إسلام ويب

معنى لا إله إلا الله -4للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يدعو الله عز وجل عباده إلى معرفته بما أنزل من آيات، وما نصب من علامات، وهذه المعرفة لا يقصد بها المعرفة السطحية التي لا يكاد ينكرها أحد، وإنما الغرض من معرفة الله عز وجل تأليهه دون من سواه، وذلك بالالتجاء إليه، والتوكل عليه، والرغبة إليه، والرهبة منه، وصرف جميع أنواع العبادات إليه سبحانه وتعالى.

    1.   

    لا إله إلا الله هي كلمة التقوى

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا الوقت ندرس رسالة: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقد عرفنا أنَّ لا إله إلا الله هي كلمة التقوى، لو سئلت يا عبد الله عن كلمة التقوى ما هي؟ فأجبِ السائل بقولك: هي لا إله إلا الله. أي: لا معبود بحق إلا الله عز وجل. ودليل ذلك قول الله تعالى: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا [الفتح:26]، ألا وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أصحاب بيعة الرضوان.

    وهذه الكلمة (لا إله إلا الله) هي أفضل كلمة على الإطلاق؛ لقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ( أفضل ما قلت أنا والنبييون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير ). وقد سبق أن علمنا أن هذا ورد الصالحين والصالحات، فلا تطلع شمسك يا عبد الله ولا تغرب إلا وقد ذكرت هذا الورد العظيم، وهو أن تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير مائة مرة، سواء وأنت تمشي، أو أنت راكب، أنت جالس، أنت مضطجع، على جنبك، لا يحول بينك وبين هذا الذكر، وإن كنت جنباً ولم تغتسل، لا يفوتك يا عبد الله! لا يفوتك يا أمة الله هذا الورد، والله إنه لمن خير الأوراد وأفضلها، وحسبنا أن يقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: ( من قال حين يصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير مائة مرة، كان له عدل عشر رقاب )، وهذا أيام كانت الرقاب تعتق في سبيل الله، والرقبة بالآلاف، فالذي يأتي بهذا الورد مؤمناً صادقاً يكون له كأنما عتق عشر رقاب في سبيل الله.

    ( وظل يومه ذلك كله في حرز من الشيطان )، أي: بعدما يمحو الله به عنه مائة سيئة، ويرفعه مائة درجة.

    ( ولا يأتي إنسان بأفضل مما أتى به، إلا من قال مثله وزاد ). فإن شاء الله نعمل بهذا الورد أو لا؟ والله ما يصرفنا عنه إلا الشيطان، فهو لا يكلفنا طاقة ولا جهداً ولا مالاً ولا أي شيء، فلماذا ما نقوله في صدق؟ وليس شرطاً أبداً أن تكون جالساً مستقبلاً القبلة، بل حيثما اتجهت اذكر الله عز وجل، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [آل عمران:191]. هذه كلمة التقوى.

    1.   

    لا إله إلا الله مفتاح الشفاعة

    لا إله إلا الله هي مفتاح الشفاعة، صاحبها يشفع ويشفع فيه، وعادمها لا يشفع ولا يشفع فيه، إذ قال تعالى: وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:86]، من هو الذي شهد بالحق؟ من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فهي أيضاً كلمة الشفاعة. فنضيف إلى كلمة التقوى كلمة الشفاعة، وأفضل كلمة قالها نبي من أنبياء الله ورسله فضلاً عن غيره من الأنبياء.

    وسر هذا يا معشر المستمعين والمستمعات! أن تكون عالماً بما تقول، لما تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فقد سبق علمك بأنه حقيقة لا يوجد إله إلا الله وحده، وكل الآلهة باطلة وكذب وافتراءات، فلا يوجد إله إلا الله. وما الدليل على دعواك هذه؟ دليلي على دعواي: لا يوجد خالق سوى الله، ولا يوجد قوي قادر لا يعجزه شيء إلا الله، ولا يوجد مالك يتصرف يعطي ويمنع إلا الله.

    إذاً: فلهذا شهدت أنه لا إله إلا هو، أي: أشهد على علم. وشهدت أن محمداً رسول الله؛ لأني علمت يقيناً أن الله أنزل عليه كتابه، وكتاب الله موجود مقروء مكتوب محفوظ، وهذا الكتاب نزل على من؟! هل هناك من ادعى في العالم أنه نزل عليه؟ الجواب: لا، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: فيستحيل أن يكون غير الرسول، وقد أوحى الله إليه كتابه وأنزله عليه ليبلغه ويدعو به إليه، فهو إذاً: رسول الله، فتكون شهادتك على علم، إذ الشهادة لابد وأن تكون على علم، فكيف تشهد في المحكمة أن فلاناً قال أو ما قال بدون علم سابق؟ لابد أنك وقد علمت.

    1.   

    آيات الله الكونية والتنزيلية تشهد بوحدانية الله وألوهيته

    علمنا من دراستنا السابقة لهذه الرسالة أنَّ الذي يشهد بألوهية الله وأنه لا إله إلا الله، آياتُ الله الكونية والتنزيلية، فهذه الآيات الكونية من الذرة إلى المجرة، ذي العوالم كلها مخلوقة مربوبة، من خالقها، من ربها، من مالكها، من مبيدها، من محييها، من.. من؟ لا جواب إلا: الله .. الله .. الله.

    الآيات التنزيلية هذا القرآن كلام أو لا؟ علم أو لا؟ هل هناك كلام أفضل منه، وأقوى منه. هل هناك علم أفضل منه وأوسع؟ لا والله العظيم.

    إذاً: هذه الآيات القرآنية؛ كل آية تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

    كل آية؛ لأن لفظ الآية معناه العلامة أو لا؟ ما آية كذا؟ أي: ما علامة كذا؟ ما علامة وجود الله؟ هذه الآيات أكلام يوجد بدون متكلم؟ مستحيل، هل ممكن أن توجدوا كلاماً بدون متكلم به؟ مستحيل. كيف يوجد كلام والمتكلم غير موجود، من يقول بهذا من العقلاء؟!

    كلام الله كله علم ومعرفة، قد طأطأت الدنيا رأسها أمامه؛ أفهذا كله لا يدل على وجود الله وألوهيته وعلمه وقدرته؟! ولا يدل على أن محمد بن عبد الله رسول الله ونبي الله وخاتم أنبيائه؟ وإلا ما الدليل؟ أما بقيت عقول!

    إذاً: الأدلة الكونية يا أبنائي ويا إخواني! هذا العالَم من الذبابة التي تشاهدها؛ من خلقها؟ ولم خلقت؟ وما سر خلقها؟ ولو تتبعت المخلوقات كلها تقف عند كلمة حقاً: الله الخالق الرازق المدبر، آمنت به إلهاً .. ومن هنا عرفت أنه لا إله إلا هو، فلا أقبل بوجهي ولا بقلبي على كائن من كان إلا عليه وحده.

    1.   

    الغرض من معرفة الله

    قال المؤلف غفر الله لنا وله ولكم وإياه ولسائر المؤمنين: [ الغرض من معرفة الله ]، ما الفائدة من معرفة الله؟ ما الغرض الذي تهدف إليه إذا عرفت الله؟ نعم يجب أن تعرف الله بلا جدال ولا خلاف.

    يجب معرفة الله؛ لأنه لا يخشى اللهَ إلا من عرفه، ولا يخاف اللهَ إلا من عرفه، والدليل قوله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، وهذه الصيغة صيغة حصر، فإنما يخشى اللهَ حقاً من عباده العلماءُ فقط، أما الجاهلون به فلا يخافونه، ولكن من عرف جلاله وكماله وقدرته وحكمته وجبروته لا يستطيع أن يعصيه، والدليل أقوله دائماً: ادخل قرية من قرى المسلمين أو عاصمة من عواصمها، وابحث عن أتقاهم لله، فوالله لن يكون إلا أعلمهم بالله.

    تأملوا هذه لعل الشيخ واهم: ادخل أي بلد واسأل عن أتقاهم لله، والله لن يكون إلا أعلمهم بالله، وما زدت على أن قلت ما قال ربي: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ من؟ الجهال؟ الجواب: العالمون: الْعُلَمَاءُ .

    مثال عامي، ونحن دائماً مع العوام، ونحن منهم والحمد لله، مثلاً: إذا عرفت أن في هذا الحي ثعباناً أو في هذا البيت، تخاف أو ما تخاف، تبقى تتحسس، إذا مشيت .. إذا قمت تقول: لعل الثعبان عندي، أليس كذلك؟ وإذا كنت لا تعلم أن هناك ثعبان سيحصل خوف في نفسك؟ والله ما كان.

    فمن عرف أن الله له الجبروت والقدرة يأخذ ويعطي، يميت ويحيي، ويعز ويمد خافه، ومن لم يعرف هذا كيف يخافه؟ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر:28].

    فإن قيل: يا شيخ! كيف نكون علماء؟

    كيف تكونون علماء! اجتمعوا اجتماعكم هذا كل ليلة طول العام ما بين صلاة المغرب والعشاء تصبحون والله أعلم أهل الأرض. هل تعرفون أوروبا التي قادتنا وحكمتنا لما هبطنا؟ اذهب إلى باريس أو لندن إذا دقت الساعة السادسة ومالت الشمس إلى الغروب وقف العمل، وأقبل أولئك الأموات إلى المقاهي والمراقص والمقاصف يلهوون ويلعبون؛ لأن قلوبهم ميتة.

    ونحن على عكسهم إذا دقت الساعة السادسة توضأنا وأخذنا نساءنا وأطفالنا إلى بيوت ربنا، فنصلي المغرب، ونجلس إلى عالم مربٍ بالكتاب والسنة، ليلة آية، وأخرى حديث، ليلة آية، وأخرى حديث، وطول العام، والله ما يبقى جاهل ولا جاهلة قط في تلك القرية وتلك المدينة. وإذا انتفى الجهل ماذا يحل محله؟ والله لا غش ولا خداع ولا سرقة ولا كذب ولا عجب ولا كبر ولا ظلم ولا اعتداء أبداً، تنمحي، لماذا؟ لأنهم أصبحوا علماء، والعلماء هم الذين يخشون ربهم، فلا يستطيعون أن يقولوا كلمة لا يرضى الله عنها، ومع الأسف ما نسأل: كيف نعمل؟ كيف نتعلم؟ هذا هو الطريق، فليس هناك من يوحى إليه، وإنما هو: ( إنما العلم بالتعلم ) قالها أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، وقال: ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ) رواه البخاري ، فيصبح يعرف أسرار هذا الدين: لمَ يتوضأ؟ لمَ يستقبل القبلة؟ لمَ يرفع أصبعه لا إله إلا الله؟ كل هذه الأسرار هو على علم بها.

    من يحصل على هذا؟ أهل المقاهي والملاهي والملاعب، والدكاكين مفتوحة وبين المغرب والعشاء؟! ظلم هذا وباطل.

    مالت الشمس إلى الغروب نظامنا نحن أتباع محمد صلى الله عليه وسلم وإن كنا أقلية في العالم؛ نظامنا إذا دقت الساعة السادسة، أغلق الدكان، ارم المسحاة من يدك، ارم المرزبة من يدك، إلى أين؟ إلى بيت الرب، سبحان الله! للرب بيت؟ أي نعم، نذهب إلى ربنا، والله إلى ربنا وهو معنا، فنصلي المغرب والنساء وراء الستار، والأطفال منظمين كالملائكة صفوفاً، والفحول أمامهم، ونجلس ساعة نتعلم فيها آية من كتاب الله، نرددها ونتغنى بها في أنفسنا حتى تحفظ، وبعد حفظها يشرح المربي ويبين لنا مراد الله منها، فإن كانت تحمل عقيدة عقدناها من تلك الساعة في نفوسنا، تحمل أدباً من تلك الساعة عملنا على أن نتأدب به، تحمل أمراً من ذلك الوقت عازمون على فعله، تحمل نهياً من تلك الساعة اجتنبنا ذلك المنهي عنه، ويوماً بعد يوم وبعد يوم نسمو ونرتفع، عاماً .. عامين .. نصبح كالقرون الذهبية، فلا نحتاج إلى قلم ولا إلى قرطاس، لقد أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرفون الألف ولا الباء، أما سيدهم وخاتمهم صلى الله عليه وسلم فلا يعرف الألف ولا الباء، وهل حصل العلم؟ علماء أو لا؟ والله لا أعلمَ منهم في الأرض؛ لأن العلم بالتلقي .. بالتعلم.

    فعسى أن يبلغ المستمعون هذه الدعوة إن شاء الله في مدنهم وقراهم، ويقول صاحب القرية: تعالوا نجتمع بين المغرب والعشاء كل ليلة نذكر الله ونعبده، ما المانع؟ تغضب الحكومة والله لتساعدهم، حتى ولو كانت يهود إسرائيل، لماذا؟ لأنكم تتعلمون الكمالات، فتهدأ الحال وتستريح الأمة وتصبح في أحسن ما تكون.

    المعرفة السطحية لله قلَّ من ينكرها من أهل الملل والنحل

    قال: [ وإذا كان الله سبحانه يدعو خلقه] أي: عباده [ إلى معرفته بما أنزل من آيات وما نصب من علامات ]، قوله: (أنزل من الآيات) أي: القرآنية، وقوله: (ما نصب من العلامات) أي علامات نصبها؟ الجبال، البحار، الأشجار، الإنس والجن، ذي علامات دالة على خالقها أو لا؟

    قال: [ فإن الغرض من ذلك ليس هو مجرد المعرفة السطحية فقط. فإن مثل هذه المعرفة السطحية قلَّ من ينكرها، فقد أقر بها كثير من أهل الملل والنحل: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87]، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف:9] ]، فهذه معرفة سطحية فهم ما عرفوا الله، كالذي سمعوا به فقط.

    الغرض من معرفة الله هو توحيده وتأليهه

    ثم قال: [ وإنما الغرض من معرفة رب العالمين تأليهه دون من سواه ] الغرض من معرفة الله تأليهه، أي: عبادته دون من سواه، أما إن عرف ولم يعبد كأنه ما عرف، سواء بسواء. عرف وعبد؟ نعم. عرف ولم يعبد كأنه ما عرف. فلهذا قال: [ وإنما الغرض من معرفة رب العالمين تأليهه دون من سواه] من الكائنات كلها في العالم العلوي أو السفلي.

    ثم قال: [فمن عرف ربه وجب عليه تأليهه ] من عرف ربه بجلاله وكماله وصفاته وجب عليه أن يؤلهه دون من سواه.

    وتأليه الله تعالى بم يكون؟ قال: [ بالالتجاء إليه]، تلجأ إلى الله عز وجل في كل ما تريده من أمور الدين والدنيا، فإن مرضت تلجأ في العلاج إليه، وإن جعت تلجأ في الشبع إليه، إن.. إن ..، دائماً لجوءك الصادق إليه عز وجل.

    ثم قال: [ والتوكل عليه ] بالاعتماد وتفويض الأمر إليه، فلا تعرف إلا الله، تلجأ إليه وتوكل عليه.

    ثم قال: [والرغبة إليه] أي: الطمع، [والرهبة منه] أي: الخوف منه. ويتم ذلك [بطاعته وتقواه؛ بحبه الشديد وابتغاء رضاه، بصرف جميع أنواع العبادات له وحده لا شريك له دون من سواه ].

    إذاً: ما الغرض من معرفة الله يا شيخ؟

    الجواب: الغرض من معرفة الله بما أنزل من آيات وما نصب من علامات، الغرض من ذلك هو ليس مجرد المعرفة السطحية، بل الغرض من ذلك تأليه الله تعالى، أي: عبادته دون من سواه، لا مَلك مقرب ولا نبي مرسل ولا عبد صالح؛ فضلاً عن الحيوانات وهذه الجمادات.

    فقوله: (فمن عرف ربه) أي: معرفة حقيقية (وجب عليه تأليهه) وبم يكون التأليه لله؟ قال: (بالالتجاء إليه) أي: تلجأ إليه في كل ما تحتاجه. فيا عبد الله الفقير إلى الله! ارجع إلى ربك في كل شئونك.

    ثم قال: [ والتوكل عليه ] وهنا أعطيكم مثالاً للتوكل: أخونا فتح دكاناً .. بقالة .. سوبر ماركت، يبيع فيه من كل الخيرات ما شاء الله، لكن عنده مجلات فيها صور للعواهر، وفيها الدعوة إلى الشرك والباطل والكفر، ويبيع أيضاً السجائر على اختلافها، فتدخل تقول له: يا أخي! هذا خير من الله بسطه الله لك، فلا تبع هذه المجلات في بلد إسلامي، فإن فيها صوراً للعواهر وصوراً للمجرمين، وفيها ما يفسد قلوب المؤمنين، ولا تبع الدخان أيضاً؛ لأنه حرام على المسلمين؛ لأنهم يطهرون أفواههم بذكر الله، وهم يتصلون بالرب خمس مرات ويجالسونه، فكيف تبيع هذه الأشياء في بلد إسلامي؟ فيقول هذا الذي لا يعرف التوكل: إذا لم نبع هذه الأشياء للزبائن ما يأتوننا، وما يأخذوا منا، والزبائن لا يشترون لا زيتاً ولا سكراً ولا حلاوة إذا لم تكن هذه المجلات وهذه السجائر موجودة. فهذا هل توكل على الله أم على هذه المجلات؟ توكل على بيع الباطل الحرام، ما توكل على الله ولا فوض أمره إليه.

    مثال آخر: لو أن فلاحاً أرضه صالحة للزراعة والمطر ينزل دائماً، وقلنا له: ازرع البر في هذه القطعة لإخوانك، قال: ممكن لا ينزل المطر، وممكن لا ينبت، ما نتعب، فهل هذا توكل على الله أم ماذا فعل؟ لو توكل على الله لبذر بذره وتركه لله، إن شاء سقاه، وإن شاء أعطشه، إن شاء نماه، وإن شاء تركه.

    مثال آخر: يا عبد الله! تزوج، العزوبة في الإسلام غير ممدوحة أبداً، وستتعب من العزوبة فتزوج. يقول: ما عندي وظيفة ولا عندي عمل وكيف نتزوج؟ أين التوكل على الله؟ أنت توكل على الله وتزوج والله يغنيك. لقد كان عمر يقول: من أراد الغنى فليتزوج. يعلنها للناس، كيف يا عمر ؟ مستشهداً بقول الله تعالى من سورة النور، أين أهل القرآن؟ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:32]، من أراد أن يستغني فليتزوج، وقد رأينا الصعلوك مثلي ما يتزوج يأكل عند أبيه .. عند أمه دائماً في كذا، ما إن يتزوج يصبح هو يطعم المرأة ويسقيها وأولاده، بدلاً ما كان هو يسقى أصبح يسقي على الفور.

    فالشاهد عندنا التوكل على الله أي: تفويض الأمر إليه، أنت ائت بالواجب واترك الأمر لله عز وجل.

    ثم قال: [ والرغبة إليه والرهبة منه ] الطمع فيه والخوف منه، ما نخاف غير الله ولا نطمع في غير الله أبداً.

    قال: [بطاعته وتقواه، بحبه الشديد وابتغاء رضاه، بصرف جميع أنواع العبادات له وحده لا شريك له دون من سواه].

    1.   

    دعوة الرسل

    ثم قال معنوناً: [ دعوة الرسل ] هيا نعيش دقائق مع دعوة الرسل، من هم الرسل يرحمكم الله؟ نوح وإبراهيم وموسى وعيسى والأنبياء، كم الرسل؟ ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً، كم رسل الله يرحمكم الله؟ ثلاثمائة وأربعة عشر، تنساها؟ هذه ما تنساها، ارجع إلى البيت وتحدث بها مع أهلك: الرسل كم عددهم؟ ثلاثمائة وأربعة عشر. وهم على عدة قوم طالوت الذين قاتل فيهم جالوت وانتصر عليهم، وهم على عدة أصحاب رسول الله في بدر.

    إذاً هناك ثلاثة أعداد متساوية! لا إله إلا الله! الرسل ثلاثمائة وأربعة عشر، وقوم طالوت الذين حارب بهم جالوت ثلاثمائة وأربعة عشر وهزمهم، وقوم بدر أهل بدر عددهم ثلاثمائة وأربعة عشر هزموا ألف مشرك.

    كم عدد الرسل؟ أو ما أنتم في حاجة إلى معرفتها، لو كان بقلاوة أو حلوى مباشرة نعرفها، ما هي عدد الرسل؟ ثلاثمائة وأربعة عشر يجب أن نحفظ هذا، هؤلاء رسل الله نصلي عليهم ونسلم، لابد ولنا علم بهم.

    إذاً: دعوة الرسل كيف كانت؟

    قال: [ والرسل صلوات الله وسلامه عليهم إذ يبدءون دعوتهم إلى الله بالدعوة إلى عبادته سبحانه وتعالى ] أي: يبتدئون دعوتهم إلى الله بالدعوة إلى عبادته سبحانه وتعالى.

    ثم قال: [ وترك عبادة غيره من سائر المخلوقات، قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [المؤمنون:23]، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا [النحل:36] ]، أي: ولقد بعثنا في كل أمة من الأمم رسولاً، ماذا يصنع؟ قال: [ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36] ]، يا أيها الناس! اعبدوا الله واتركوا عبادة الطاغوت وهو الشيطان، فقد طغى وتكبر.

    إذاً: فكل عبادة لغير الله هي عبادة للشيطان، فهو الذي أمر بها وزينها وحسنها، فكيف نعبد الشيطان!

    قال: [ فهم ولابد يعرّفون الناس بخالقهم والمستحق لعبادتهم؛ لأن معرفة الله تستلزم عبادته، ومن كان أكثر معرفة كان أشد خشية وأكثر إنابة ].

    أقول: لما يقول نوح: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59] سبق أنه عرفهم به وعرفوه، فلهذا قال: اعبدوه ما لكم من إله تعبدونه غيره. كذلك أنبياء الله صالح وهود وغيرهم قالوا لأقوامهم: (اعبدوا الله)، ولا شك أنهم عرفوهم بالله، أي: اعبدوا الله الذي خلقكم ورزقكم وأوجد هذه الحياة من أجلكم، والذي بعثنا فينا كذا. فهم يعرفونهم بالله، ثم يأمرونهم بعبادته.

    قال: [ وفي هذا المعنى يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ( إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية ) ]، هذه كلمة رسول الله نكتفي بها ونحفظها فقط، يرحمكم الله ما تستطيعون حفظها؟ الرسول الحبيب يقول: ( إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية )، مادمتُ أنا أعرفكم بالله فخشيتي له أشد، وكل من كان أعلمنا بالله فوالله هو أشد خشية منا مطلقاً: ( إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية ).

    وقوله: (إني أعلمكم) ما معنى أعلمكم؟ أي: أعرفكم بالله، بصفات جلاله وكماله وقدرته وعظمته، وصفات ذاته الأزلية.

    وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية )، هو حديث نبوي شريف في الصحيح أو لا؟ والله في الصحيح، من أين أخذ هذا رسول الله؟ من قوله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، فالآية والحديث يمشيان مع بعضهما بعضاً، والرسول يستنبط من كلام الله، فما عنده قبل الوحي شيء، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية ) مأخوذة من قول الله: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]. فهيا نطلب العلم، إن شاء الله من الآن لا نفارق حلقة الدرس في بيوتنا، في مساجدنا طول الحياة، ساعة في اليوم، بين المغرب والعشاء لا كلفة ولا مشقة؛ المرأة وأولادها والزوج: يا ولدي اقرأ هذا الحديث، يُقرئ الحديث ونردده ونحفظه فرحين، هذا كلام رسول الله، حفظناه، يا أبت! ما معنى هذا الكلام؟ قال: الرسول يقول لكم كذا وكذا، افعلوا، فعلنا. هذا في البيوت فقط، وإذا بنا نسمو ونكمل ونصبح في أحسن حال.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الإحرام لمن دخل مكة وهو عابر سبيل

    السؤال: إذا مر عابر سبيل بمكة لقضاء حاجة منها، فهل يلزمه الإحرام أو الطواف بالبيت، وما الدليل على ذلك؟

    الجواب: لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يدخل مكة إلا محرماً، فيطوف بالبيت ويسعى ويقصر من شعره ويتحلل، وبعد ذلك يقضي حاجته، اللهم -هذا استثناء- إلا من كان يتردد عليها لمصالحه فيها، في الشهر يمشي مرتين .. ثلاث مرات، هذا معفو عنه، أما الذي يأتي من الشرق أو الغرب أو من المدينة، في العام مرة، في الستة أشهر مرة، يقول: أنا أذهب لحاجتي يجب أن يذهب محرماً.

    إذاً بالصورة العامة لا يجوز أن ندخل مكة إلا محرمين، فهذا البلد الأمين، بلد الله، وهذه مكة أو لا؟ هذا بيت الله فيها؟! فأول شيء نطوف بالبيت ونصلي ركعتين ونسعى، ونتحلل بقص الشعر. لكن الذين لهم أعمال في مكة ومصالح، كالتجار يترددون عليها كل شهر مرتين ثلاث مرات هؤلاء عفا الرسول صلى الله عليه وسلم عنهم، فلا يطالبون لا بالطواف ولا بالإحرام.

    أما الدليل على ذلك فهو أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يدخلون مكة لشغلهم، وبعث بهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وبعث عثمان بدون إحرام ولا طاف ولا سعى. فالذي ما له شغل ولا تردد يجب أن يأتي مكة محرماً، والذي يتردد عليها ويزورها مرتين ثلاث مرات في الشهر يعفا عنه.

    كيفية تقصير المرأة لشعرها بعد الانتهاء من السعي

    السؤال: إذا سعت المرأة بعد طوافها، كيف تقصر من شعرها؟

    الجواب: أما الحلق فحرام عليها، أما القص فهو السنة، فقط تجمع شعرها من أمام أو من وراء أو من فوق هكذا، وتقص قدر الأنملة- أي: رأس الأصبع- بمقص، ويكفيها ذلك ولا تزيد.

    كيفية تقصير الرجل لشعره عند التحلل

    السؤال: هل الرجل يقصر الشعر كله أو يحلقه كله أو يقصر شيئاً يسيراً؟

    الجواب: تقصير شيء يسير من الشعر لا يكفي، ولا يجزي؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قصروا ودعا الرسول صلى الله عليه وسلم للمحلقين قالوا: ( والمقصرين؟ قال: والمقصرين ). فلا يكون قد قصر إلا إذا أخذ من كافة شعره، أما شعيرات من هنا كالتحلل، هذا ما ينبغي، وهو مخالف للسنة.

    الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية

    السؤال: ما الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية؟

    الجواب: الفرق بينهما: توحيد الربوبية أن لا تعتقد وجود رب قط، لا في الملأ الأعلى ولا في الأسفل، أي: لا يوجد خالق رازق مميت محيي أبداً إلا الله، وهذا التوحيد ما أنكره كل البشر من عهد آدم، ما قرأنا الآية عن المشركين: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87] هو الخالق، مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف:9]، توحيد الربوبية: هو أن تعتقد وتشهد وتعلن أنه لا يوجد خالق ولا رازق ولا معطي ولا مانع ولا ضار ولا نافع ولا مدبر ومحيي ومميت إلا واحد، ألا وهو الله جل جلاله. فهذا توحيد الربوبية أو لا؟

    أما توحيد الألوهية فيكون تابعاً لتوحيد الربوبية، فمن لم يوحد الله في ربوبيته لا يؤلهه في عبادته، ولكن نقول: توحيد الألوهية: هو أن تقبل بوجهك وقلبك على الله، فلا تدعو إلا الله، ولا تستغيث إلا بالله، ولا تفعل شيئاً إلا لأجل الله، ولا تترك شيئاً إلا لأجل الله، ولا تحيا ولا تموت إلا لأجل الله؛ كلك بقلبك ووجهك لله: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [النساء:125]، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام:79].

    فالفرق بينهما كالفرق بين السماء والأرض.

    الفرق بين الربوبية أنك تعتقد لا رب، أي: لا خالق ولا رازق إلا الله، ثم توحيد الألوهية بأن تعتقد أنه لا يستحق العبادة إلا الله، فهو الخالق الرازق، وهو الذي يعبد، وتعلن عن ذلك بقولك: لا إله إلا الله، أشهد شهادة حق أنه لا إله إلا الله، ولا أعبد مع الله سواه قط، لا ملك ولا نبي ولا رسول ولا ولي.

    حكم الصلاة بعد غسل الجنابة وبدون وضوء بعده

    السؤال: من اغتسل من جنابته هل يصح له أن يصلي بذلك الاغتسال بدون وضوء بعده؟

    الجواب: الاغتسال فيه الوضوء، عائشة علمتنا، وشاهدت الرسول يغتسل، وعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الاغتسال.

    هذه المسألة من فهمها وعرفها وعمل بها والله لخير له من خمسين ألف ريال، نشوقكم أو لا؟ والله لأفضل، ولو أن مؤمناً صادقاً قيل له: لا يعرف غسل رسول الله إلا فلان، أين هو؟ في الجزائر أو في جبال التبت، والله لسافر إليه، هذا إذا كان مؤمناً يريد وجه الله عز وجل، وأنا أعطيكم الآن كيف تغتسلون، ولا تبالون يعني؟! نبرأ إلى الله من هذا.

    انظر الغسل يكون من الجنابة ويكون من الحيض ويكون من النفاس، والجنابة: الاحتلام والجماع، من هذا يجب الغسل. أما غسل الجمعة وغسل الإحرام فهو من السنن. فنقول: الغسل الواجب الذي ترتب على جماع أو حيض أو نفاس أو احتلام هو أن تكون متجرداً قطعاً والماء أمامك، فتفرغ على كفيك قائلاً: باسم الله، وتغسل كفيك ثلاث مرات، ثم تستنجي، أي: تغسل فرجيك وما حولهما من قبلك ودبرك، وأنت ناوٍ بقلبك الغسل رفع الجنابة، وناوٍ طاعة الله إذ أمرك بقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا [المائدة:6]، فلابد من هذه النية في قلبك، ثم تتمضمض ثلاثاً، تستنشق وتستنثر ثلاثاً، تغسل وجهك ثلاثاً، ثم تغسل يدك اليمنى مع المرفق ثلاثاً، واليسرى كذلك، ثم تمسح رأسك هكذا وأذنيك، وتغسل رجليك إلى كعبيك. هذا وضوء كامل هذا، توضأت هذا الوضوء؟ اغمس يديك في الماء، بللهما أو صب عليهما وخلل شعر رأسك حتى ما تتأذى من البرد. كذا كان أبو القاسم يفعل صلى الله عليه وسلم، فإذا خللت شعر رأسك خذ غرفة من الماء بكفيك على رأسك وضعها على الجهة اليمنى، واغسل الرأس كله مع أذنيك، وزد غرفة ثانية بكفيك على الجهة اليسرى وعمم بها رأسك كامل وأذنيك، وزد الثالثة ضعها على رأسك واغسل رأسك مع أذنيك ظاهراً وباطناً.

    الآن بقي الجسم، ثم صب الماء واغسل من رأسك من الجانب من الظهر والباطن إلى الكعب حيث غسلت رجلك، وزد اليسرى صب هكذا واغسل الظهر والباطن إلى الكعب، وتعهد تحت الإبطين، لابد أن تغسل هكذا، ما هو هكذا وبعد تمسح، وكذلك ركبتيك مد رجلك وتغسل الركبة من أسفل، فالأماكن التي يخفى فيها الماء تغسلها وتعتني بها، وبعد ذلك أنت مغتسل ومتوضئ فقم وصل. انتبهت! اللهم إلا إذا فسوت أو ضرطت وأنت تغتسل أو مسكت ذكرك بيدك حينئذ تعيد الوضوء، فبعدما تفرغ من الغسل تعيد وضوءك؛ لأنه انتقض الوضوء، كأنما لبست لباسك وانتقض الوضوء، هذا هو الغسل الشرعي النبوي الصحيح.

    أما غسل الجمعة وغسل الإحرام فهما كغسل الجنابة سواء بسواء، إلا أنه يعاد الوضوء بعد ذلك؛ لأن الغسل سنة والوضوء واجب، وما تقوم السنة مقام الواجب، أعد الوضوء بعد ذلك، وإعادة الوضوء أحوط، لماذا؟ لأنك نويت الغسل الذي هو سنة، كذا أو لا؟ فالأحوط لك بعدما تغتسل تتوضأ وضوءك للفرض الواجب، للفصل بين الواجب وبين المستحب.

    حكم من عليها هدي لم تذبحه في منى

    السؤال: امرأة عليها هدي ما ذبحته في منى، فهل عليها شيء، وكيف تعمل؟

    الجواب: إن ذبحته في مكة يجزئها، ولو بعد شهر وبعد شهرين، فإن عجزت أو نسيت تذبحه في مكة، فإن عجزت عن الذبح تصوم عشرة أيام.

    حكم المرور بين يدي المصلي في الحرمين الشريفين وغيرهما

    السؤال: ما حكم المرور بين يدي المصلي في الحرمين الشريفين وفي غيرهما من العالم؟

    الجواب: كل مرور بين يدي المصلي ممنوع، إلا الطائف إذا مر بين يديه المصلي وهو يطوف فلا حرج عليه؛ لأن الحق حقه. فلو أن طائفاً يطوف وأنت جئت تصلي في المطاف، له أن يمر ولا يبالي بك، فهمتم هذه؟ فقط في الطواف، وباقي الحرمين كسائر بيوت الله، لا يجوز المرور بين يدي المصلي أبداً، إلا في حالات: أولاها أنك تصلي في طريق الناس وتمنعهم من المرور، فهنا يمرون وأنت الآثم.

    مداخلة: وحتى في الحرم؟

    الشيخ: يا بني في المساجد كلها، ما في إلا فقط الطواف، الطائف له الحق أن يطوف، والمار بين يديه لا حق له، والمصلي لا حق له، ما عدا ساحة الطواف كل المساجد واحدة، لا فرق بين المسجد الحرام ولا الأقصى ولا المسجد النبوي، كلها بيوت الله.

    أنتم ما عرفتم السر في المرور بين يدي المصلي، لماذا حرمه رسول الله؟ وقال: ( لأن يقف أربعين خير له من أن يمر )، ما عرفتم السر؟ تريدون أن تعرفوه أو ما أنتم في حاجة إليه؟ لما نقول: الله أكبر، نصبح مع الله، ونصب الرحمن وجهه إليَّ، فأي شيء يقطع عني ربي! كيف أتحمله؟ الله أكبر، أنا مع الله، ولو مر بين يدي نظرت إليه أو لا؟ انقطع ذاك الفصال، كالذي ينظر ويلتفت انقطع الاتصال أو لا؟ فهذا هو السر؛ أن المصلي يناجي ربه ويتكلم مع ربه وهو به مشغول، فالذي يمر بين يديه يقطع تلك الصلة، وهذا يؤسفه ويحزنه.

    إذاً لا يصح المرور بين يدي المصلي في المواطن التي قلت أولاً: الذي يصلي في ممرات الناس هو الآثم كذا أو لا؟ مثل من يصلي عند أبواب المساجد يصلي النافلة، من أين يخرج الناس! هذا يحمل الغائط، وهذا سيارته عند الباب، وهذا شغله.. وأنت في الطريق تصلي! ما يجوز، يمر بين يديك ولا حرج فأنت الآثم، هذا الموطن الأول.

    والموطن الثاني في الطواف، فكما قدمنا دائرة الطواف مهما اتسعت فللطائف أن يمر بين يدي المصلي ولا حرج عليه؛ لأن الحق حقه هو، والمصلي ليس من حقه أن يصلي عند الطواف.

    والموطن الثالث: المأموم يمر بين يدي المصلي لإتمام الصف، فإذا كانت الصفوف قائمة وأنت جئت ورأيت فرجة أو فجوة، فلا بأس أن تأتي من أمامهم وتدخل فيها، إذ حصل هذا في منى والرسول صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس، فجاء عبد الله بن مسعود وابن عباس وألقى بحماره بعيدا،ً وجاء ودخل في الصف، ولم ينكر ذلك رسول الله ولا أصحابه.

    فهذه هي المواطن الثلاثة، وما عدا ذلك كما في الحديث: ( لأن يقف أربعين خير له من أن يمر ).

    وهنا حال أخرى أيضاً أن تكون حاقناً للبول أو الغائط وما استطعت أن تنتظر، ففي هذه الحال تستغفر الله عز وجل وتمر للضرورة القصوى، إذ الضرر مرفوع.

    حكم دفع صدقة الفطر في بلد أخرى غير بلد الإقامة

    السؤال: هل يجوز لي أن أدفع صدقة الفطر في بلدي وأنا مقيم هنا؟

    الجواب: أقول: حيثما كنت دفعتها أو دُفعت عنك تجزئك، فإذا علمت أن أهلك يخرجون زكاة الفطر عنك يكفيك ذلك، وإن دفعت أنت هنا تجزئك، وليس من حرج في الحالين، المهم أن تخرج زكاة الفطر، سواء حيث أنت أو حيث كان أهلك.

    حكم إعلام الفقراء بأن ما يدفع لهم هو زكاة

    السؤال: هل يجب إعلام الفقراء بأن ما أدفعه إليهم هو زكاة، حيث أنهم لو علموا ذلك ما قبلوا مني؟

    الجواب: إذا عرفت أنك إذا أعلمته لا يأخذ فإنه لا تقبل صدقتك ولا زكاتك، فإن عرفت أنه يستحي فقط من أن يطلب كذا، وأعطيته من الزكاة فإنها تجزئ بإذن الله تعالى، فمن عرفت أنه لو يعلم أنها من الزكاة لا يأخذ، فلا يجوز أن تعطيه أبداً. لكن إذا عرفت فقره وحاله فليس شرطاً أن تقول: يا فلان! هذه من الزكاة. سواء تتبجح بها أو تؤلمه، وهم فقراء محتاجين فإنك تعطيهم الزكاة، لأنها حقهم قد أعطاهم الله عز وجل إياها.

    حكم قراءة الفاتحة عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم

    السؤال: حملوني أمانة من بلادنا، بأن أقرأ لهم الفاتحة عند الرسول صلى الله عليه وسلم، فما مشروعية هذا العمل؟

    الجواب: هؤلاء جهلة مساكين ما عرفوا، وسبب ذلك عدم العلم.

    ما معنى يقرأ لهم الفاتحة عند الرسول صلى الله عليه وسلم؟ يقرأ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:2-4]؟! لأي سبب؟ سنة هذه؟! مستحب؟! فضيلة لأي شي؟ أو معناها الدعاء؟ العامة يقصدون الدعاء: ادعوا لنا عند الرسول، كذلك هذا. والصحيح أن تدعو الله حيثما كنت، ودعاء الله وأنت ساجد أفضل من أن تدعوه في الروضة. كيف تدعو الله؟! أن تأتي إلى القبر وتقرأ وتجهر: يا رب افعل لي كذا وكذا!! من أمرنا بهذا؟

    الرسول صلى الله عليه وسلم علمنا إذا جئنا زائرين له أن نقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، صلى الله عليك وعلى آلك وأزواجك أجمعين. فقط، السلام عليك أبا بكر الصديق ، والسلام عليك عمر بن الخطاب رضي الله عنكما. وتنصرف وتدعو الله في المسجد وأنت راكع أو وأنت ساجد أو وأنت جالس.

    أما كونك تأتي بالدعاء عند القبر فإن هذا لم يرد عن أحد من أصحاب رسول الله ولا عن أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم، وإنما هذا من فعل العوام. نعم أنت مسافر جئت في عبادة فادع الله ليل نهار، سواء كان في بيتك أو في أي مكان فإنك مستجاب الدعوة؛ لأنك في سفر، والمسافر يستجاب له حتى يعود إلى بلده كالصائم. نعم تدعوه وأنت ساجد وأنت مستقبل القبلة، أما الدعاء عند القبر فقط ليس بمشروع والله قط، وليس فيه إلا السلام باحترام وأدب: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، أو السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. وقد أعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يسمعها ويردها، وهذا هو المشروع حتى عند زيارة مقابر المؤمنين، بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يأتي قبور البقيع ويقول: ( السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ) وتبلغهم، وقبل هذه الأيام كنا نؤمن بهذا الغيب فقط، فكيف اليوم مع وجود السلكي واللاسلكي والهواتف، فأنا الآن أستطيع أن أتكلم مع من أريد في أمريكا، فأين الخيوط؟ وأين كذا؟ فأنتم تنادون إخوانكم في أمريكا ويسمعون أو لا؟ وكذلك بالنسبة للبعد لما بين الجنات ولو كانت مليارات تصل: السلام عليكم، فروح أخيك في الجنة ترد عليك السلام.

    نكتفي بهذا القدر. وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.