إسلام ويب

سلسلة منهاج المسلم - (113)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صوم رمضان هو الركن الرابع من أركان الإسلام، الذي لا يتم إسلام المرء إلا به، وهو الإمساك عن سائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وللصوم فضل عظيم وأجر كبير، فقد وردت فضائله في سنة النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة، وله فوائد جمة: روحية واجتماعية وصحية، وهناك أيام ورد استحباب صيامها وفضله عن النبي صلى الله عليه وسلم، فينبغي أن تعلم ويحرص على صيامها.

    1.   

    تعريف الصوم وتاريخ فرضه

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ليلة الخميس من يوم الأربعاء ندرس كتاب منهاج المسلم، ذلكم الكتاب الحاوي للعقيدة الإسلامية، والآداب والأخلاق الإسلامية، والعبادات والأحكام الشرعية، وها نحن مع قسم العبادات، وقد درسنا الصلاة والزكاة، والليلة إن شاء الله مع الصيام، وهي القاعدة الثالثة من قواعد الإسلام الخمس.

    قال المؤلف: [ الفصل الحادي عشر: في الصيام، وفيه عشر مواد ] لأن الكتاب كأنه دستور إسلامي بالمواد.

    [ المادة الأولى: في تعريف الصوم وتاريخ فرضيته ] أي: متى فرض علينا الصوم.

    تعريف الصوم

    [ أولاً: تعريف الصوم: الصوم لغة: ] الصوم في لغة العرب معناه [ الإمساك ] صام إذا أمسك، وصام عن الكلام: أمسك، وصام عن المشي لم يمش، وصام عن الضحك لم يضحك، فهو الإمساك [ وشرعاً: ] أي: الصيام شرعاً [ الإمساك بنية التعبد عن الأكل والشرب وغشيان النساء وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ] هذا التعريف الحقيقي.

    تاريخ فرضية الصوم

    [ ثانياً: تاريخ فرضية الصوم ] نريد أن نعرف متى فرض الصوم [ فرض الله عز وجل على أمة محمد صلى الله عليه وسلم الصيام كما فرضه على الأمم التي سبقتها؛ بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183]. وكان ذلك في يوم الإثنين من شهر شعبان سنة اثنتين من الهجرة المباركة ] عرفنا متى فرض الصيام على أمة الإسلام، فرض في شعبان في السنة الثانية من الهجرة النبوية، فقد عاش النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة سنة، وفي السنة الثانية في شعبان فرض الله الصيام.

    1.   

    فضل الصوم

    [ المادة الثانية: في فضل الصوم وفوائده ] فالصوم ذو فضل عظيم على الصائمين، وفوائده عديدة [ أولاً: فضله: يشهد لفضل الصوم ويقرره الأحاديث النبوية التالية:

    الصيام جنة من النار

    أولاً: [ قوله صلى الله عليه وسلم: ( الصيام جنة من النار، كجنة أحدكم من القتال ) ] فالصوم يغطي صاحبه عن النار ويحجبه، كجنة أحدكم في الحرب تغطي جسمه ورأسه حتى ما يصاب فيهما. فقوله: ( الصيام جنة من النار) أي: وقاية من النار، ( كجنة أحدكم من القتال) أي: كوقاية أحدكم في الحرب.

    الصيام يزحزح صاحبه من النار

    ثانياً: [ وقوله صلى الله عليه وسلم: ( من صام يوماً في سبيل الله عز وجل زحزح الله وجهه عن النار بذلك اليوم سبعين خريفاً ) ] ولا فضل أعظم من هذا، فمن صام يوماً في سبيل الله لا في سبيل المادة ولا الدنيا ولا السمعة ولا غيرها، بل ابتغاء وجه الله، ( زحزح الله وجهه عن النار)، أي: أبعده، ( بذلك اليوم) مدة ( سبعين خريفاً)، أي: مسافة سبعين خريفاً، أي: سبعين سنة بعداً.

    للصائم عند فطره دعوة لا ترد

    ثالثاً: [ وقوله صلى الله عليه وسلم: ( إن للصائم عند فطره دعوة لا ترد ) ] وغداً أيها الصائمون! يوم الخميس فلا تنسوا هذا، فللصائم دعوة عند فطره لا ترد، للصائم عند فطره قبيل أن يؤذن الأذان أو مع الأذان قبل أن يتناول الماء والطعام دعوة لا ترد، فليدع الله بما شاء؛ فإن دعوته لا ترد إن شاء الله، ولا يوجد فضيلة أعظم من هذه الفضيلة، ( إن للصائم عند فطره دعوة لا ترد )، أي: دعوة مستجابة، لا يردها الله عز وجل، فادعوا أيها الصائمون! عند الإفطار، وسلوا الله خيري الدنيا والآخرة؛ فإنه يستجاب لكم.

    الصائمون يدخلون الجنة من باب الريان

    رابعاً: [وقوله] صلى الله عليه وسلم: [(إن في الجنة باباً يقال له: الريان)] من الري ضد العطش، وأبواب الجنة ثمانية، وهذا الباب منها [( يدخل منه الصائمون يوم القيامة )] يدخل من هذا الباب الصائمون يوم القيامة إلى الجنة [( لا يدخل منه أحد غيرهم )] ولا يدخل معهم أحد غيرهم [( يقال: أين الصائمون؟ فيقومون، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق، فلم يدخل منه أحد )] اللهم اجعلنا منهم.

    وهنا لطيفة: فكلمة الصائمون معناها: الكثيرون الصيام، الذين يصومون الإثنين والخميس، ويصومون الأيام البيض، ويصومون نصف شهر شعبان، ويصومون العشر من ذي الحجة، ويصومون العاشر من محرم، فهم كثيرو الصيام، بل هم الصائمون.

    1.   

    فوائد الصوم

    [ ثانياً: فوائد الصوم: للصيام فوائد روحية واجتماعية وصحية، وهي ] والله ثلاث فوائد، فوائد روحية تعود على الروح بالزكاة والطهر، وفوائد اجتماعية تعود بالإخاء والمودة والتعاون، وفوائد صحية تعود على البدن.

    فوائد الصوم الروحية

    قال: [ من الفوائد الروحية للصوم أنه يعود الصبر ويقوي عليه ] فالذي يصوم أيام الحر ولا يشرب الماء، ويجوع ولا يأكل هذا يتعود على الصبر، ويصبح قادراً على أن يصبر في أي يوم أو موطن من المواطن، فهو يعود الصبر ويقوي عليه. هذا من فوائد الصوم.

    ثانياً: [ ويعلم ضبط النفس ويساعد عليه ] فالصائم يتعلم كيف يضبط نفسه، وكيف يساعده على ذلك، إذ يكون عطشان ويمر بالماء والماء يسيل أمامه ولا يشرب، أو يكون جائعاً والتمر بين يديه ولا يأكل؛ لأنه صابر [ ويوجد في النفس ملكة التقوى ويربيها ] فالصيام يوجد في نفس الصائمين ملكة التقوى، فيصبحون أهلاً لتقوى الله عز وجل، ويربيها فيهم [ وبخاصة التقوى التي هي العلة البارزة من الصوم، في قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] ] أي: ليوجد لكم هذه الملكة ملكة التقوى، وتصبح عبداً تقياً، ومن فاز بتقوى الله فاز بولاية الله، ألا وإنه والله لولي الله؛ إذ ولاية الله متوقفة على الإيمان وتقوى الله، فهو مؤمن ولذا فهو يصوم، ويكتسب التقوى، فيصبح ولياً لله.

    والناس صنفان: أولياء لله وأولياء للشيطان لا محالة، إما وإما، فأولياء الله الذين آمنوا به واتقوه، فلم يعصوه، ولم يخرجوا عن طاعته وطاعة رسوله، لا بترك واجبات ولا فعل محرمات، وولي الشيطان هو ذلك الذي زين له الباطل، وحسن له القبائح والمناكير، ففعل ذلك طاعة لهذا العدو الأليم، الشيطان عليه لعائن الرحمن.

    فوائد الصوم الاجتماعية

    [ ومن الفوائد الاجتماعية للصوم أنه يعود الأمة النظام والاتحاد ] يعود الأمة على النظام والاتحاد، فإذا كان غداً رمضان لا تجد مواطناً في المدينة ولا في القرية ولا في المملكة مفطراً، ولا يوجد نظام أعظم من هذا، ولا اتحاد أكثر من هذا، فهم يصومون في يوم واحد، وينتظمون في الصيام مع بعضهم البعض، فمن الفوائد الاجتماعية للصوم أنه يعود الأمة على النظام والاتحاد [ وحب العدل والمساواة ] فالغني صائم والفقير صائم، والكبير صائم والصغير صائم، ولا يوجد نظام أعظم من هذا واتحاد ومساواة [ ويكون في المؤمنين عاطفة الرحمة وخلق الإحسان ] فلما تكون صائماً جائعاً تعرف قيمة الطعام والشراب، فإذا جاءك جائع أو عطشان فإنك تعرف قيمة هذا؛ لأنك تذكر عندما كنت صائماً وكنت جائعاً أو عطشان، [ كما يصون المجتمع من الشرور والمفاسد ] فرمضان ليس فيه تلصص ولا إجرام ولا غيرها، فالناس صائمون.

    فوائد الصوم الصحية

    [ ومن الفوائد الصحية للصيام أنه يطهر الأمعاء ] وينظفها [ ويصلح المعدة، وينظف البدن من الفضلات والرواسب ] من الطعام [ ويخفف من وطأة السمن، وثقل البطن بالشحم. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم ] يقول: [ ( صوموا تصحوا ) ] ولا يستطيع الأطباء أن ينقدوا هذا أو يردونه، والله ما يستطيعون، بل هم يأمرون بالصيام.

    1.   

    ما يستحب من الصوم

    والآن [ المادة الثالثة: فيما يستحب من الصوم وما يكره وما يحرم:

    أولاً: ما يستحب من الصيام: يستحب صيام الأيام التالية: ]

    أولاً: صوم يوم عرفة لغير الحاج

    [ أولاً: يوم عرفة لغير الحاج ] وأما الحاج وهو في عرفة فلا يصوم؛ إذ لم يصم النبي صلى الله عليه وسلم في عرفة، وقدم له الطعام أو الماء فأكل أو شرب [ وهو تاسع ذي الحجة ] يوم عرفة؛ [ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( صوم يوم عرفة يكفر ذنوب سنتين، ماضية ومستقبلة ) ] فالصائم لا يصوم في عرفة، وإنما هذا لمن كان خارج عرفة في البلاد الأخرى، ويوم عرفة هو اليوم التاسع [ ( وصوم عاشوراء يكفر سنة ماضية ) ] فصيام يوم عشرة العاشر من المحرم يكفر ذنوب سنة ماضية، وأما في المستقبل فلا، وأما يوم عرفة فيكفر الماضية والمستقبلة، وتكفيره ذنوب المستقبل بأن يعصمك ألا ترتكب ذنوباً، وإذا ارتكبت ذنباً فإنك تتوب على الفور، ومن ثم لا يكون عليه ذنب.

    ثانياً: صوم يوم عاشوراء وتاسوعاء

    [ ثانياً: يوم عاشوراء ويوم تاسوعاء ] وهما يوم التاسع ويوم العاشر من الأيام المستحبة للصيام [ وهما العاشر والتاسع من شهر المحرم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة ماضية ) ] أي: ذنوب سنة ماضية [ كما صام صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه، وقال: ( إذا كان العام المقبل - إن شاء الله- صمنا اليوم التاسع ) ] فلهذا نصوم التاسع والعاشر، فالعاشر صامه الرسول وأمر به، والثاني قال: ( إن عشت إلى العام المقبل لأصومن التاسع ).

    ثالثاً: صوم ستة أيام من شوال

    [ ثالثاً: ستة أيام من شوال ] هذه مستحبة [ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر )] ورمضان ثلاثون يوماً وستة أيام في العشرة ستين، وهذه ثلاثمائة وستين يوماً، أي: سنة، فالشهر بعشرة أشهر، وستة في عشرة بستين، فيكون ثلاثمائة وستين، وهو عدد أيام السنة، فرمضان بعشرة أشهر، فالحسنة بعشرة أمثالها، وستة أيام بستين يوماً، أي: شهرين. هذه السنة، فالرسول حكيم، فلا تتصور أنه يخطئ أو يقول غير الواقعة.

    رابعاً: صوم النصف الأول من شهر شعبان

    [ رابعاً: النصف الأول من شهر شعبان؛ لقول عائشة رضي الله عنها: ( ما رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياماً منه في شعبان ) ] والعوام يصومون الخامس عشر فقط، أي: يوم النصف من شعبان، وأهل البصيرة يصومون النصف الأول بكامله أو أكثره.

    خامساً: صوم العشر الأول من ذي الحجة

    سادساً: صوم شهر المحرم

    سابعاً: صوم الأيام البيض من كل شهر

    [ سابعاً: الأيام البيض من كل شهر، وهي: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر؛ لقول أبي ذر الغفاري رضي الله عنه: (أمرنا رسول الله أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، وقال: هي كصوم الدهر)] فهذا نصومه إن شاء الله، فهو كصوم الدهر لأن اليوم بعشرة، وهذا ثابت، فثلاثة في عشرة بثلاثين، فكأنك صمت الشهر كله، فأنت صائم الدهر، والدهر الحياة كلها.

    ثامناً وتاسعاً: صوم الإثنين والخميس

    [ الثامن والتاسع ] من الأيام المستحبة: [ يوم الإثنين ويوم الخميس؛ لما روي: ( أنه صلى الله عليه وسلم كان أكثر ما يصوم الإثنين والخميس، فسئل عن ذلك فقال: إن الأعمال تعرض كل اثنين وخميس ) ] على الله [ ( فيغفر الله لكل مسلم أو لكل مؤمن إلا المتهاجرين، فيقول: أخرهما ) ] والمتهاجران هما اللذان هجر بعضهما بعضاً، ويعادي بعضهما بعضاً، فلا يتكلمان ولا يجلسان معاً، فلم يغفر لهما حتى يتوبا ويرجع بعضهما إلى بعض.

    عاشراً: صيام يوم وإفطار يوم

    [العاشر] من الأيام المستحبة: [صيام يوم وإفطار يوم] يستحب أن تصوم يوماً وتفطر يوماً؛ [لقوله صلى الله عليه وسلم: ( أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه )] أي: سدس اليوم [( وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً )] فصيام يوم وإفطار يوم هذا صيام داود عليه السلام، النبي الرسول أبو سليمان عليهما السلام.

    الحادي عشر: الصيام للأعزب الذي لم يقدر على الزواج

    [ الحادي عشر: الصيام للأعزب الذي لم يقدر على الزواج ] فالأعزب الذي لم يتزوج ولا يقدر على الزواج وهو يخاف على نفسه الوقوع في الفاحشة والزنا يستحب له الصيام؛ [ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( من استطاع الباءة فليتزوج ) ] من استطاع أن يتزوج فليتزوج [ ( فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء ) ] أي: خصاء. فالشاب أو الرجل الأعزب الذي لم يتزوج، وليس عنده ما يتزوج به، ويخاف أن يقع في الزنا والعياذ بالله أرشده الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الصوم فقال: ( من استطاع منكم الباءة معشر الشباب! فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ). وهو كذلك والله. ( ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء )، أي: كالخصاء تموت شهوته، ولا يلتفت إليها.

    اللهم ارزقنا الصبر والصلاة والصيام.

    1.   

    الأسئلة

    الجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم: ( صوموا تصحوا) وبين الرخصة في الفطر للمريض

    السؤال: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في معنى الحديث: ( صوموا تصحوا )، ويقول الله عز وجل في كتابه: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، فهل هناك خلاف بين هذا الحديث وقول الله عز وجل؟

    الجواب: هذا فيلسوف. الله يقول: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] يقول: إذا كنتم مرضى أو مسافرين فلا تصوموا، ارحموا أنفسكم، وصوموا بعد ذلك، لما تقيموا في دياركم وتصحوا من مرضكم، والرسول يقول: ( صوموا تصحوا ). فما دمت صحيحاً غير مريض فصم تصح، وتثبت صحتك وتبقى لك، فهو يقول لك: صم أبداً، فإذا كنت مريضاً فأفطر، ولكن إذا كنت غير مريض فصم تصح قوتك وقدرتك، ولا يوجد نزاع أو خلاف بين الآية والحديث. فالصحيح صيامه يزيد في صحته، والمريض صيامه يزيد في مرضه، فلا يصوم المريض، ويصوم الصحيح. نعم.

    الإصرار على الذنوب والمعاصي مع المحافظة على العبادات

    السؤال: يقول السائل: أنا شاب محافظ على الصلوات الخمس مع الجماعة، وأقوم من الليل ما تيسر لي، وأصوم الإثنين والخميس، ولكن لي من الذنوب ما الله بها عليم، فهل إصراري هذا يكون محبطاً لأعمالي؟

    الجواب: الأمر لله، إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، وأنت عليك بالتوبة، عليك بالضراعة والبكاء بين يديه والاستغفار، والله لا يخيبك.

    الترغيب في صيام يوم وإفطار يوم

    السؤال: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم يوماً ويفطر يوماً؟

    الجواب: هو قال: ( أفضل الصيام صيام داود ). ولم يقل: أنا، قال: داود عليه السلام كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، فرغب صلى الله عليه وسلم في صيام يوم وإفطار يوم، وليس كل مؤمن يستطيع هذا، فهذا من باب الترغيب، وقد بينا أن الرسول كان يصوم الإثنين والخميس.

    حكم إهداء ثواب قراءة القرآن للميت

    السؤال: ما حكم من يقرأ بعض الآيات من القرآن، ثم يقول: اللهم اجعل أجر هذه الآيات لفلان وهو ميت، فهل هذا جائز؟

    الجواب: هذا يفعله الناس، والذي هو الحق أن تقول بعدما تقرأ القرآن: اللهم اغفر لفلان أو ارحمه، متوسلاً إلى الله تعالى ليغفر لفلان ويرحمه بتلاوة كتابه، أما أن تجعل نفسك كأنك تملك هذا الثواب وتقول: اجعل هذا الأجر لفلان فليس لك هذا، وأنت لم تعرف أنك تثاب، فمن الخير أنك إذا تصدقت قل: اللهم اغفر لفلان وارحمه، وإذا صمت قل: اللهم اغفر لفلان وارحمه، وإذا قرأت القرآن قل: اللهم اغفر له وارحمه، وليس عندنا إلا أن يغفر ذنبنا ويرحمنا بالجنة. وأما هذا التحويل اجعل ثواب كذا لكذا فإننا لا نملك هذا ولا نقوله تأدباً مع الله. فافهموا هذه القضية.

    والشائع بين الناس اللهم اجعل ثواب هذا لفلان، كأنه ملكه حتى يعطيه، فهذا فيه نوع من سوء الأدب مع الله، فنقول: اللهم اغفر لفلان وارحمه، اللهم أعل درجته، اللهم ارفع مقامه، متوسلاً إلى الله بتلك القراءة، أو بتلك الصدقة، أو ذلك الصيام، هذا هو الطريق السليم الصحيح.

    مسافة القصر للمسافر

    السؤال: ما هي مقدار المسافة التي يقصر فيها الإنسان إذا كان مسافراً؟

    الجواب: في المسافة خلاف بين الفقهاء، والراجح الذي نقول به وهو ما كان عليه علماء الأندلس ومنه أخذت أوروبا هذا النظام، الكيلو ألف متر، فنقول: ثمانية وأربعون كيلو متراً هي مسافة القصر، وهي أربعة برد، والبريد فيه ثلاثة أميال، وهي كذلك بالعادة، فالمسافة التي تمشيها أنت على رجليك أو على دابتك هي ثمانية وأربعين كيلو، ولا تقطع أكثر منها في يومك، ولا سيما إذا نزلت في الظهيرة تستريح. وهذا ما عليه المذهب المالكي، ومنه أخذ الأروبيون وجعلوا الألف متراً، يسمى كيلو، فألف متر بمعنى ألفي ذراع، فالمتر فيه ذراعان، والأصل هو هذا، وقد أخذه الأروبيون من الإسلام والمسلمين.

    حكم إخراج زكاة الفطر في غير بلد الإقامة

    السؤال: يقول السائل: أنا مقيم في المدينة النبوية، وأهلي يخرجون عني زكاة الفطر في بلادي، فهل أخرجها أنا هنا أيضاً؟

    الجواب: لا بأس، لكن الأفضل أن تخرجها في المكان الذي أنت فيه، وهذا أفضل لك من أن يخرجونها هم، إلا إذا كنت لا تملك وأخرجوا عنك فلا بأس.

    حكم إمامة صاحب السلس

    السؤال: هل يجوز لمن به سلس البول أن يؤم الجماعة في الصلاة؟

    الجواب: الأفضل ألا يؤم الناس صاحب السلس، لكن إذا لم يوجد غيره من أهل العلم فلا بأس، لكن الأولى ألا يكون هو، فإذا لم يوجد من هو عالم بكتاب الله وبالفقه وقدم فلا حرج، وتصح إمامته.

    الجمع بين حديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) وحديث: (هل يزني المؤمن؟ قال: نعم)

    السؤال: كيف نجمع بين قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن )، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( هل يزني المؤمن؟ قال: نعم) ؟

    الجواب: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ) معنى هذا: أن الإيمان يغطى، ينسيه الشيطان ويغطيه في قلبه، ومن ثم يقدم على الجريمة، هذا والله الذي أراده الرسول صلى الله عليه وسلم. فلا تجد مؤمناً واعياً في إيمانه ويقدم على الزنا أو على السرقة، بل يسلب الإيمان، ويغطي العدو قلبه، وهو إبليس عليه لعائن الله.

    حكم سفر المرأة في الطائرة بدون محرم

    السؤال: تقول السائلة: هل سفر المرأة في الطائرة هي وأطفالها جائز من بلاد إلى بلاد؟

    الجواب: الذي قلته والله أسأل أن أكون في ذلك مصيباً غير مخطئ:

    أولاً: لا بد أن تكون المسافرة مع محرم لها، فإن لم تجد محرماً والمسافة التي تسافر فيها ساعات محدودة، وعندها من يركبها في الطائرة، وينتظر حتى تركب، ولها من يستقبلها في المطار الثاني وهي تنزل مع السلم، فبهذه الشروط يجوز، والطائرة لا تنزل في مطارين، وإنما مثلاً الرياض والمدينة، أو جدة وأبها، مطار واحد، وكانت المسافة كما قلنا ساعتين أو ثلاثاً أو أربع ساعات، ونرجو أن نكون ما أخطأنا في هذا، لأن الرسول نهى وحرم على المرأة أن تسافر يوماً وليلة مع غير ذي محرم لها، فالساعتان والثلاث ليست يوماً وليلة، ثم الطائرة فيها مئات الناس فليس فيها خلوة، فهي لم تختل بأحد؛ إذ فيها عشرات الركاب، وأيضاً فوليها معها في المطار فينتظرها حتى تركب وتدخل الطائرة، ويتصل بوليها في البلاد الأخرى ليستقبلها، فينزل المطار وينتظر متى تنزل الطائرة، وهو ينظر إليها وهي تخرج من الطائرة، ويستقبلها ويمشي معها، بهذا قلنا، وإن شاء الله لا إثم ولا حرج.

    حكم أكل لحم الخيول

    السؤال: سائل يسأل عن أكل لحوم الخيول يقول: هل هي جائزة؟

    الجواب: الأفضل لا تؤكل؛ لأنها عدة المجاهدين، وقد أكلت على عهد الرسول مرة واحدة، فقد كانت عدتهم كالطائرات عندنا اليوم، فلا يوجد اليوم من يحول طائرة إلى سيارة لجمع القمامة، فهذا لا يعقل.

    ولو أكل المؤمن من لحم الخيل فقد اقتدى برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أكل أصحابه وهو يراهم ويسمع بهم، فلا حرج.

    و مالك رحمه الله يرى أنه لا يجوز ذلك، أخذاً بقول الله تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا [النحل:8]. لا لتأكلوها. لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً [النحل:8]. الحمير والبغال بالإجماع لا تؤكل، والخلاف في الخيول فقط وفي الفرس، وقد ثبت في السنة الأكل منه، فلهذا من تركه فهو خير له.

    حكم تكرار قراءة الفاتحة ناسياً في الصلاة

    السؤال: ما حكم تكرار قراءة الفاتحة ناسياً في الصلاة؟

    الجواب: لا حرج.

    الحكم على حديث: (من صلى في مسجدي هذا أربعين صلاة كنت له شهيداً أو شفيعاً..)

    السؤال: ما حكم صلاة أربعين صلاة في المسجد النبوي الشريف، هل هي صحيحة؟

    الجواب: ورد ( من صلى في مسجدي هذا أربعين صلاة كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة ). وهذا الحديث في سنده ضعف، والحديث الصحيح: ( من صلى في جماعة أربعين يوماً ). وهذا في أي مسجد، وفي أي جماعة، وأما حديث المسجد النبوي: ( من صلى في مسجدي هذا أربعين صلاة كنت له شاهداً أو شافعاً يوم القيامة )، فهذا الحديث في سنده ضعف، وقد عمل به كثير من الناس ولا حرج، فمن استطاع أن يصلي بالمسجد النبوي فليصل ألف صلاة لا أربعين صلاة، ولا حرج.

    تفسير قول الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة)

    السؤال: ما تفسير قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:35]؟

    الجواب: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ [المائدة:35]، أي: خافوه وارهبوه، وأدوا ما أوجب عليكم، واجتنبوا ما حرم عليكم، وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:35]، أي: وتوسلوا إليه، واعبدوه بأداء الواجبات وبترك المحرمات، وتملقوا وتوسلوا إليه بالنوافل، نوافل الصيام والرباط والجهاد والطعام، وكل النوافل، فاطلبوا الوسيلة إلى الله بالعمل الصالح، واتقوا الله بأداء الواجبات وبترك المحرمات، وتوسلوا إلى الله بالنوافل والمستحبات، وترك أيضاً ما ليس بحرام، بل مما هو مكروه.

    عذاب القبر يقع على الروح والبدن

    السؤال: هل عذاب القبر يختص بالروح أم بالبدن؟

    الجواب: بالروح والبدن معاً، وإن بقي من بدنك قطعة لحم تتعذب، فإذا انتهى العذاب وعرجت الروح إلى الملكوت الأعلى أو نزلت للأسفل انتهى البدن، لكن لما يدخل القبر يعذب ببدنه وبروحه.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليماً.