إسلام ويب

تفسير سورة الفاتحة - (7)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ثبت للفاتحة جملة أسماء منها: "أم القرآن" لكونها اشتملت على مقاصد القرآن، و"السبع المثاني" لأنها تثنى في الصلاة، و"الكافية" لأنها تكفي في الصلاة، وكان مما بُيّن في الفاتحة أننا أعطينا الله عهداً بأن نعبده وحده، ولا نشرك معه غيره، وأن ندعوه أن يهدينا طريق الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، فننعم بنعمة الإيمان والتوفيق.

    1.   

    تأملات في تفسير سورة الفاتحة

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على عهدنا بسورة الفاتحة، فتح الله لنا ولكم أبواب الخير والهدى، آمين.

    وإننا ما زلنا مع فاتحة الكتاب الكريم، القرآن العظيم، وهذا آخر درس نلقيه ونتلقاه عن تلك السورة العظيمة، ومن هنا إليكم خلاصة ما سبق أن درسنا وعلمنا والحمد لله ربنا على ذلك.

    من أسماء سورة الفاتحة: أم الكتاب وأم القرآن

    أولاً: سميت هذه السورة بالفاتحة؛ لأن الله تعالى افتتح بها كتابه، فهي أول سورة من سور القرآن الكريم، التي هي مائة وأربع عشرة سورة.

    وتسمى بأم الكتاب وبأم القرآن؛ لأن جميع ما في القرآن متفرع عنها كالأم، فحواء تفرعت عنها بلايين البشر، فشملت الفاتحة:

    أولاً: توحيد الله عز وجل في ألوهيته، إذ قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ [الفاتحة:2]، وربوبيته: رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، وأسمائه وصفاته: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3]، وفي هذا ثلث القرآن أو أكثر.

    ثم: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] إشارة إلى الجزاء الأخروي، وفي ذلك بيان للحشر، والنشر، والحساب، والجزاء في الجنة أو النار، والقرآن الكريم بين هذا وفصله، وضرب له الأمثال في آلاف الكلمات.

    ثم: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، جميع أنواع العبادات، كالصلاة والصيام، والزكاة، والحج، والجهاد وما إلى ذلك مبينة في القرآن الكريم.

    ثم: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7]. أي: القصص الذي حواه القرآن للعظة والعبرة، وقد اشتمل عليه مئات الآيات بل آلاف الكلمات.

    إذاً: لهذا سموها بأم الكتاب وأم القرآن. من سماها بهذا؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    من أسماء سورة الفاتحة: السبع المثاني

    تسمى سورة الفاتحة بالسبع المثاني؛ لأن آياتها سبع وتثنى في الصلاة، وآية بعد آية وطول الحياة؛ ولهذا قال تعالى من سورة الحجر: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر:87].

    وقد عرفتم أنها سبع آيات لا ثمان آيات ولا ست آيات، ومن زاد أو نقص كفر، ويكفي أن الله قال: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي [الحجر:87].

    ومن هنا علمنا أنها نزلت مرتين، مرة معها بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ [الفاتحة:1] فعدت آية، والآيات الست بعدها، ونزلت مرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بدون بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ [الفاتحة:1]، فكانت الآيات سبع.

    وإليكم بيان السبع بالبسملة أولاً: بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:1-7]. فهذه سبع بالبسملة.

    كما أنها نزلت بدونها: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ * غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:1-7]، فهذه سبع آيات.

    فمن قال كـالشافعي وتلامذته: الآيات سبع والبسملة هي الأولى، نقول له: أصبت؛ لأنها نزلت بـ بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ [الفاتحة:1].

    وإن قال مالك أو أبو حنيفة أو أحمد أو غيرهم من تلاميذهم: الآيات سبع، ولكن البسملة ليست سابعة، فشأنها كما في أوائل السور في القرآن، إلا ما كان من سورة التوبة، فإنها ما افتتحت ببسم الله الرحمن الرحيم، والآيات سبع بدونها، والسابعة هي: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، نقول له: أصبت، واتحدت أمة الإسلام، ومشت مواكب النور بلا خلاف.

    من أسماء سورة الفاتحة: الشافية

    سميت الفاتحة بالشافية؛ لأن اللديغ الذي لسعته العقرب كاد أن يموت، فجاء موكب من مواكب النبي صلى الله عليه وسلم فنزلوا بذلك الحي واستضافوا أهله، فشحوا، وضنوا عليهم، وفجأة جاءوا: إن سيد الحي قد لدغ هل فيكم من راق؟ من يرقي؟ قالوا: نعم، على أن تجعلوا لنا جعلاً؛ قطيعاً من الغنم، أربعين شاة، ووضع اللديغ بين يدي الصاحب الجليل، وأخذ يقرأ الفاتحة وينفث من ريقته الطاهرة على مكان اللدغة، وما زال يقرأ الفاتحة وينفث حتى قام الرجل كأنما نشط من عقال.

    من أسماء سورة الفاتحة: الكافية

    سميت الفاتحة بالكافية؛ لأنها تكفي في الصلاة، ولا يكفي عنها غيرها، فلو تقرأ البقرة كاملة في ركعة وبدون الفاتحة ما صحت صلاتك، بله لو تقرأ القرآن كله في صلاتك بدون الفاتحة صلاتك باطلة.

    إذاً: تكفي ولا يكفي غيرها عنها، ولهذا سميت بالكافية.

    من أسماء سورة الفاتحة: الصلاة

    سميت الفاتحة بالصلاة، تقول: هذا الرجل يقرأ الصلاة، وهذا يقرأ في الصلاة، كيف تفسر؟ وهل بينهما فرق أو لا؟ فقولك: يقرأ الصلاة، أي: يقرأ الفاتحة: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، وقولك: رأيته يقرأ في الصلاة، أي: الفاتحة يقرأ فيها والسورة.

    إذاً: سميت بالصلاة لأنها لا تصح إلا بها، تكفي ولا يكفي عنها غيرها.

    وهل تدرون من سماها الصلاة؟

    الله ربنا جل جلاله وعظم سلطانه هو الذي سماها بالصلاة، إذ أخبرنا أبو القاسم فداه أبي وأمي والعالم أجمع، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الله تعالى قال وقوله الحق: ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين، إذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال العبد: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3]، قال تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] قال الله: مجدني عبدي -هذا لله- وإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي -العبادة لي والاستعانة لعبدي-. وإذا قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7]، قال الله تعالى: هذا لبعدي ولعبدي ما سأل )، الله أكبر! هذا خير عظيم، والله لخير من ملء الأرض ذهباً.

    قسم الله تعالى الصلاة بيننا وبينه قسمين: قسم له وحده لا شريك له، وقسم لنا وحدنا لا شريك لنا، وقسم بيننا وبينه، فله العبادة الخالصة، ولنا العون منه على تلك العبادة.

    إذاً: سميت الفاتحة بالصلاة، سماها الله جل جلاله ومنزلها، نصفها لله ونصفها للعبد، إذا قيل لك ما هو الذي لله الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:2-4].

    وإن قيل لك: ما الذي بيننا وبين الله قسمين؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، العبادة لمن؟ له هو وحده. والاستعانة والعون لمن؟ لنا نحن؛ لأننا ما نستطيع أن ننهض بدون عونه تعالى.

    وإن قيل لك: وما الذي لنا وحدنا؟ الجواب: الهداية إلى الصراط المستقيم، لا صراط المغضوب عليهم ولا الضالين.

    عهد العبودية لله تعالى وما ينقضه

    عرفنا في الدرس الأخير أن من قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة:5] فقد أعطى عهداً لله تعالى، أي: عاهد الله ألا يعبد غيره، فأنت يا عبد الله تناجي ربك بين يديه قائلاً: إياك وحدك أعبد. ثم إنك لا تعبده وتعبد معه غيره، فتكون قد كذبت عليه، واستهزأت به، وسخرت منه.

    احذر يا عبد الله! أن تتخلى عن عبادته أو تشرك معه فيها غيره وسواه، احذر وقد عرفت؛ فلهذا إذا كنت جاهلاً كما كنا، وكنت تدعو غير الله، وتقول: يا ألله! يا سيدي فلان! وسمعت من يقول لك: انتبه! قد انتحرت، إنك عبدت مع الله غيره؛ لأن الدعاء هو العبادة، والدعاء مخها، ولا عبادة بدون دعاء، فمن دعا غير الله فقد أشرك والعياذ بالله.

    الغافلون يحلفون بغير الله، ويظنون أن هذا من الدين، وهم في ذلك غالطون جاهلون، وقد نقضوا عهدهم وكذبوا على ربهم لما قالوا: إِيَّاكَ [الفاتحة:5] وحدك، نَعْبُدُ [الفاتحة:5] ويحلف بغير الله؛ لأن الحلف بغير الله صرف عبادة لغير الله، والحلف يا معشر السامعين والسامعات! تعظيم للمحلوف به، وليس بالأمر الهين.

    أصل الحلف لا يكون إلا بمن هو عظيم، وأجل، وأخبر، وقدوس، ولهذا يحلف الناس به، فمن حلف بغير الله سواء حلف بالنبي أو بالكعبة أو بـعبد القادر أو بالطعام أو بالملح أو باليوم والساعة كما هي أيمان أهل الجاهلية، يحلفون بالطعام يقول: والطعام الذي أكلنا، يحلفون باليوم: وهذا اليوم، يحلفون بالكعبة، يحلفون بسيدي عبد القادر ، بالنبي.. هذه الأيمان كلها أيمان باطلة محرمة، والحالف بها قد أشرك في تعظيم الله مخلوقاً من مخلوقاته.

    قد يقول قائل: كيف عرفنا أن الحلف بغير الله شرك؟

    نقول له: هل درست السنة؟ هل قرأت جامع الترمذي ؟ قال: لا.

    إذاً: ارجع إلى الكتاب العظيم، والذي كأنه نبي في بيتك يتكلم، فسوف تجد قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من حلف بغير الله فقد أشرك أو كفر )، وهو حديث صحيح، وبعد هذا تقول: ما هناك حديث يقول: إن الحلف بغير الله شرك؟!

    وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم عاش ثلاثاً وعشرين سنة، وهو يدعو إلى ربه، والوحي ينزل عليه، فهل ثبت أن مرة من المرات حلف بغير الله؟ ثلاثاً وعشرين سنة وهو يحلف، هل قال: بحق سيدي إبراهيم؟ بحق خليل الرحمن؟ كانت يمينه: بالله، وتالله، واليمين المفضلة عنده: ( والذي نفس محمد بيده )، من هو الذي نفس محمد بيده؟ الله، إذ هو القائل من سورة الزمر: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [الزمر:42]، فأرواحنا بيد الله، وبمجرد ما تنام تفارقك روحك، ويعرج بها إلى الملكوت الأعلى، وإن كان القلب يخفق، والدماء تدور، وأنت تشخر وتظن أن روحك فيك، لا، هذه فقط محطة شغالة بأجهزتها، والروح في الملكوت الأعلى، إن شاء قبضها والله ما ترجع، ولن تجدك إلا ميتاً، وإن شاء أرسلها إلى أن تنتهي أيامك.

    معاشر المستمعين والمستمعات! الحلف بغير الله نقض للعهد الذي بيننا وبين الله.

    وهكذا كل أنواع العبادات من الصلاة إلى الزكاة، من الرباط إلى الجهاد، من الذكر إلى الدعاء، كل ما تعبدنا الله به صرفه إلى غير الله معناه نقض للعهد الذي بين العبد وبين الله، وهو يجدده كل يوم: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

    معرفة الله

    علينا أن نجتمع كل ليلة وطول الحياة في بيوت ربنا في مدننا وقرانا، نتعلم العلم، ونعرف محاب الله ومساخطه، وتترقى نفوسنا في الكمالات الروحية؛ حتى نتهيأ في ساعة ما للحاق بالمواكب الأربعة في الملكوت الأعلى، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69]، أما أن نكون كاليهود والنصارى والمشركين نهجر بيوت الله وكتابه ونوره، ونعيش في ظلام الشهوات والأهواء، وندعي أننا مؤمنون، فهذه دعوى لا تقبل، ولا تصح.

    وأكبر برهان وأقوى دليل أن ثلاثة أرباع المسلمين مشركون بالله تعالى وهم لا يشعرون، فهم ما درسوا، وما تعلموا، وما قرءوا كتاب الله، وما زاحموا العلماء كما زاحم جبريل رسول الله بركبتيه.

    كيف يعلمون؟ وكيف يعرفون؟ وأنى لهم أن يعرفوا محاب الله ومساخطه، أو كيف يتقون المساخط وينهضون بالتكاليف؟!

    إن العلة العظمى هي الجهل، فمن لم يعرف الله ما عبده.

    كيف نعرف ربنا معرفة تملأ قلوبنا بنوره، معرفة توجب لنا حبه والخشية منه، ونحن ما جلسنا يوماً نسأل ونتعرف على الله، كيف؟ حياة المسلمين كحياة الكافرين، يشتغلون في المصانع والمتاجر والمزارع و.. و.. وإذا دقت الساعة السادسة، ومالت الشمس إلى الغروب زحفوا إلى المقاهي والملاهي والملاعب، كأنهم غير مؤمنين، فنظام حياتنا غير نظام حياتهم، لكننا جرينا وراءهم وهبطنا أكثر من هبوطهم، فمتى نستيقظ؟ متى نعرف الطريق؟ ولعل من السامعين من يشك في هذه النظريات، هذه ما هي نظريات، هذه حقائق ثابتة علمية، فيوم أعرض المسلمون عن الوحي الإلهي، عن قال الله وقال رسوله، وابتعدوا عنه، إلى أين وصلوا؟ أما استعمروا، واستغلوا، وأهينوا، وذلوا وإلى اليوم؟ لكن أيام كانوا رجالاً ونساءً يقرءون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، والنور المحمدي يشع على ألسنتهم وفي سلوكهم ما فارقوا الكتاب والسنة، كيف كانوا؟ والله ما رأت الدنيا لهم مثيلاً قط منذ أن كان البشر في عزهم وطهرهم وكمالهم وسعادتهم في ثلاثة قرون كاملة؛ الصحابة وأولادهم وأولاد أولادهم؛ لأنهم كانوا هكذا: دقت ساعة نهاية العمل اقبلوا على ربهم في بيوته، يتلون كتابه، ويتدارسونه، ويتعلمون.

    منازل الذين أنعم الله عليهم

    قال تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7]، وهنا أسألكم: من هم الذين أنعم الله عليهم، حتى تقول: رب اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم؟ ويجب أن تعرف من هم هؤلاء؟ وحرام ألا نعرف هذا، ندعو الله أن يجعلنا في صراط قوم أنعم عليهم ونحن ما نعرفهم، من هم؟ النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، هؤلاء أين هم الآن؟ في الملكوت الأعلى، في دار السلام، أرواحهم في الجنة.

    ما من مؤمن صالح زكي النفس تخرج روحه إلا التحقت بهم، ونزلت منازلهم في هذه الحياة.

    إذاً: لما تقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] الذي هو الإسلام، صِرَاطَ [الفاتحة:7]، من؟ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7]، من هم يا رب؟! عرفناهم بتعريفك إيانا: النبيون، الصديقون، والشهداء، والصالحون.

    وهل نحن إن شاء الله صديقون؟ إن شاء الله. يجب أن نكون صديقين، يجب أن نكون صالحين، يجب أن نكون شهداء، لكن أنبياء؟ لا؛ لأن النبوة ختمت، فمن ادعى النبوة في يوم ما فقد كفر؛ لأنه كذب الله تعالى وكذب رسوله، والرسول يقول فيه الله تعالى: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40]، فلا مطمع أبداً في أن تكون نبياً، ولكن وجب أن تكون صديقاً، وشهيداً، وصالحاً في الصالحين.

    كيف نكون صديقين؟!

    الباب مفتوح والنور يتلألأ، اصدق في قولك وعملك واعتقادك، واطلب الصدق وتتبعه وتحرّه، فلا تزال كذلك حتى تعطى شهادة بأنك صديق.

    واسمعوا الرسول الكريم يقول صلى الله عليه وسلم: ( عليكم بالصدق )، الزموه وحافظوا عليه وعيشوا عليه، ( فإن الصدق يهدي إلى البر )، قطعاً يهدي صاحبه إلى ساحة الخير والبر، ( وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً )، هذه الجائزة، دكتوراه هذه، ماجستير، ليسانس، ماذا هذه يا عشاق الشهادات؟ يكتب عند الله صديقاً، أصبح في الموكب الثاني؛ النبيون أولاً، والصديقون ثانياً: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر:33].

    من منكم طامع؟ كلنا طامع، وكلنا راج، وكلنا نتحرى الصدق ليل نهار، حتى نكتب مع الصديقين.

    قلت قل الحق، اعتقدت اعتقد الحق، عملت اعمل في صدق، لا تغش ولا تضلل ولا تخدع، واطلب هذا طول حياتك، فسيأتي -والله- يوم وأنت صديق، ومن الجائز أن تكون من أول يوم، من يوم ما بلغت وما عرفت الكذب أنت صديق.

    الشهداء خمسة، لكن إما أن تستشهد في ساحة المعركة، وإما أن تنوي الشهادة وتطلبها، وتسأل الله أن يرزقك إياها، ولكن حافظ على مالك فلا تنفقه في الحرام، ولا تنفقه في البذخ والسرف؛ لأن هذه وديعة استودعكها الله، فمالك لله.

    وحافظ على بدنك، لا تدخل عليه عللاً وأسقاماً وأوجاعاً؛ لأنك متهيئ للجهاد، فيوم يقول إمام المسلمين: أموالكم، تدفع المال، يوم يقول: رجالكم، تتقدم بنفسك، فلا بد من هذه النية، واقرءوا إن شككتم: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة:111]، بعنا أو لا؟ قولوا: ما بعنا أو بعنا؟ بعنا، إذاً: أموالكم وأبدانكم لله عز وجل، فالمال حافظ عليه؛ فلا تبذره، لا تسرف فيه، إياك أن تنفقه ضد صاحبه، إن سجارة تحرقها خنت الله عز وجل في ماله، وهو بضاعة عندك ووديعة.

    وبدنك لا تدخل عليه ألماً ولا أذى ولا ضرراً أبداً، إذا دعا داعي الجهاد يجدك قادراً على أن تحمل السلاح وتقاتل، لقد بعت، وهي أمانة عندك، فإذا طلبها صاحبها تقول: مع الأسف ضاعت، كيف تضيع؟ إذا ضاعت بقضاء وقدر نعم هو يعذرك، إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ [التوبة:111]، الثمن ما هو؟ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ [التوبة:111]. إذاً: فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:111]، فلهذا المؤمنون من هذا النوع لا يدخلون على أبدانهم أذى ولا ضرراً أبداً، لا يأكلون السم، ولا يشربون حشيشاً، ولا خمراً ولا دخاناً، ولا يسهرون طول الليل ولا ولا.. يحافظون على أبدانهم؛ لأنها أمانة الله عندهم.

    أموالهم كثيرة أو قليلة ينفقونها على أنفسهم التي هي لله، ولا ينفقون فلساً واحداً في غير طلب الله ومرضاة الله، ولا يسرفون، ولا يبذخون، ولا يترفون أبداً؛ لأنها أموال لله، مودعة عندهم، باعوها من يوم أن قالوا: لا إله إلا الله محمداً رسول الله.

    معاشر المستمعين والمستمعات! هل المسلمون -وهم ألف مليون- عرفوا هذه الحقيقة؟ آه! والله ما عرفوا.

    إذاً: كيف تقام بهم الدولة الإسلامية، وترفع راية لا إله إلا الله في ديارهم وهم ما عرفوه؟

    من صرفهم عن المعرفة؟ العدو.

    من هذا العدو؟ الثالوث الأسود: اليهود، المجوس، النصارى.

    كيف عرفت يا شيخ أنهم العدو؟! عرفنا من يوم أن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وانتصر المسلمون في بدر، فاليهود في المدينة استشاطوا غيضاً، وأصابهم كرب وهم وغم، فأعلن بنو قينقاع تمردهم، فأجلاهم رسول الله، وأبعدهم إلى أذرعات ببلاد الشام.

    بنو النظير تآمروا على قتله والقضاء عليه، إنهاءً للإسلام، فأرسلوا عليه رحى طاحونة ونجاه الله، وأجلاهم.

    وبنو قريظة تآمروا مع الأحزاب، وأرادوا أن يضربوه.

    إذاً العدو الأول للإسلام الذي بدأ هو اليهود؛ لأنهم قالوا: إذا دخلنا في الإسلام إن انتهى وجود بني إسرائيل لا حلم في مملكة ولا دولة ولا حكم ولا.. أبداً انتهوا وذابوا في نور الإسلام.

    فإن قيل: لا. يا شيخ! هذه أوهام تقولها؟

    قلنا: أليسوا الآن قد كونوا دولة في فلسطين؟ أليس هذا من حلمهم، وتحقق يقيناً؟ قلناها قبل أن توجد، وما بعد وجودها بقي كلام، وما زالوا يحلمون بإعادة مملكة بني إسرائيل من النيل إلى الفرات.

    العدو الثاني: المجوس، ما إن سقط عرش كسرى في الدولة الساسانية المجوسية عبدة النار حتى تكوّن حزب يعمل في الظلام لضرب الإسلام، وأول رصاصة أطلقوها: أن قتلوا عمرنا في بيت ربنا، وفي روضة نبيا، قتله أبو لؤلؤة المجوسي.

    والنصارى: ما أن شعت نور الإسلام في غرب أوروبا وشمال أفريقيا حتى استشاطوا غيضاً وتآمروا، وبحثوا عمن يتعاونون معهم، فتعانقوا مع المجوس واليهود، فكونوا الثالوث، وهم الآن يعملون بانتظام.

    هل فهم المسلمون هذا؟

    يا شيخ! مشغولون بالبقلاوة، والوظائف، والمال، والمآكل، أنى لهم أن يعرفوا هذا؟ هذا الشيخ خيالي، خرافي يقول هذا الكلام.

    إذاً: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7]، عرفنا من هم. اللهم إننا على طريقهم، وفي سبيلهم سائرون، فلا تحرمنا لقاءهم يا رب العالمين!

    النعم التي أنعم الله بها على عباده

    ما هذه النعم التي أنعم الله بها عليهم، هل هي مال .. ذرية .. دولة .. شرف؟ ما هذه النعمة التي أنعم الله بها عليهم؟ ما أنت تقول: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7]، لو قيل لك: بم أنعم عليهم؟ بساتين .. مصانع .. أموال .. زوجات صالحات؟!

    أنعم عليهم بما يلي:

    أولاً: نعمة الإيمان، وهي أعلى نعمة وأغلاها وأسماها، وعرفنا أنها توهب، عطية الله، ولن تستطع أن تؤمن إذا لم يرد الله أن يدخل الإيمان في قلبك، وكم من حكماء وفلاسفة وعلماء في الكون والذرة ما آمنوا، وما وهبهم الله ذلك.

    ثانياً: نعمة معرفة الله عز وجل، وهذه النعمة توهب، فهل إذا كنت نائماً ستصبح عالماً؟ إنها -والله- لتطلب بالكد والجد والسعي، وقد رحل طلابها -والله- من غرب أوروبا إلى هذه المدينة، سنة وهم في طريقهم، ويجلسون بين يدي مالك والشيخ ربيعة وفلان يتلقون أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحدنا لا يستطيع أن يغلق باب الدكان بين المغرب والعشاء، فمن أين لك أن تعرف الله وكيف تعرف محابه ومساخطه؟! والذي لا يعرف محاب الله ومساخطه كيف يعرف الله؟ والذي لا يعرف الله ولا ما يحب ولا ما يكره مستحيل أن يكون من المؤمنين، أبداً ما يمكن؛ لأن معرفة الله تثمر وتنتج طاقة، وهذه الطاقة التي تنتجها هي حبه تعالى، فيصبح العبد يحب الله أكثر من أمه، تعرفون الأم أو لا؟ تريد أن تدخلها في جوفك لكن الله أحب إليك، فضلاً عن الولد والمال، حب الله يجعلك إذا طلب يهون أمامك كل طلب، ما دام الله قد طلب الشيء تبادر إليه، ويثمر لك الخوف منه، فلا تخاف سلطاناً ولا شيطاناً ولا جاناً ولا إنساناً، ولا موتاً ولا ولا .. لا تخاف إلا الله.

    إذاً: هذه المعرفة معرفة الله تعالى، ومعرفة محابه ومساخطه تنتج لك شيئين عظيمين: حبه والخوف منه، والدليل قال تعالى من سورة فاطر: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، احفظوا يا عوام مثلي! لم ما ننطق ونحفظ: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ [فاطر:28]، من؟ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، لا تشك في هذا، فالخشية مقصورة عليهم، وهم أهلها، والذين ما علموا الله ولا عرفوه لا يخشونه، ودعواهم الخشية كذب وباطل، ويمتحنون فتظهر عيوبهم، ولابد من العلم فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19]، من الآمر (فَاعْلَمْ)، من المأمور؟ الله الآمر، والرسول المأمور، ونحن أتباعه، كيف نعلم؟ بالأدلة، بالبراهين، بطلب العلم؛ حتى تعرف أنه لا إله إلا الله.

    ثالثاً: نعمة معرفة ما يحب الله وما يكره من الاعتقاد والقول والعمل، وهذه تطلب ولا توهب، فلابد من السفر على أقصى الشرق والغرب، لابد من السهر، ولابد من قرع أبواب العلماء، لابد من مزاحمتهم، وعندنا مثل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقص على أولاد الصحابة بعد موتهم يقول لهم: كنت آتي إلى بيت أبي بكر أو عمر أو عثمان أو فلان وأجلس عند الباب أنتظر متى يخرج، فيغلبني النوم، فأنام على العتبة، وتأتي الرياح فتذروا التراب في وجهي، ما أستطيع أن أقرع الباب وأقول: يا عمر أسألك أو يا علي ، بل أنتظر خروجه، ونحن الآن سنة نبكي ندعو يا عباد الله! والله ما ينقذكم من وهدتكم هذه إلا العودة الصحيحة إلى الله، فاجتمعوا في بيوت ربكم بنسائكم وأطفالكم ورجالكم فقط من المغرب إلى العشاء وادرسوا كتاب الله وهدي رسول الله تتحد قلوبكم ووجهات نظركم، وتعرفون ربكم، وتتلاقون على حبه ولقائه.

    ما نستطيع يا شيخ! ما نقدر.. هذا هو الفشل، آه!

    كيف نعرف ما يحب الله من الاعتقادات، والأقوال، والأعمال، والصفات، والذوات إذا لم ندرس ونتعلم يومياً طول حياتنا، ما قلنا: أوقفوا المزارع ولا المصانع، ولا المتاجر ولا ولا ولا.. قلنا فقط: كما أن اليهود والنصارى إذا انتهى العمل الدنيوي أقبلوا على المراقص والمقاصف والملاهي، فأقبلوا أنتم على بيوت ربكم، احملوا نساءكم وأطفالكم وضعوهم في بيت الله، وابكوا معهم بين يدي الله.

    ما نستطيع؟ إذاً: ابقوا على الخلاف، والتناحر، والتطاحن، والفتن، تنتقل من بلد إلى بلد، والدماء، والبكاء، والأحزان، لا إله إلا الله، هل من منقذ؟ لا أحد إلا الله، الله قال: ما يريدون.

    رابعاً: نعمة التوفيق، فقد تعلم وتحرم التوفيق؛ لأنك ما طلبته، فتعلم المحاب ولا تأتيها، وتعرف المكاره وتأتيها، لأن التوفيق غير موجود، وسبب ذلك أنك ما صدقت الله عز وجل، فلابد من أن تتضرع كل ساعة، وكل ليلة وأنت في العبادة، وتسأل الله الثبات عليها، والتوفيق لما لا تعلم منها.

    هذه أربع نعم، أنعم الله بها عليهم، ونحن كذلك إن شاء الله منهم.

    التحذير من سلوك طريق المغضوب عليهم والضالين

    قال تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ [الفاتحة:7] أي: غير صراط المغضوب عليهم، وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، عرفنا أن اليهود مغضوب عليهم، وعرفنا أن كل من عرف ما يحب الله وما يكره، وتعمد ترك المحبوب لله، وتعمد فعل المكروه -والله- لمغضوب عليه كاليهود.

    وعرفنا أن من الضالين النصارى، فقلنا: كل من يعبد الله بالبدع، والخرافات، والضلالات، ويعبد الله بغير الكتاب والسنة، والله إنه لضال في الضالين كالنصارى، إذ نحن ما عندنا قول أو حركة إلا على نور الكتاب والسنة، كيف نعبد الله بعبادات ما شرعها، وندعي أنها تزكينا وتطهرنا، وتجعلنا في مواكب الصالحين.

    1.   

    تنبيهان متعلقة بسورة الفاتحة

    التنبيه الأول: كلمة آمين ليست من الفاتحة واستحباب مد الصوت والجهر بها

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم في آخر السورة: [تنبيه أول: كلمة آمين ليست من الفاتحة. ويستحب أن يقولها الإمام إذا قرأ الفاتحة يمد بها صوته -آمين- ويقولها المأموم، والمنفرد كذلك لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إذا أمن الإمام فأمنوا أي: قولوا: آمين )]، إذا قال: آمين قولوا أنتم: آمين، ( فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه )، فهذه الجائزة أخذناها إن شاء الله، إذ كيف خمسون عاماً وأنت تصلي ولا تأخذها؟ لابد في يوم توافق، فإذا قال الإمام: آمين قالت الملائكة: آمين، فمن قالها ووافق تأمينه تأمين الملائكة أخذ جائزة بمغفرة ذنبه.

    قال: [بمعنى: اللهم استجب دعاءنا. ويستحب الجهر بها؛ لحديث ابن ماجه : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، قال: آمين حتى يسمعها أهل الصف الأول، فيرتج بها المسجد ) ]، ونبهت إلى فعل بعض الغافلين والشبان حيث يرفعون بها أصواتهم رفعاً منكراً، وبعضهم يفعل هذا عناداً، وهذا خطأ، فهي دعاء، والدعاء يحتاج إلى الخضوع، يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا [السجدة:16].

    إذاً: نقول: آمين، ولا نقولها في أنفسنا، فهي غلطة غلطها بعض أهل المذاهب، ولا نقول، المتعنترين: (آآمين)، وإنما دعاء رقيق الصوت، رخيم النغم: آمين، المسجد بكامله يرتج بصوت واحد.

    التنبيه الثاني: قراءة الفاتحة واجبة في كل ركعة

    قال: [تنبيه ثان: قراءة الفاتحة واجبة في كل ركعة من الصلاة، أما المنفرد والإمام فلا خلاف في ذلك، وأما المأموم فإن الجمهور من الفقهاء على أنه يسن له قراءتها في السرية دون الجهرية، ويكون مخصصاً لعموم حديث: ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )]. وصلى الله على نبينا محمد.