه ويحذر من النكوص عنه، وأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.

    1.   

    التقوى حقيقتها والحاجة إليها

    الحمد لله معز من أطاعه واتقاه، ومذل من خالف أمره وعصاه، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وإمامنا وقدوتنا محمداً عبد الله ورسوله، أفضل الأنبياء وأكرم الأتقياء صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من تبعهم إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فيا عباد الله: اتقوا الله، نعم -يا عباد الله- نسمع هذه الكلمة في كل خطبة وعيد وجمعة، اتقوا الله، اتقوا الله في السر والعلانية، اتقوا الله، فما خلقتم إلا لتقوى الله، وما أسدى عليكم من نعمة إلا لتستعينوا بها على تقواه.

    وحقيقة التقوى يا عباد الله هي: أن تجعلوا أنفسكم دائماً في وقاية من عذاب الله وعقابه، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فلا يراكم حيث نهاكم، ولا يفقدكم حيث أمركم.

    يروى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أنه قال: [[التقوى: هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد للرحيل]].

    أيها المسلمون: إننا لمحتاجون إلى التقوى أشد من احتياجنا إلى الماء والهواء، ولو لم تكن فائدتها إلا أنها تجلب محبة الله لكفى، ومن أحبه الله أحبه الناس، يقول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً [مريم:96] ويقول جلَّ وعلا: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة:4].

    وفي الحديث: (إن الله إذا أحب عبداً وضع له القبول في الأرض) فاتقوا الله -أيها الناس- فبالتقوى أوصى الله ورسوله، وجدير بالمسلم أن يعضَّ بالنواجذ على وصية الخالق المدبر جلَّ وعلا، ووصية خير البشرية محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131] ويقول عليه الصلاة والسلام: (اتق الله حيث ما كنت).

    نعم. يا عباد الله: بالتقوى ينجو الإنسان من الشدائد، وتندك أمامه العقبات، وتزول الشبهات، ويجعل الله له من كل همٍّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، وييسر له الرزق من حيث لا يحتسب.

    وذلك مصداق قول الله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3] وقال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً [الطلاق:4].

    عباد الله: بالتقوى ينضج عقل الإنسان، وتتكون عنده ملكة قوية، وبصيرة نيرة، تضيء له الطريق المظلمة، ويفرق بها بين الحق والباطل، وبين النافع والضار، بل وتكفر سيئاته، وتغفر ذنوبه يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [الأنفال:29] ويقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [الحديد:28].

    عباد الله: بالتقوى يأمن الإنسان إذا خاف الناس، ويُسر إذا حزنوا، ويستبشر إذا قنطوا ويأسوا: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [يونس:62-64] وبالتقوى تزداد علاقات الإنسان بربه، وينال الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:35].

    بالتقوى يطمئن المسلم على ذريته من بعده، ولا سيما ضعفائهم: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً [النساء:9].

    1.   

    خير الزاد التقوى

    إذا عرفنا فائدة التقوى، وما تؤول إليه من خير كثير، وعرفنا أننا لا محالة مسافرون عن هذه الدار. نعم يا -عباد الله- نحن مسافرون عن هذه الدار، ومقلعون عنها، ويوشك أن يؤذن لنا بالرحيل غداً أو بعده أو قبله عن هذه الدار، كلنا مسافرون، والكل منا يحتاج إلى تأمين راحته، فسفر الآخرة يحتاج إلى زاد واحد، وهو التقوى وأنعم به زاداً، نعم -يا عباد الله- أنعم به من زاد يكفل السعادة الأبدية، والطمأنينة الكاملة، والعيش الرغيد في جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين.

    لذا يا عباد الله: يعرف الإنسان أنه لا غنى له عن التقوى، التي بهها يتخلص من مآزق كثيرة في الدنيا والآخرة، ولاسيما عند الورود على النار، التي لا ينجو منها إلا المتقون، كذلك بالتقوى يكون الله معك، وينصرك، وتفوق عند الله وعند أوليائه أهل الحسب والنسب، مهما عُرفت أنسابهم، وشرفت مراكزهم، وإن كنت مولى الموالي، يقول الله سبحانه وتعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] ويقول عليه الصلاة والسلام: (لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى).

    ويقول بعض السلف رحمه الله: [[ما خرج عبد من ذل المعصية إلى عز التقوى، إلا أغناه الله بلا مال، وأعزه بلا عشيرة، وآناسه بلا أنيس]] فاتقوا الله عباد الله، فالتقوى جمال، والتقوى شفاء من الداء العضال، احرصوا أن تكون نفوسكم تقية، فلن يسعد عند الله إلا الأتقياء، وكل من عداهم فهو شقي، اتقوا الله فالتقوى خلف من كل شيء، ولا خلف في التقوى، اتقوا الله فهي أول عدة تعتدونها لأعدائكم وتفوقونهم بها، اتقوا الله في نفوسكم، وفي أهليكم، وفي أموالكم، وفي معاملاتكم، وفي أولادكم، وفي من تحت أيديكم، وفيما ائتمنتم عليه من مصالح المسلمين، وفي أرحامكم، وفي كل مجال من مجالاتكم العامة والخاصة، لتفوزوا برضى الله ورضوانه، بما فيه السعادة في الجنة.

    اللهم اجعل التقوى خير زاد لنا يا رب العالمين، اللهم اجعل التقوى خير زاد لنا، اللهم اجعل التقوى خير زاد لنا يا رب العالمين.

    اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، بارك الله ولي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وأقول قولي هذا وأستغفروا الله العظيم الجليل لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    المداومة على الطاعات

    الحمد لله الذي لا يتغير ولا يزول، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن اقتفى آثارهم إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله: اتقوا الله عَزَّ وَجَلّ وأكثروا من إتباع الحسنة بالحسنة، فوالله ما أجمل الطاعة إذا أُتبعت بطاعة، ولا أجمل من الحسنة تتلوها الحسنة بعدها، فتلكم الباقيات الصالحات، التي ندبكم إلى فعلها في محكم الآيات، يقول جلَّ وعلا: وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً [الكهف:46].

    فالله الله -يا عباد الله- بالإقبال على ما يرضي الله، فإنه وعد بالخير الكثير لمن أطاعه واتبع رضاه في كل زمان ومكان، فإنه هو الذي أخبر عن نفسه سبحانه وبحمده أنه مع المتقين والمحسنين في كل زمان، أليس هو الذي أخبر عنه رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا في رمضان وفي غير رمضان، ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر، ذلكم نزول حقيقي، يليق بجلاله وعظمته، فيقول سبحانه وبحمده: (هل من تائب فأتوب عليه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل من فأعطيه مسألته).

    عباد الله: ما هذا الانصراف، وما هذه الرغبة عن الله، الذي يحب من عباده المداومة على تقواه، فحذار يا من سمت نفوسهم في رمضان إلى درجات الصالحين، ونعمت وتلذذت لمناجات رب العالمين، وانخرطت في سلك الطائعين، حذار أن تهدموا ما بنيتم، وتبددوا ما جمعتم، حذار يا من كان في رمضان تقياً رحيماً أن تحول نفسك شيطاناً رجيماً، حذار فما أقبح النكوص على الأعقاب، والالتفات عن الله، بعد أن أقبلت عليه تائباً من ذلك، راغباً في رحمته، خائفاً من نقمته.

    حذار بعد أن كنت في عداد الطائعين وحزب الرحمن، وأسبل عليك لباس العفو والغفران أن تخلعه بالمعاصي، فإنها شهوة قصيرة عاجلة تعقبها حسرة دائمة ونار حامية، في يوم يجاء بجهنم، فتزفر على العصاة وتأخذهم الزبانية بلا رحمة ولا عطف، في يوم ينصب فيه ميزان الأعمال: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة:6-11].

    نار بعيد قعرها، شديد حرها، طعام أهلها طعام ينشب في الحلوق يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ [إبراهيم:17] نار لا يموت فيها ولا يحي، ولا يسمع ندائهم فيها ولا يجاب لهم دعاء، يغاثون بماء كالمهل يشوي الوجوه، بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف:29].

    فاتقوا الله -عباد الله- وواصلوا السير إلى الله، لعلكم تفوزون برضاه، وتكونوا من أهل الجنة التي لا يزول نعيمها، ولا يفنى شبابها، ولا تبلى ثيابها: فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ [الحاقة:22-23]. ويقال لأهلها: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24] وصلوا على رسول الله كما أمركم الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً) اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ونبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك كرمك وإحسانك يا رب العالمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم احم حوزة الدين، اللهم احم حوزة الدين، اللهم انصر عبادك الموحدين، اللهم انصر دينك وكتابك، اللهم اخذل من خذل دينك، اللهم انصر من نصر كتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، واخذل من خذل كتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.

    اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الدين من اليهود والمبشرين وأعوانهم والشيوعيين، اللهم أدر عليهم دوائر السوء، اللهم ارفع عنهم يدك وعافيتك، اللهم مزقهم كل ممزق، اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين، اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين، يا أرحم الراحمين.

    اللهم أصلح شباب الإسلام والمسلمين، اللهم أصلح شباب الإسلام والمسلمين، وردهم إليك رداً جميلاً، وخذ بنواصينا جميعاً إلى كل خير يا رب العالمين، واهدنا سبل الرشاد، اللهم اهدنا سبل الرشاد، اللهم أصلح إمام المسلمين، اللهم ارزقه الجلساء الصالحين، وارزقه البطانة الصالحة الناصحة.

    اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلهم قرة أعين لنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين وجنبنا وإياهم مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن يا رب العالمين.

    ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونَّ من الخاسرين، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن، وسوء الفتن ولا ننسى هذه الوصية، وصية رسول الله: (من صام رمضان فأتبعه بست من شوال؛ فكأنما صام الدهر) رواه مسلم.

    اللهم أعنا على أداء الطاعات، اللهم أعنا على أداء الطاعات، وجنبنا المنكرات يا رب العالمين، اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا [النحل:90-91].

    واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكره على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.