إسلام ويب

من آثار الذنوب والمعاصيللشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الذنوب والمعاصي إذا انتشرت وعمت في هذه الأمة، ولم يردعها رادع غار الله جل وعلا من فوق سبع سماوات، وأنزل عقابه الأليم وسخطه الشديد على عباده لتماديهم في ارتكاب المنكرات.

    وفي هذه المادة تحذير من الذنوب والمعاصي وبيان أنواعها وتأثيرها على الأمة في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

    1.   

    المعصية الأولى: الشرك بالله

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، ترك أمته على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

    فأكثروا عليه من الصلاة والتسليم امتثالاً لأمر الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    أيها الإخوة في الله: حياكم الله في بيت من بيوت الله، أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً.

    اللهم لا تجعل منا ولا فينا ولا من بيننا شقياً ولا محروماً يا رب العالمين.

    إخواني في الله: إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    إخواني في الله: الموضوع كما علمتم هو: (التحذير من آثار الذنوب والمعاصي).

    الذنوب والمعاصي -أيها الإخوة في الله- لها تأثير على الأبدان، ولها تأثير على القلوب، ولها تأثير على الأرض في نقص البركـات، وغور المياه، وحلول الأمراض المستعصية التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فإذا حصلت الذنوب والمعاصي وانتشرت، فإنها تحل أمراض مستعصية تستعصي على الأطباء، فلا يوجد لها علاج، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حصل -والله- ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فأول ذنب، بل أعظم ذنب عُصي الله به في أرضه هو الشرك يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، الشرك الذي من ارتكبه لا يغفر الله له ذنوبه إلا أن يتوب توبة نصوحاً، وإن مات من غير توبة فإنه مخلد في النار والعياذ بالله، يقول الله جل وعلا لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65].

    والرسول صلى الله عليه وسلم يقول محذراً من الشرك: (من مات وهو يشرك بالله شيئاً دخل النار) نعوذ بالله من النار.

    إذاً: يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم! الله جل جلاله ما خلق الخلق إلا ليعبدوه، كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].

    ومعنى يعبدون أي: يوحدون، والعبادة هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فمن صرف منها شيئاً لغير الله فهو مشرك كافر -والعياذ بالله نسأل الله العفو والعافية- مثل: دعاء الأموات، والتوسل بالأموات، والطواف بالقبور، والنذور لأهل القبور، وصب العسل والسمن على القبور، وطلب الحاجات، وطلب تفريج الكربات، وطلب شفاء الأمراض من أهل القبور، هذا شرك؛ لأنه صرف شيئاً من أنواع العبادة لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى.

    فالله هو الذي يشفي المرضى، ويقضي الحاجات، ويفرج الكربات، ويغيث اللهفات، ويحيل الشدائد والبليات.

    لذلك يقول إبراهيم خليل الرحمن كما حكى الله عنه لما كسَّر الأصنام، ووثبوا عليه ليُحرقوه في النار: حسبي الله ونعم الوكيل، وفوض أمره لله الواحد القهار، وتبرأ من أولئك، قال الله جل وعلا مخبراً عنه: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ [الشعراء:77-81]. آمنا بالله وعليه توكلنا.

    الله جل جلاله الذي قال: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام:162-163] سبحانه وبحمده!

    ورسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لنا مثلاً في هذا، وكذلك الأنبياء والمرسلين، والله جل وعلا طلب من أممهم أن يقتدوا بهم لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21].

    إخواني في الله: نحن ولله الحمد والمنة لا يوجد بين أظهرنا قبور يُطاف بها، ولا يُتوسل بها، ولا يُذبح لها، ولا يُنذر لها، إنما هذا يوجد إذا خرج الإنسان من هذه البلاد، نسأل الله أن يحرسها بعينه التي لا تنام، وأن يحفظها من كيد الأعداء، إنه على كل شيء قدير.

    فإذا خرج إنسانٌ من هذه البلاد وجد أناساً يصلون في المسجد، ثم لم يلبثوا قليلاً إلا وقد انصرفوا يميناً أو شمالاً إلى بعض القبور، فتجدهم يطوفون بها، وقد يدعون أهلها ويتوسلون بهم، ويطلبون منهم الغوث والمدد إلى غير ذلك.

    فهذا لا يوجد في بلادنا -نحمد الله ونشكره- لكن الذي يوجد في بلادنا يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم هو أيضاً خطر على العقيدة، وهو إتيان الكهان والعرافين والمنجمين والمشعوذين، وهذا فيه خطر على التوحيد؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى كاهناً فسأله عن شيء فصدَّقه لم تُقبل له صلاة أربعين يوماً) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    وأيضاً يُروى عنه أنه قال: (من أتى كاهناً فسأله عن شيء فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد) نسأل الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.

    يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم! إن بعض الناس إذا تأخر عليه النسل أو الأولاد يذهب إلى أولئك -والعياذ بالله-.

    يطلب منهم أن يُرزق أولاداً، وهذا بيد الله عزَّ وجلَّ، وليس بيد أحد من الناس، ولكن ماذا يقولون له نسأل الله العافية؟

    يقولون له: إذا كنت تريد الأولاد فأتِ بشاة سوداء أو عنـز سوداء، وتذبحها ولا تذكر اسم الله عليها، إنا لله وإنا عليه راجعون، اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا.

    وقد والله فعل هذا أناس في بلاد التوحيد يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، دجَّل عليهم أولئك المشعوذين، فذبحوا للجن والشياطين, والرسول صلى الله عليه وسلم أخبر عنهم وقال: (لعن الله من ذبح لغير الله).

    ثم إن ذبح لغير الله ومات على هذه الحال ولم يتب إلى الله، فإنه يكون مخلد في النار، لماذا؟ لأنه صرف نوعاً من أنواع العبادة لغير الله جل وعلا، وقد سمعنا قول الله: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام:162-163].

    أيضاً: هناك أناس إذا أصيبوا بأمراض نفسانية، والأمراض النفسانية يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا تحصل إلا لمن أعرض عن الله، وابتعد عن طاعة الله، وغفل عن ذكر الله، فإن الشياطين تشن عليه الغارة، تهجم عليه والعياذ بالله، فعند ذلك يضيق من نفسه، حتى من أهله وأولاده، وعند ذلك يبحث عمن يصف له العلاج، ولو أنه التجأ إلى الله عزَّ وجلَّ وتاب ورجع إلى الله لتاب الله عليه، وجعل له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية؛ لأن الله لا يخلف الميعاد، قال سبحانه: ومَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3] ولكنه -والعياذ بالله- يلتجئ إلى أولئك الكهنة والعرافين والمنجمين والمشعوذين، فعند ذلك يُدَجلون عليه، وأول دجلهم أن يقول أحدهم: ائتني بطاقيتك أو فانيلتك، أو ما اسم أمك؟ وما اسم أبيك؟ ثم لماذا تسأل عن هذه الأشياء؟ إذا قال لك هذه الأشياء، فاعرف أنه من الكهنة الدجالين المشعوذين، ابتعد عنه يا عبد الله، تُب إلى الله، وارجع إلى الله، حتى إذا أتتك المنية فأنت تائب راجع منيب إلى الله عزَّ وجلَّ.

    الرسول صلى الله عليه وسلم ترك أمته على المحجة بيضاء نقية، وأخبرهم بأدعية وأذكار، يقولونها في كل حال من أحوالهم، حتى إذا فقد الإنسان شيئاً من أمواله يقول: اللهم رب الضالة، رد الضالة، اللهم رب الضالة، رد الضالة. ولكن هناك أناس غفلوا عن الرب جل جلاله، غفلوا عن الله سبحانه وتعالى، فبمجرد ما يفقد شيئاً من أمواله يذهب إلى أولئك المشعوذين الدجاجلة فيدجلون عليه، كما دجلوا على مَن سَلَفَ مِن قبله، أسأل الله أن يحفظنا وإياكم بحفظه، إنه على كل شيء قدير.

    أيها الإخوة في الله: إن أعظم ذنب عُصي اللهُ به في الأرض هو الشرك والعياذ بالله، فالحذر الحذر يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الشرك وأهل الشرك.

    1.   

    المعصية الثانية: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    إخواني في الله: من الأمور التي عُصي الله بها: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا أمر خطير جداً يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن البعض من الناس يظن أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاص برجال الحسبة ورجال الهيئة وهذا خطأ، وظن خاطئ؛ لأن الله جل وعلا قال: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] فمن أراد هذه الخيرية، فما عليه إلا أن يلتزم بما وعد الله به سبحانه وتعالى، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أخبر عن درجات تغيير المنكر، قال صلى الله عليه وسلم يخاطب الأمة جميعاً: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) نقول: التغيير باليد لولاة الأمور، ولمن ولاهم ولي الأمر، مثل رجال الحسبة، أما التغيير باللسان، فكل إنسان -ولله الحمد- يستطيع أن يغير بلسانه.

    أيضاً يستطيع الإنسان تغيير المنكر في بيته على أهله وأولاده إذا رأى منهم منكراً؛ لأن له السيطرة على أهله وأولاده؛ ولأنه مسئول عنهم أمام الله جل جلاله، كما أخبرنا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أن قال: (كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته) الله أكبر!

    إخواني في الله: استمعوا إلى هذا الحديث، واستمعوا له بقلوبكم قبل أن يدخل آذانكم؛ لأن هذا الحديث -والله- إذا تمعن به المؤمن وجد أن الأمر جد عظيم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فاسمع إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راعٍ ومسئول عن رعيته، والرجل راعٍ ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، ومسئولة عن رعيتها... -إلى أن قال صلى الله عليه وسلم-: ألا فكلكم راعٍ، ومسئول عن رعيته) ثم تمعن معاني الحديث، وتذكر: (كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته) فكر يا عبد الله! من الذي سوف يسألك؟ ومتى يكون هذا السؤال؟

    أما الذي سوف يسألك: فإنه الله جل جلاله.

    وأما زمان السؤال: فإنه سوف يكون على أرض القيامة.

    فماذا أعددتَ للسؤال من جواب يا عبد الله! إذا قامت الزوجة تخاصمك بين الله، بأنك رأيتها على منكر ولم تنهها عنه ولم تأمرها بالمعروف؟

    ما هو الجواب إذا وقف الابن يخاصمك بين يدي الله؛ لأنك رأيته على منكر، بل ربما أتيت له بالمنكر في قعر بيته ولم تأمره بالمعروف؟

    ما هو الجواب إذا وقفت البُنيَّة بين يدي الله عزَّ وجلَّ تخاصمك؛ لأنك أدخلت عليها المنكرات أو رأيتها تعمل المنكرات ولمن تنهها ولم تأمرها بالمعروف؟

    ما هو الجواب بين يدي الله عزَّ وجلَّ؟ وربنا جل وعلا يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] ما هو الجواب بين يدي الله عزَّ وجلَّ؟

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا : انظر الخطاب، النداء لأهل الإيمان ليس لليهود ولا للنصارى ولا لغيرهم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يقول ابن مسعود: [[إذا سمعتَ الله يقول: يا أيها الذين آمنوا، فأصغِِ لها سمعك، فهو إما خيراً تُدعى إليه، وإما شراً تُحذَّر منه]] فالله جل وعلا يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً بماذا نقي أنفسنا وأهلينا من هذه النار؟

    بماذا نقيها؟ أبتوسيع الفلل؟ أم بتشييد القصور؟ أم بكثرة المأكولات والمشروبات والملبوسات؟ هذه كلها من ضروريات الحياة يا مسكين، والحياة الدنيا لا بد لها من زوال، لا بد لها من دمار، ولكن تقي نفسك وأهلك من نار جهنم، تقيها بما يُرضي الله جل وعلا وبالأعمال الصالحة، تأمر أهلك بالمعروف، وتنهاهم عن المنكر، وتوجههم التوجيه السليم، وتراقب ذهابهم وإيابهم، وأين يذهبون؟ وبمن يجتمعون؟

    حال بعض الناس مع إنكار المنكرات

    مع الأسف الشديد: انظر الآن إلى أحوال الكثير من الناس -اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردناً إليك رداً جميلاً- تجد بعضهم الآن في غفلة وإعراض، الزوجة تذهب مع سيارة الأجرة، ولا يدري أين تذهب، أو ربما أتى لها بسائق وربطه عند البيت، وقال لهذا السائق: افعل ما تشاء، فيذهب بالزوجة والبنات إلى الأسواق، وإلى المدارس، وإلى المستشفيات، والرجل أين هو؟

    الرجل مشغول بدنياه، وهل هذا يُعذر بين يدي الله عزَّ وجل؟ لا. والله لا يُعذر؛ لأنه عصى الله، وعصى رسوله صلى الله عليه وسلم.

    أولاً: أن الله جل وعلا قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً [التحريم:6] فترك هذا الرجل هذه الآية، وضرب بهذا القول عرض الحائط.

    ثانياً: اسمع حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: {لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم} فقال: هذا السائق أجْوَدِي، مُتَخَيَّر من تلك البلاد البعيدة، هذا وجه إنسان مِحْذاق، الله أكبر! أمَخْصِيٌّ هو يا مسكين؟ لا. وأيضاً له شهوة أشد منك؛ لأنك أنت بين أهلك وأولادك، أما هو فله ثلاث سنوات أو سنتين وهو بعيد عن أهله، أين تذهب هذه الشهوة يا مسكين؟ ولكن قل بين يدي الله عزَّ وجلَّ: هذا والله أجْوَدِي، ابن حلال، مُتَخَيَّر من تلك البلاد. الله أكبر! لماذا ما قال أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والصحابة أجمعين، لماذا لم يقولوا هذا الكلام بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم؟

    الرسول يخاطب الصحابة، أبر الأمة قلوباً وأزكاها، وأكثرها علماً رضي الله عنهم وأرضاهم يـخاطبهم الرسول ويتحـدث بين أيديهم ويقول: {لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم}.

    ويقول: {لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم}.

    ويقول صلى الله عليه وسلم: {ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما}.

    فبعض الناس ضرب بأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم عرض الحائط، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    علامَ يدل هذا يا عباد الله؟ هذا يدل على أن الناس انهمكوا في حب الدنيا، وهذا الذي حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أن قال: {ما الفقر أخشى عليكم} ولكن خشي علينا صلى الله عليه وسلم مما يُفتح علينا من زهرة الحياة الدنيا، فننهمك في الدنيا، ونغفل عن أنفسنا، وعن أهلنا، وعن أولادنا، حتى إن البعض من الناس لحبه للدنيا صار يبارز الله بالمحاربة، ولا يبالي والعياذ بالله.

    فمتى نستيقظ يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟

    إذا حُملنا إلى القبور؟ أم إذا صفَّت علينا اللبنات؟

    متى نستيقظ يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟ إذا وقفنا للعرض على جبار الأرض والسماوات؟

    متى نستيقظ يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟ اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً.

    إخواني في الله: المسئولية عظيمة بين يدي الله عزَّ وجلَّ.

    وأيضاً: أكرر وأقول: اسمع إلى حديث الرسول، مرة ثانية وثالثة ورابعة، لعل شجرة الإيمان أن تنمو في قلبك وتعظم شعائر الله، يقول صلى الله عليه وسلم: {كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته}.

    ثم أيضاً: أقول لك مرة أخرى: تذكر من الذي سوف يلقي السؤال، ومتى يكون السؤال؟

    أما الذي سوف يلقي عليك السؤال: فهو الله جل جلاله.

    ووقت السؤال: هو يوم القيامة.

    قال الله تعالى: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89].

    مراتب إنكار المنكر

    أمة محمد صلى الله عليه وسلم: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عده بعض العلماء ركناً سادساً من أركان الإسلام، فأقول لكم: لما قلنا: { من رأى منكم منكراً فليغيره بيده } أن الرجل له سلطة على أهله وأولاده، فله أن يغير؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع} هذه من إرشادات الرسول صلى الله عليه وسلم.

    فإذا لم نستطع باليد، فإننا ننتقل إلى اللسان، واللسان -لله الحمد والمنة- كلٌ منا يستطيع بلسانه.

    أقول لأهل الدكاكين: يا أهل الدكاكين! اتقوا الله عزَّ وجلَّ، إذا رأيتم امرأة متبرجة قولوا لها: يا أمة الله! اتقي الله، تَسَتَّري. فكونوا عوناً لرجال الهيئة.

    نعم أيها الإخوة في الله: إذا رأيتم إنساناً يعاكس النساء، فقفوا في وجهه، وقولوا له: اتق الله فإن لك محارم، هل ترضى لأحدٍ أن يعاكس أمك أو زوجتك أو أختك أو ابنتك؟ فإن كان فيه غيرة، فإنه يخجل ويبتعد عن هذا الفعل السيء، وإذا لم يكن فيه غيرة -والعياذ بالله- فنتصل برجال الهيئة، ونكون لهم عوناً على ذلك حتى يَنْكَفَّ الشر والفساد، ويُقضى عليه، أما إذا تُرك الحبل على الغارب، وأصبحنا نتهاون في الأمر فإن الشر يستطير والعياذ بالله، فإذا حصلت المداهنة، فما الذي يحصل؟ يحصل والله العار والشر العظيم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

    عاقبة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    أخبر ربنا جل وعلا عن بني إسرائيل أنهم لما تركوا هذا الأمر، وتهاونوا فيه، ما الذي حل بهم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟

    قال الله جل وعلا: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [المائدة:78] لماذا لُعنوا؟ يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟

    اسمع: ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78-79].

    إذا حصلت المداهنة يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وترك الحبل على الغارب لأهل المعاصي ينشرون معاصيهم، ويبدون سيئاتهم ومعايبهم ومثالبهم عياناً بياناً، فما الذي يحصل؟ تحل اللعنة بدل الرحمة ولا حول لا قوة إلا بالله.

    يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { كان فيمن قبلكم إذا عمل العامل فيهم بالخطيئة جاءه الناهي تعذيراً، فقال: يا هذا اتق الله، فإذا كان من الغد جالسه وآكله وشاربه، كما يراه على خطيئته بالأمس، فلما رأى الله عزَّ وجلَّ ذلك منهم، ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ثم لعنهم على لسان نبيهم داوُد وعيسى بن مريم ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [المائدة:78] }.

    وكما يُروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أنه كان صلى الله عليه وسلم متكئاً فجلس، وقال صلى الله عليه وسلم: والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطراً، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم} إذا حلت اللعنة يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإن الرحمة تُرفع ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ لأن اللعن هو: الطرد والإبعاد عن رحمة الله.

    فنقول لأهل الدكاكين: اتقوا الله عزَّ وجلَّ، ومروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، وتعاونوا مع رجال الهيئة على إزالة المنكر. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه.

    إخواني في الله: نحن والله على خطر خاصة في هذه السنين القليلة التي كثرت فيها آلات اللهو، وكثر فيه تبرج النساء وسفورهن، وكثرت فيه المخدرات والمسكرات، وظهرت فيه القَينات -أي: الأغاني- وكثر فيه قطيعة الرحم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لذلك اسمع هذا الحديث الذي يُروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يبيت قوم من هذه الأمة على طعم وشرب ولهو ولعب فيصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازير،...} اللهم سلِّم سلِّم، يصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازير!

    قال بعض العلماء: إذا لم يُمسخوا حسياً مُسخوا معنوياً، إذا لم يُمسخ جسمُه مُسخ قلبه، صار قلبه كالخنـزير أو كالقرد -والعياذ بالله- حتى يفقد الغيرة، لا يغار على محارمه، وتجده -والعياذ بالله- في أودية الهوى والغي يهيم، أسأل الله أن يهدي ضال المسلمين، إنه على كل شيء قدير، ثم قال أيضاً صلى الله عليه وسلم: {... وليصيبنهم قذف وخسف حتى يصبح الناس فيقولون: خُسف الليلة بدار بني فلان، وخُسف الليلة ببني فلان، ولتُرْسَلَن عليهم حجارة من السماء كما أرسلت على قوم لوط، على قبائل فيها، ولتُرْسَلَن عليهم الريح العقيم، التي أهلكت عاداً...} لماذا يُفعل بهم ذلك؟ قال صلى الله عليه وسلم: {... لشربهم الخمر، وأكلهم الربا، وضربهم الدفوف، واتخاذهم القينات، وقطيعتهم الرحم} نسأل الله العفو والعافية، إذا حصلت هذه الأمور فلا يأمنوا.

    وفي يوم الثلاثاء (13/ ربيع الثاني) نشرت إحدى الجرائد المحلية أن بلدة تسمى تشيلي أُمْطِرت عليها حجارة من السماء، وقد قرأها من قرأها، وأنا والله ممن قرأ هذا، وقتل منهم (17) ويقول أحد المشاهدين وهو ينظر إلى تلك الحجارة تنـزل، يقول: اندس تحت سيارة شاحنة، ورأى تلك الحجارة تنـزل، ورأى امرأة تهرب من تلك الحجارة حتى أوت إلى جدار لتختفي تحته، فسقط عليها الجدار، وسقطت عليها الحجارة، وخرجوا من بيوتهم مذعورين يصيحون ويصرخون، حتى الحجارة سقطت عليهم وهم في بيوتهم؛ لكن بماذا حلَّلوها؟ ماذا قالوا؟

    قالوا: احتار الخبراء مع الأسف الشديد، وإلا لو سألوا علماء الشريعة، لو سألوا العلماء المحققين لأخبروهم أن هذا عقاب من الله جل جلاله، وهو والله عبرة لنا يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

    فعلينا أن نتقي الله جل وعلا، ونحذر من التهاون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    ولنسمع إلى هذا الأثر يا عباد الله! كما يُروى: [[أوحى الله إلى يوشع بن نون: إني مهلك من قومك أربعين ألفاً من خيارهم، وستين ألفاً من شرارهم، قال: يا رب، هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي]]

    وأقول: يُخشى أيضاً والله على بعض الناس الآن، الذين يُوجد في بيوتهم الكثير من الأولاد لا يعرفون الصلاة، يُخشى والله أن يصيبهم العذاب.

    تجد الآن البيوت فيها خمسة أو ستة أو ثمانية أو أكثر من ذلك لا يعرفون الصلاة، إنا لله وإنا إليه راجعون، وإذا أردتَ أن تختبر هذا الوضع فانظر في صلاة الفجر، أين أولاد المسلمين؟

    أين مَن سنه عشر سنوات أو خسمة عشر؟ بل أين ذو العشرين؟

    لكن انتظر بعد ساعة وربع، تجد الأرض ملأى، الله أكبر! إلى أين؟ إلى المدارس، والصلاة؟ الصلاة غُفل عنها، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    الصلاة أمرها عظيم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، الصلاة، الصلاة، ولعلنا إن شاء الله بعد قليل نتكلم عن الصلاة إذا انتهينا من الكلام عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    أيها الإخوة في الله: لا شك أنه بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سوف يكثر الشر وينتشر، ويكثر الفسقة، فإذا حصل ذلك فلا تسأل عن أحوال المجتمع وما يحل فيه من النقمات، يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: [[دخلتُ أنا ورجل على عائشة رضي الله عنها، فقال لها الرجل: يا أم المؤمنين! حدثينا عن الزلزلة، فقالت رضي الله عنها: إذا استباحوا الزنا، وشربوا الخمور، وضربوا بالمعازف، غار الله عزَّ وجلَّ في سمائه، فقال للأرض: تزلزلي بهم، فإن تابوا ونزعوا، وإلا هدمهما عليهم]] اللهم سلِّم سلِّم، اللهم احفظنا بحفظك يا رب العالمين، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا إنك على كل شيء قدير.

    فيا عباد الله! احذروا مما يغضب الله عزَّ وجلَّ، فإن الذنوب والمعاصي هي والله من أسباب الشقاء، ولذلك جاء التحذير منها في كتاب الله؛ لِمَا فيها من الإضرار بالفرد والمجتمع، فهي سبب يؤدي إلى غضب الله جل وعلا وإلى عقابه لمن ارتكبها، ثم إن العقوبة المترتبة على هذه المعاصي تختلف، فأحياناً تكون بالأنفس، وأحياناً بالأموال، وأحياناً بالأولاد، وأحياناً تكون بالمدمرات العامة، مثل: الفيضانات، أو الرياح المدمرة، أو القحط، أو الزلازل، أو بالحروب الطاحنة، أو بالأمراض المستعصيات، كما سمعنا من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وربنا جل وعلا حذر من المعاصي والذنوب في كتابه العزيز وأخبر في محكم البيان عن الأمم التي حلت بهم العقوبات، ونحن نقرأ القرآن يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فلماذا لا تَرْعَوِيَ القلوب؟

    يكفيك أن تقرأ سورة الفجر، قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ [الفجر:1-12] ماذا حل بهم؟ قال تعالى: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ [الفجر:13] ثم قال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14].

    وقال تعالى في سورة أخرى: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج:12]. فلنحذر يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

    يقول الله جل وعلا: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:97-99] نعوذ بالله من غضب الله.

    فيا أمة محمد صلى الله عليه وسلم احذورا من غضب الله جل وعلا، ومروا بالمعروف وانهوا عن المنكر.

    1.   

    المعصية الثالثة: عدم إقامة الصلاة

    ثم ننتقل أيضاً إلى منكر عظيم تهاون فيه بعض الناس وهو الصلاة، يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم!

    المجتمع الآن انقسم على ثلاثة أقسام، نسأل الله أن يردنا إليه رداً جميلاً:

    القسم الأول: قسم تركوا الصلاة بالكلية

    وهؤلاء بين مجتمع المسلمين وبين أظهرهم، بل بعضهم يأكل معهم ويشرب -والعياذ بالله- وهو لا يصلي، وهؤلاء أفتانا عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال: {العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر} هل تريدون فتوى غير هذه يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟

    أيضاً: أخبر صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم: {بين الرجل وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة}.

    لذلك يقول العلماء رحمهم الله: تارك الصلاة، يستتيبه إمام المسلمين أو نائبه ثلاثة أيام، فإن تاب وصلى وإلا قتل مرتداً، ويقتل حداً، يقطع رأسه بالسيف لماذا؟ لأنه تارك للصلاة، وإذا قتل ماذا نعمل به؟ قالوا: لا يُغسل، ولا يُكفن، ولا يُصلى عليه، ولا يُدعى له بالرحمة، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرث ولا يورث، مع الأسف الشديد.

    وقالوا: إذا كانت المسلمة مع إنسان لا يصلي فإنها تُخلع منه على رغم أنفه، قال الله تعالى: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة:10].

    إذاً: تارك الصلاة يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم وجوده في المجتمع خطر عظيم، فهذا القسم الأول، قسم تركوا الصلاة بالكلية، وهم بين أظهرالمسلمين.

    القسم الثاني : قسم ضيعوا الصلاة

    أما هؤلاء فقد وقعوا في قول الله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً [مريم:59].

    قال بعض العلماء: ما أضاعوها بالكلية، ولكنهم تهاونوا بها، وهذه هي حال الكثير من الناس، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، انظر إلى أحوال الكثير من الناس، مع أنهم ارتكبوا هذا الذنب العظيم، وهو إضاعة الصلاة مع أي شيء عاشوه، فهم يعيشون مع المسلسلات طوال الليل، ومع الأغاني الماجنة، ومع الدخان، والشيشة، والبلوت، والقيل والقال، وإذا جاءت صلاة الفجر إذا هم جِيَفٌ في فرشهم، نسأل الله العفو والعافية، هذه حال كثير من الناس، صلاة الفجر نوم، وصلاة العصر إذا جاء من العمل أو الشغل وأكل الغداء اتكأ ونام، وربما نام قبل أن يغسل يديه من الغداء، وفوت عليه صلاة العصر، وربما أتبعها بصلاة المغرب، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    يقول سعيد بن المسيب عند قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5] يقول: [[لا يصلي الصبح حتى تطلع الشمس، ولا يصلي الظهر حتى يدخل عليها وقت العصر، ولا يصلي العصر إلا وقت المغرب]] وهذه يا إخواني حال كثير من المسلمين في المجتمع الآن، إنا لله وإنا إليه راجعون.

    أما صلاة العصر: فقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث رواه البخاري، قال: {من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِرَ أهله وماله} ما ظنك يا عبد الله! إذا جاءك قائل وقال: أهلك هلكوا، أموالك هلكت؟

    ما هي الحال عندك؟ وما هو رد الفعل عندك؟ الله أكبر! ولكن بعض الناس يفوت صلاة العصر ولا يبالي {من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِرَ أهله وماله}.

    وفي الحديث الذي رواه البخاري أيضاً يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من ترك صلاة العصر فقد حبط عملُه}.

    ما ظنكم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم بإنسان يضع المنبه على الساعة السابعة، لا يقوم من الليل إلا وقت الساعة السابعة، وقت العمل، هذا يقول بعض العلماء فيه: تعمَّد تأخير صلاة الفجر حتى هذا الوقت، ولذلك يقول الشيخ عبد العزيز بن باز حفظنا الله وإياه: عند جمع من العلماء: أن من تعمد تأخير صلاة الفجر عن وقتها حتى يدخل عليها وقت الأخرى فهو كافر، أو كما قال رحمه الله تعالى.

    فنقول: يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم! نرجع إلى أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي قال فيها صلى الله عليه وسلم: {من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله}.

    ثم يقول صلى الله عليه وسلم أيضاً: {من صلى البردين دخل الجنة} يا رب! لا تحرمنا فضلك، اللهم لا تحرمنا فضلك، اللهم لا تجعل منا ولا فينا شقياً ولا محروماً يا رب العالمين {من صلى البردين دخل الجنة} والبردان هما: الفجر، والعصر.

    ويقول صلى الله عليه وسلم أيضاً -وكل هذه أحاديث صحيحة-: {لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها} يقصد: الفجر والعصر، ولذلك وعد ربنا جل وعلا المحافظين على الصلاة أن يكرمهم بجنة الفردوس، وهي أعلى منازل الجنة، كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: {إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تُفجر أنهار الجنة} قال الله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون:9-11].

    وتوعَّد ربنا جل وعلا أقواماً إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى بالدرك الأسفل من النار، نعوذ بالله من النار، أخبر الله عنهم أنهم يصلون؛ ولكن لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، وفي الآية الأخرى: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [النساء:142] أين موعدهم؟ قال الله جل وعلا: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:145]. هذا القسم الثاني الذين تهاونوا بالصلاة في المجتمع.

    القسم الثالث: قسم يحافظون على الصلاة

    وهم الذين يحافظون على الصلاة، أين نجد هذا القسم يا عباد الله؟

    إذا أردتم أن تنظروا إلى هذا القسم فانظروا إليه في صلاة الفجر، تجد القلة من الناس في العشاء وفي المغرب والعصر والظهر، ربما أربعة صفوف، أو خمسة صفوف في بعض المساجد، ثم في صلاة الفجر صف أو صف ونصف، الله المستعان! أين بقية الصفوف؟ يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟ اللهم ردنا إليك رداً جميلاً.

    أقول لكم: إن المجتمع انقسم على ثلاثة أقسام؛ ولكن هل نسكت على هذا الأمر؟ لا. إن سكتنا على هذا الأمر فإننا والله نخشى من العقوبة ولكن نكون دعاة إلى الله نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ونتعاون على البر والتقوى، إذا كان جارك يا أخي -كما يُروى في الحديث- أنه يتعلق بك يوم القيامة، فما هو الخلاص؟

    جارك يتعلق بك يوم القيامة يقول: يا رب، خذ مظلمتي من جاري، فتقول: ما ظلمتُه! فيقول: إنه رآني على المنكر ولم ينهاني، ولم يأمرني بالمعروف، فلنستعد لذلك يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    المعصية الرابعة: عدم إيتاء الزكاة

    من المعاصي أيضاً التي تلبس بها بعض الناس: منع الزكاة، وهي تنقسم إلى قسمين:

    الأول: إن كان أنكر هذا: فهو كافر والعياذ بالله.

    الثاني: وإن كان بخل بها: فهو عاصٍِ لله ولرسوله.

    إن أنكر المرء الزكاة، وقال: ليس في الإسلام زكاة، فهو كافر حلال الدم والمال، يستتاب فإن تاب وإلا قُتل، كما فعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

    أما إذا تهاون بالزكاة ولم يخرجها، فإنه ارتكب معصية من المعاصي التي سوف يُعاقَب عليها، إن لم يتب ويرجع إلى الله عزَّ وجلَّ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولا صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفِّحت له صفائح من نار، فيُكوى بها جنبُه وجبينُه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين الناس، فيرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار) وربنا جل وعلا يقول في محكم البيان: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:34-35].

    أي وعيد أعظم من هذا يا عباد الله؟! اللهم اشف مرض قلوبنا يا أرحم الراحمين، أي وعيد هذا يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟ لا إله إلا الله وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:34-35].

    فيا من أعطاه الله هذا المال الكثير، وطلب منك القليل، فلا تبخل يا أخي، أنفق ما دمت في زمن الإمكان قبل أن يحل عليك قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:9-11].

    فالبِدار.. البِدار.. ما دمتَ في زمن الإمكان، قبل أن تطلب الرجعة ولا تُجاب يا عبد الله.

    البِدار.. البِدار.. ما دمتَ في زمن الإمكان، قبل أن يأخذ الورثة هذه الأموال وتصير عليك الأوزار.

    اللهم قنا شح أنفسنا، اللهم قنا شح أنفسنا، اللهم قنا شح أنفسنا إنك على كل شيء قدير.

    1.   

    المعصية الخامسة : الزنا

    هناك معاصي انتشرت في المجتمع والعياذ بالله، ولعلنا لا نتطرقها كثيراً؛ لأن الجميع يعرف حُرمة تلك المعاصي والعياذ بالله، فمثلاً: الزنا.

    هذا الزنا شر مستطير والعياذ بالله، وداء خطير، وبلاء لا يعلم مداه إلا الله عزَّ وجلَّ، فلعلنا نسمع ماذا يحل في البلاد المجاورة يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم من جراء تلك الجرائم -والعياذ بالله- من الأمراض التي انتشرت واستعصت على الأطباء.

    وقد سمعتم في بداية الكلام، أن من آثار الذنوب والمعاصي حصول أمراض مستعصية تستعصي على الأطباء فلا يوجد لها علاج، فصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، نسمع بمرض الإيدز، والهِرْبِس، والسيلان، والزُهري، وغيره من الأمراض التي انتشرت في أقطار العالم بسبب هذه الجرثومة الخبيثة، بسبب هذا الجُرم العظيم وهو الزنا والعياذ بالله.

    الزنا إذا انتشر في بلد فلا تسأل عن خطره، يُروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا ظهر الزنا والربا في قرية، فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله) والحديث رواه: الحاكم، وقال: صحيح الإسناد.

    عواقب الزنا وأضراره

    فيا عباد الله: إن الزنا له عواقب وخيمة في الدنيا قبل الآخرة:

    الأولى: يسوِّد الوجوه.

    الثانية: يجلب الفقر.

    الثالثة: يسبب الأمراض المستعصيات.

    وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الزُّناة والزواني يُعذبون في البرزخ في مثل التنور، أعلاه ضيق، وأسفله واسع، يأتيهم لهب من أسفل منهم، هذا عذابهم في البرزخ -نسأل الله العفو والعافية- فكيف إذا سيقوا إلى نار جهنم، نعوذ بالله من نار جهنم.

    أيها الإخوة في الله: الزنا ذكر بعض العلماء أن الزنا له أضرار كثيرة:

    إن الزنا عاره يهدم البيوت الرفيعة.

    يطاطئ الرءوس العالية.

    يسوِّد الوجوه البيض.

    يبدل أشجع الناس من شجاعتهم جبناً لا يدانيه جُبن.

    يهوي بأطول الناس أعناقاً، وأسماهم مقاماً، وأعرقهم عزاً إلى هاوية من الذل والازدراء والحقارة، ليس لها من قرار.

    الزنا لُطْخَةٌ سوادء إذا لحقت تاريخَ أسرةٍ غَمَرَتْ كلَّ صحائفه البيض، وتركت العيون لا ترى منها إلا سواداً حالكاً.

    أمة الإسلام: احذروا من جريمة الزنا، فإن الزاني يحط نفسه من سماء الفضيلة إلى حضيض الرذيلة، ويصبح بمكان من غضب الله ومقته، الزاني يكون عند الخلق ممقوتاً، وفي دنياه مهين الجانب، عديم الشرف، منحط الكرامة، ساقط العدالة، ويكفيه وعيداً، وتحذيراً ما قال الله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً [الإسراء:32].

    دواعي وبواعث الزنا

    عباد الله: دواعي الزنا كثيرة، من دواعي الزنا:

    - خروج النساء إلى الأسواق وهن متبرجات ومتعطرات.

    - اختلاط الرجال بالنساء بدون مَحْرَم، اسمعوا إلى هذا الأثر يُروى: {يُروى أن الزناة معلقون بفروجهم في النار، يُضربون بسياط من حديد} نعوذ بالله من النار، نعوذ بالله من النار.

    - كثرة مشاهدة الأفلام الخليعة، التي يُوجد فيها النساء الكاسيات العاريات.

    - استماع الأغاني الماجنة.

    - قراءة القصص الغرامية، وأيضاً قراءة المجلات السخيفة التي تحمل صور النساء العاريات.

    - مغازلة النساء ومعاكستهن.

    أسأل الله جل وعلا أن يحفظنا وإياكم بحفظه، اللهم استر عوراتنا، اللهم استر عوراتنا، اللهم استر عوراتنا، اللهم آمن روعاتنا، اللهم أقر أعيننا بصلاح أولادنا ونسائنا، إنك على كل شيء قدير.

    1.   

    المعصية السادسة : المخدرات والمسكرات

    المخدرات والمسكرات أضرارها عظيمة، فكم أذهبت من أخلاق وعقول، وأهانت أهلها، وأودت بهم في الحضيض، حتى صاروا من الأرذال لما سببوا على أنفسهم وعقولهم وأعراضهم وشرفهم وأموالهم بسبب هذه المخدرات والمسكرات، وكم أضاعوا من أسر، وكم خسروا من أوقات سوف يُسألون عنها يوم القيامة، ولذلك أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: (إن على الله عهداً لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال، قيل: وما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار) نعوذ بالله من النار.

    1.   

    المعصية السابعة : عمل قوم لوط

    وهناك أيضاً جريمة شنيعة بشعة، يقول بعض السلف: لولا أن الله ذكرها في القرآن ما صدقت أنها تحصل، الله أكبر! رحمة الله عليه.

    هذه الجريمة يا إخواني جريمة قوم لوط والعياذ بالله، نسأل الله العفو والعافية، ويكفي بها جريمة ويكفي بها تحذيراً أن نذكر ماذا حصل لقوم لوط.

    جبريل عليه السلام جاء إلى لوط عليه السلام بعد أمر الله سبحانه وتعالى له أن يأمر لوطاً أن يخرج هو وبناته من تلك القرية حتى يحل بها عذاب الله. لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    وهي أن الله سبحانه وتعالى أمر جبريل عليه السلام أن يقتلع ديارهم بجناحه، ثم رفعها إلى عنان السماء حتى سمع الملائكة صياح الديكة ونباح الكلاب، ثم قلبها عليهم وأتبعهم حجارة من سجيل منضود، فتلكم قرية سدوم التي أصابها ما أصابها من القلب الصوري والمعنوي، والقذف بالحجارة، حتى صارت بحيرة منتنة خبيثة، بطريق مهيعٍ مسالكه مستمرة إلى اليوم، وهي المعروفة بـالبحر الميت، الذي لا يعيش فيه شيء، نسأل الله العفو والعافية؛ ولكن الله جل وعلا ذكرها في محكم البيان، حتى تحذر هذه الأمة من تلك الفعلة الخطيرة الشريرة.

    لذلك يُروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن أخوف ما أخاف على أمتي من عمل قوم لوط).

    ويُروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لعن الله مَن عَمِل عَمَل قوم لوط، لعن الله مَن عَمِل عَمَل قوم لوط، لعن الله مَن عَمِل عَمَل قوم لوط) ثلاث مرات.

    ويُروى عنه أيضاً صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة في دبرها).

    ويُروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من مات من أمتي يعمل عمل قوم لوط، نقله الله تعالى إليهم حتى يُحشر معهم).

    ويقول ابن عباس رضي الله عنه: [[اللوطي إذا مات من غير توبة مُسخ في قبره خنـزيراً]].

    ويُروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به).

    ولذلك اجتمع رأي الصحابة رضي الله عنهم في عهد أبي بكر رضي الله عنه؛ لما ذكر له خالد بن الوليد أن هناك رجل يُعمل به كما يُعمل بالنساء أمر بإحراقه بالنار رضي الله عنه وأرضاه.

    أما بعض العلماء فقالوا: ينظر إلى أعلى مكان في البلد فيُرمى منه، ثم يُتبع بالحجارة، نعوذ بالله من غضب الله.

    فالحذر الحذر يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم من هذه الجريمة الوخيمة! وحافظوا على أولادكم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم! الآن بعض الناس، لا يدري أين أولاده يذهبون، أو مع من يذهبون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    فنقول: الله.. الله.. بالمحافظة على الأولاد، فإنك مسئول عنهم يوم القيامة، والمغريات الآن كثيرة، تجد بعض الأشرار يأخذه معه بحجة أنه يعلمه قيادة السيارة، أو يعطيه سيجارة من دخان أو غير ذلك، فيفعل به جريمة قوم لوط، وعند ذلك والعياذ بالله ينهمك في هذا الجُرم العظيم، ولا تسأل عن أحواله، أسأل الله أن يصلح أولادنا ونساءنا.

    1.   

    المعصية الثامنة : الربا

    وهناك أيضاً من المعاصي والذنوب التي انتشرت في المجتمع: أكل الربا، والتعامل بالربا.

    ولا شك أن هذا كلنا نعرفه، أنه من أكبر الذنوب والعياذ بالله، وأنه محاربة لله ولرسوله.

    1.   

    المعصية التاسعة : الغيبة والنميمة

    والنميمة هي: نقل الكلام بين الناس بقصد الإفساد والعياذ بالله.

    والغيبة وهي: أكل لحوم الناس في المجالس، فهي -يا أخي في الله- خسارة لمن ابتلي بها؛ لأنه يخسر الحسنات، يوزع حسناته على الغافلين الذين يأكل لحومهم.

    نسأل الله أن يردنا إليه رداً جميلاً.

    1.   

    نداء التوبة لأهل الذنوب والمعاصي

    فيا أهل الذنوب والمعاصي! توبوا إلى الله عزَّ وجلَّ، أحد السلف رحمه الله، يذكرك يا من ابتليت بالذنوب والمعاصي، يقول رحمه الله:

    ذنوبك يا مغرور تحصى وتحسبُ     وتُجمع في لوح حفيظ وتكتبُ

    وقلبك في سهو ولهو وغفلة     وأنت على الدنيا حريص معذبُ

    تباهي بجمع المال من غير حله     وتسعى حثيثاً في المعاصي وتذنبُ

    أما تذكر الموت المفاجئك في غدٍ     أما أنت من بعد السلامة تعقبُ

    أم تذكر القبر الوحيش ولحدَهُ     به الجسم مِن بعد العمارة يخربُ

    أما تذكر اليوم الطويل وهوله     وميزان قسط للوفاء سينصبُ

    تروح وتغدو في مراحك لاهياً     وسوف بأشراك المنية تنشبُ

    تعالج نزع الروح من كل مفصلٍ     فلا راحم ينجي ولا ثَم مهربُ

    فبادر بالتوبة النصوح، بادر قبل أن يحل بك هادم اللذات.

    وغمضت العيـنان بعد خروجها     وبسِّطت الرجلان والرأس يعصبُ

    وقاموا سراعاً في جهازك أحضروا     حنوطاً وأكفاناً وللماء قربوا

    وقد نشروا الأكفان من بعد طيّها     وقد بخروا منشورهن وطيبوا

    وألقوك فيما بينهن وأدرجوا     عليك مثاني طيَّهن وعصبوا

    وفي حفرة ألقوك حيران مفرداً     تضمك بيداءٌ من الأرض سبسبُ

    إذا كان هذا حالنا بعد موتنا     فكيف يطيب اليوم أكل ومشربُ

    وكيف يطيب العيش والقبر مسكنٌ     به ظلماتٌ غيهبٌ ثم غيهبُ

    وهولٌ وديـدانٌ وروعٌ ووحشةٌُ     وكل جديد سوف يبلى ويذهبُ

    فيا نفس خافي الله وارجي ثوابه     فهادم لذات الفتى سوف يقربُ

    بلوغ الروح الحلقوم

    ثم أقول لكم في نهاية الكلام: أبشروا يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله قد فتح بابه للسائلين، فمن تاب تاب الله عليه، بشرط قبل أن يقع أمران:

    الأمر الأول: أمر خاص: وهو بلوغ الروح الحلقوم:

    فإذا بلغت الروح الحلقوم عند ذلك لا تُقبل التوبة، كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم: {إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر} إذا غرغر وبلغت الروح الحلقوم، وانطرح على فراش الموت، عند ذلك ما تنفعه التوبة؛ لأن الله عزَّ وجلَّ أخبر عنه في محكم البيان، فقال جل وعلا: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ [المؤمنون:99] لماذا يطلب الرجعة؟ حتى يتزود من الدكاكين، حتى يتزود من البضاعة، كل هذا سوف يذهب ويتركه؛ لكن ليتزود من العمل الصالح، لكن مدة إقامتك في الدنيا يا عبد الله قد انتهت أيها المفرط، أيها العاصي، فعند ذلك يحصل الندم والتحسر والتأسف: قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:99-100] فيسمع الرد الإلهي: كَلَّا لن تُجاب إلى هذا المطلب، انتهت مدتك في هذه الحياة الدنيا، الآن حان انتقالك إلى البرزخ، إلى بيت الدود، إلى بيت الوحشة، إلى بيت الوحدة، الذي سوف تجد أمامك فيه العمل قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:99-100].

    وما يدرينا متى يأتينا الموت؟! فبعض الناس يفتح عليه الشيطان باب التسويف، يقول: سوف تتوب فيما بعد إذا بلغت الذروة في التجارة، أو في العمر، أو في كذا وكذا، فيمكنك أن تتوب، وما يدريك -أخي في الله- متى ينـزل بك هادم اللذات؟

    فكم والله من إنسان أصبح مُعافىً سليماً، وفي لحظة من اللحظات يُقال: فلان مات، وكم من إنسان بات مُعافىً سليماً، ويقال: فلانٌ أصبح ميتاً.

    فيا إخواني في الله، بادروا بالتوبة قبل نزول الموت.

    طلوع الشمس من مغربها

    الأمر الثاني: أمر عام: وهو طلوع الشمس من مغربها:

    إذا طلعت الشمس من مغربها فعند ذلك لا تُقبل التوبة، كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث قال: {إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها}.

    اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن ترزقنا توبة نصوحاً.

    اللهم ارزقنا توبة نصوحاً، اللهم ارزقنا توبة نصوحاً.

    اللهم اغفر لنا ولوالدِينا ولوالدِي والدِينا، ولجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم أصلحنا، وأصلح أئمتنا، وولاة أمورنا، وقاداتنا.

    اللهم أصلح أولادنا، ونساءنا.

    اللهم أصلح تجارنا، اللهم أصلح تجارنا، حتى لا يستوردوا لنا ما فيه تشبه باليهود والنصارى والمجوس، اللهم وفق تُجَّارنا في إزالة ورد البضائع التي فيها فتن وصور وتشبه باليهود والنصارى إلى أصحابها.

    اللهم اجعلنا جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك، واجعلنا جميعاً ممن يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويجتنبه.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.