إسلام ويب

سبب انحراف بعض المجتمعاتللشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الناظر بعين البصر والبصيرة في أحوال المجتمع الإسلامي ليأخذه الأسى مأخذاً بعيداً، وذلك بسبب ما حل بالأمة الإسلامية من فتن وبعد عن الله سبحانه وتعالى وانحراف عن منهجه.

    فما هي أسباب الانحراف؟ وما هي عاقبته؟ وما هو الواجب علينا نحو هذا الانحراف؟

    كل هذا ستجده في طيات هذا الموضوع.

    1.   

    عاقبة الإفساد في الأرض

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً [آل عمران:102-103].

    وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [الحشر:18-19].

    عباد الله: اسمعوا القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله قال تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ [الحشر:19].

    وقال تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، أعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت فقال صلى الله عليه وسلم: (بادروا بالأعمال الصالحة، فستكون فتنٌ كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً، ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا) لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    وأيضاً يروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً) يخاطب الصحابة رضي الله عنهم، في القرن الأول، في القرون المفضلة التي هي خير القرون بعد نبيها صلى الله عليه وسلم قال: (ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور -وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر هذه الأزمنة المتأخرة ويحذر منها- فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) وفي رواية النسائي (وكل ضلالة في النار) نعوذ بالله من النار.

    والله عز وجل يقول: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153].

    نعم. أيها الإخوة في الله.. فالله سبحانه وتعالى أنزل هذا القرآن وبعث محمداً صلى الله عليه وسلم وأرسله ليخرج العباد من الظلمات إلى النور، فمن أخذ بهديه صلى الله عليه وسلم فقد نجا وأفلح، ومن أعرض فقد خاب وخسر، كيف لا والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله! -لا يوجد أحد لا يريد الجنة، هل هناك أحد لا يريد الجنة؟ لا يوجد أحد، لكن نسأل الله العفو والعافية- قال: إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله! قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) الله أكبر، فالله سبحانه وتعالى أرسل إلى من قبلنا من الأمم الرسل، وأنزل أيضاً معهم الكتب، فبينوا للأمم فاستجاب من استجاب وعصى من عصى، وأعرض من أعرض، وكان عاقبة من أعرض وعصى وخيمة شديدة.

    أيها الإخوة في الله: يقول الله سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [الأعراف:94-95] ثم يقول الله سبحانه وتعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:96-99].

    هذه إنذارات من الله عز وجل، إنذار يا أمة الإسلام: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:97-99].

    الله أكبر، أيها الإخوة في الله! أما سمعنا أن أقواماً أتاهم الزلزال في ضحى من النهار، وذهبت فيه عدة قرى؟!

    أما سمعنا بعدة فيضانات أغرقت الكثير من الناس؟!

    أما سمعنا بأعاصير شردت الكثير من الناس وتركتهم بدون مأوى وبدون أكلٍ وشرب، فرقت بين الوالد وولده، والأخ وأخيه، والرجل وزوجته؟!

    ماذا نسميها في هذه الأزمنة التي طغى فيها علم الإلحاد (علم الطبيعة) نسأل الله أن يردنا إليه رداً جميلاً.

    نعم. كل هذه لا يعترف بها كثير من الناس، لا يقول هذه عذاب من الله، وقد عذب الله بها أمماً من قبلنا، وهذه إنذارات للأمة الإسلامية لما يحصل لمجاورينا.

    أيها الإخوة في الله، إنها إنذارات لنا يا عباد الله.

    1.   

    أسباب انحراف المجتمعات

    وأسباب انحراف بعض المجتمعات ولا حول ولا قوة إلا بالله كثيرة منها:

    البعد عن تعاليم الإسلام وآدابه

    أولاً: بُعد الناس عن تعاليم الإسلام وآدابه وأخلاقه، هذا من أسباب انحراف كثير من المجتمعات وبعدهم عن الإسلام، وعن آداب الإسلام، وعن أخلاق الإسلام، وعن تعاليم الإسلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    التشبه بأهل الكفر

    ثانياً: أيضاً من أسباب انحراف بعض المجتمعات: تقليد أهل الشرق والغرب، تقليد الإفرنج الذي نهانا صلى الله عليه وسلم عن التشبه بهم، وهذا هو التشبه الذي وقع فيه كثيرٌ من الناس الآن سواء في منازلهم، أو في مآكلهم، أو في مشاربهم، أو في لباسهم، أو في كلامهم، نسأل الله أن يهدي ضال المسلمين إنه على كل شيء قدير.

    وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت      فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

    ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    البدع والمحدثات

    ثالثاً: من أسباب انحراف بعض المجتمعات فتح الأبواب والقلوب لتقبل البدع والمحدثات التي غُزي بها الناس من قبل أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، والمصيبة إذا كانت في العقائد من طريق الشعوذة، أو الخزعبلات، أو السحرة، أو الكهنة، أو المنجمين، الذين من أطاعهم فقد كفر بما أنزل على محمد، ومن صدَّقهم فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو القرآن والسنة، فأي انحراف أشد من هذا يا عباد الله.

    ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    رابعاً: من أسباب الانحراف ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمثلاً في البيوت تجد بعض الآباء يرى الأولاد بنين وبنات لا يعرفون الصلاة، فلا يأمرهم ولا ينهاهم، وأدخل عليهم آلات اللهو التي أضلتهم عن الطريق المستقيم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أدخل عليهم هذه الآلات التي تعلم السرقة، وتعلم الغزل، وتعلم الحب وتنشئ الطفل من صغره حتى يهرم على ذلك، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

    ترك الصلاة

    خامساً: من أسباب الانحراف: ترك الصلاة يا عباد الله وهذا انحراف ليس بعده انحراف، وترك الصلاة كفر والعياذ بالله، كما قال صلى الله عليه وسلم: {العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر} والعياذ بالله، ويقول -أيضاً- صلى الله عليه وسلم: {بين الرجل والكفر أو الشرك ترك الصلاة}.

    نعم. أيها الإخوة في الله، كم نسمع فلاناً وفلاناً لا يصلي ولا يعترف بالصلاة، وزيادة على ذلك يقف ويعلم أولادنا، يقف معلماً يعلم الأولاد وهو لا يصلي، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فأين التعاون على البر والتقوى حتى نرفع بهذا حتى لا يعلم أولادنا، وهو لا يعرف المساجد، وهو لا يعرف الصلاة، أين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند البعض من الناس؟!

    التنكر للدين

    سادساً: من أسباب انحراف بعض المجتمعات تنكر أولاد المسلمين -سواء ذكوراً أو إناثاً- لهذا الدين، هذا الدين الإسلامي الذي قال الله فيه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً [المائدة:3] تنكر البعض لهذا الدين، الذي قال الله فيه: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19].. وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85] ما هذا التنكر الذي حصل من بعض الأولاد البنين والبنات، والمصيبة الذين اعتادوا الذهاب إلى الخارج، أتدرون ما هذا التنكر؟

    إنهم رموا هذا الدين بالرجعية، وقالوا: هذا دين قديم، دين رجعية ولا يصلح لعصرنا، فتنكروا لدينهم، نسأل الله العفو والعافية ولا حول ولا قوة إلا بالله، فأي انحراف أكبر من هذا أيها الإخوة في الله؟!

    وإذا رأوا المتمسك بسنة محمد صلى الله عليه وسلم، قالوا: هذا متجمد، هذا متزمت، هذا رجعي، هذا ليس باجتماعي، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وما أسهل الرجعة إلى الطريق المستقيم أيها الإخوة في الله، فالحق واضح ليس عليه غبار، ويجب علينا أن نرجع إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    استقدام الأجانب للخدمة والإهمال في المراقبة

    سابعاً: من أسباب انحراف بعض المجتمعات: استقدام السائقين والمربين والمربيات والخدم والخادمات، وترك الحبل لهم على الغارب في البيوت، وهذه مصيبة كبيرة، ولا يحس بها إلا من كان في قلبه إيمان، أما الذي ليس في قلبه إيمان فلا حول ولا قوة إلا بالله، ونسأل الله أن يشفي مرض قلبه، وأن يرده إليه رداً جميلاً إنه على كل شيء قدير.

    وتجد في بعض المجتمعات يدخل السائق على النساء وهن جالسات وكأنهن له أخوات أو أمهات، فأين الغيرة يا عباد الله؟! لقد ضاعت الغيرة في كثير من الناس، فنسأل الله أن يردهم إليه رداً جميلاً.

    الأفلام الخليعة

    ثامناً: من أسباب انحراف بعض المجتمعات: وجود الأفلام الخليعة في البيوت، الله أكبر وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا يأتي زمان إلا والذي بعده أشر منه حتى تلقوا ربكم} يرويه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ثم يقول سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فلما جاء الفيديو ورأينا ما فيه من البلاء -أيضاً- ننتظر إلى ما هو أدهى وأمر، وهو البث المباشر الذي نسأل الله العظيم رب العرش العظيم ألا يتمم لهم ذلك، وأن يجعل كيدهم في نحورهم إنه على كل شيء قدير.

    اللهم يا علي! يا عظيم! يا حليم! يا عليم! يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! اللهم أجعل بثهم المباشر في نحورهم، اللهم دمره تدميرا، اللهم دمره تدميراً، اللهم لا تتم لهم ذلك يا رب العالمين، إنك حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    أيها الإخوة في الله.. إن وجود الأفلام الخليعة في البيوت، مصيبة عظمى، ولقد سمعتم أيها الإخوة في الله بالقصة التي ذكرها بعض الثقات في بعض الأشرطة أن رجلاً كان من الأثرياء، وكان إذا أراد أن يجامع زوجته أشغل آلة التصوير -تصوير الفيديو- حتى يصور حالته وحالة زوجته وهو يجامعها، وفي يومٍ من الأيام كانت جارتها في البيت أو القريبة منها قد استعارت منها شريطاً وطلبت منها هذه الجارة الشريط، وبسرعةٍ أخذت ذلك الشريط الذي كان فيه الشر والعار والشنار، والشر المستطير الذي كان فيه المرأة هي وزوجها يجتمعون، ولا شك أن المرأة وزوجها في حلال؛ ولكن كيف يستره الله ويفضح نفسه بين العالمين، أتدرون ماذا حصل من هذا الشريط لمّا ناولته جارتها بسرعة؟ إذا بذلك الشريط ليس بالشريط الذي أعارته إياها، إنه الشريط الذي تجتمع فيه هي وزوجها، ولما شغلت الشريط بين زوجها وإذا فيه لا حول ولا قوة إلا بالله، قال: هذا أبو فلان، قالت: هذا أبو فلان، تقول الزوجة: هذا أبو فلان، يقول الزوج: هذا أبو فلان، تقول: هذا أبو فلان، وهذه زوجته، فما الذي حصل بعد ذلك؟

    هذا الرجل الذي كان يعمل هو وزوجته وتسبب في تسجيل هذا الشريط اطلع على هذه الفضيحة التي علم بها من علم، فآل به الأمر أن يؤدي بنفسه إلى الانتحار -والعياذ بالله- فقتل نفسه.

    إيه نعم. هذه هي أسباب الأفلام الخليعة، وهذه من جرائها، وهذا من تعاليمها التي دخلت على البيوت.

    يا أخي! حتى لا تخجل كيف تعمل هذا، أو كيف تشغل هذه الآلة الخبيثة بين الأطفال، لا حول ولا قوة إلا بالله، أما علمت أنك مسئول أمام الله يوم القيامة عن هذه المرأة، يقول صلى الله عليه وسلم: {كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته}

    نعم. هذه المرأة إذا خرج الزوج واطّلعت على هذه الأفلام الخبيثة واشتعلت عندها نار الشهوة، ماذا تعمل؟

    إنها سوف تبحث في الأرض؛ لتسعى في الأرض فساداً -والعياذ بالله- والسبب الزوج الذي أتى بهذه الأفلام الخليعة في بيته، فنسأل الله عز وجل أن يهدي ضال المسلمين إنه على كل شيء قدير.

    الفيديو وما أدراك ما الفيديو! لقد أتانا بشر مستطير، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    أيها الإخوة في الله: إن الله سبحانه وتعالى قص علينا في القرآن ما حصل في الأمم من قبلنا، لما عتوا وعصوا الله عز وجل، فهذا أبونا آدم عليه السلام أُخرج من الجنة بذنب هو وزوجته حواء، نهاهم الله عن الشجرة فأكلا منها فأهبطهما الله إلى الأرض بسبب هذه المعصية.

    نعم. وهذا إبليس لما تكبر؛ طرده الله من ملكوت السماوات والأرض، فبعد أن كان من المقربين صار طريداً شريداً ملعوناً قواداً لكل شرٍ -والعياذ بالله- وفي آخر المطاف يجتمع في جهنم هو ومن دعاهم فاستجابوا لدعوته، نسأل الله أن يعيذنا من الشيطان الرجيم إنه على كل شيء قدير.

    وذكر لنا رب العزة والجلال قوم نوح لما انحرفوا وابتعدوا عن الطريق المستقيم، وأبوا أن يجيبوا نوحاً عليه السلام، أبوا أن يجيبوا دعوته عليه السلام، وقد مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله عز وجل، ولم يستجيبوا لدعوته، فعند ذلك أغرقهم الله سبحانه وتعالى؛ حتى علا الماء رءوس الجبال وأغرقهم الله سبحانه وتعالى، ولم ينجِّ إلا نوحاً ومن آمن مع نوح.

    أتدرون ما سبب انحراف قوم نوح؟

    ذكر البخاري رحمه الله: أنهم كان عندهم أناس صالحون فأخذوا لهم صوراً وقالوا: نتذكرهم وإذا رأينا هذه الصور نتذكر عبادتهم ونتقوى على العبادة، ومات الذين أخذوا هذه الصور وأتاهم الشيطان وهذه الصور موجودة قال لمن بعدهم إن أولئك لم يصوروا هذه الصور إلا أنهم إذا أصابتهم مصيبة أو قحطٌ أو غير ذلك لجئوا إلى هذه الصور واستغاثوا بها فعند ذلك دخل الشرك إلى قوم نوح عن طريق الصور والتماثيل.

    والآن يوجد في البيت صور محنطة لطيور ولحيوانات ولغيرها، وصور -أيضاً- مكبرة فلأي شيء هذه الصور يا إخواني في الله؟ أتدرون أنها تطرد الملائكة؟ وإذا طردت الملائكة حلت بعدها الشياطين والعياذ بالله، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {لعنة الله على المصورين} ويقول أيضاً صلى الله عليه وسلم: {أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون} فتيقظ -يا أخي- من رقدتك! وتب إلى الله عز وجل، وأخرج هذه الصور من بيتك، وتب إلى الله، فباب التوبة مفتوح، فبادر قبل أن يأتيك هادم اللذات، عند ذلك لا تستطيع التوبة، ولا تستطيع الرجوع ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    أيضاً ذكر الله سبحانه وتعالى لنا في القرآن قصة ثمود، وأن الله سبحانه وتعالى أرسل عليهم الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم؛ لأنهم عصوا الله وعصوا رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وأيضاً ذكر الله سبحانه وتعالى لنا في القرآن أمة من الأمم انحرفت انحرافاً لم تنحرف قبلها أممٌ بمثل هذا الانحراف ألا وهم قوم لوط، نسأل الله العفو والعافية، كانوا يأتون الذكران من العالمين، الذكور يركب بعضهم بعضاً، اللواط الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به} نسأل الله العفو والعافية.

    أتدرون ما هي العقوبة التي أرسلها الله على هؤلاء القوم الذين أرسل الله إليهم لوطاً عليه السلام فلم يستجيبوا لدعوته؛ بل قابلوها بالامتناع وقابلوها بالاعتراض حتى أنهم أرادوا أن يؤذوا الملائكة؟ لكن الله سبحانه وتعالى منع ذلك عنهم وخرج عليهم جبريل عليه السلام، وضربهم بجناحه حتى اختلطت الأبصار بوجوههم، نسأل الله العفو والعافية، والمهم أن الله سبحانه وتعالى أمر جبريل عليه السلام -وجبريل له ستمائة جناح- أن يقتلع ديارهم ويرفعها حتى سمع الملائكة صياح الديكة ونباح الكلاب، ثم قلبها عليهم -والعياذ بالله- لماذا؟ لأنهم كانوا يأتون الذكران من العالمين، فتنوا بأدبار الرجال، فتنوا بمحل الحش نسأل الله العفو والعافية.

    اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة.

    يقول ابن عباس رضي الله عنه: [[اللوطي إذا مات من غير توبة مسخ في قبره خنزيراً]] والعياذ بالله، فهذه عقوبة ما أشدها!

    لما قلب عليهم ديارهم أرسل عليهم حجارةً من سجيل، وأصبحت ديارهم بحيرة منتنة لا يستفاد منها، فهذه عقوبتهم أيها الإخوة في الله، ثم قال الله تعالى: وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:83] يعني الذين يعملون عمل قوم لوط نسأل الله العفو والعافية، علينا أيها الإخوة في الله أن ندعو إلى الله عز وجل، وأن نبين مضار هذه الجرائم، وندعو إلى الله عز وجل، ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وكذلك نحافظ على الأولاد والأبناء، ونسألهم أين ذهبت؟ من ترافق؟ من تخالل؟ من تصاحب؟

    نعم. فإن قرناء السوء كثير، أيها الإخوة في الله، فكم أغروا من شاب كان طيباً وملتزماً وكان ذا عقلٍ، ولكن -نسأل الله العفو والعافية- بمجرد ما صحب أولئك الأشرار صار سكيراً شريراً عربيداً -والعياذ بالله- ومن أراد أن يصدق هذا فليزر تلك المحلات الآن التي هم فيها، نسأل الله العفو والعافية، كل هذا بسبب إهمال الآباء، فالآباء أكثرهم مهملٌ لأولاده لا يسأل عنهم أين ذهبوا وأين أتوا؟

    وتجد بعض الناس يتصل به رجال الشرطة أين ابنك؟

    يقول: والله لا أدري، له ثلاثة أيام أو أربعة أيام لا أدري والله أين ذهب.

    كيف لا تدري عن ولدك؟

    أما علمت أنك مسئول عنه يوم القيامة؟

    سوف يقف بين يدي الله يخاصمك، فتقول: أتيت بالطعام والشراب والملابس وأمّنتُ له المسكن، فيقول: نعم، ولكن رآني على المنكر ولم ينهني ولم يأمرني بالمعروف، فأنت مسئول عن هذا الابن.

    نعم أيها الإخوة في الله.. فالله سبحانه وتعالى أخبرنا بما أنزل على الأمم التي سلفت من العقوبات.

    المخدرات

    تاسعاً: فكذلك أيها الإخوة في الله.. من أسباب الانحرافات كثرة المخدرات، وهذه هي التي يعاني منها كثيرٌ من الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولقد سمعنا في بعض البلاد أن النساء تروج المخدرات، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    أيها الإخوة: انتشار المخدرات في أي مجتمع يؤدي إلى تدمير المدمنين صحياً وبدنياً وذهنياً، ويقود ذلك أيضاً إلى الموت، وبالتالي لا يستطيع مثل هؤلاء المدمنين القيام بالأعباء الأسرية الملقاة على عواتقهم؛ مما يؤدي إلى انخفاض مستوى المعيشة لتلك الأسر، وانتشار الفقر والجهل والأمراض، وبالتالي يحتاج المدمنون إلى أموالٍ يتحصلون بها على تلك المخدرات والمسكرات، وبذلك تنتشر الجريمة والفساد الأخلاقي، والسرقة والنهب، وجرائم هتك الأعراض وغيرها.

    ولماذا تحصل هذه؟ لأن المدمن صار مسعوراً لا يرتاح حتى يحصل على هذه المخدرات والعياذ بالله، فعند ذلك يؤل به الأمر إلى السرقة، أو أن يبيع عرضه والعياذ بالله، فينبغي لنا أن نتواصى بالحق كما قال تعالى: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ [العصر:3] فبأي شيء يأتي التواصي بالحق؟

    هل هو في المجالس إذا جلسنا قلنا: فلان بن فلان سكير؟ فلان بن فلان يسكر؟ فلان بن فلان يروج المخدرات؟ هل هذا هو المطلوب؟

    لا. المطلوب إما أن نناصحه ونبذل النصيحة لله سبحانه وتعالى أو نرفع به إلى ولاة الأمور حتى يقطع دابر هذا الشر، وهذا الفساد أما إذا تركنا ذلك فهو ينتشر في البلاد ويؤدي إلى سوء الحال والمآل نسأل الله العفو والعافية.

    نسيان الموت

    عاشراً: من أسباب الانحرافات أن الكثير من الناس نسي الموت، فصار يهيم في هذه الدنيا ولا يفكر أنه سوف ينتقل منها على رغم أنفه: كَلاَّ إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِي * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ [القيامة:26-29] نعم إن الموت آتٍ لا محالة: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185] هذا كلام الله عز وجل في القرآن، فإذا قرأنا القرآن وتدبرنا معانيه وجدنا أن القرآن يحضنا لاغتنام العمر بالأعمال الصالحة، وإلا سوف ننتقل من هذه الدنيا على شر حال والعياذ بالله قال الله: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185] ثم بعد الموت أيها الإخوة في الله ينتقل الإنسان إلى دار البرزخ، ودار البرزخ معروفة والذي ينكر ذلك فهو كافر والعياذ بالله، إما في نعيم وإما في جحيم، إما في روضة من رياض الجنة أو في حفرة من فر النار قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185] ويقول الله سبحانه وتعالى: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ [آل عمران:196-198] الله أكبر! هذا الفرق يا عباد الله! لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ [آل عمران:198].

    الغفلة عن الآخرة

    الحادي عشر: من أسباب الانحراف هو أن الناس أعرضوا عن تذكر الآخرة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة} إذا تذكر الإنسان الآخرة وتذكر أنه سوف ينتقل من هذه الدنيا، وسوف يوقف بين يدي الله عز وجل، وسوف يحاسب على القليل والكثير هل يحصل عنده هذا الانحراف؟ لا. ولكن لا يحصل عنده الانحراف إلا إذا وجدت الغفلة وكثرة الشهوات، كما قال تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً [مريم:59] نسأل الله العفو والعافية.

    سبحان الله! هذا نتيجة الإعراض عن طاعة الله سبحانه وتعالى.

    أكبر سبب للانحراف هو الإعراض عن طاعة الله قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124].

    لذلك بعكس الانحراف وهو الإقبال على الله عز وجل، والتمسك بطاعة الله والالتزام بطاعة الله، يقول الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: {ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي عليها} الله أكبر، لا إله إلا الله {ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه} الله أكبر أيها الإخوة في الله، فرق بين هذا وذاك ولكن كما يقول الله تعالى: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35].

    أيها الإخوة في الله: إذا أردنا أن نعيش في هذه الحياة عيشة طيبة، فعلينا أن نرجع إلى الله عز وجل، وإذا جلسنا في المجالس فلا نتلاوم، نقول: مكان كذا صار فيه زلازل، مكان كذا صار فيه فيضانات، مكان كذا صار فيه رياح مدمرة، أولاً قبل أن نتحدث بهذه الأشياء نرجع إلى أنفسنا، ونحاسبها، بأي شيءٍ أصيبت هذه الأمم، بهذه الأنواع من عذاب الله سبحانه وتعالى، والله لم تصب إلا بسبب انحرافها وبعدها عن الله عز وجل؛ لأن الله عز وجل يقول: وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46] صدق الله، وما ربك بظلام للعبيد، وليس بين الله وبين خلقه نسب كما قال صلى الله عليه وسلم: { من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى }. فمن أطاع الله سبحانه وتعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه فاز وسعد في الدنيا والآخرة، ومن أعرض وعصى فيا لها من عقوباتٍ ما أشدها يا عباد الله! ولكن متى يتذكر هذا المعرض عن الله عز وجل، أيتذكر عندما يرى جهنم؟ -والعياذ بالله- قال تعالى: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ [الفجر:23] قال الله تعالى: وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى [الفجر:23].

    لا يمكن الآن التذكر، ذهبت الدنيا دار العمل، هذه الدنيا التي أيامها قليلة خلقنا فيها للابتلاء؛ لنعمل الصالحات فمن عمل صالحاً فلنفسه، كما قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46].

    1.   

    لابد من محاسبة الإنسان لنفسه

    نعم. نحاسب أنفسنا أيها الإخوة في الله، لأن بعض الناس إذا نهيته عن شيءٍ قد ارتكبه يعارض ويقول: التقوى هاهنا، يضرب صدره الله المستعان! ويقول: التقوى هاهنا، وبعض الناس تقول له: يا أخي! صدرت فتوى من هيئة كبار العلماء يقولون: إن حلق اللحية حرام، مستدلين يقوله صلى الله عليه وسلم: (أكرموا اللحى، وفروا اللحى، أرخوا اللحى، أعفوا اللحى، لا تتشبهوا باليهود والنصارى) هكذا يقول صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من تشبه بغيرنا) وقال:(من تشبه بقوم فهو منهم) ثم يقول: لقد سمعنا المعلم الفلاني، يقول: أنها سنة، إذا تركتها تثاب عليها وإذا حلقتها لم تعاقب، نقول له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول: قال المعلم الفلاني مع الأسف الشديد والله عز وجل يقول: وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7] انتهوا مباشرة، يقول: فإذا نهاكم الرسول عن شيء فانتهوا وابتعدوا.

    نعم تجد بعض الناس تقول له يا أخي! الإسبال حرام وكبيرة من كبائر الذنوب، اسمع حديث الرسول صلى الله عليه وسلم:(ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، قال أبو ذر: من هم؟ خابوا وخسروا يا رسول الله! من هم، يكررها ثلاث مرات، وذكر منهم صلى الله عليه وسلم: المسبل) وفي رواية: (لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء) ثم يأتي بعض الناس، ويقول: لم أجره خيلاء، ولا إسبال، إنما أريد زينة، ونقول له: الزينة للنساء هن اللواتي أُمرن أن يرخينه شبراً، ولكن عكس الأمر فبعض الناس ترك المرأة تذهب إلى الخياط، ويفصل عليه الثوب القصير، أو يشق الثوب من الناحيتين أو يشقه إلى الفخذين مع الأسف الشديد، وصار بعض الرجال يسحب ثوبه، وإذا قيل له، قال: ما أجره زينة ولا خيلاء، نقول له: اسمع قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار) هل لك طاقة يا عبد الله على النار؟! ما هذه النار؟ أتظن أنها هذه النار التي تراها في الدنيا؟ لا. اسمع وصفها، قال تعالى: نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6].

    فيا أيها المسلم: انتهِ عن الإسبال واتق الله واتبع هدي الرسول صلى الله عليه وسلم.

    بعض الناس تقول له: يا أخي! اتقِ الله لماذا تقضي هذا الوقت في غير طاعة الله؛ لأن بعض الناس قد فتنوا بلعب الورقة وهي البلوت والكنكان، ومع الأسف الشديد والله المستعان، يقول: والله أنا أحب أن أصلي الفجر، ولكن لا أستطيع أن أقوم، نقول له: ماذا تعمل يا عبد الله، ما هو منهجك في هذه الحياة؟ يقول: إذا انتهيت من العشاء -لا ندري هل يصلي أو لا يصلي- أذهب إلى الشلة وأجلس معهم فيلعبون البلوت والكنكان إلى وقت النزول الإلهي ولا نقوم حتى تسقط الورقة من أيدينا، فإذا انتهينا من هذه الورقة، وإذا نحن جيف والعياذ بالله، يقول: نحب أن نصلي الفجر ولكن لا نستطيع، ماذا تعمل؟ قال هذا عملنا؟ نسهر طول الليل مع البلوت والكنكان، نسأل الله العفو والعافية، ولقد صدرت فتوى -وبعض الناس لا يحب هذا الكلام أنا أعلم أنه لا يحبه، لكن أنا سوف أجيبه بالذي سمعناه ويلزم علينا أن نقول له هذه؛ لأننا مسئولون عنها يوم القيامة؛ لأن بعض الناس لم يسمع هذا، وأنا أخبر أن بعض الناس لم يسمع- فقد صدرت فتوى من هيئة كبار العلماء: أنه يحرم اللعب بالورق، وإن كان على غير عوض، لماذا؟ لأنها تصد عن ذكر الله، وهي تقضية للوقت في غير ذكر الله عز وجل، وأنت يا أخي مسئول عن هذا الوقت.

    وبعض الناس يقول: أنا والله قتلني الفراغ، يحسب إنه مخلوق لهذه الدنيا يأكل ويشرب وينام، ولا يدري أنه سوف يموت وينتقل إلى هذا القبر، والقبر صندوق العمل، إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار، ثم إذا كان يوم القيامة تعرض عليه هذه الصحف التي أمضاها في الحياة الدنيا، هذه الخزائن تفتح له يوم القيامة، فإن وجد فيها خيراً، فعند ذلك يحمد الله وإن وجد عليها غير ذلك فترى الكآبة والحزن والهم والغم والعياذ بالله، فما بالك لو عرضت عليك هذه الصحائف يوم قضيته مع البلوت والكنكان ويوم مع الأفلام ويوم مع التمثيلية، ويوم مع الأحاديث الفارغة، لا تجد في هذه الصحائف كلمة تستفيد منها ولا حول ولا قوة إلا بالله، ويقولون: قتلنا الفراغ، أتدري أيها الإنسان لماذا خلقت؟

    اسمع لماذا خلقت، اسمع لماذا خلقك الله عز وجل، قال الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] الله أكبر، لا ليلعبون فلذلك يقول الله: فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ * يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [المعارج:42-44].

    ياله من يوم عظيم إذا فتحت فيه تلك الخزائن يا عبد الله، أتظن أنه مغفول عنك؟ لا والله ما غفل عنك يا عبد الله، تذكر الذي عن اليمين، والذي عن الشمال، هذا يكتب الحسنات، وهذا يكتب السيئات، تذكر ذلك يا عبد الله، إذا تذكرت أن عليك ملائكة يكتبون، هذا يكتب الحسنات وهذا يكتب السيئات؛ فعند ذلك لعلك ترتدع عن قضاء الوقت فيما يغضب الله عز وجل، فابتعد عما يغضب الله وبادر إلى طاعة الله عز وجل، وأدِّ ما أمرك الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلقد ذكرت لك الحديث القدسي الذي قال الله فيه: ( ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه ) أتدري ما هو هدي الرسول صلى الله عليه وسلم؟ نعم. أنا أخبرك بذلك وإن كنت أكرر ذلك في كل جلسة، (هدي الرسول صلى الله عليه وسلم: أنه يكره النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها).

    الله أكبر، الرسول صلى الله عليه وسلم يكره الحديث وينام مبكراً ليستيقظ مبكراً؛ ليحظى بالوعد الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا جل وعلا كل ليلة إذا بقي ثلث الليل الأخير إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائبٍ فأتوب عليه؟ هل من سائلٍ فأعطيه؟).

    فأين أنت يا عبد الله! في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم، يسأل الله من خيري الدنيا والآخرة إلا أعطاه. الله أكبر!

    كيف نضيع هذا يا عباد الله؟!

    كيف نضيع هذا يا أمة الإسلام؟

    أين العقول؟

    أسأل الله عز وجل أن يوفقنا لطاعته، وأن يهدينا إلى صراطه المستقيم، إنه على كل شيء قدير.

    وأقول للذي يترك الزوجة والبنت والأخت مع السائق، وإذا قيل له من بعض الناس: إنا نرى من السائق بعض المخالفات مع أهلك إذا رضي بذلك، فأقول له: احذر أن تكون ديوثاً؛ لأن الديوث حرام عليه الجنة، والديوث: هو الذي يرضى في أهله الخبث -نسأل الله العفو والعافية- وتجد بعض الناس يقال له: لقد رأينا الزوجة مع السائق، قال: بس أم فلانة عارفها أنا، أم فلانة خبز يدي، أنا أعرفها، كيف تقولون كذا وكذا، طيب البنت الأخت قال: كل شي لا تكلمني أنا أعرف الأولاد وأعرف أهلي، فهذا -نسأل الله العفو والعافية- إذا رضي بهذا فهو ديوث، والديوث حرامٌ عليه الجنة، فنسأل الله أن يوفقنا لنغار على محارمنا، ونسأل الله أن يوقظنا من رقدة الغفلة وأن يهدينا إلى ما يحبه ويرضاه.

    وكذلك أقول لكم: لا تنسوا الأولاد عن أمرهم بالصلاة، وقد قلت لكم في بداية الكلام أن من أسباب انحراف بعض المجتمعات ترك الآباء أولادهم ترك الحبل على الغارب، فلا يأمرهم بالصلاة ولا يأمرهم بالمعروف ولا ينهاهم عن المنكر والعياذ بالله، فهذه أمانة ائتمنك الله عليها، واسمع ماذا قال الله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَات وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72] وبعض الآباء إذا قام الفجر يغطي الولد، يقول: باسم الله عليك وفتح له المكيف يحسب إنه يرحمه -وهذا المسكين لا يعرف أنه غشه، وسوف يمسك على ناصيته يوم القيامة بين يدي الله ويقول: يا رب ظلمني أبي- باسم الله عليك، ثم يمضي من الوقت نصف ساعة إلا ويقول: قم يا وليدي المستقبل أمامك، قم المستقبل أمامك، مستقبل الدنيا. والآخرة لا. الآخرة باسم الله عليك يغطيه في البطانية ويفتح له المكيف، خليه يتلذذ في نومه، سبحان الله العظيم! إنا لله وإنا إليه راجعون، لا حول ولا قوة إلا بالله!!

    فنقول: احرصوا على الأولاد جزاكم الله خيراً، ونسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى إنه على كل شيء قدير وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأعتذر عن الإجابة عن الأسئلة؛ لأني لست من أهل الفتوى، والحمد لله العلماء كثير، فينبغي لكم أن تعرضوا عليهم أسئلتكم، أما نحن فاسمحوا لنا جزاكم الله خيراً.

    فأقول سبب بعض الانحرافات هو الغفلة والابتعاد عن كتاب الله عز وجل وهذا لا شك فيه، ولقد قرأت قوله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً [طه:124] ولا شك أن الإعراض عن كتاب الله سبحانه وتعالى من أسباب انحراف المجتمعات، فعلينا أن نرجع إلى كتاب الله وأن نهتم بقراءة القرآن والحمد لله الآن مدارس تحفيظ القرآن انتشرت، نسأل الله أن يوفقنا وإياكم بالعلم النافع، إنه على كل شيء قدير.

    فالقرآن أيها الإخوة في الله! لو يعلم الأب ما له من الكرامة والأجر لحرص على ابنه، ويوم القيامة يلبسان تاجين، ويقولان: من أين لنا هذين؟ فيقال: بسبب تعليمكما لابنكما القرآن، أو كما ورد في الحديث، والمهم أن معنى الحديث أنه بسبب تعليم ابنك القرآن في الدنيا أن الله يلبسك تاجاً يوم القيامة فهل أحد لا يريد هذا التاج؟

    نسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه، ويجنبنا ما يبغضه ويأباه، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.